إسرائيل تحذر من قرب حيازة إيران المواد الكافية لصنع قنبلة نووية

رئيسي يحدد شروطه لمواصلة «مفاوضات فيينا»

منشأة نطنز النووية في إيران (إ.ب.أ)
منشأة نطنز النووية في إيران (إ.ب.أ)
TT

إسرائيل تحذر من قرب حيازة إيران المواد الكافية لصنع قنبلة نووية

منشأة نطنز النووية في إيران (إ.ب.أ)
منشأة نطنز النووية في إيران (إ.ب.أ)

حذرت إسرائيل من أن إيران تستطيع الحصول على ما يكفى من المواد النووية لصناعة قنبلة خلال عشرة أسابيع فقط. وكان وزير الدفاع الإسرائيلي، بيني غانتس، قد دق ناقوس الخطر في مجلس الأمن هذا الأسبوع حول المخزون النووي الإيراني، وحث قادة العالم على اتخاذ الإجراءات اللازمة. وقال غانتس إن «إيران على مسافة 10 أسابيع فقط من الحصول على مواد تصلح لصنع أسلحة نووية. لقد حان الوقت الآن للعمل، فالكلمات لا تكفي. لقد حان الوقت للأعمال الدبلوماسية، والاقتصادية، وحتى العسكرية».
يأتي تحذير غانتس بعد 4 أشهر من إعلان إيران أنها سوف تبدأ تخصيب اليورانيوم إلى درجة نقاء 60 في المائة، وهي خطوة رئيسية على الطريق (تخصيب اليورانيوم بنسبة 90 في المائة المطلوبة لصناعة القنبلة النووية).
وقبيل شروع إيران في زيادة نقاء مخزونها من اليورانيوم، قدّر محللون من «رابطة مراقبة الأسلحة» أن «فترة الاختراق«» - أي الوقت اللازم لإنتاج مواد كافية لقنبلة واحدة - هي 12 شهراً. والآن، يعتقد غانتس أن وقت الاختراق قد انخفض إلى أكثر من شهرين بقليل. ولكن هذا لا يعني أن إيران على بعد 10 أسابيع من الحصول على قنبلة نووية كاملة.
ولكي تتمكن إيران من تصنيع السلاح النووي، يتعين عليها حشد المواد النووية المستخدمة في تصنيع الأسلحة النووية في قلب المفاعل، وأن تضع الحشوة النووية في مقدمة الرأس الحربي بالصاروخ، ثم تكتسب التكنولوجيا اللازمة لإطلاق الصاروخ، وتوجيهه للهبوط بدقة على الهدف، ثم تفجيره.
وفي حين أن القليل للغاية هو المعروف بيقين حول الإمكانات النووية الإيرانية، فمن غير المعتقد أن يكون النظام قادراً على امتلاك قدر كبير من هذه التكنولوجيا. ويعتقد بعض المحللين أن الأمر قد يستغرق من إيران عامين أو ثلاثة أعوام لمجرد إنتاج رأس حربي قابل للعمل، على افتراض أنهم قادرون على العمل على ذلك من دون تدخلات خارجية.
وكان ديفيد أولبرايت، مفتش الأسلحة السابق، قد صرح في وقت سابق بأنه بإمكان طهران إحراز تقدم في العملية بشكل أسرع، لكنه ما زال يعتقد أن النظام الإيراني على بعد سنتين تقريباً من امتلاك القنبلة النووية.
ولا يعتقد أيضاً أن إيران تمتلك صواريخ باليستية عابرة للقارات من النوع المطلوب لإطلاق سلاح نووي على الغرب. ويقدر تحليل مخزون القذائف الإيرانية، الذي أجراه المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، ونشر في أبريل (نيسان)، أن مدى كبرى القذائف في إيران يبلغ نحو 1200 ميل. وهذا من شأنه أن يسمح للنظام بإطلاق الصاروخ حتى أوكرانيا، أو الهند أو إثيوبيا، ويعني بالطبع أن إسرائيل أصبحت في مجال الصواريخ الإيرانية بكل سهولة. بيد أنها لن تكون قادرة على ضرب أوروبا الغربية أو الولايات المتحدة.
