مهرجان لوكارنو يعود بنبض مشبع بأفلام العالم

لبناني وأردني بين عروضه

لقطة من «بَكِت» فيلم الافتتاح
لقطة من «بَكِت» فيلم الافتتاح
TT

مهرجان لوكارنو يعود بنبض مشبع بأفلام العالم

لقطة من «بَكِت» فيلم الافتتاح
لقطة من «بَكِت» فيلم الافتتاح

‫انطلق يوم أول من أمس (الأربعاء) مهرجان لوكارنو السينمائي في دورته الرابعة والسبعين. هو، منذ دورته الأولى سنة 1946. حمل لعالم السينما ومهرجاناتها منصّة خاصّة للأفلام التي ينجزها مخرجون جدد في أول أو ثاني أفلامهم. عبر تاريخ طويل عرض لمجموعة هائلة من الأسماء التي عرفت لاحقاً شهرة واسعة ولأخرى لم تنجز النجاح ذاته لكنها، على الأقل، سعت إليه في عقر دار مهرجان فتح أبوابه (وشاشاته) لها.‬
مهرجان لوكارنو هو أحد الخمسة الأكبر سنّاً من معظم المهرجانات العالمية الأخرى. هذا الوجود بدأ سنة 1933 بإقامة مهرجان فينيسيا، ثم سنة 1946 بإطلاق مهرجاني «لوكارنو» و«كان». في عام 1951 وُلد مهرجان برلين وبعده بسنتين وُلد مهرجان سان سابستيان.
لم يحرص «لوكارنو» في البداية على عرض الأفلام الأولى والثانية لمخرجيها، بل توجه صوب ذلك لاحقاً. الدورة الأولى شهدت أفلاماً لمخرجي الفترة كالفرنسي رينيه كلير الذي عرض نسخته من رواية أغاثا كريستي «ثم لم يعد هناك أحد» وكالإيطالي روبرتو روسيلليني الذي شهد الحضور فيلمه الممتاز «روما، مدينة مفتوحة». كذلك وجود الأميركي بيلي وايلدر عبر فيلمه الشهير «تأمين مزدوج» وهذا من بين خمسة عشر فيلماً شوهدت في صالة فندق «غراندي» في تلك المدينة التي لم تكن بعد أكثر من بلدة نائمة على شاطئ البحيرة وتحت أقدام الجبال المحيطة بها.
في تلك الدورة الأولى فاز فيلم رينيه كلير وفاز كلير نفسه بجائزة أفضل مخرج. أفضل تصوير ذهبت للفيلم الروسي «إيفان المريع» (معروف بيننا بـ«إيفان الرهيب») لسيرغي أيزنشتاين (تحديداً للجزء الأول من هذا الفيلم المزدوج الذي قام بتصويره كل من أدوار تيس وأندريه موسكفِن.
بعد عشر سنوات وجدناه ما زال حريصاً على فتح مسابقته على أفلام مخرجين محترفين مثل مايكل أنجلو أنطونيوني الذي خرج سنة 1957 بجائزة أفضل فيلم عن «الصيحة» (عرض في بريطانيا والولايات المتحدة تحت عنوان «نساء حياته»). الأميركي سيدني لومِت فاز بتنويه خاص عن «12 رجلاً غاضباً». ومن الذين عرض لهم البرازيلي غلوبر روشا والمجري بيلا تار والبريطاني مايك لي والسويسري ألان تانر والفرنسي كلود شابرول كما الروسي ألكسندر سوكوروف.
الالتزام بأفلام أولى وثانية لمخرجيها حدث في أواخر السبعينات وطوال العقدين التاليين إلى أن عاد التواؤم بين الأسماء الجديدة وتلك المحترفة إلى الواجهة كحال الدورة الحالية.

