وزير المالية التونسي السابق لـ«الشرق الأوسط»: مبادرة قيس سعيد يمكن ان تفيد البلاد

مسليم بسباس أكد أهمية وقف التنافر بين البنك المركزي والحكومة والبرلمان

وزير المالية التونسي السابق بسباس (الشرق الأوسط)
وزير المالية التونسي السابق بسباس (الشرق الأوسط)
TT

وزير المالية التونسي السابق لـ«الشرق الأوسط»: مبادرة قيس سعيد يمكن ان تفيد البلاد

وزير المالية التونسي السابق بسباس (الشرق الأوسط)
وزير المالية التونسي السابق بسباس (الشرق الأوسط)

رأى وزير المالية التونسي السابق سليم بسباس في حديث إلى «الشرق الأوسط» أن «البلاد يمكن أن تستفيد سياسيا واقتصاديا من القرارات التي اتخذها الرئيس قيس سعيد»، معتبراً أنها يمكن أن تمهد لـ«مراجعات وإصلاحات اقتصادية وسياسية وإدارية تمهد لعشرية جديدة من النمو بعد أن تراكمت الأزمات في كل القطاعات في الأعوام الماضية».
ودعا بسباس إلى «وضع حد للتنافر والتجاذبات بين البنك المركزي والحكومة والبرلمان وقصر الرئاسة»، وإلى تغيير القانون الانتخابي وبعض فصول الدستور والاستفادة من اقتراحات عديدة سبق أن قدمها الرئيس سعيد «منذ مرحلة ما قبل وصوله إلى الحكم».
وفيما يلي نص الحوار:
> كيف ينظر الخبير الاقتصادي والقانوني ووزير المالية السابق للأزمة الجديدة التي تمر بها تونس والتي توشك أن تستفحل بحكم مضاعفاتها المالية والاقتصادية ومخاطرها الامنية؟
- أنا متفائل على المدى المتوسط والبعيد بمستقبل بلادي... ويمكن أن أكون متفائلا أيضا على المدى القريب. أعتقد أن تونس، لأسباب داخلية وإقليمية ودولية، ستتوصل حتما إلى حل لأزماتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية في أقرب وقت. تحتاج البلاد إلى «دورة جديدة» (أي إلى عشر سنوات جديدة) لاستعادة الأمل وإعادة البناء. والمتأمل في تاريخ تونس يكتشف أنه تعاقب دورات وأجيال وسياسات.. تقريبا في كل عشرية دورة جديدة. وفي آخر كل عشرية تنسد الآفاق ويسود اليأس ثم تبدأ دورة جديدة من العمل وزرع الأمل. الأهم اليوم أن النخبة يجب ألا تكون جزءاً من الإحباط، لأن كل الشعوب تتأثر بدور النخب، وعندما تسقط النخب تنهار الشعوب.
> ما العمل على المدى القصير؟
- هناك فعلا نقاط استفهام ليس لديها أجوبة واضحة في الخطاب السياسي الرسمي الجديد الذي لا يرتقي إلى مستوى خريطة طريق مطمئنة. حالياً نسمع كلاماً عاماً مثل محاربة الفساد. لكن الحرب على الفساد قد تكون نتائجها عكسية إذا لم تكن بطريقة منهجية وقد تكون خسائرها بالنسبة إلى الدولة والمجموعة الوطنية أكثر من الأرباح. من بين عناصر الفشل في تونس منذ مطلع 2011 تسجل أخطاء فادحة وفشل ذريع في ملف «تصفية الماضي» و«محاسبة الفاسدين». المحصلة هو أننا بعد 11 عاما من الثورة ما زلنا نتحدث عن ملفات ضحايا الاستبداد وشهداء الثورة وتعثر العدالة الانتقالية والمصالحة. كلما وقع تمديد النقاش يقع تمييعه، إلى أن أصبحت هيئة الحقيقة والكرامة محور تجاذبات