«البهلوان»... عندما يتمرد البطل على الراوي

أحمد خلف يكتب عن مافيات وعصابات تحركها رموز «الدولة العميقة»

«البهلوان»... عندما يتمرد البطل على الراوي
TT

«البهلوان»... عندما يتمرد البطل على الراوي

«البهلوان»... عندما يتمرد البطل على الراوي

رواية أحمد خلف «البهلوان» الصادرة عام 2021 في القاهرة رواية إشكالية، وربما خلافية إلى حد كبير. فهي من جهة تقودنا إلى العالم السري لشريحة رجال الأعمال والاستثمارات المرتبطين بمافيات وعصابات تتحرك من قبل رموز «الدولة العميقة» التي تغلغلت في كل مفاصل الحياة والعمل بعد الاحتلال الأميركي عام 2003، التي تدير شبكات الفساد والاختطاف والقتل آنذاك. والرواية من جهة أخرى، تدور حول بناء شخصية بطلها «طه جواد»، الذي تلاحق الرواية نشأته في إحدى القرى القريبة من بغداد، وهربه منها بعد أن سرق رغيف خبز من شيخ القبيلة، ورفضه الاعتذار من الشيخ عن فعلته تلك، حيث وجد نفسه، بعد ذلك غريباً في مدينة تحفل بالمتناقضات، فشق طريقه بصعوبة عاملاً للبناء وبائعاً للملابس المستعملة، ليجد نفسه بعد فترة وقد أصبح جزءاً من شريحة أصحاب المقاولات والاستثمارات، التي كان صديقه سالم عمران يحذره منها، ويطلق على أفرادها من باب الاحتقار الأراذل واللصوص. والمشكلة الخلافية تتمثل باتهام البطل طه جواد بأنه مهرج، وهو ما أشره عنوان الرواية ودل عليه بوصفه عتبة نصية دالة. وبذا يشتبك المحوران في محور واحد. لكن هذا المحور الجديد يبدو مصنوعاً أو منسوجاً بوعي وقصدية من قبل المؤلف أو ذاته الثانية، من خلال بنية ميتاسردية يشارك فيها الراوي العليم بسرد غير مبأر، فضلاً عن مرويات ومونولوغات داخلية مبأرة لبطل الرواية طه جواد وللشخصيات الثانوية المحيطة به، إذ يعلن الراوي العليم، «ونحن بدورنا جعلنا من أنفسنا ساردين لسيرة هذا البطل» (ص161). كما يعترف الراوي بأنه يروي ما يعرفه ويترك ما لا يعرفه لغيره (ص172). لقد بقي الراوي ينسج مروياته، وهو يعي المنزلقات التي يمكن أن يقع فيها:
«وعلى الرواة أن يكونوا منصفين، فيما يخص حياة كل كائن وكل شخصية في الحكاية» (ص172). فهل كان الراوي، يا ترى، منصفاً في تعامله مع بطل الرواية (طه جواد) عندما اتهمه بمجموعة تهم تحقيرية منها «البهلوان» و«البطل المزيف»، وهي ألقاب وكنى أطلقها عليه خصومه ومنهم الأسطة محمود، كما يعترف بذلك الراوي نفسه: «ونحن بدورنا جعلنا من أنفسنا ساردين لسيرة هذا البطل الذي نعته الأسطة محمود بالبطل المزيف والبهلوان» (ص161). ويستدرك الراوي - وهو الذات الثانية للمؤلف - «لا مناص من القول إن بطلنا قد يعلن تمرده على السارد» (ص 161). وهذا ما حصل فعلاً في حركة أحداث الرواية وتشكل شخصية بطلها (طه جواد). فنحن نعتقد أن المؤلف – أو راويه - لم ينصف بطله الذي تمرد على السرد، وكشف عن شخصية مكافحة وعصامية، مشبعة بالكثير من عناصر الشهامة والمروءة، رغم نقاط ضعفها الأخرى، التي انعكست في تمرده على سلطة شيخ العشيرة، وفي موقفه من صديقه سالم عمران، بل وحتى من عدوه الأسطة محمود عندما اضطر لدفع فدية كبيرة للمدعو «أبا الخير» لإطلاق سراحه من المختطفين.