صدمة أميركية وسجن روسي
في السنوات الأخيرة انتقلت إدارة المهرجان السويسري أكثر مرّة لكي ترتاح هذا العام بين يدي مدير فني جديد هو جيونا نازارو الذي يتسلم وظيفته بعد عام من إغلاق المهرجان أبوابه في السنة الماضية بسبب «كورونا». هذه المرّة هناك جهد مبذول لا لتحدي الظروف فقط، بل للبرهنة على أن الدورة تستطيع الاستفادة من الزخم الكبير من الإنتاجات المتوفرة.
فيلم الافتتاح ليل الأربعاء الماضي (لكن بعد عروض تمهيدية خارج المسابقة بدأت على نحو غير رسمي في اليوم الأسبق) هو «بَكِت» (Beckett) للمخرج الإيطالي فرديناندو شيتو فيلومارينو. دراما تشويقية تدور في رحى أفلام المؤامرات النظرية، بطلها سائح أفرو - أميركي (جون ديفيد واشنطن، ابن دنزل واشنطن وبطل فيلم Tenet في العام الماضي) حط في اليونان مع صديقته (أليسيا فيكاندر) وتعرّض لحادث سيارة (والفيلم ما زال في مطلعه) خرج منه بصدمة تجعله، ولفترة، غير قادر على التمييز بين ما يعتقد أنه واقع وبين ما هو واقع فعلاً. هذا قبل أن يستقر رأيه على أنه بات، من حيث لا يريد، جزءاً من محاولة قتل تحركها مؤامرة تكاد أن تقترب من مستوى السياسة لكنها تحتجب تحت ستار الفيلم البوليسي (من حيث التشويق).
هذا فيلم فيلومارينو الثاني بعد «أنطونيا» قبل خمسة أعوام والفارق ملموس: الأول كان عملاً حمل شخصية المخرج الفنية التي تنبأت بولادة موهبة حسّاسة ومرهفة. هذا الفيلم هو انسياق في المعهود من أفلام نظرية المؤامرات لا يصل إلى ما ابتدعه، على سبيل المثال، ألان ج. باكولا في «بارالاكس فيو» وسواه في السبعينات الرائعة، لكنه يحتوي على مقدار جيد من المشاهد المعنى بتنفيذها ولو أنها أبعد ما تكون عن أي منحى فني ذاتي. مشكلة الفيلم الأولى هي أن بطله يبدو مشتتاً وغير قادر على فهم ما يدور. هذا جيد كبداية لكنه يستمر هنا لفترة أطول مما ينبغي.

عربيان
الأفلام التي يعرضها لوكارنو في هذه الدورة متعددة بطبيعة الحال و- على الورق على الأقل - واعدة. من بينها فيلم «الأزقة» (يحمل أيضاً عنوان «الحارة») للأردني باسل غندور الذي كتبه مع المخرج ناجي أبو نوار صاحب فيلم «ذيب» الذي سحر من شاهده في مهرجان فينيسيا سنة 2014. «الأزقة» كان سجل أول حضوره في مهرجان القاهرة السينمائي في العام الماضي لكن عرضه في إطار لوكارنو هو «البرميير» الأوروبي الأول.
لجانبه في المسابقة «100 دقيقة» وهو فيلم عودة للمخرج الروسي غلب بانفيلوف صاحب «لا ممر عبر النار» (الذي نال عنه ذهبية لوكارنو سنة 1969) وهذا هو أول فيلم له منذ أكثر من عشر سنوات وفيه يعود لوقائع الحرب العالمية الثانية. ليس فيلماً حربياً، بل دراما حول المعتقلين الروس في المعسكرات الألمانية الذين عادوا إلى بلادهم ليفاجئهم ستالين بوضعهم في سجون أخرى بتهمة التعاون مع العدو!.
فيلم عربي المنشأ آخر نجده في «النهر» الذي هو إنتاج يحمل اسم لبنان ولو أن تمويله الأساسي موزع بين قطر وفرنسا وألمانيا. هو للمخرج اللبناني غسان سلهب الذي كان توجّه إلى لوكارنو بأحد أفلامه المبكرة («الرجل الأخير») قبل خمس عشرة سنة. في «النهر» حكاية أخرى من حكاياته التي تغوص في جوانب الحرب الأهلية اللبنانية. هنا قصّة زوجين (علي سليمان ويمنه مروان) يندفعان للنجاة بنفسيهما صوب بقعة جبلية بعيداً عن الحرب التي اندلعت على حين غرّة.
بالعودة للأفلام الأجنبية، هناك فيلم آخر لمخرج لا يتكرر اسمه كثيراً (ربما من حسن الحظ) هو شون ليفي. هو منتج تلفزيوني وسينمائي أكثر منه مخرجاً وآخر فيلم حققه كان «ليلة في المتحف: سر القبر» سنة 2014. في فيلمه الجديد «رجل حر» (Free Guy) قصّة مطروقة (يبقى معرفة اختلافها تنفيذاً) حول الرجل الذي يجد نفسه شخصية داخل لعبة فيديو. يقوم رايان رينولدز بالبطولة ويحاصره الممثل - المخرج النيوزلاندي تايكا وايتيتي («جوجو رابِت») والجديدة جودي كومر.
والممثل الأميركي إيثان هوك يضطلع ببطولة الفيلم الجديد لأبل فيريرا Zeros and Ones. مثل بطل «بَكِت» هو رجل أميركي يعايش حكاية تقع في أوروبا. لكنه ليس سائحاً، بل مقيماً في روما حيث تقع الأحداث. هنا أيضاً نظرية مؤامرة كونية لا يجب أن تتم.
وبين الأفلام الفرنسية المعروضة «اسم سري» لأوريلا جورج. هذا فيلم لمخرجة عرضت فيلميها السابقين في مهرجان كان وهما «السائر» (2007) و«الفتاة والنهر» (2014). مثل الفيلم الروسي آنفاً (100 دقيقة) يدور في رحى الحرب وفحواه امرأة تعمل ممرضة وتستغل وفاة امرأة ثرية لتتقمّص شخصيتها.
فيلم الختام سيكون إنتاجاً أميركياً آخر عنوانه «احترام» (Respect) يتمحور حول «ملكة أغاني الصول» أريثا فرانكلين وهو من إخراج سينمائية جديدة اسمها لييسل تومي. الفيلم سيرة حياة تتوقف عند أهم مراحل الفنانة الأفرو - أميركية وتقوم بتشخيصها جنيفر هدسون وبقربها بعض الأسماء المعروفة مثل فورست ويتيكر ومارلون وايانز.