وخلافات. ثم أصبحت مؤسسات عديدة جزءاً من المشكل عوض أن تكون جزءاً من الحل، فكانت النتيجة عكسية. لم تسوَّ وضعية المظلومين ولا تم استيفاء محاسبة ملفات الظالمين أو المتهمين. لذلك، فإن التصرف في تصفية ملفات الماضي يجب ألا يتسبب في إعادة الأخطاء نفسها، وأن نتفادى النزول إلى مستوى الدغدغة العاطفية غير المدروسة. بل المطلوب اتخاذ قرارات شجاعة لبناء المستقبل. وعندما ينجح السياسيون في تصريف هذا الملف بالشجاعة والسرعة المطلوبة بعيدا عن التجاذب والحملات الانتخابية، تصبح الأولوية هي البناء وليس الجدل العقيم حول الماضي.
> وماذا عن الأزمة في أبعادها الاقتصادية والمالية والاجتماعية؟
- الثورة جاءت من رحم المنوال الاقتصادي القديم الذي فشل واستنفد أغراضه وتسبب في تفاوت كبير بين الجهات والفئات.
كان من المفروض بعد الثورة أن تعطى الملفات الاقتصادية والاجتماعية أولوية. على مستوى التشغيل والحلول كانت البرامج الانتخابية والحكومية واضحة. وبرز توافق على برامج وحلول بهدف خلق الثروة وتشغيل الشباب.
وصدرت في الأعوام الماضية وثائق مرجعية مهمة من بينها «وثيقة التوجهات الاستراتيجية» التي شارك في صياغتها منذ سبتمبر 2015 خبراء وسياسيون من أحزاب النهضة والنداء وآفاق تونس والوطني الحر. ومهدت تلك الوثيقة للمخطط 2016 - 2020. وكان مطلوبا تجسيم تلك الرؤية في برامج حكومية اقتصادية والجتماعية ما أدى إلى تنظيم حواري قرطاج 1 و2. ونجحت وثيقة قرطاج 2 بعد نقاش معمق وشامل في تحقيق توافق حول 63 إجراء. ثم تعطلت الأمور بسبب الأزمة السياسية. الخلاف حول النقطة 64 التي تتعلق بالخلاف حول الفريق الحكومي ورئيسه الذي سيشرف على إنجاز ذلك البرنامج. وتداعيات ذلك على مستوى تفكك منظومة التوافق وبروز انقسام حاد داخل حزب نداء تونس.
لكن الخلاف كان في جوهره ولا يزال بين تيارين: قسم مع الاستقرار الحكومي وقسم مع التغيير. وكان يفترض أن يقع الاتفاق على ألا تكون الحكومة معنية بالانتخابات. ما جرى هو العكس ونحن الآن نعاني تداعياته، إذ أصبحت حكومة الشاهد منخرطة في أغراض انتخابية، فأصبح الفريق الحكومي جزءا من المشكل.
> وماذا عن مرحلة ما بعد انتخابات 2019 التي أفرزت المشهد السياسي الحالي؟
- للآسف عمقت انتخابات 2019 الخلافات والأزمات بما فسر تعاقب أزمات عدم الاستقرار الحكومي وتعطيل فرصة بروز سياسات مندمجة. المخطط الاقتصادي الخماسي انتهى في 2020، ولم تقع صياغة مخطط خماسي جديد - استحالة لوضع السياسات الاقتصادية - أعتقد أن الحلول موجودة وواضحة والمشكل هو التنزيل والتنفيذ، وهو ما يستوجب فريقا حكوميا كفؤاً ومستقراً، علماً أن الأزمة الحالية تعد امتدادا لأزمة هيكلية ولتراكم أزمات الأعوام الماضية.
اليوم يمكن أن نتفاءل، ويمكن أن يسفر الحوار السياسي والاجتماعي والاقتصادي حول إصلاحات سياسية واقتصادية وتوافقات حول بعض التعديلات للدستور. لنعود إلى منظومة أكثر توازنا تعيد الاستقرار.
