«طالبان» تسيطر على عاصمة ولاية ثانية... وواشنطن ولندن تدعوان مواطنيهما إلى المغادرة

البنتاغون يرفض الكشف عن ضرباته الداعمة للقوات الأفغانية

قوات أمن أفغانية تجوب شوارع هيرات أمس بعد استعادة المدينة من «طالبان» (إ.ب.أ)
قوات أمن أفغانية تجوب شوارع هيرات أمس بعد استعادة المدينة من «طالبان» (إ.ب.أ)
TT

«طالبان» تسيطر على عاصمة ولاية ثانية... وواشنطن ولندن تدعوان مواطنيهما إلى المغادرة

قوات أمن أفغانية تجوب شوارع هيرات أمس بعد استعادة المدينة من «طالبان» (إ.ب.أ)
قوات أمن أفغانية تجوب شوارع هيرات أمس بعد استعادة المدينة من «طالبان» (إ.ب.أ)

أعلنت حركة «طالبان» أمس (السبت)، سيطرتها على عاصمة ولاية ثانية في أفغانستان، الأمر الذي دفع بالسفارة الأميركية في كابل إلى حث المواطنين الأميركيين على مغادرة البلاد فوراً، باستخدام «خيارات السفر المتاحة»، فيما حذرت بريطانيا جميع مواطنيها بضرورة المغادرة على الفور بسبب «تدهور الوضع الأمني» هناك مع اشتداد القتال بين «طالبان» والقوات الحكومية. وبعدما كانت قد سيطرت الجمعة، على مدينة زارنج عاصمة مقاطعة نيمروز في جنوب غربي أفغانستان، أعلنت «طالبان» أمس، سيطرتها على مدينة شبرجان عاصمة ولاية جوزجان. وأوضحت السفارة الأميركية في بيان نشر على موقعها الإلكتروني، أنه بسبب الظروف الأمنية وانخفاض عدد الموظفين، فإن قدرة السفارة على مساعدة المواطنين الأميركيين في أفغانستان محدودة للغاية حتى داخل كابل. وأضافت أن السفارة على استعداد لشراء تذاكر سفر لمن لا يستطيع العودة إلى الولايات المتحدة. وقالت السفارة إن إرشادات السفر لأفغانستان تظل عند المستوى 4، حيث يحظر السفر بسبب الجريمة والإرهاب والاضطرابات المدنية والاختطاف والنزاع المسلح. وقامت وزارة الخارجية البريطانية الجمعة، بتحديث المعلومات المتعلقة بأفغانستان على موقعها الإلكتروني لتنصح بعدم السفر إلى هناك مهما كان السبب. كما ناشدت جميع الرعايا البريطانيين في أفغانستان بضرورة المغادرة، قائلة: «إذا كنتم لا تزالون في أفغانستان ننصحكم بالمغادرة الآن بالوسائل التجارية بسبب تدهور الوضع الأمني». وحذرت الوزارة من الاعتماد عليها في حالات الإجلاء الطارئ، مشيرة إلى أن المساعدة التي يمكن أن تقدمها «محدودة للغاية». وقالت الخارجية البريطانية: «من المرجح جداً أن يحاول الإرهابيون تنفيذ هجمات في أفغانستان باستخدام أساليب خاصة مطورة ومعقدة للهجوم».
ويمثل سقوط تلك المدن تصعيداً كبيراً لهجوم «طالبان»، حيث كان القتال في السابق يقتصر إلى حد كبير على المناطق الريفية في البلاد. لكنها بدأت في الآونة الأخيرة في زيادة الضغط على بعض أكبر المدن في البلاد. وأكد مسؤولون محليون أمس (السبت)، أن مقاتلي الحركة المسلحة استولوا على عاصمة إقليمية ثانية في أفغانستان. فقد سيطرت الجماعة المتمردة على مدينة شبرجان، عاصمة إقليم جوزجان شمال البلاد، طبقاً لما ذكره عضو مجلس الإقليم؛ باسم الله سهل، ونائب حاكم الإقليم؛ عبد القادر لوكالة الأنباء الألمانية. وأضاف سهل أن مقاتلي «طالبان» استولوا على مبانٍ رئيسية، مثل مكتب الحاكم ومقر الشرطة والسجن المركزي بالمدينة. غير أن القوات الموالية للحكومة ما زالت تسيطر على بعض المناطق داخل المدينة، مثل المطار ومكان انتشار لواء في الجيش، طبقاً لمحمد كريم جوزجاني، وهو برلماني، يمثل إقليم جوزجان. وقالت قناة «طلوع نيوز» التلفزيونية الأفغانية أمس، إن حركة «طالبان» أصدرت مقطع فيديو، صباح أمس (السبت)، يظهر فرار السجناء من سجن «جوزجان». وسيطرت «طالبان» على مجمع حاكم الإقليم الجمعة، لكن القوات الأفغانية استعادته من أيدي «طالبان». غير أن مصدراً ذكر أن «طالبان» أعادت السيطرة على مجمع حاكم الإقليم ومبنى البلدية وسجن جوزجان.