وتحدث الوزير غانتس قبل ساعات فقط من أداء الرئيس الإيراني المتشدد الجديد إبراهيم رئيسي اليمين القانونية، وهو المعروف باسم «جزار طهران» لدوره في إعدام معارضي النظام في الثمانينات. ورئيسي ليس صديقاً للغرب، وانتخابه في اقتراع خاضع إلى سيطرة النظام إلى حد كبير يُنظر إليه، باعتباره إشارة إلى أن السياسة الخارجية الإيرانية سوف تصبح أكثر عدائية.
من جانبه، قال رئيسي أمس (الجمعة)، إنه على استعداد لمواصلة المفاوضات لإحياء الاتفاق النووي لعام 2015، شريطة أن تؤدي إلى رفع العقوبات الأميركية. وكتب على موقع «تويتر» قائلاً: «سنرحب بأي مبادرة دبلوماسية من شأنها أن تؤدي إلى رفع العقوبات وندعمها». وكان الهدف من الاتفاق منع إيران من تطوير أسلحة نووية، لكن الاتفاق انهار منذ أن انسحب الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب منه في 2018.
وانتهكت طهران القيود المنصوص عليها في الاتفاقية تدريجياً، وزادت درجة تخصيبها لليورانيوم مؤخراً أقرب إلى المستوى المطلوب لإنتاج الوقود المستخدم في صنع الأسلحة.
وفشلت محادثات استمرت أسابيع في وقت سابق من العام الجاري في تحقيق انفراجة. وقال رئيسي، الذي أدى اليمين الدستورية أول من أمس (الخميس)، إن إيران مهتمة بحل النزاع النووي وستتبع خطاً دبلوماسياً عقلانياً، لكنها ستسعى لتحقيق المصالح الوطنية وتتجاهل أي ضغوط خارجية.
وركزت جهود إحياء الاتفاق النووي على إقناع الولايات المتحدة بالعودة ورفع العقوبات التي أصابت الاقتصاد الإيراني بالشلل. كما دعا المفاوضون إيران إلى الامتثال للشروط المنصوص عليها في الاتفاق. وتم تعليق المحادثات بعد الانتخابات الرئاسية منتصف يونيو (حزيران) وتغيير الحكومة في إيران. ومن المقرر أن تستمر المفاوضات مع فريق رئيسي النووي الجديد. ومن المرجح أن يشكل انتخاب رئيسي حجر عثرة كبيراً في إعادة التفاوض على الاتفاق مع الحكومات الغربية المترددة بشأن الظهور بمظهر يعطي الشرعية لشخص الرئيس المتطرف.
وقالت صحيفة «التايمز» البريطانية إن قرار ترمب بالانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في عام 2018 أعطى طهران ذريعة للتخلي مع مرور الوقت عن كل القيود التي يفرضها الاتفاق على تخصيب اليورانيوم. وتعمل إيران الآن على تخصيب كمية صغيرة من اليورانيوم بنسبة تصل إلى 63 في المائة، مقارنة بنحو 3.67 في المائة المنصوص عليها بموجب الاتفاق. كما تعمل أيضاً على تشغيل أجهزة الطرد المركزية الأكثر تطوراً وبأكثر مما يسمح به الاتفاق، الأمر الذي يثير قلق خبراء منع الانتشار النووي.
وتصر طهران على سلمية برنامجها النووي وأنه يهدف إلى توليد الطاقة.
وتعهد رئيسي، وهو من نجباء المرشد علي خامنئي لفترة طويلة، بالتواصل مع الولايات المتحدة، لكنه تبنى أيضاً موقفاً متشدداً، مستبعداً المفاوضات الرامية إلى الحد من تطوير الصواريخ الإيرانية ودعم الميليشيات الإقليمية، وهو الأمر الذي تريد إدارة بايدن معالجته. واجتذبت مراسم التنصيب الذي أجري يوم الخميس، والذي جرى تقنينه بسبب جائحة فيروس كورونا، قادة وشخصيات بارزة من كل أنحاء العالم، بمن فيهم إنريكي مورا، مسؤول الاتحاد الأوروبي الذي تولى تنسيق المفاوضات النووية الأخيرة في فيينا.