وبهذا فنحن نرى أن عنوان الرواية «البهلوان» بوصفه عتبة نصية دالة، كما يذهب إلى ذلك الناقد الفرنسي جيرار جنيت، لا يتطابق وشخصية البطل التي تمتلك، رغم جوانبها السلبية، الكثير من العناصر الإيجابية والإنسانية التي تبعدها عن هذه الصفة، في تأكيد على أن المؤلف لم يكن منصفاً إزاء تقييم خصال بطل روايته، وإنه انساق وراء أحكام أطلقها خصومه لغرض التحقير والتسقيط.
ولا بد من الانتباه للمقدمة التي صدر بها المؤلف روايته، التي قد يخيل للبعض أنها زائدة ومقحمة، لكنها ترتبط في واقع الأمر بالطبيعة الميتاسردية للرواية، وبشكل خاص في عملية بناء شخصية بطلها (طه جواد) الذي خرج على نص المؤلف وشق له طريقاً تمردياً من الناحية السردية خاصاً به.
لقد وفقت الرواية في تقديم تشريح دقيق ومضيء لطبيعة التشكيلات الاقتصادية الطفيلية لشبكة ومافيات المستثمرين والمقاولين، وارتباطها بمؤسسات وحركات سياسية ودينية ترعاها وتدعمها في عملية تخادم متبادلة. وخلال حركة هذه الأحداث، كنا نجد الضمير الاجتماعي النقي، المراقب والناقد حاضراً دائماً ممثلاً بشخصية سالم عمران، الذي كان الأسطة محمود يكرهه ويتهمه بالانتماء إلى حركات يسارية وبسرقة مقبض الباب الذهبي. فقد كان سالم عمران، وهو الصديق المقرب لبطل الرواية (طه جواد) يكشف عن مساوئ هذه التركيبة الاقتصادية الطفيلية الفاسدة ويحذر صديقه (طه جواد) من مخاطر الانزلاق إلى أحضانها.
«أمامك فرصة للتخلص منهم وألا تتشابه معهم» (ص65)، وكان من الطبيعي أن يناصب الأسطة محمود، بوصفه رمزاً لمنظومة الفساد سالم علوان، بوصفه الضمير الاجتماعي التنويري الرافض لكل مظاهر الفساد التي تدينه وتعريه، فرداً وطبقة.
وكانت كلمات سالم عمران، الممثل لعنصر الوعي التنويري في الرواية تؤثر في لا وعي بطل الرواية (طه جواد) الذي «فتح عيني طه إلى فهم القوم الأراذل» (ص 165)، وقادته في النهاية إلى أن يختط له طريقه الخاص بعيداً عن تلفيقات أعدائه ومحاولة إلصاق لقب البهلوان، ظلماً وتعسفاً بشخصيته.
تتشكل البنية السردية من حضور مكثف للراوي العليم الذي كان يراقب بعناية صعود شخصية بطل الرواية (طه جواد)، وكأنه هذا السارد العليم يدرك أن شخصية البطل كانت في البداية مجرد بياض دلالي ينتظر الامتلاء، كما يذهب إلى ذلك السيميائيون، ولذا فهي بحاجة إلى ملاحقة ومراقبة متأنيتين:
«قبل تلك الأيام لم يكن بطل روايتنا سوى عامل بناء في أجور يومية، ولديه الكثير من الأحلام والأفكار» (ص 11).
لكن السارد العليم، ليس هو المهيمن الرئيسي دائماً، فهناك دائماً حضور قوي لمونولوغات ومرويات البطل والشخصيات الثانوية، فضلاً عن نمو حبكات وثيمات فرعية داخل الرواية. إذ يعلن الراوي بوضوح عن هذا التناوب بين السارد العليم والسرد المونولوغي للشخصيات بهدف ما يسميه بتخفيف الضغط على الراوي العليم:
«أما ونحن نجد بعض شخوصها يتناوبون على رواية كل منهم روايته، ذلك من باب تخفيف الضغط على الراوي العليم فقط» (ص 174).
