وزير المالية التونسي السابق لـ«الشرق الأوسط»: مبادرة قيس سعيد يمكن ان تفيد البلاد

مسليم بسباس أكد أهمية وقف التنافر بين البنك المركزي والحكومة والبرلمان

وزير المالية التونسي السابق بسباس (الشرق الأوسط)
وزير المالية التونسي السابق بسباس (الشرق الأوسط)
TT

وزير المالية التونسي السابق لـ«الشرق الأوسط»: مبادرة قيس سعيد يمكن ان تفيد البلاد

وزير المالية التونسي السابق بسباس (الشرق الأوسط)
وزير المالية التونسي السابق بسباس (الشرق الأوسط)

رأى وزير المالية التونسي السابق سليم بسباس في حديث إلى «الشرق الأوسط» أن «البلاد يمكن أن تستفيد سياسيا واقتصاديا من القرارات التي اتخذها الرئيس قيس سعيد»، معتبراً أنها يمكن أن تمهد لـ«مراجعات وإصلاحات اقتصادية وسياسية وإدارية تمهد لعشرية جديدة من النمو بعد أن تراكمت الأزمات في كل القطاعات في الأعوام الماضية».
ودعا بسباس إلى «وضع حد للتنافر والتجاذبات بين البنك المركزي والحكومة والبرلمان وقصر الرئاسة»، وإلى تغيير القانون الانتخابي وبعض فصول الدستور والاستفادة من اقتراحات عديدة سبق أن قدمها الرئيس سعيد «منذ مرحلة ما قبل وصوله إلى الحكم».
وفيما يلي نص الحوار:
> كيف ينظر الخبير الاقتصادي والقانوني ووزير المالية السابق للأزمة الجديدة التي تمر بها تونس والتي توشك أن تستفحل بحكم مضاعفاتها المالية والاقتصادية ومخاطرها الامنية؟
- أنا متفائل على المدى المتوسط والبعيد بمستقبل بلادي... ويمكن أن أكون متفائلا أيضا على المدى القريب. أعتقد أن تونس، لأسباب داخلية وإقليمية ودولية، ستتوصل حتما إلى حل لأزماتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية في أقرب وقت. تحتاج البلاد إلى «دورة جديدة» (أي إلى عشر سنوات جديدة) لاستعادة الأمل وإعادة البناء. والمتأمل في تاريخ تونس يكتشف أنه تعاقب دورات وأجيال وسياسات.. تقريبا في كل عشرية دورة جديدة. وفي آخر كل عشرية تنسد الآفاق ويسود اليأس ثم تبدأ دورة جديدة من العمل وزرع الأمل. الأهم اليوم أن النخبة يجب ألا تكون جزءاً من الإحباط، لأن كل الشعوب تتأثر بدور النخب، وعندما تسقط النخب تنهار الشعوب.
> ما العمل على المدى القصير؟
- هناك فعلا نقاط استفهام ليس لديها أجوبة واضحة في الخطاب السياسي الرسمي الجديد الذي لا يرتقي إلى مستوى خريطة طريق مطمئنة. حالياً نسمع كلاماً عاماً مثل محاربة الفساد. لكن الحرب على الفساد قد تكون نتائجها عكسية إذا لم تكن بطريقة منهجية وقد تكون خسائرها بالنسبة إلى الدولة والمجموعة الوطنية أكثر من الأرباح. من بين عناصر الفشل في تونس منذ مطلع 2011 تسجل أخطاء فادحة وفشل ذريع في ملف «تصفية الماضي» و«محاسبة الفاسدين». المحصلة هو أننا بعد 11 عاما من الثورة ما زلنا نتحدث عن ملفات ضحايا الاستبداد وشهداء الثورة وتعثر العدالة الانتقالية والمصالحة. كلما وقع تمديد النقاش يقع تمييعه، إلى أن أصبحت هيئة الحقيقة والكرامة محور تجاذبات وخلافات. ثم