إيران ترد على تشكيك ترمب بوحدة القيادة

بزشكيان يجتمع مع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ورئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي مساء السبت (الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان يجتمع مع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ورئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي مساء السبت (الرئاسة الإيرانية)
TT

إيران ترد على تشكيك ترمب بوحدة القيادة

بزشكيان يجتمع مع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ورئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي مساء السبت (الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان يجتمع مع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ورئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي مساء السبت (الرئاسة الإيرانية)

رد كبار المسؤولين الإيرانيين، الخميس، بخطاب متقارب على التشكيك الأميركي في «تماسك القيادة» الإيرانية، مؤكدين أن مؤسسات الدولة تتحرك ضمن إطار موحد، وتحت قيادة المرشد مجتبى خامنئي، في محاولة واضحة لنفي أي صورة عن انقسام داخلي في لحظة تتعرض فيها البلاد لضغوط عسكرية ودبلوماسية متزامنة.

وفي هذا السياق، قال رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف إنه «لا وجود لمتشدد ومعتدل في إيران»، مؤكداً أن الجميع «إيرانيون» و«ثوريون»، ويتحركون «باتحاد راسخ بين الشعب والدولة»، وتحت «التبعية الكاملة» لقيادة البلاد، مضيفاً أن هذا المسار سيجعل «المعتدي الجاني يندم». وختم بالقول: «إله واحد، قائد واحد، أمة واحدة، وطريق واحد؛ هذا هو طريق انتصار إيران».

وبصياغة شبه مطابقة، شدد الرئيس مسعود بزشكيان على أنه «لا وجود لمتشدد ومعتدل في إيران»، وأن الجميع «إيرانيون» و«ثوريون»، ويتحركون ضمن «اتحاد راسخ بين الشعب والدولة»، مع التأكيد على التبعية الكاملة للقيادة، معتبراً أن هذا المسار هو «طريق انتصار إيران».

وفي الاتجاه نفسه، أكدت الأمانة العامة للمجلس الأعلى للأمن القومي أنه «لا وجود لمتشدد ومعتدل في إيران»، وأن جميع مكونات الدولة تتحرك ضمن وحدة كاملة بين الشعب والحكومة وتحت قيادة واحدة، مضيفة أن هذا التماسك سيقود إلى جعل «المعتدي الجاني يندم».

وقال وزير الخارجية عباس عراقجي إن «فشل عمليات القتل التي تنفذها إسرائيل ينعكس في استمرار عمل مؤسسات الدولة الإيرانية بوحدة وهدف وانضباط».

وتابع أن «الميدان والدبلوماسية جبهتان منسقتان بالكامل في الحرب نفسها»، وأن «الإيرانيين جميعاً أكثر توحداً من أي وقت مضى».

من جهته، قال رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي إن على الرئيس الأميركي أن يعلم أن مفردتي «المتشدد» و«المعتدل» «مصطنعتان ولا أساس لهما» في الخطاب السياسي الإيراني، مضيفاً أن جميع التيارات والفئات داخل إيران «منسجمة في نهاية المطاف»، وتتحرك «في ظل أوامر قائد الثورة». كما أكد في منشور منفصل أن «المعتدي الجاني سيندم».

وجاءت هذه المواقف بعدما قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن إيران «تواجه صعوبة بالغة في تحديد من هو زعيمها»، معتبراً أن الصراع بين «المتشددين» و«المعتدلين» بلغ مستوى «جنونياً»، ومشيراً إلى أنه ينتظر «اقتراحاً موحداً» لإنهاء الحرب.

كما قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت إن واشنطن رصدت «انقسامات داخلية» داخل القيادة الإيرانية، وإن الإدارة الأميركية تمدد الهدنة وتبدي «قدراً من المرونة» من أجل الحصول على رد موحد على مقترحاتها، مضيفة أن ما تعلنه طهران علناً «يختلف» عما تقوله لفريق التفاوض الأميركي في القنوات الخاصة.

