نجيب ميقاتي... الملياردير الوسطي... ومغامرة التكليف

يحاول قيادة سفينة الحكومة اللبنانية في ظروف استثنائية

نجيب ميقاتي... الملياردير الوسطي... ومغامرة التكليف
TT

نجيب ميقاتي... الملياردير الوسطي... ومغامرة التكليف

نجيب ميقاتي... الملياردير الوسطي... ومغامرة التكليف

لم تغرِ التصريحات التفاؤلية للرئيس المكلف تأليف الحكومة اللبنانية الجديدة نجيب ميقاتي عارفيه بإمكانية تأليف سريع للحكومة، وهي المهمة التي عجز عنها اثنان، أحدهما هو «الرئيس الطبيعي» للحكومة سعد الحريري الذي فشل في التوافق مع رئيس الجمهورية ميشال عون على تشكيلة ترضيهما، فقرر الاعتذار بعد تسعة أشهر على تكليفه، وقبله فعل الشيء نفسه السفير مصطفى أديب، المقرب من ميقاتي، ليقترب لبنان من سنة كاملة بلا حكومة.
فالرئيس ميقاتي – كما يقول أحد معاونيه – يبحث دائماً عن الإيجابيات في كل المواقف، لكن المحير يبقى سبب قبوله تأليف الحكومة فيما يمكن أن يوصف بأنه «مهمة مستحيلة»؛ نظراً للتعقيدات التي تحيط بعملية التأليف. فالرئيس عون الذي لم يتزحزح عن مواقفه رغم كل الضغوط الناجمة عن الانهيار الاقتصادي والمالي والمعيشي ليس أكثر وداً مع ميقاتي مما كان عليه مع الحريري، بل يذهب البعض إلى العكس، خصوصاً أن فريق عون استقبل ميقاتي بحملة إعلامية تتحدث عن «ارتكابات وشبهات» تحيط بميقاتي.
ثم أن النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضية غادة عون المقربة من القصر الجمهوري وجهت ادعاءً رسمياً لميقاتي وأفراداً من عائلته ومصرفاً يمتلك أسهماً فيه، ونسبت إليهم ارتكاب جرم «الإثراء غير المشروع، عبر الحصول على قروض سكنية مدعومة من مصرف لبنان». ورد ميقاتي آنذاك بالدعوة إلى «إنقاذ عهد الرئيس عون». وقال في مؤتمر صحافي عقده، إن الادعاء عليه «رسالة وهي وصلت، وهي أن الكيل طفح منا ومن مواقفنا ومن دفاعنا عن الدستور و(الطائف)»، معتبراً أن ذلك يأتي رداً على امتناعه عن انتخاب عون قبل ثلاث سنوات «لذا سيتم البدء بي، والسيف سيكون فوق رقبتي».
ولد نجيب عزمي ميقاتي، في مدينة طرابلس عاصمة شمال لبنان في 24 نوفمبر (تشرين الثاني) 1955، وتلقى تعليمه الجامعي في الجامعة الأميركية في بيروت، وتابع الدراسات العليا في «المعهد الأوروبي لإدارة الأعمال» في فرنسا وجامعة هارفارد في الولايات المتحدة. ولقد تربى ميقاتي في عائلة متماسكة «يحترم فيها الصغير الكبير ويحنو فيها الكبير على الصغير» كان والداه مثله الأعلى في الحياة. والكل يذكر الدموع التي ذرفها عند وفاة والدته، وقيادته بنفسه السيارة التي تحمل نعشها في رحلتها الأخيرة من بيروت إلى طرابلس. كذلك، يحمل نجيب لشقيقه الأكبر طه - الذي أخذ دور «جمع العائلة» لاحقاً - عاطفة كبيرة لا يتورع عن إظهارها في كل المناسبات. أما زوجته مي دوماني التي رافقته في حياته منذ كان في الـ23 من عمره، فهو يرد إليها «الفضل الأكبر في نجاحه وفي تربية الأولاد على المبادئ العائلية السليمة»، ولديهما ثلاثة أولاد.
وعن عائلته يقول «أنا نشأت في عائلة قوية الروابط، وكان والدَي على تفاهم تام. كنا عائلة متوسطة الحال، وكان اهتمامهما الأساسي هو تعليمنا، وبالفعل تلقينا نحن السبعة أفضل تعليم في أفضل المدراس والجامعات. وكان همهما تأمين كل ما نطلب وتوفير سبل الراحة لنا. ونحن أتينا من عائلتين كبيرتين لأمي وأبي، فكان لدينا رابط عائلي متين مع العائلة الكبرى من جانب الوالدين، وكنا دائماً على تواصل، خصوصاً في فصل الصيف، حيث كنا نصيّف مع كل أفراد العائلة الكبرى في بلدة حصرون بشمال لبنان، وكنا نترافق خلال فترة الصيف باللعب واللهو والطعام والسهرات، وهذا ما خلق رابطاً مشتركاً مع أفراد العائلة».