أصبحت مؤسسات عديدة جزءاً من المشكل عوض أن تكون جزءاً من الحل، فكانت النتيجة عكسية. لم تسوَّ وضعية المظلومين ولا تم استيفاء محاسبة ملفات الظالمين أو المتهمين. لذلك، فإن التصرف في تصفية ملفات الماضي يجب ألا يتسبب في إعادة الأخطاء نفسها، وأن نتفادى النزول إلى مستوى الدغدغة العاطفية غير المدروسة. بل المطلوب اتخاذ قرارات شجاعة لبناء المستقبل. وعندما ينجح السياسيون في تصريف هذا الملف بالشجاعة والسرعة المطلوبة بعيدا عن التجاذب والحملات الانتخابية، تصبح الأولوية هي البناء وليس الجدل العقيم حول الماضي.
> وماذا عن الأزمة في أبعادها الاقتصادية والمالية والاجتماعية؟
- الثورة جاءت من رحم المنوال الاقتصادي القديم الذي فشل واستنفد أغراضه وتسبب في تفاوت كبير بين الجهات والفئات.
كان من المفروض بعد الثورة أن تعطى الملفات الاقتصادية والاجتماعية أولوية. على مستوى التشغيل والحلول كانت البرامج الانتخابية والحكومية واضحة. وبرز توافق على برامج وحلول بهدف خلق الثروة وتشغيل الشباب.
وصدرت في الأعوام الماضية وثائق مرجعية مهمة من بينها «وثيقة التوجهات الاستراتيجية» التي شارك في صياغتها منذ سبتمبر 2015 خبراء وسياسيون من أحزاب النهضة والنداء وآفاق تونس والوطني الحر. ومهدت تلك الوثيقة للمخطط 2016 - 2020. وكان مطلوبا تجسيم تلك الرؤية في برامج حكومية اقتصادية والجتماعية ما أدى إلى تنظيم حواري قرطاج 1 و2. ونجحت وثيقة قرطاج 2 بعد نقاش معمق وشامل في تحقيق توافق حول 63 إجراء. ثم تعطلت الأمور بسبب الأزمة السياسية. الخلاف حول النقطة 64 التي تتعلق بالخلاف حول الفريق الحكومي ورئيسه الذي سيشرف على إنجاز ذلك البرنامج. وتداعيات ذلك على مستوى تفكك منظومة التوافق وبروز انقسام حاد داخل حزب نداء تونس.
لكن الخلاف كان في جوهره ولا يزال بين تيارين: قسم مع الاستقرار الحكومي وقسم مع التغيير. وكان يفترض أن يقع الاتفاق على ألا تكون الحكومة معنية بالانتخابات. ما جرى هو العكس ونحن الآن نعاني تداعياته، إذ أصبحت حكومة الشاهد منخرطة في أغراض انتخابية، فأصبح الفريق الحكومي جزءا من المشكل.
> وماذا عن مرحلة ما بعد انتخابات 2019 التي أفرزت المشهد السياسي الحالي؟
- للآسف عمقت انتخابات 2019 الخلافات والأزمات بما فسر تعاقب أزمات عدم الاستقرار الحكومي وتعطيل فرصة بروز سياسات مندمجة. المخطط الاقتصادي الخماسي انتهى في 2020، ولم تقع صياغة مخطط خماسي جديد - استحالة لوضع السياسات الاقتصادية - أعتقد أن الحلول موجودة وواضحة والمشكل هو التنزيل والتنفيذ، وهو ما يستوجب فريقا حكوميا كفؤاً ومستقراً، علماً أن الأزمة الحالية تعد امتدادا لأزمة هيكلية ولتراكم أزمات الأعوام الماضية.
اليوم يمكن أن نتفاءل، ويمكن أن يسفر الحوار السياسي والاجتماعي والاقتصادي حول إصلاحات سياسية واقتصادية وتوافقات حول بعض التعديلات للدستور. لنعود إلى منظومة أكثر توازنا تعيد الاستقرار.