نحن نعيش اليوم أكثر من أي وقت مضى مشاكل معقدة ومركبة. فالأزمات يغذي بعضها بعضاً. والأزمة الاقتصادية تغذي المالية والمديونية والتي تهدد بدورها السيادة الوطنية.
> وماهو الحل على المدى القصير؟
- الحل يبدأ بإرساء إصلاح سياسي للمنظومة القائمة وذلك عبر التوافق على القيام بتعديل جزئي للدستور وللقانون الانتخابي. وأعتقد أنه إذا استثنينا «الفصول الجامدة» كل الفصول قابلة للتعديل والإصلاح. الأولوية اليوم وفي أجل عاجل هو إصلاح النظام الانتخابي. لتحسين المشهد البرلماني، يمكن أن يعتمد المزج بين نظام «التصويت لفائدة الأفراد» على مستوى وطني ونظام «التصويت على القائمات» على مستوى الدوائر الانتخابية، أي المزج بين الأغلبية والنسبية، ليكون البرلمان أكثر توازناً وأكثر جدوى. وبذلك، يقع التوفيق بين مقترحات الرئيس قيس سعيد والنظام الانتخابي المعمول به منذ 2011.
أما فيما يخص النظام السياسي، فأعتقد أن تونس يمكن أن تستلهم من مثال نظام الجمهورية الخامسة الفرنسية الذي يكرس المواءمة بين مزايا النظامين الرئاسي والبرلماني أي أن يكون رئيس الحكومة مسؤولا أمام البرلمان ورئيس الجمهورية في الوقت نفسه. وأن تكون السلطة التنفيذية برأسين تحت قيادة رئيس الجمهورية ورقابة المجلس النيابي. وتعديل الدستور في هذه النقطة ممكن مع أخذ خصوصيات كل بلد وبينها تونس في الاعتبار.
> عمليا ما هو المطلوب اليوم؟
- أولوية الأولويات اليوم هي تشكيل حكومة قوية في أقرب وقت ممكن حتي نتفادى الفراغ في هذه الفترة المفصلية من السنة. حكومة تكلف بالإنقاذ وليس لديها طموحات انتخابية، محدودة في الزمن للتعجيل بالإصلاحات. كلفة كل يوم فراغ حكومة كبيرة اقتصاديا. حكومة يمكن أن يدعهما رئيس الجمهورية وأن ترسم هدفا عاما أو اثنين، في انتظار استكمال الإصلاحات السياسية عبر آلية يقع الاتفاق عليها مثل الاستفتاء أو تفعيل إجراءات التعديل البرلمانية.
> وهل توجد «استراتيجية إنقاذ اقتصادي» أو «رؤية» للإصلاح الفوري؟
- بالنسبة للبرنامج الاقتصادي والاجتماعي لدينا رصيد من البرامج الإصلاحية والدراسات والإجراءات والتي تنتظر من يقوم بتنزيلها وتحتاج إلى حد أدنى من الخبرة والكفاءة والتجربة وانسجام بين الفريق الحكومي وبين الحكومة والبنك المركزي.
الخلاف الذي لاحظناه في المدة الماضية بين البرلمان والبنك المركزي ووزارة المالية أربك الأوضاع. غابت «آلية التنسيق» بينها. كان هناك تنافر مما أثر على فرص العمل المشترك. الانسجام والتنسيق مطلوب أكثر في فترات الأزمة.
محافظ البنك المركزي طرف مهم في نسج وتنفيذ السياسة الاقتصادية والمالية وهو، طبقا للقانون الأساسي للبنك المركزي، المستشار الاقتصادي لرئيس الحكومة. لذا، لا مناص من التعاون والتنسيق وأن يتوفر شرط الانسجام عمليا ووضع حد للتنافر بينهم وتقديم المصلحة العليا للبلاد والشعب. لا بد أن نتعظ من الأخطاء ونثبت للشعب أننا جميعا في مستوى التضحيات المطلوبة.