الاتصالات والأزياء والطيران
تصنف مجلة «فوربس» العالمية الشهيرة نجيب ميقاتي على أنه الرجل الأغنى في لبنان حالياً. جمع ثروته التي تفوق 3.3 مليار دولار أميركي من مجموعة من المشاريع والاستثمارات في لبنان وأفريقيا وأوروبا، أبرزها في قطاع الاتصالات الذي بدأ العمل فيه في عام 1982 مع شقيقه طه. لكن رجل الأعمال نجيب ميقاتي يرفض الحديث عن ثروته التي جمعها من خلال أعماله الناجحة حول العالم بدءاً من قطاع الاتصالات الذي قالت مجلة «فوربس» أنه درّ عليه وشقيقه طه 2.6 مليار دولار من الأسهم لكل منهما جراء صفقة بيع أسهم شركة «إنفستكوم» للاتصالات لشركة «إم تي ان» العالمية.
وللعلم، فإن «مجموعة ميقاتي غروب» باشرت عملية استثمار واسعة، أبرزها شركة «فاسونابل» المشهورة للأزياء بـ210 ملايين دولار، بالإضافة إلى شركة نقل جوي وعشرات الطائرات والعقارات. ولقد ساهم الرئيس ميقاتي في أوائل الثمانينات في تأسيس «إنفستكوم» التي أصبحت رائدة في عالم الاتصالات في الأسواق الناشئة في الشرق الأوسط وأفريقيا. واندمجت لاحقاً في شركة «إم تي إن» MTN العالمية بعد إدراج أسهم «إنفستكوم» في بورصتي لندن ودبي. ولقد بدأ ميقاتي العمل مع شقيقه طه الذي أسس شركة تتعاطى المقاولات الهندسية في أبوظبي، حيث كان بدأ العمل هناك منذ تخرجه عام 1968 في الجامعة الأميركية ببيروت. وإضافة إلى عمله، كان هاوياً لمعدات الاتصال، وكان يهوى تجميع هذه الآلات رغم أنه كان مهندساً مدنياً. وباتت الشركة موجودة في 20 دولة تقريباً. كما دخل الأخوان أيضاً عالم الطيران، حيث امتلكا عدداً كبيراً من الطائرات قاما باستثمارها مع شركات أخرى، بالإضافة إلى شركة طيران اسمها «فلاي بابو» تنطلق من سويسرا.