فيلمان من «تورنتو»... أحدهما عن مستقبل مجهول والآخر عن ماضٍ منسيّ

باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)
باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)
TT

فيلمان من «تورنتو»... أحدهما عن مستقبل مجهول والآخر عن ماضٍ منسيّ

باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)
باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)

BUNKER

★★★⭐︎

• إخراج: فلوريان زَلر

• فرنسا/ إسبانيا (2026)

• عروض: بمهرجانَي فينسيا وتورنتو

يبدأ «ملجأ» ببطله خافييه باردام وهو جالس إلى طاولة طعام يتحدّث. أتذكّر سريعاً أنها بداية فيلمه ما قبل الأخير «المحبوبة» لرودريغو سوروغويان؛ إذ يبدأ الفيلم بالبطل جالساً إلى طاولة (في مطعم آخر طبعاً) وهو يتحدّث أيضاً. لكن عند هذا الحد ينتهي التشابه بين الفيلمين اللذين ينتميان إلى نوع من الدراما التي تسبر أعماق شخصياتها. في «المحبوبة» هو مخرج يحاول دفع ابنته (فكتوريا لوينغو) لتجاوز موقفها تجاهه، وقبول الفرصة التي يتيحها لها لتصبح ممثلة أفضل. وهنا هو مهندس معماري يواجه أزمة مع زوجته (بينيلوبي كروز) تكاد تؤدي بهما إلى قطيعة.

في فيلمه الجديد يلعب باردام دور المهندس المعماري الإسباني «ميغويل» الذي يعيش مع زوجته «صوفيا» وابنتَيهما في لندن. يتلقّى عرضاً مغرياً لتصميم ملجأ عميق تحت الأرض استعداداً لمستقبل يلفّه الغموض. العارض هو واحد من رجال المؤسسات الملياردية الكبيرة (فكّر أمازون أو يوتيوب)، وهو معجب بفن «ميغويل»، ويرفع الأجر المغري إلى الضعف عندما يصل إليه نبأ تردد المهندس في قبوله. سبب التردد هو أن «صوفيا» لديها سؤال مهم حول هذا المشروع وصاحبه: ما الذي يعرفه هذا الملياردير عن المستقبل لا نعرفه بحيث يصر على بناء ذلك الملجأ المحصّن المزوّد بمؤونة كافية لسنة كاملة؟ يتنامى لدى «ميغويل» شعور بأن مشاعر زوجته نحوه بدأت تتبدد. هي رئيسة تحرير كتبت في دار نشر، وتتعامل حالياً مع مؤلف أميركي شاب وجذّاب اسمه «جيريمي» (باتريك شوازنيغر)، وهناك بوادر بداية علاقة خارج المهنة يحسب الزوج لها حساباً كبيراً.