السيسي يؤكد استعداد مصر لتنفيذ أي تدخل تطلبه السعودية لحماية أمنها

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للجيش المصري الأربعاء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للجيش المصري الأربعاء (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يؤكد استعداد مصر لتنفيذ أي تدخل تطلبه السعودية لحماية أمنها

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للجيش المصري الأربعاء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للجيش المصري الأربعاء (الرئاسة المصرية)

في إطار جهود مصر لوقف التصعيد في المنطقة، طالب الرئيس عبد الفتاح السيسي، السبت، البرلمان بعقد جلسة طارئة لتفويضه في اتخاذ أي إجراءات قد تطلبها السعودية، مشدداً على أن مصر «ستنفذ أي إجراء للدفاع عن الأشقاء في الخليج».

وقرر مجلس النواب المصري عقد جلسة عامة الأحد، وذلك «في ضوء طلب الرئيس».

ومنذ بداية التصعيد في المنطقة أكدت مصر مراراً دعمها لأمن الخليج، لكن هذه هي المرة الأولى التي يطلب فيها الرئيس المصري تفويض البرلمان، ما عده مراقبون تأكيداً على استعداد القاهرة لدعم أشقائها في الخليج وأن جهودها تندرج في سياق الدفاع وليس الهجوم.

وأكد الرئيس المصري، خلال حفل تخرج دفعة جديدة من الأكاديمية العسكرية بالعاصمة الجديدة، أن بلاده تقف بقوة لدعم حماية أراضي الأشقاء في الخليج، وقال: «نحن لا نبحث عن دور، لكن لا يمكن السماح بالمساس بأمن واستقرار الأراضي السعودية».

ودعا الرئيس المصري إلى وقف الحرب والتصعيد في المنطقة، مشيراً إلى أن «القاهرة ستنفذ أي إجراء لحماية أشقائها والدفاع عنهم، وفقاً لتوجيهات العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهد المملكة الأمير محمد بن سلمان»، مشدداً على أن أمن المملكة واستقرارها لا يمكن أن يكونا موضع تساهل.

وأضاف أن «هذا الموضوع يتطلب تصديقاً من البرلمان» موجهاً «الدعوة للبرلمان لعقد جلسة طارئة للتفويض إذا طلب منا ذلك». وتابع: «هذا الحديث لا يستهدف الحرب ولا الهجوم، وإنما الدفاع فقط».

وشدد الرئيس عبد الفتاح السيسي على «ضرورة عدم نسيان ما قدمته دول الخليج لمصر من دعم منذ عام 2013، موجهاً الشكر إلى دول الخليج على الدعم».

وسبق أن أكد الرئيس المصري، مراراً، أن «أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري»، وأنه «لن يسمح بالمساس بأمن السعودية».

بدوره، قال مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير محمد حجازي إن تصريحات السيسي بشأن الاستعداد لاتخاذ إجراءات لحماية الأشقاء في دول الخليج، إذا طُلب ذلك، «تحمل رسالة سياسية واستراتيجية واضحة، مفادها أن مصر تنظر إلى أمن الخليج باعتباره جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي المصري والعربي، وأن التضامن العربي لا يقتصر على المواقف السياسية والدبلوماسية، وإنما يمتد إلى الاستعداد لتحمل المسؤولية عندما تتعرض الدول العربية لتهديدات تمس أمنها واستقرارها».

وأوضح حجازي لـ«الشرق الأوسط» أن «حديث الرئيس ينطوي على دلالة تتمثل في تأكيده أن أي تحرك مصري محتمل سيكون في إطار الدفاع والحماية، وبناءً على طلب من الأشقاء، وليس بهدف الاعتداء على أي طرف أو الدخول في مواجهة عسكرية مفتوحة».

وعدَّ ذلك «يعكس الفارق بين امتلاك القدرة على حماية المصالح العربية، والرغبة في التصعيد»، وقال: «حديث الرئيس يؤكد أن القوة هنا أداة للردع والحماية، وليست هدفاً للحرب والتصعيد، وفي إطار التزام مصر العروبي الأصيل مع الحفاظ على الأمن والاستقرار والحفاظ على مقدرات دول المنطقة».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في حفل تخرج دفعة جديدة من كلية الشرطة الخميس (الرئاسة المصرية)

وشهدت الشهور الماضية اتصالات وجهوداً مصرية لوقف التصعيد في المنطقة، وإدانة للاعتداءات على دول الخليج.