في عالم السياسة
لا يستغرب نقولا نحاس، النائب في البرلمان اللبناني وصديق رئيس الحكومة المكلف منذ الطفولة، وكذلك عضو كتلته البرلمانية، قبول ميقاتي مهمة تأليف الحكومة في هذه الظروف الصعبة؛ وذلك انطلاقاً من شخصيته. فميقاتي، حسب نحاس «دائماً كان سباقاً ولديه القدرة على الذهاب إلى أماكن قد لا تكون سهلة بالنسبة للآخرين». ويعتبر نحاس أنه ما من شخص يعرف ميقاتي عن قرب إلا وسيلاحظ شخصيته التواقة إلى المبادرة واستباق الأمور، هذا فضلاً عن قدرته على الاندماج مع الآخرين.
وتابع نحاس في حديث مع «الشرق الأوسط»، «أنّ ميقاتي سيقوم بكل جهده لتأليف حكومة انطلاقاً من شخصيته التي يتمتع بها والتي تتميز بقدرة عالية على التواصل مع الآخرين والذهاب إلى الآخر في المواضيع بهدف حلحلتها». قبل أن يضيف، أنّ ميقاتي «يعرف أن التجربة لن تكون سهلة فهو شبهها بمن يرمي نفسه بالحريق، ولكنّه يحاول تخفيف تمدّده، ولن يتلكأ طالما يرى إمكانية ولو ضئيلة لإنقاذ البلد، انطلاقاً من واجبه الوطني».
يضع نحاس الاتهامات الموجهة لميقاتي في ملفات الفساد في إطار «الاتهام السياسي المعروف الأصل»، مشدداً على أن القضاء هو الحَكَم، وليس الشائعات والاتهامات التي لا تمت للحقيقة بصلة. ويعتبر نحاس، أنه لا يمكن اتهام رجل أعمال أو سياسي بأنه فاسد بمجرد أن أخذ قرضاً غير مدعوم وليس من أموال الدولة، ولا سيما أن رجال الأعمال يعتمدون على القروض لتوسعة أعمالهم. وأرف أنّه إذا أردنا لصق تهمة الفساد بكلّ شخص أو سياسي أو رجل أعمال أخذ قرض لكان نصف اللبنانيين فاسدين.

كفى يا سعد!
وفي المقابل، لا يبدو ميقاتي أقل تشبثاً بمواقفه المناوئة لعون - الذي يأخذ عليه ميقاتي سعيه لتقويض صلاحيات رئاسة الحكومة -، بل إنه كان يأخذ على الحريري نفسه «تساهله» مع عون، وواقعة مغادرة عون جلسة مجلس الوزراء طالباً من رئيس الحكومة آنذاك سعد الحريري ترؤس الجلسة، خير دليل على ذلك. حينذاك نقل وزير الإعلام بالوكالة بيار بو عاصي عن الرئيس الحريري «في ختام جلسة مجلس الوزراء نوّه رئيس الحكومة بفخامة رئيس الجمهورية الذي اضطر إلى مغادرة الجلسة طالباً من دولة رئيس مجلس الوزراء ترؤس الجلسة.
واعتبر رئيس الحكومة ثقة الرئيس به دليلاً على ثقة رئيس البلاد بالحكومة وبالمؤسسات الدستورية، وذلك يشكل سابقة إيجابية ودليل خير».
وسارع ميقاتي عبر «تويتر»، معبراً عن استغرابه واستهجانه، قائلاً «أمام هذا الكلام على لسان وزير الإعلام بالوكالة شعرت بالاستفزاز لأمرين: أولهما عدم الاطلاع الكافي على الدستور وثانيهما ما يصيب مقام رئيس مجلس الوزراء». وتابع «لذلك؛ أتوجه إلى دولة رئيس مجلس الوزراء بكل محبة واحترام وأقول له (كفى يا سعد)».
في الواقع، يعتقد كثيرون أن ميقاتي أقل ميلاً لتقديم التنازلات في مواجهة عون، وأكثر تصلباً من سعد الحريري نفسه. فالحريري صاحب «الشرعية السنية» كونه يرأس التيار السني الأكبر في البلاد والكتلة السنية الأكبر في البرلمان، وهو نجل الرئيس رفيق الحريري، في حين أن ميقاتي يكافح من أجل توسيع حاضنته الشعبية السنية التي بناها من الصفر، كما بنى ثروته الكبيرة. أما تجربته مع فريق رئيس الجمهورية وصهره جبران باسيل، فلم تكن سهلة للأخير.
ميقاتي تسلم رئاسة الحكومة في العام 2009 فيما عدّه الحريري آنذاك «ضربة غدر» مزدوجة، الأولى باستقالة وزراء عون وفريق 8 آذار حين كان الحريري في اجتماع مع الرئيس الأميركي باراك أوباما، والأخرى قبول ميقاتي ترؤس الحكومة خلفاً له. واتخذ الحريري عندها موقفاً غاضباً من ميقاتي، لكن الأخير لم يغضب الحريري أكثر من ذلك، بل هو حمى «رجال الحريري» في السلطة، فرفض إقالة قادة أمنيين مقربين من الحريري، وأبقى عليهم إلى جانبه. ثم إنه استقال من رئاسة الحكومة بسبب معلن هو رفض العونيين و«8 آذار» تمديد ولاية أحدهم، كما لم يصدر عنه ما يمكن أن يعد تهاونا في مواجهة «8 آذار»، حتى أن أحد المقربين من باسيل وصفه بـ«العثماني» في تشدده. وهذا الموقف مهّد لاحقاً لمصالحة بين ميقاتي والحريري الذي دعم مرشح ميقاتي لرئاسة الحكومة مصطفى أديب أولاً، ثم ميقاتي نفسه حالياً، علماً بأنهما باتا عضوين في نادي «رؤساء الحكومات السابقين».