اقرأ أيضاً


بابا الفاتيكان يندد بقتل المحتجين في إيران ويؤكد رفضه للحرب

البابا ليو الرابع بابا الفاتيكان داخل طائرة خلال عودته إلى روما (أ.ب)
البابا ليو الرابع بابا الفاتيكان داخل طائرة خلال عودته إلى روما (أ.ب)
TT

بابا الفاتيكان يندد بقتل المحتجين في إيران ويؤكد رفضه للحرب

البابا ليو الرابع بابا الفاتيكان داخل طائرة خلال عودته إلى روما (أ.ب)
البابا ليو الرابع بابا الفاتيكان داخل طائرة خلال عودته إلى روما (أ.ب)

ندد البابا ليو بابا الفاتيكان، اليوم الخميس، بشدة بقتل المحتجين في إيران، وذلك بعدما انتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب البابا الأسبوع الماضي لعدم قيامه بذلك، في ‌حين انتقد ‌الحرب الأميركية ‌الإسرائيلية على إيران.

كما استنكر ليو، وهو أول بابا من الولايات المتحدة، مقتل «عدد كبير جداً» من المدنيين في الحرب، وعبّر عن أسفه لانهيار محادثات السلام ‌الأميركية ‌الإيرانية، وذلك في تصريحات ‌أدلى بها على ‌متن الطائرة لدى عودته إلى روما بعد جولة شملت أربع دول أفريقية.

وقال البابا، ‌رداً على سؤال في مؤتمر صحافي حول تقارير تفيد بأن إيران قتلت آلاف المحتجين: «أندد بجميع الأعمال الظالمة، وأندد بإزهاق الأرواح».

وأضاف، وفقاً لوكالة «رويترز»: «عندما يتخذ نظام، أو دولة، قرارات تزهق أرواح الآخرين ظلماً، فمن البديهي أن هذا أمر يستحق التنديد».

وحث البابا ليو الرابع عشر الولايات المتحدة وإيران على العودة إلى مفاوضات السلام.


ترمب يسعى لصفقة مع إيران و«رواية انتصار» تصاحب إنهاء الحرب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب يسعى لصفقة مع إيران و«رواية انتصار» تصاحب إنهاء الحرب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

في لحظةٍ تتقاطع فيها حسابات الحرب مع رهانات السياسة، رفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب سقف تهديداته مرةً أخرى ضد إيران، ملوّحاً بإصدار أوامر للجيش الأميركي بإطلاق النار وتدمير القوارب الإيرانية التي تعيق حركة الملاحة في مضيق هرمز، وإزالة الألغام من الممر المائي.

ويزيد البعد الزمني من تعقيد المشهد؛ فترمب الذي تعهد بتجنب «الحروب الطويلة»، يواجه ضغوطاً داخلية متزايدة لإنهاء الأزمة بسرعة، خاصة مع اقتراب الانتخابات الفصلية للكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني) وارتفاع أسعار الطاقة نتيجة التوتر في مضيق هرمز.

وفي المقابل، تبدو إيران أكثر استعداداً لتحمل تكلفة الوقت؛ ما يمنحها أفضلية نسبية في معركة الإرادات.

ورغم هذه التحديات، لا تزال واشنطن تراهن على أن مزيج الضغط والمرونة قد يفضي إلى اتفاق. ووفقاً للخبراء، فإن ترمب لا يسعى فقط إلى صفقة مع إيران، بل إلى «رواية انتصار» تصاحب الاتفاق؛ إذ لن يُقاس نجاحه بمضمون الاتفاق فحسب، بل بقدرته على تقديمه بوصفه إنجازاً وانتصاراً يتفوق على إرث أوباما واتفاقية عام 2015 النووية مع إيران.

ومع ذلك، يظل الطريق إلى هذا الهدف مليئاً بالتحديات، من تعقيدات الملف النووي إلى توازنات الداخل الإيراني، مروراً بحسابات السياسة الأميركية.