وقال عضو مجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، مصطفى بكري، إن حديث الرئيس السيسي عن استعداد مصر لدعم السعودية، حال طلبها ذلك، هو تطبيق لمبدأ «مسافة السكة» الذي سبق أن طرحه الرئيس وتأكيد على أن «أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري».

وأوضح بكري لـ«الشرق الأوسط» أن دعوة البرلمان للانعقاد «تأتي احتراماً للدستور، الذي يشترط موافقة البرلمان على إرسال قوات خارج الحدود».

وتنص المادة 152 من الدستور المصري على أن «رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ولا يعلن الحرب، ولا يرسل القوات المسلحة في مهمة قتالية إلى خارج حدود الدولة، إلا بعد أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني، وموافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثي الأعضاء»، وتضيف أنه «إذا كان مجلس النواب غير قائم، يجب أخذ رأي المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وموافقة كل من مجلس الوزراء ومجلس الدفاع الوطني».

وأوضح مساعد وزير الخارجية الأسبق أن إشارة الرئيس إلى ضرورة انعقاد البرلمان المصري ومنح التفويض اللازم تكشف عن «أهمية الالتزام بالأطر الدستورية والمؤسسية في القرارات المرتبطة بالأمن القومي واستخدام القوة العسكرية»، موضحاً أن «المسألة ليست مجرد إعلان موقف سياسي، وإنما تتعلق بإجراءات ذات طبيعة سيادية مهمة واستراتيجية تستلزم استيفاء المتطلبات الدستورية والقانونية ذات الصلة».

وعلى المستوى الاستراتيجي أكد حجازي أن «مصر تدرك أن أي تهديد لأمن دول الخليج لا تنعكس تداعياته على الدول المعنية وحدها، بل تمتد آثاره إلى أمن البحر الأحمر، وحرية الملاحة، وأسواق الطاقة، والاستقرار الاقتصادي الإقليمي، فضلاً عن انعكاساته المباشرة على الأمن القومي العربي، ومن ثم، فإن حفظ أمن الخليج تمثل مسؤولية جماعية وواجب ومصلحة عربية مشتركة وليست مسؤولية دولة بعينها».


هجمات الحوثيين الصاروخية تهدد الشريان الجوي لليمن

دخان يتصاعد إثر هجوم سابق للحوثيين استهدف مطار عدن الدولي (رويترز)
دخان يتصاعد إثر هجوم سابق للحوثيين استهدف مطار عدن الدولي (رويترز)
TT

هجمات الحوثيين الصاروخية تهدد الشريان الجوي لليمن

دخان يتصاعد إثر هجوم سابق للحوثيين استهدف مطار عدن الدولي (رويترز)
دخان يتصاعد إثر هجوم سابق للحوثيين استهدف مطار عدن الدولي (رويترز)

لم يعد استهداف الحوثيين لمطار عدن الدولي مجرد اعتداء على منشأة حيوية، بل بات يثير مخاوف أوسع بشأن سلامة الطيران المدني في اليمن، مع تكرار الهجمات على المطار الذي يمثل أحد المنافذ الرئيسية المتاحة أمام اليمنيين للسفر إلى الخارج، في وقت تزداد فيه المخاطر المحيطة بالبنية التحتية المدنية في البلاد.

ويضع استهداف المطار بصاروخين باليستيين، للمرة الثانية خلال أيام، حركة الطيران أمام تهديد مباشر، خصوصاً أن الهجوم الأخير تزامن مع استعداد طائرة تابعة للخطوط الجوية اليمنية للإقلاع إلى العاصمة المصرية القاهرة، ووجود طائرة أخرى تابعة لشركة «فلاي عدن» في الأجواء قادمة من المدينة نفسها، في واقعة كشفت عن حجم المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها الرحلات التجارية في أثناء استخدام المجال الجوي والمرافق المدنية.