هناك أيضاً جاره «توبي» (ستيفن غراهام) الذي يهدم جزءاً من جدار بيته، ما يجعله قادراً على رؤية ما يدور في منزل «ميغويل» الذي يستاء من ذلك، ويطالب «توبي» بسد الثغرة. سيلي ذلك تحوّل بسبب أحداث لاحقة تُساهم في تغيّر موقف «ميغويل» من كل شيء.

المعالجة الكلّية لمجمل هذه الأحداث ونتائجها جيّدة. ما زال المخرج في هذا الفيلم (الثالث له) متمكناً من إدارة الممثلين كما ظهر في فيلمَيه السابقين «الأب» (مع أنطوني هوبكنز) و«الابن» (مع زن ماغراث).

بعض ذلك يعود إلى خلفية المخرج المسرحية التي يمكن ملاحظتها جيّداً في هذا الفيلم، ليس فقط على صعيد إدارة الممثلين بفاعلية، بل كذلك باختيار سرد حكايته (أو حكاياته بالأحرى) في مشاهد داخلية غالباً، وعلى نحو لا خلل فيه مع غياب شبه دائم للمشاهد الخارجية.

BEING HEUMANN

★★

• إخراج: شيان هيدر

• الولايات المتحدة (2026)

• عروض: فيلم افتتاح «تورنتو»

«أن تكون هيومان» هو ثاني فيلم للمخرجة هيدر عن شخصيات تعاني من إعاقة. في فيلمها السابق «كودا» (CODA)، تناولت هيدر قصة فتاة شابة تنتمي إلى عائلة من الصم، وتُعدّ الوحيدة القادرة على السمع والنطق بينهم، في حين تحلم بمستقبل مهني في الغناء. هنا تعود هيدر إلى موضوع الإعاقة عبر سيرة جودي هيومان، الناشطة التي قادت في سبعينات القرن الماضي حملة للمطالبة بحقوق ذوي الإعاقة الحركية في الولايات المتحدة. الفيلم مقتبس من مذكراتها، وتؤدي شخصيتها روث ماديلي.

لقطة من «أن تكون هيومان» (آبل فيلمز)

عودة المخرجة لتقديم فيلم عن معاقين لا تخلو من الرغبة في استخدام السلّم الذي أوصلها للفوز بثلاث أوسكارات عن «كودا» سنة 2022. يكشف الفيلم الجديد رغبة هيدر في تكرار نجاح «كودا»، لكن من دون امتلاك المقومات ذاتها. فكما يعود إلى موضوع الإعاقة، يعود أيضاً إلى استثمار القضية سعياً وراء التعاطف والإعجاب، من دون معالجة درامية ناضجة أو مقنعة. ليس هناك من مشهد واحد في كلا الفيلمين بريء من الاستغلال الفوري للفكرة، ومن تنفيذ خفيف لموضوع مهم يتم تقديمه عبر أسلوب هو أقرب لمن ينقر على مفاتيح البيانو من دون تأليف معزوفة.


«الشرق الأوسط» في مهرجان تورونتو (2): مشكلة اسمها «هوليوود الحذرة»

إيزابل أوبير (اليسار) في «كل شيء عن كورين» (أڤنيو ب برودكشنز)
إيزابل أوبير (اليسار) في «كل شيء عن كورين» (أڤنيو ب برودكشنز)
TT

«الشرق الأوسط» في مهرجان تورونتو (2): مشكلة اسمها «هوليوود الحذرة»

إيزابل أوبير (اليسار) في «كل شيء عن كورين» (أڤنيو ب برودكشنز)
إيزابل أوبير (اليسار) في «كل شيء عن كورين» (أڤنيو ب برودكشنز)

شهد مهرجان تورونتو في نصف قرن مضى تحوّلين أساسيين امتد كل منهما لبضعة عقود.