نحن نعيش اليوم أكثر من أي وقت مضى مشاكل معقدة ومركبة. فالأزمات يغذي بعضها بعضاً. والأزمة الاقتصادية تغذي المالية والمديونية والتي تهدد بدورها السيادة الوطنية.
> وماهو الحل على المدى القصير؟
- الحل يبدأ بإرساء إصلاح سياسي للمنظومة القائمة وذلك عبر التوافق على القيام بتعديل جزئي للدستور وللقانون الانتخابي. وأعتقد أنه إذا استثنينا «الفصول الجامدة» كل الفصول قابلة للتعديل والإصلاح. الأولوية اليوم وفي أجل عاجل هو إصلاح النظام الانتخابي. لتحسين المشهد البرلماني، يمكن أن يعتمد المزج بين نظام «التصويت لفائدة الأفراد» على مستوى وطني ونظام «التصويت على القائمات» على مستوى الدوائر الانتخابية، أي المزج بين الأغلبية والنسبية، ليكون البرلمان أكثر توازناً وأكثر جدوى. وبذلك، يقع التوفيق بين مقترحات الرئيس قيس سعيد والنظام الانتخابي المعمول به منذ 2011.
أما فيما يخص النظام السياسي، فأعتقد أن تونس يمكن أن تستلهم من مثال نظام الجمهورية الخامسة الفرنسية الذي يكرس المواءمة بين مزايا النظامين الرئاسي والبرلماني أي أن يكون رئيس الحكومة مسؤولا أمام البرلمان ورئيس الجمهورية في الوقت نفسه. وأن تكون السلطة التنفيذية برأسين تحت قيادة رئيس الجمهورية ورقابة المجلس النيابي. وتعديل الدستور في هذه النقطة ممكن مع أخذ خصوصيات كل بلد وبينها تونس في الاعتبار.
> عمليا ما هو المطلوب اليوم؟
- أولوية الأولويات اليوم هي تشكيل حكومة قوية في أقرب وقت ممكن حتي نتفادى الفراغ في هذه الفترة المفصلية من السنة. حكومة تكلف بالإنقاذ وليس لديها طموحات انتخابية، محدودة في الزمن للتعجيل بالإصلاحات. كلفة كل يوم فراغ حكومة كبيرة اقتصاديا. حكومة يمكن أن يدعهما رئيس الجمهورية وأن ترسم هدفا عاما أو اثنين، في انتظار استكمال الإصلاحات السياسية عبر آلية يقع الاتفاق عليها مثل الاستفتاء أو تفعيل إجراءات التعديل البرلمانية.
> وهل توجد «استراتيجية إنقاذ اقتصادي» أو «رؤية» للإصلاح الفوري؟
- بالنسبة للبرنامج الاقتصادي والاجتماعي لدينا رصيد من البرامج الإصلاحية والدراسات والإجراءات والتي تنتظر من يقوم بتنزيلها وتحتاج إلى حد أدنى من الخبرة والكفاءة والتجربة وانسجام بين الفريق الحكومي وبين الحكومة والبنك المركزي.
الخلاف الذي لاحظناه في المدة الماضية بين البرلمان والبنك المركزي ووزارة المالية أربك الأوضاع. غابت «آلية التنسيق» بينها. كان هناك تنافر مما أثر على فرص العمل المشترك. الانسجام والتنسيق مطلوب أكثر في فترات الأزمة.
محافظ البنك المركزي طرف مهم في نسج وتنفيذ السياسة الاقتصادية والمالية وهو، طبقا للقانون الأساسي للبنك المركزي، المستشار الاقتصادي لرئيس الحكومة. لذا، لا مناص من التعاون والتنسيق وأن يتوفر شرط الانسجام عمليا ووضع حد للتنافر بينهم وتقديم المصلحة العليا للبلاد والشعب. لا بد أن نتعظ من الأخطاء ونثبت للشعب أننا جميعا في مستوى التضحيات المطلوبة.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.