إشاعة الأجواء الإيجابية
مع هذا كله، يصرّ ميقاتي على إشاعة الأجواء الإيجابية، فبعد كل لقاء مع عون يتحدث عن تفاهم كامل، في حين يقول المطلعون على الموقف بينه وبين عون بأن «لا جديد تحت الشمس». وقال ميقاتي في أول حديث أجراه بعد تكليفه مع الزميل مرسال غانم، إنه يختلف عن الحريري في شخصيته، ويتفق معه في الموقف. وتابع «كل واحد عنده أسلوبه، ويمكن أسلوبي مريح ميشال عون» متسائلاً «لماذا يجب أن نعمل (مع عون) على طريقة (أم حرقوص وأبو حرقوص)، هو يحرقصني (يناكفني) وأنا أحرقصه (أناكفه)... لا بد من التعاون». وأشار إلى أنه «حتى الآن هناك تفاهم وتعاون كامل بيني وبين رئيس الجمهورية ومهمتنا إنقاذ لبنان ونحن على توافق على المعايير وإبقاء النقاط الخلافية جانباً ويجب أن نطرح أسماء مقبولة من الناس وتعطي أملاً وطموحاً بإمكان إجراء الإصلاح في البلد». لكن ميقاتي وجه رسائل لن تجعل مهمته سهلة في التأليف عندما قال: «لا يمكن أن تكون (وزارتا) الداخلية والعدل ملك فريق معيّن». ولفت إلى أن «الحقائب الأساسية للمرحلة المقبلة هي: الاقتصاد والمال، الداخلية والعدل، ووزارة الطاقة ويجب أن تكون مستقلة وأن تعمل بشكل وطني، ووزارة الاتصالات هي بترول لبنان ويجب أن تبقى كذلك».
ولا يخفي الوزير الأسبق ناظم الخوري، الذي كان وزيراً في حكومة ميقاتي عام 2011، أن الرئيس المكلف «يمتاز بقدرته على تدوير الزوايا»، لافتاً إلى أن هذه الصفة «اختبرتها فيه خلال هذه الفترة رغم معرفتي به منذ كنت نائباً في عام 2000، وكان في تلك الفترة وزيراً للأشغال العامة». يقول الخوري الذي حمل حقيبة وزارة البيئة في حكومة 2011 لـ«الشرق الأوسط»، «خلال فترة ترؤسه حكومة العام 2011، اكتشفتُ فيه شخصاً يمتلك القدرات، وفي مقدمها القدرة على تدوير الزوايا السياسية واجتراح الحلول وتطويق التباينات وحصرها».
ورغم أن ميقاتي كان رئيساً لحكومة كانت توصف بأنها حكومة «قوى 8 آذار»، يقول الخوري، إن الحكومة بالممارسة «تصرفت بطريقة مختلفة جداً، وأدارها بما يثبت أنها لم تكن حكومة (8 آذار) لأنه لم يطبق سياستها في ممارسته الحكومية»، مشدداً على أنه «شخص عروبي، ومدافع شرس عن عروبة لبنان واتفاق الطائف». ويوضح الخوري «أظهر ميقاتي أنه موضوعي، وفي ممارسته كان شرساً في الدفاع عن حقوق الطائفة السنية كممثل لها بالتركيبة الطائفية اللبنانية». وأشار إلى أنه «استطاع أن تكون له علاقات مع كل الأطراف، ويجيد حفظها»، معتبراً أن هذه الميزات «جعلته بعد عشر سنوات مرشح الرئيس سعد الحريري لرئاسة الحكومة الحالية».