في البداية أراد هذا المهرجان الكندي الكبير منذ إطلاق دورته الأولى سنة 1976، أن يكون حدثاً متواضعاً. أطلق على نفسه اسم «مهرجان المهرجانات» لأنه لم يرغب في المنافسة مع مهرجانات أميركية أو أوروبية ولا حتى استقطاب عروض دولية أولى. ما سعى إليه هو استقطاب أفضل ما عرضته المهرجانات الأخرى من برلين وكان ولوكارنو وفينيسيا وكارلوڤي ڤاري وسان سيباستيان وقليل سواها، وتقديمها لجمهوره.

لم ير داعياً لجوائز ذهبية وفضّية، وبالتالي لم يصرف سنتاً واحداً على دعوة سينمائيين يؤلّفون لجان تحكيم. الغاية كانت توفير الأفضل لسكان مدينة تورونتو والقادمين إليها لا أكثر من ذلك.

هذا القرار أبعده، منذ البداية، عن طرح نفسه منافساً للمهرجانات الكبيرة المذكورة أعلاه وسواها.

كان سبقه إلى هذا المنوال مهرجان لندن الذي افتتح دوراته سنة 1957 متبعاً المبدأ ذاته، ولو أنه في ذلك الحين كان أصغر حجماً من تورونتو، على عكس ما بات عليه اليوم من حيث الحجم والشأن وتعدد الصالات التي تعرضه وكثرة الأفلام التي تقصده. هو بدوره استمتع لحين بعبارة «مهرجان المهرجانات» التي تصف باختصار ما كان عليه.

حضور...

التحوّل الثاني لمهرجان تورونتو حدث في عام 1994 عندما تخلّى عن ذلك التواضع السابق ومحى عبارة «مهرجان المهرجانات» وأضاف لاسمه، ولأول مرّة، كلمة «الدولي» فبات يُعرف من حينها بـ«مهرجان تورونتو السينمائي الدولي».

استمر المهرجان على نهجه بالاستغناء عن لجان التحكيم الرسمية وعدم منح جوائز باستثناء تلك التي لا علاقة للإدارة بها. جائزته الوحيدة باسمه لم تتطلب لجنة تحكيم لأنها نتيجة تصويت المشاهدين، وهؤلاء تزايد عددهم عاماً بعد عام خصوصاً في العقود الثلاث الأخيرة. وحسب مصدر من إدارة المهرجان بلغ عدد حضور دورة 2010 قرابة 286 ألف مشاهد. بعد خمس سنوات ارتفع العدد إلى 384 ألف مشاهد، وفي عام 2020 وصل إلى 480 ألف مشاهد، وهو المعدّل الذي ما زال المهرجان عليه.

هذه السنة شهد المهرجان حضور النجوم بنيلوبي كروز وخافييه باردام لحضور عرض فيلمهما «ملجأ» (Bunker) وحضرت هيلين ميرين عن فيلم «موهبة للجريمة» (A Talent for Murder) وتؤدي فيه دور الكاتبة المتخصصة في أدب الجريمة النفسية باتريشا هايسميث. كما حضر النجم غاري أولدمان (دعوة خاصّة) وكريس روك عن «أخضر ضبابي» (Misty Green) وإيرابل أوبير عن «كل شيء عن كورين» (All About Corinne) ومارك روفالو عن فيلم الافتتاح (Being Heumann). وشهد المهرجان أيضاً حضور النجوم أدام درايڤر وميشيل يوه وأماندا سايفرايد وماهرشالا ألي وآنا كندريك وناوومي ووتس وكريستوفر وولكن، كل بمصاحبة فيلمه الذي خصص له افتتاح دولي في قسم «غالا».

الممثلة البريطانية هيلين ميرين حاضرة (غيتي)

على ذلك، فإن مدى هذا النجاح قياساً بنجاح المهرجانات الأخرى الكبيرة يطرح تساؤلات محقّة.

قبل نحو ست سنوات بدا أن مهرجان تورونتو قد قلب المعادلة ليصبح مستقبل المهرجانات السينمائية. التساؤل حول مصير المهرجانات ذات الجوائز انطلق من النموذج الكندي المتمثّل هنا؛ إذ هو كبير الحجم والشأن معاً ويعتبر بوابة لسينمات العالم الطامحة في دخول السوق الأميركية.