كما أن الرواية تحفل بحبكات ثانوية وثيمات عرضية، تظهر فجأة في مجرى السرد الروائي، وهو ما يكشف عنه المؤلف خلال هذه اللمسة الميتاسردية:
«دائماً ما تفاجئنا الحكايات في الطريق إلى النهاية، وكل حكاية تلد حكاية جديدة» (ص171).
ويسرد الراوي المركزي مظاهر الفساد والعنف والتمزق والتفكك التي تسيطر على المشهد الاجتماعي والسياسي، حيث تجد الحكومة نفسها كالمغلوب على أمرها، ولا حول ولا قوة لها، ومن السمات السردية الجديدة اللافتة للنظر في رواية أحمد خلف هذه تقديم الكثير من المرويات أو السرود عبر ضمير الشخص الأول الجمعي (نحن) وليس الشخص الأول المفرد (أنا)، كما جرت العادة في روايات المؤلف السابقة.
إن توظيف «نحن» في هذه السرود يحمل أكثر من دلالة منها إشارة إلى الطبيعة البوليفونية لتعدد الأصوات السردية، إذ تشير هذه الـ«نحن» إلى مجموع الساردين الذين يتناوبون على تقديم السرد الروائي:
«وإننا نروي ما نعرفه، وما لا نعرفه نتركه لغيرنا» (ص 172).
«وها نحن نجمع له الحكم والأقوال لكي تعد قصته معقولة ومقبولة» (ص 88).
هذه السمة السردية لها أهميتها في هذه الرواية، فهي تمنح شرعية ووثوقية للوقائع المروية، كما أنها من جهة أخرى تمنح الجو الروائي وشخوصه حميمية وألفة، لأن القارئ، فرداً أو جماعة، قد يتماهى أيضاً مع سرد «نحن» الجمعي.
ومن المعروف أن مثل هذا السرد نادر في السرد العراقي، والعربي والعالمي، مع إني شخصت قبل سنوات توظيف هذا اللون من السرد الجمعي لتوظيف الضمير «نحن» في رواية «سابرجيون» للروائي عامر حمزة.
وحتى في الرواية العالمية، يظل هذا السرد نادراً ومحدوداً. وفي الأدب العالمي يمكن أن نتذكر القصة القصيرة المشهورة «وردة من أجل إميلي» للروائي الأميركي وليم فوكنر.
لكن عدداً غير قليل من النقاد الأميركيين قد لاحظ ظهور هذا اللون السردي خلال العقدين الأخيرين بكثافة، وتوقفوا عند مقومات شعرية هذا اللون من السرد ودلالته. ويمكن أن نشير هنا إلى دراسة روث ماكسي الموسومة «صعود السارد نحن في الرواية الأميركية الحديثة» التي ترى أن هذا الصعود يعود إلى عقدين من الزمان، ولكنه تعزز كما ترى بعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) ٢٠١١.
وبذا يمكن القول إن الروائي أحمد خلف في روايته هذه، ومن خلال توظيف ضمير المتكلم الجمعي «نحن»، إنما يحقق أكثر من هدف دلالي وسيميائي، وبالتالي يمنح سرده وثوقية واتساعاً ومقبولية.
ويمنح المشهد الختامي انفتاحاً على الأمل والمستقبل ويجعل الرواية ذات بنية فنية مفتوحة. وهذه النهاية تشي بتحول جذري في شخصية بطل الرواية (طه جواد) ورؤيته، وتجدد علاقته بزوجته الأولى (أم غايب) التي أهملها، وربما يشير المشهد إلى انفتاح البطل طه علوان على أفق نظيف يختتم به مسيرة حياته.
رواية «البهلوان»، ورغم كل الأسئلة والإشكاليات الخلافية التي تثيرها، تظل إنجازاً مهماً يدعم الرصيد الإبداعي للروائي أحمد خلف.



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.