العلاقات مع سوريا
ميقاتي الذي كان على علاقة اقتصادية مع سوريا قبل الأزمة السورية، استطاع فصل هذه العلاقة عن الملف المرتبط بالنازحين السوريين بعد اندلاع الحرب السورية، بحسب ما يقول الخوري، مشيراً إلى أن رئيس الحكومة في ذلك الوقت «كان موقفه وطنياً وإنسانياً وأخلاقياً... وفي الواقع برهن أنه وطني بكل مواقفه، ولم يكن متأثراً بعلاقته الاقتصادية (كمستثمر في قطاع الاتصالات في سوريا قبل الأزمة)، كما لم تكن مواقفه نابعة من مسايرة لدمشق بشهادة أشخاص عدة عايشوا تلك الحقبة». ويشير إلى أن ميقاتي «يحيط به فريق من المستشارين الذين يمتازون بكفاءاتهم العالية التي يستطيع أن يستفيد منها ويمتلكون رؤية، وقد اختبرنا ذلك في فترة توليه رئاسة الحكومة في السابق».
وبخلاف موقفه المتشدد من صلاحيات رئيس الحكومة كان ميقاتي من دعاة «الوسطية»؛ إذ يأخذ البعض على ميقاتي «طوباويته» في السعي إلى إقامة «الفكر الوسطي» في لبنان ومنه إلى العالم العربي، لكن ميقاتي يبرر اتجاه نحو «الوسطية» - التي تختلف عن أحزاب الوسط - بأنها «أتت على ضوء ما شهدناه في السنوات الماضية من الاتجاه نحو المزيد من التطرف والمواقف الغريبة عن أدائنا وعن روحنا العربية والإسلامية».
كذلك، يشدد ميقاتي على ريادة «التجربة اللبنانية» في مجال الوسطية، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» في حديث سابق «إن ما شهدناه في لبنان يؤكد لنا أن هناك دائماً نقطة التقاء، وأنه لا يمكن حصول اللقاء إذا لم يتقدم كل طرف نحو الآخر للقاء في منتصف الطريق... فلماذا لا نوفر على أنفسنا وعلى الناس مشقة التجربة مراراً وتكراراً ونوفر المزيد من الدماء والعنف والتشنج.
في لبنان، النموذج هو اتفاق الطائف، وهناك قضايا عربية أخرى ملحة كالموضوع الفلسطيني والموضوع العراقي، ولا بد دائماً من حل وسط يرضي الجميع».
ويرفض ميقاتي الاتهامات الموجهة إلى الوسطية بأنها رمادية ويعتبر أن الوسطية في الأمور الأساسية هي قمة الجرأة، مشيراً إلى أنه لا يوجد وسطية في قضية فلسطين بين المحتل ومن هو تحت الاحتلال... ويقول «الوسط هو المكان الذي يلتقي فيه الجميع؛ لأن الالتقاء عنصر أساسي في تقريب وجهات النظر، نحن في حاجة إلى المزيد من الاستقرار والاتفاق؛ فالخلافات الداخلية أمر ندفع ثمنه دائماً. لبنان نموذج للوسطية...عندما تضع نفسك مكان الآخر، والعكس حتماً سنصل إلى حلول».



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.