لكن نجاح تورونتو المضطرد لم يؤثر على المهرجانات الأوروبية إلا من حيث أنه بات رسمياً المهرجان الذي تقصده الأفلام الباحثة عن فرصة دخول موسم الجوائز، وصولاً إلى الأوسكار أو العروض التجارية في الولايات المتحدة.

بذلك ما زال تورونتو مقصداً مهمّاً وخاصة في الوقت الذي لا يبدو أن هوليوود مهتمّة كثيراً بالمهرجانات الأوروبية مثل كان وبرلين و- إلى حد - فينيسيا، ولكنها ما زالت تقبل على تورونتو إن لم يكن لشيء فبسبب جمهوره الكبير وابتعاده عن منهج المسابقات التي، بحكم طبيعتها، ترفع شأن بعض الأفلام وتحط شأن بعضها الآخر.

ما يؤخذ على مهرجان تورونتو هذا العام والأعوام القليلة السابقة أن اهتمامه بالبقاء على القمّة عبر حشد الأفلام الأميركية يتمّ على حساب النوعية، خصوصاً بالنسبة للأفلام الآتية من هوليوود.

... وغياب

لا يفتقر تورونتو إلى التمويل، فالحكومة الكندية تدعمه بـ23 مليون دولار كل سنة، ما يسمح له بالمحافظة على مكانته ونجاحه المتواصل. لكن تبقى هناك مشكلة تتمثل في أن نوعية الأفلام الأميركية التي يخصص لها ولنجومها قسم «غالا» ليست بالمستوى المطلوب فنياً.

في الواقع لن نجد في هذه الدورة فيلم أليخاندرو غونزاليز إيناريتو الجديد «حفّار» (Digger) بطولة توم كروز، ولا فيلم ديڤيد فينشر «المزيد من مغامرات كليف بوث المتعثرة» (The Further Mis‪ - Adventures of Cliff Booth) من بطولة براد بت.

وتردد أن «العقل والعاطفة» (Sense and Sensibility) وهو الاقتباس الأحدث عن رواية جين أوستن سيشهد عرضه العالمي في تورونتو هذا العام، لكن هذا لم يحدث كما كان متوقعاً.

فيلمان آخران كانا من المنتظر أن يسعيا إلى شاشات تورونتو هذا العام هما «ويروولف» (Werwulf) لروبرت إيغرز و«المحاسبة المجتمعية» The Social Reckoning لكن هذا لم يحدث.

«المحاسبة المجمعية» (ألكون انترتاينمنت)

بالنسبة لمهرجان بنى نجاحه على أفلام العروض الاحتفائية، فإن غياب مثل هذه الأفلام المهمّة، مع غياب نجومها ومخرجيها، يتبدّى كتحذير لما قد يصبح انحساراً للعروض الأميركية النوعية كحال ما يحدث في المهرجانات الأوروبية حالياً.


أفلام من فلسطين ولبنان تُعزِّز السينما العربية في «فينيسيا»

الفيلم الفلسطيني «المواطن أسامة» (ملف مهرجان فينيسيا)
الفيلم الفلسطيني «المواطن أسامة» (ملف مهرجان فينيسيا)
TT

أفلام من فلسطين ولبنان تُعزِّز السينما العربية في «فينيسيا»

الفيلم الفلسطيني «المواطن أسامة» (ملف مهرجان فينيسيا)
الفيلم الفلسطيني «المواطن أسامة» (ملف مهرجان فينيسيا)

بات مألوفاً أن نجد في برامج المهرجانات العالمية أفلاماً عربية، سواء أكانت عربية الإنتاج، أم ممولة أجنبياً، أم ثمرة مساهمات إنتاجية مشتركة.

من «فينيسيا» إلى «تورنتو»، ومن «كان» و«لندن» و«كارلوفي فاري» و«لوكارنو» و«روتردام» في أوروبا، إلى «صندانس» و«نيويورك» و«شيكاغو و«بالم سبرينغز» في الولايات المتحدة، ثمة زخم سنوي من الأفلام الموقّعة بأسماء مخرجين ومخرجات عرب.