وقالت وزارة النقل اليمنية إن الصاروخين سقطا في محيط المطار، أحدهما عند البوابة الغربية باتجاه المدرج، والآخر شمال غربي المطار. وأُخليت الطائرة اليمنية التي كانت تستعد لتشغيل رحلة إلى القاهرة، فيما كانت الرحلة التابعة لـ«فلاي عدن» في طريقها من العاصمة المصرية.

إحدى طائرات الخطوط الجوية اليمنية في مطار عدن (إعلام حكومي)

وتتجاوز خطورة هذه الهجمات الأضرار المادية المباشرة، إذ إن تكرار استهداف المطارات يضع سلامة المسافرين وأطقم الطائرات والعاملين أمام مخاطر متجددة، كما يهدد انتظام الرحلات التي يعتمد عليها اليمنيون في السفر للعلاج والعمل والتنقل بين البلاد والخارج.

تهديد يتجاوز محيط المطار

تقول وزارة النقل إن استهداف مطار عدن يمثل انتهاكاً للحماية المقررة للمنشآت المدنية والطيران التجاري بموجب القوانين والمواثيق الدولية، محذرةً من أن استمرار الاعتداءات قد ينعكس على حركة النقل الجوي والاقتصاد الوطني، ويضاعف معاناة المواطنين الذين يعتمدون على المطارات في تنقلاتهم، بما في ذلك الحالات المرضية والإنسانية.

ودعت الوزارة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي والمنظمات المعنية بالطيران المدني، وفي مقدمتها منظمة الطيران المدني الدولي، إلى إدانة الهجمات والعمل على محاسبة المسؤولين عنها، مؤكدةً أن المطار منشأة مدنية مخصصة لخدمة المواطنين ولا يجوز تعريضها لأعمال عسكرية تهدد سلامة مرتاديها.

الحوثيون استهدفوا مطار عدن الدولي للمرة الثانية خلال أسبوع (إعلام حكومي)

وتكتسب هذه المخاوف أهمية إضافية بالنظر إلى محدودية منافذ السفر المتاحة أمام اليمنيين، إذ إن تعطيل مطار رئيسي أو تعريض الرحلات العاملة فيه للخطر لا يقتصر أثره على شركة طيران أو وجهة بعينها، وإنما يمتد إلى قدرة المواطنين على الوصول إلى الخدمات الطبية والفرص الاقتصادية والروابط الأسرية خارج البلاد.

اختبار لصمود عدن

في مواجهة تداعيات الهجوم الحوثي، تفقَّد وزير النقل محسن العُمري، ووزير الدولة محافظ عدن عبد الرحمن شيخ، السبت، المطار، واطلعا على الأضرار واطمأنّا على سلامة المسافرين وأطقم الطائرات. كما وجّها الجهات المختصة بتوفير أماكن إقامة مناسبة لركاب الرحلة المتجهة إلى القاهرة، وتقديم التسهيلات اللازمة ومتابعة أوضاعهم.

وأكد المحافظ أن الاعتداءات لن تثني السلطة المحلية ومؤسسات الدولة عن مواصلة عملها، مشيراً إلى أن الأوضاع الأمنية في عدن مستقرة، وأن المحافظة قادرة على تجاوز التحديات ومحاولات استهداف أمنها واستقرارها.

ودعا شيخ إلى تعزيز اليقظة والتكاتف لحماية المنشآت الحيوية والحفاظ على السكينة العامة ومصالح المواطنين.

ويعيد تكرار الهجمات على مطار عدن طرح مسألة حماية البنية التحتية المدنية في اليمن، ومدى قدرة الجهات الدولية المعنية على التعامل مع المخاطر التي تهدد الطيران التجاري.