ومدينة شبرجان، التي يبلغ عدد سكانها نحو 132 ألف نسمة، تضم واحداً من زعماء الفصائل الأفغانية، وهو عبد الرشيد دوستم وهو نائب رئيس سابق وواحد من الشخصيات الرئيسية في التحالف المناهض لـ«طالبان». وكان المارشال، دوستم، وهو زعيم أوزبكي عرقي، قد عاد إلى كابل يوم الأربعاء الماضي، بعد غياب طويل عن البلاد، للعلاج في تركيا. وشكلت قوات موالية لدوستم المقاومة الرئيسية ضد «طالبان» في الإقليم. كما قتل عضو بسلاح الجو الأفغاني في وقت سابق أمس (السبت)، عندما انفجرت قنبلة مغناطيسية كان قد تم لصقها بمركبته، بمنطقة «تشاهار أسياب» في كابل، طبقاً لمسؤول أمني، طلب عدم الكشف عن هويته. وأصيب خمسة مدنيين في الانفجار.
وجاء الاستيلاء على زارنج، وهي بلدة مزدهرة نسبياً مدعومة بالتجارة الحدودية مع إيران، في الوقت الذي قامت فيه «طالبان» بتوسيع دائرة القتال ضد الجيش الأفغاني المحاصر في مدن هرات وقندهار ولاشكرجاه. وقال مسؤول دفاعي أميركي إن الولايات المتحدة تعتقد أن مقاتلي «طالبان» سيبقون في مدينة لاشكرجاه، على الرغم من العملية العسكرية التي يشنها الجيش الأفغاني منذ أسابيع لإخراجهم منها، حيث تم نشر وحدات من الكوماندوس التي تعد الأفضل تدريباً وتجهيزاً في البلاد.
وندد البيت الأبيض مساء الجمعة، بمقتل داوا خان مينابال، الذي أشرف على عمل وسائل الإعلام الحكومية المحلية والأجنبية، في تفجير وقع الأربعاء، قائلاً إن مثل هذه الهجمات لن تكسب «طالبان» الشرعية الدولية التي تسعى إليها. وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض جين بساكي في مؤتمرها الصحافي مساء الجمعة: «ليس عليهم البقاء على هذا المسار. يمكن أن يختاروا تكريس الطاقة نفسها لعملية السلام مثل حملتهم العسكرية. نحن نحثهم بشدة على القيام بذلك». ودافعت بساكي عن استمرار عملية سحب القوات الأميركية قائلة: «فيما يتعلق بالقرار الذي أعلنّاه منذ البداية، سيكون الرئيس أول من يقول هذا، إن هناك خيارات صعبة يتعين على القائد العام اتخاذها نيابة عن الشعب الأميركي». وأضافت: «الرئيس أعلن بوضوح أنه بعد 20 عاماً من الحرب، حان الوقت لعودة القوات الأميركية إلى الوطن، وهو يعلم أن الحكومة الأفغانية وقوات الدفاع الوطني الأفغانية لديهم التدريب والمعدات والأعداد لتحقيق النصر». ورداً على سؤال حول الدور الذي يمكن أن تلعبه باكستان، أجابت بساكي: «ما زالت وجهة نظرنا أنه من مصلحة جميع دول المنطقة أن تكون هناك عملية سياسية من أجل السلام والاستقرار في المنطقة».
وكانت «طالبان» قد أعلنت أن هجماتها الأخيرة في كابل جاءت رداً على الاستخدام المتزايد للغارات الجوية من قبل الحكومة الأفغانية والولايات المتحدة، واصفة إياها بأنها ترقى إلى «جرائم حرب». وحذرت من قيامها بهجمات إضافية إذا استمرت تلك الضربات الجوية.
ورفض البنتاغون تقديم تفاصيل، بما في ذلك تقييمات استخباراتية عن القتال الدائر في مدينة نمروز، أو ما إذا كانت القوات الأميركية ستشن مزيداً من الغارات الجوية لدعم القوات الأفغانية، أم لا. وقال المتحدث باسم البنتاغون جون كيربي: «نشعر بأنه من مصلحتنا ومصلحة شركائنا الأفغان، أن نظل منضبطين بشأن كمية المعلومات التي ننشرها». وشكل تقييد المعلومات حول الدعم الأميركي تحولاً في تعامل وزارة الدفاع الأميركية مع التطورات الميدانية في الأسابيع الأخيرة، حيث كان المسؤولون الدفاعيون يكشفون للصحافيين، تفاصيل عدد الضربات الجوية وما استهدفته.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...