هنا، في الدورة الـ83 من هذا الحدث الكبير، نجد أفلاماً من لبنان ومصر والأردن وفلسطين والعراق، إلى جانب أفلام لمخرجين عرب اعتمدوا على تمويل خارجي، أو على تمويل مختلط بين جهات أجنبية وصناديق دعم عربية.

إنه احتفاء يأتي في وقته بسينما عربية زاد عمرها على 100 عام؛ نشأت في مصر وانتشرت في دول عربية أخرى، من تونس إلى سوريا، ومن لبنان إلى العراق والأردن والمغرب والجزائر، ثم شملت السعودية والكويت والبحرين، من دون أن ننسى السينما الفلسطينية.

لا يمكن اعتبار اعتماد فيلم ما في إنتاجه على تمويل أجنبي ضرباً من اللجوء إلى الغرب، أو استحضاراً لسلبيات علاقته بالشرق العربي أو دوره في شأن أو آخر. فالفيلم لغة عالمية، ولا ضير في أن يبحث صنّاعه عن منفذ تمويلي من أي مكان، خصوصاً أن التمويل العربي الخالص ليس متوفراً في غالبية البلدان العربية، إلا ضمن نطاق إنتاجات تجارية لا تهدف أساساً إلى تحقيق نجاح مهرجاني.

ولا بد من الإشارة كذلك إلى أن الدول العربية ليست متساوية على صعيد الإنتاج السينمائي؛ فهو مرتفع في بعضها ضمن الحدود الممكنة، ومنخفض أو قليل في بعضها الآخر، بينما قلّما ينتج بعضها الثالث فيلماً واحداً خلال 5 سنوات، إما بسبب حرب أهلية وإما نتيجة تجاهل حكوماتها دعم السينما وفنانيها.

الفيلم اللبناني «غضب» (ملف مهرجان فينيسيا)

لم تعد هامشية

يعود إلى زمن بعيد تاريخ توجّه السينما العربية إلى المهرجانات العالمية. وقد تمّت الخطوات الأولى عبر أفلام من مصر ولبنان. فقد قدّم المخرج اللبناني جورج نصر فيلمين في مهرجان «كان»، أواخر الخمسينات ومطلع الستينات، وسبقه إلى الحضور في ذلك المهرجان صلاح أبو سيف ويوسف شاهين وكمال الشيخ، من بين آخرين في تلك الفترة.

وساد غياب شبه كامل في النصف الثاني من الستينات وصولاً إلى الثمانينات قبل أن تعاود السينما العربية فتح نوافذها المطلّة على المهرجانات الكبرى الثلاثة «برلين» و«كان» و«فينيسيا». في التسعينات اتسعت الدائرة لتشمل مهرجانات أخرى، ثم ازدادت اتساعاً مع مطلع القرن الحالي، قبل أن يتحوَّل حضورها اليوم إلى ظاهرة متجددة في العديد من المهرجانات حول العالم.

من بين العوامل التي أخّرت دوران عجلة الأفلام العربية في المهرجانات العالمية أن كثيراً من تلك المهرجانات لم يرغب في زجّ نفسه في القضايا التي عادةً ما تطرحها هذه الأفلام. ولم يكن القائمون عليها يدركون أن هذه القضايا، سواء أكانت سياسية أم اجتماعية، ستستقطب الاهتمام والحضور.

يضاف إلى ذلك أن شركات الإنتاج والتوزيع الغربية نظرت، حتى منتصف العقد الأول من القرن الحالي، إلى الأفلام العربية بعين متشككة. فقد رأت أنها غير مؤهلة لتحقيق نجاح تسويقي، وتساءلت عن جدوى الاهتمام بها، ما لم تكن ممهورة بتوقيع واحد من عدد محدود من المخرجين العرب، أمثال يوسف شاهين ومحمد لخضر حمينة ورضا الباهي.

أما بالنسبة إلى الأفلام التي تتناول فلسطين، فلم يكن الاهتمام الغربي منصبّاً على «القضية الفلسطينية»، بل على ما يمكن وصفه بـ«القضية الإسرائيلية». لكن سياسات بنيامين نتنياهو أسهمت، من حيث لم يرد، في تحويل الدفة لمصلحة القضية الفلسطينية.