وبينما تؤكد السلطات اليمنية استمرار المطار في أداء مهماته، تبقى سلامة الرحلات والمسافرين التحدي الأبرز أمام منشأة يعتمد عليها ملايين اليمنيين بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تأمين احتياجاتهم من السفر والتنقل.


القصف الحوثي على قرى لحج يوسع دائرة النزوح

استهداف حوثي متواصل للتجمعات السكنية في غرب محافظة لحج (إعلام محلي)
استهداف حوثي متواصل للتجمعات السكنية في غرب محافظة لحج (إعلام محلي)
TT

القصف الحوثي على قرى لحج يوسع دائرة النزوح

استهداف حوثي متواصل للتجمعات السكنية في غرب محافظة لحج (إعلام محلي)
استهداف حوثي متواصل للتجمعات السكنية في غرب محافظة لحج (إعلام محلي)

تجدّد النزوح في محافظة لحج، جنوب اليمن، مع استهداف الحوثيين قرى سكنية في منطقة الصبيحة بقذائف الهاون، والطائرات المسيّرة، في تصعيد يطال مناطق يساند فيها مسلحون قبليون القوات الحكومية، وبالتزامن مع استمرار عزل محافظة تعز عن مناطق سيطرة الحكومة، وتفاقم الاحتياجات الإنسانية والطبية فيها.

وأطلقت السلطة المحلية في لحج نداءً عاجلاً لتوفير المأوى للأسر الفارة من القصف في منطقة الصبيحة، وسط محدودية الإمكانات المتاحة لاستقبال النازحين، وتأمين احتياجاتهم الأساسية، في وقت تتزايد فيه التحذيرات الأممية من صعوبة إيصال المساعدات إلى السكان المتضررين من التصعيد، والقيود المفروضة على التنقل.

ودعا مكتب الإعلام في المحافظة أبناء المديريات إلى مساندة الأسر النازحة، خصوصاً كبار السن، والأمهات، والأطفال، الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم وممتلكاتهم بحثاً عن الأمان، مشيراً إلى ما يواجهونه من ظروف إنسانية صعبة بعد فقدان المأوى، والاستقرار.

أوضاع إنسانية صعبة يعيشها الفارون من القصف الحوثي في لحج (إعلام محلي)

وناشد المكتب ملاك المنازل والشقق والعقارات فتح أبوابهم أمام الأسر الفارة، وتأجير المساكن بأسعار رمزية، وميسرة، تراعي أوضاعها الاستثنائية، مؤكداً أن مساعدة النازحين تتطلب تكاتف الجهود المجتمعية للتخفيف من معاناتهم.

وأفادت مصادر حكومية يمنية لـ«الشرق الأوسط» بأن الحوثيين استهدفوا تجمعات سكنية في أطراف مديريتي رأس العارة، والمضاربة، في غرب لحج، بهدف الضغط على المسلحين القبليين الذين يساندون القوات الحكومية في التصدي لمحاولات التقدم نحو عمق المديرية.

وبحسب المصادر، تسعى الجماعة، من خلال هذه التحركات، إلى تنفيذ التفاف على القوات الحكومية المتمركزة في مرتفعات كهبوب، وتلك الموجودة في منطقة باب المندب، ومديرية ذباب، فيما أدى قصف القرى بقذائف الهاون والطائرات المسيّرة إلى موجة نزوح جديدة بين السكان.

آلاف النازحين في تعز يواجهون نقص الماء والغذاء والوقود (رويترز)

وتواجه السلطات المحلية صعوبات في استيعاب الأعداد المتزايدة من الفارين، في ظل محدودية قدراتها، وضعف الاستجابة الإنسانية المتاحة لتوفير المأوى، والغذاء، والرعاية الصحية، وفق المصادر ذاتها.

وتأتي هذه التطورات في وقت تشير فيه بيانات أممية إلى ارتفاع عدد النازحين جراء التصعيد إلى 233 ألفاً و77 شخصاً، بينهم 121 ألفاً و530 شخصاً في محافظة تعز وحدها، وسط مخاطر متزايدة تهدد النساء، والأطفال، والفئات الأكثر ضعفاً، الذين اضطروا إلى مغادرة مناطقهم بحثاً عن الأمان.