غضب ترمب ونفاد صبره

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية 18 أبريل (أ.ب)

ويأتي تهديد ترمب بإطلاق النار على القوارب الإيرانية، في ظل غياب مؤشرات واضحة بشأن استئناف محادثات السلام التي استضافتها باكستان سابقاً خلال الأيام المقبلة، مع عدم صدور أي تصريحات حول ترتيبات محتملة لزيارة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إلى باكستان.

وبدا غضب ترمب ونفاد صبره واضحين في تغريدة أخرى، سخر فيها من الصعوبات التي تواجهها إيران في تحديد قيادتها، مشيراً إلى اقتتال داخلي بين متشددين يتكبدون خسائر فادحة في ساحة المعركة، ومعتدلين وصفهم بأنهم «ليسوا معتدلين على الإطلاق».

ولوّح بأن الولايات المتحدة تسيطر سيطرةً تامة على مضيق هرمز، وأنه لا يمكن لأي سفينة الدخول أو المغادرة دون موافقة البحرية الأميركية، مؤكداً أن الحصار على المضيق «محكم تماماً» إلى أن تتمكن إيران من «إبرام صفقة».

وفسّر محللون هذا التحول في الخطاب الرئاسي الأميركي بوصفه انتقالاً من خطاب الردع إلى خطاب يضع قواعد اشتباك ميدانية دقيقة، تستهدف ضبط السلوك الإيراني في الممرات البحرية دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة.

كما رأوا أن ربط ترمب، في تغريداته على «تروث سوشيال»، بين السيطرة الكاملة على مضيق هرمز وإبقائه مغلقاً حتى توافق إيران على صفقة، يمثل رسالة تجمع بين الضغط العسكري والابتزاز التفاوضي.

وأثار ترمب جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية الأميركية بإعلانه عدم وجود جدول زمني لإنهاء وقف إطلاق النار مع إيران؛ إذ عدَّه البعض تراجعاً عن نهج التصعيد، في حين رآه آخرون مرونة تكتيكية ضمن استراتيجية تفاوضية أوسع.

صيغة توازن دقيقة

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس (أ.ب)

ويبدو أن ترمب يسعى إلى المناورة بين ضغوط الداخل وحسابات الخارج؛ بحثاً عن صيغة توازن دقيقة تمكّنه من الخروج من المواجهة مع إيران دون أن يظهر بمظهر المتراجع، خصوصاً بعد تمديد هدنة وقف إطلاق النار، والتراجع عن بعض تهديداته السابقة، والجدل المستمر حول جدوى الحصار الأميركي في مضيق هرمز لإجبار إيران على تقديم تنازلات.

وتقول أليس إيفرز، الباحثة في مجلس العلاقات الخارجية، إن «جميع خيارات ترمب تنطوي على مخاطر عالية في بيئة تصعيدية صفرية، حيث يسعى كل طرف إلى إجبار الآخر على التراجع». وتضيف أن هذا النمط من التصعيد المتبادل يجعل أي تهدئة مؤقتة مجرد استراحة تكتيكية لا تحولاً استراتيجياً.

ويشير تقرير لصحيفة «واشنطن بوست» الأميركية إلى أن إدارة ترمب انتقلت من خطاب التهديد بالحسم العسكري إلى ما يشبه «نمط الانتظار»، حيث جرى تمديد الهدنة دون سقف زمني واضح، مع الإبقاء على أدوات الضغط الأساسية، وعلى رأسها الحصار البحري والعقوبات الاقتصادية.

ولا يعكس هذا التحول رغبة في تجنب التصعيد فحسب، بل محاولة لصياغة مسار تفاوضي يمنح ترمب فرصة إعلان «انتصار سياسي» في حال التوصل إلى اتفاق.