ويعود التحوّل التدريجي أيضاً إلى أن الأحداث التي يمر بها العالم العربي، والوضع الفلسطيني على وجه الخصوص، لم تعد شؤوناً محلية. فالعالم يريد الاطلاع على إنتاجات روائية أو وثائقية تساعده على الاقتراب أكثر مما يجري. والأخبار الصحافية، مقروءة كانت أم مصوّرة، تنقل الحدث غالباً، لكن أسبابه وخلفياته تبقى مغلّفة بالمشهد الآني، مما يدفع الجمهور إلى البحث عن عمق في المضامين وصدق في الحكايات.

والسينما العربية الجديدة تؤمّن ذلك غالباً؛ فقد أسهمت أفلام ميشيل خليفي ومي مصري وكوثر بن هنية ورشيد مشهراوي في توسيع دائرة المعرفة، ومنحت مشاهديها رؤى جديدة.

امتلاء القاعات في عروض 7 أفلام عربية يؤكد تنامي اهتمام الجمهور

أصوات جديدة

لا يخفى تأثير الأحداث السياسية في توجّه المهرجانات نحو السينما الناطقة بالعربية. ولم يعد ممكناً تجاهل هذه السينما، نظراً إلى الإقبال الجماهيري على أفلامها. وقد امتلأت القاعات خلال عروض الأفلام العربية السبعة هنا.

وفي أحد تلك العروض، وهو فيلم «المواطن أسامة»، وقف الجمهور مصفقاً بحرارة لفيلم لم يتمكن مخرجه أحمد حسّونة من الحضور، بسبب الكم الكبير من العراقيل التي تضعها إسرائيل أمام الفلسطينيين؛ فهي تطالبهم بالرحيل، وإذا رفضوا كان الحصار، فضلاً عن القصف، هو الرد الظالم عليهم.

الفيلم من إنتاج رشيد مشهراوي، صاحب الباع الطويل في ترسيخ حضور السينما الفلسطينية مخرجاً ومنتجاً على مدى عقود.

يتابع «المواطن أسامة» (رسمياً خارج المسابقة) حياة المصوِّر الصحافي أسامة العشّي، الذي يتحرك يومياً لتوثيق الأحداث على الأرض تحت لهيب القذائف، وما تخلّفه من دمار يطول الإنسان ووطنه، بالتوازي مع سعيه إلى رعاية عائلته. لا يسعى الفيلم إلى رفع شعارات مباشرة، بل إلى نقل صورة واقعية، كتلك التي قدمتها كوثر بن هنية في فيلمها المدوي «صوت هند رجب».

وعُرض فيلم فلسطيني ثانٍ لصوت سينمائي جديد ضمن قسم «سبوتلايت»، هو «حوار مع البحر» لمؤيد عليان. لا يتناول الفيلم الحرب نفسها، بل تكمن أهمية الفيلم في تناوله حالةً ممتدة عبر أجيال من الفلسطينيين، يختصرها رجل يبحث عن الحقيقة.

وسبق للمخرج اللبناني رامي قديح أن خاض تجارب سينمائية متعددة، قبل أن يقدّم، بنجاح لافت في القسم نفسه، فيلمه «غضب»؛ عن شقيقتين تثوران على امتناع المصارف عن رد أموال المودعين، ما يدفعهما لسرقة المصرف في سلسلة من الأحداث التشويقية المتلاحقة.

أما الوضع اللبناني خلال الحرب الأهلية، فيتناوله فيلم «لحظات قليلة من السعادة»، من خلال امرأة تعيش في باريس وتتابع أخبار الحرب الدائرة بكثير من الشجن والقلق. والفيلم قصير، من إخراج شادن صفي الدين، وهو إنتاج بريطاني - فرنسي مشترك.

من «لا جنة لمن تقتله امرأة» (ملف مهرجان فينيسيا)

وعلى صعيد الإنتاجات المشتركة أيضاً، عُرض فيلم «لا جنة لمن تقتله امرأة» للمخرج هلكوت مصطفى، وهو كردي عراقي، يتناول قصة قنّاصة كردية تبحث عن شقيقتها التي اختفت خلال الحرب ضد تنظيم «داعش» في العراق، في منتصف العقد الماضي.