تعز تحت الحصار

في تعز المحاصرة من قبل الحوثيين تتفاقم المخاوف الإنسانية مع استمرار إغلاق الطرق الرئيسة التي تربط المحافظة بالمناطق الأخرى، بما فيها عدن، الأمر الذي يعرقل وصول المساعدات والخدمات الأساسية إلى السكان، ويزيد الضغوط على المؤسسات الصحية في المدينة.

وقال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، إن المنظمة تواجه تحديات في الوصول إلى الأطفال المحتاجين في المحافظة بسبب استمرار التصعيد، والقيود المفروضة على الحركة.

وأوضح أن نحو 110 آلاف طفل هم من بين النازحين الجدد منذ بداية سبتمبر (أيلول)، مشيراً إلى أن المنظمة تحققت من مقتل 30 طفلاً، وإصابة 28 آخرين جراء التصعيد الأخير.

وأضاف أن موجة العنف تقوّض ما تبقى لدى الأطفال من مظاهر الاستقرار، بعد سنوات من المعاناة المرتبطة بالجوع، والنزوح، وتعطل التعليم.

استمرار عزل الحوثيين مدينة تعز عن مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (رويترز)

من جهته، حذّر طارق ياساريفيتش، المتحدث باسم منظمة الصحة العالمية، من تدهور الوضع الصحي في تعز، مشيراً إلى أن المدينة أصبحت معزولة، وأن المستشفيات تواجه نقصاً حاداً في الإمدادات الطبية، مع امتداد القتال إلى مناطقها الحضرية.

وذكر أن 12 مستشفى في المدينة لا تملك سوى مخزون من الوقود يكفي لأربعة أيام، بالتزامن مع نقص الأكسجين، والأدوية، ونفاد المستلزمات الجراحية، وهي احتياجات تمثل تهديداً مباشراً لاستمرار تقديم الخدمات الطبية.

ولفت إلى الحاجة الملحة لتوفير الوقود، والأكسجين، خصوصاً للمرضى الذين يخضعون لغسيل الكلى، والمرضى في أقسام العناية المركزة، معرباً عن قلقه من تزايد حالات الإصابة بالكوليرا.

وشددت الأمم المتحدة على ضرورة ضمان وصول آمن ومستدام للمساعدات الإنسانية إلى تعز، وسائر المناطق اليمنية المتضررة، في ظل اتساع الاحتياجات، وتراجع قدرة الخدمات الأساسية على الاستجابة.

الكوليرا خارج الحدود

على الجانب الآخر من مضيق باب المندب، تواجه جيبوتي بدورها تحدياً صحياً مع تفشي الكوليرا في مخيم اللاجئين المركزي، حيث سُجلت نحو 31 إصابة بين آلاف الفارين اليمنيين من الهجمات الحوثية، وفق مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

وقال ماثيو سالتمارش، المتحدث باسم المفوضية، إن 20 مصاباً تعافوا، بينما لا يزال عشرة أشخاص يتلقون الرعاية الطبية، مع تسجيل وفاة واحدة.

دعوات أممية من أجل تمكين الوكالات الإنسانية من تقديم المساعدات لسكان تعز المحاصرة (رويترز)

وأضاف أن أكثر من أربعة آلاف شخص وصلوا من اليمن إلى شرق أفريقيا، بينهم نحو 3800 لاجئ وصلوا إلى جيبوتي، ونحو 200 آخرين إلى الصومال.

وتعكس هذه التطورات اتساع نطاق الاحتياجات الإنسانية المرتبطة بالأزمة اليمنية، من موجات النزوح في لحج، وتعز، إلى تحديات الرعاية الصحية، ومخاطر الأمراض في مناطق اللجوء، في وقت تؤكد فيه المنظمات الأممية ضرورة تأمين الوصول إلى المساعدات والخدمات الأساسية للمتضررين.