ووفق هذه القراءة، لا ترى واشنطن في التصعيد الإيراني، بما في ذلك هجمات «الحرس الثوري» على الملاحة في مضيق هرمز، خروجاً عن السيطرة بقدر ما تعدّه جزءاً من «لعبة التفاوض بالقوة». فإيران، التي تواجه ضغوطاً اقتصادية متزايدة، تسعى إلى تحسين شروطها عبر استعراض قدرتها على تهديد أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، في حين تراهن الولايات المتحدة على أن استمرار الضغط سيدفع طهران إلى تقديم تنازلات أوسع.

إيران مختلفة

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

غير أن هذا الرهان يصطدم بواقع أكثر تعقيداً. فإيران اليوم ليست كما كانت خلال مفاوضات عام 2015، حين وقّعت الاتفاق النووي مع إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما؛ إذ راكمت مخزوناً كبيراً من اليورانيوم عالي التخصيب، ورفعت مستوى خبرتها التقنية في المجال النووي وتخصيب اليورانيوم محلياً؛ ما يجعل العودة إلى القيود السابقة أكثر صعوبة.

وتشير تقارير إلى أن طهران قد تكون مستعدة لتقديم «ضمانات إضافية»، لكنها ترفض بشكل قاطع التخلي الكامل عن حقها في التخصيب.

ويبرز هنا التحدي الأكبر أمام ترمب: كيف يمكنه تحقيق اتفاق «أفضل» من اتفاق 2015 الذي انتقده لسنوات قبل أن ينسحب منه في 2018؟ وتكمن الإجابة، وفق مقربين من الإدارة، في إعادة تعريف «الأفضل»، عبر التركيز على فرض قيود أطول زمناً، وتشديد آليات التفتيش، وربما انتزاع تنازلات تتعلق بمستوى التخصيب ومصير المخزون الحالي.

غير أن هذه المقاربة تنطوي على مفارقة؛ إذ إن بعض الخيارات المطروحة اليوم، مثل الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة أو تقديم تخفيف مرحلي للعقوبات، تشبه إلى حد بعيد التنازلات التي انتقدها ترمب سابقاً في اتفاق 2015. وأشارت صحيفة «واشنطن بوست» إلى أن الإدارة الأميركية تواجه «المعضلات ذاتها» التي واجهتها إدارة أوباما، مثل رفع العقوبات وحدود التخصيب.

الانقسامات الداخلية الإيرانية

في السياق ذاته، تلعب الانقسامات داخل إيران دوراً محورياً في الحسابات الأميركية؛ إذ ترى واشنطن أن طهران تشهد صراعاً بين تيار براغماتي يسعى لتخفيف الضغوط والانخراط في تسوية، وتيار آخر متشدد يدفع نحو التصعيد العسكري والمواجهة.

وانعكس ذلك، حسب صحيفة «ذا هيل»، في عدم قدرة الوفد الإيراني على تقديم موقف موحد؛ ما أسهم في تعثر المحادثات في باكستان.

غير أن هذا التفسير لا يخلو من حسابات سياسية؛ فتصوير إيران كطرف «منقسم» يمنح الإدارة الأميركية هامشاً للمناورة؛ إذ يبرر استمرار الضغط من جهة، ويفتح الباب أمام التفاوض مع التيار البراغماتي من جهة أخرى، كما يسمح بطرح أي تقدم، حتى إن كان محدوداً، بوصفه نتيجة مباشرة لهذه الاستراتيجية.

في المقابل، يرى خبراء أن هذا الرهان قد يكون مبالغاً فيه؛ إذ يظهر التاريخ أن النظام الإيراني، رغم خلافاته الداخلية، قادر على التماسك في القضايا الاستراتيجية الكبرى. كما أن استمرار الضغوط قد يعزز نفوذ التيار المتشدد بدلاً من إضعافه؛ ما قد يعقّد فرص التوصل إلى اتفاق.

وتقول سوزان مالوني، نائبة رئيس معهد «بروكينغز»، إن الإيرانيين قد يقبلون بتنازلات في مستويات التخصيب أو الجداول الزمنية، لكنهم لن يتخلوا عن حقهم في التخصيب، وهي العقدة الأساسية التي بقيت قائمة منذ عام 2015.