سوريا في العام الخامس لـ«الثورة»: كيانات مسلحة تعكس تنامي العصبيات القومية والمذهبية

معارضون يحملون النظام مسؤولية «عسكرة» الثورة وبروز التشدد

صورة لسورية تحاول تجاوز سيارة مشتعلة بفعل قصف قوات النظام لمنطقة في شمال حلب في مايو الماضي (أ.ف.ب)
صورة لسورية تحاول تجاوز سيارة مشتعلة بفعل قصف قوات النظام لمنطقة في شمال حلب في مايو الماضي (أ.ف.ب)
TT

سوريا في العام الخامس لـ«الثورة»: كيانات مسلحة تعكس تنامي العصبيات القومية والمذهبية

صورة لسورية تحاول تجاوز سيارة مشتعلة بفعل قصف قوات النظام لمنطقة في شمال حلب في مايو الماضي (أ.ف.ب)
صورة لسورية تحاول تجاوز سيارة مشتعلة بفعل قصف قوات النظام لمنطقة في شمال حلب في مايو الماضي (أ.ف.ب)

تحل يوم غد الأحد الذكرى الرابعة لاندلاع الأزمة السورية. بعد أن بدأت ثورة سلمية انطلقت شرارتها في احتجاجات فيما سمي «يوم الغضب السوري» حين خرجت مظاهرة حاشدة في دمشق القديمة. وخلال أيام، انتشرت المظاهرات السلمية المطالبة بحفظ حقوق السوريين وهتافات من أجل «الحرية». إلا أن النظام السوري رد على المظاهرات بالقوة المفرطة، مما أدى إلى حمل مجموعات سورية مختلفة السلاح. وخلال السنوات الأربع الماضية، تشعبت الأطراف المسلحة، الرافضة للنظام السوري والداعمة له، لتصبح الأزمة اليوم أقرب إلى حرب استنزاف بين الأطراف المتحاربة. ومع دخول الأزمة عامها الخامس غدا، لا حلول مطروحة لإنهاء القتال في المستقبل المنظور.

لم يبقَ من مشهدية «الثورة السورية» التي بدأت بالخروج إلى شوارع مدن البلاد في مارس (آذار) 2011، بعد 4 سنوات، إلا بلدة كفر نبل في إدلب.
لا يزال الناشطون فيها يتمتعون بالقدرة على الخروج بمظاهرات ومسيرات مندّدة بالقتل، سواء أكان مصدره نظام الرئيس السوري بشار الأسد، أم التنظيمات المتشددة.. ويحتفظ سكانها بقدرتهم على إنتاج رسوم وتخطيط شعارات ولافتات، تدين وتتضامن، كما في الشهر الأول من الأزمة.
غير أن السواد الأعظم من المدن السورية التي دأبت، لمدة سنتين على الأقل، على الخروج بمسيرات احتجاجية سلمية، توقفت عن ذلك، حين خطت شعار «مالنا غيرك يا ألله». فالثورة السلمية، التي شابهت كثيرا الثورة المصرية أو الليبية أو التونسية، تعرّضت لانتكاسة كبيرة تضاعفت على مرحلتين في أعقاب تصدّي النظام لها بالسلاح الحي: المرحلة الأولى عسكرتها، والمرحلة الثانية «أرهبتها» - أي وصمها بالإرهاب - وذلك بعد طغيان مشهد المتشددين عليها، وظهور كيانات «إرهابية» فيها مثل «جبهة النصرة» و«داعش».
لقد باتت سوريا، بعد مرور 4 سنوات كاملة على الأزمة، منقسمة إلى 5 مكونات مسلحة: أولها القوات الحكومية السورية وحلفاؤها، وثانيها تنظيم «داعش»، وثالثها تنظيم «جبهة النصرة» (وهو ذراع تنظيم القاعدة في سوريا)، ورابعها فصائل الجيش السوري الحر المتشرذمة، وخامسها القوات الكردية. وتتقاسم هذه المكونات السيطرة على كيانات الجغرافيا المتشظّية، بعد مقتل ما بين 200 و350 ألف شخص.
المعارضة السورية تقرّ بانتكاسة الحراك الثوري المدني والسلمي، محملة النظام الجزء الأكبر من مسؤولية «عسكرة» الثورة عبر «استدراج الثوار إلى حمل السلاح». ويقول الدكتور نجيب الغضبان، ممثل «الائتلاف الوطني السوري» المعارض في واشنطن لـ«الشرق الأوسط»، إن بداية مخطط إحباط الحراك السلمي كانت في تصريحات الأسد نفسه بعد نحو شهر على انطلاق الثورة بشكلها المدني والسلمي، وزعمه أنه «يواجه عصابات مسلحة وإمارات إسلامية»، لتعقبها تصريحات مساعدته بثينة شعبان، بالقول إن الحراك «طائفي». ويوضح الغضبان أن «عسكرة الثورة كانت نتيجة للقمع المتواصل، إذ لم يتوقف القتل ولو ليوم واحد طوال 7 أشهر، في ظل تزايد الاحتجاجات». وأشار إلى أن الشعب «وصل إلى درجة ما عاد يحتمل معها التعامل معه بالقتل، فبدأ البحث عن بدائل للمواجهة والدفاع عن نفسه». وأردف أن الاتجاه إلى العسكرة تعزز «بعد بروز انشقاقات من الجيش، خرج معها من صفوف المؤسسة العسكرية أبناء البلد الذين أجبروا على إطلاق النار على إخوانهم.. ومن ثم اتجهوا إلى المقلب الآخر للدفاع عن المحتجّين».
ويوضح الدكتور الغضبان في حديثه «أن العسكرة لم تكن صعبة، لأن درجة التحمّل عند البشر قليلة. لقد راقب السوريون عجز المجتمع الدولي عن الاستجابة لمطالبهم بالحماية على غرار التدخل في ليبيا، وعندها لم يتردد السوريون في استخدام السلاح لأنهم وجدوا أنفسهم أمام وحشية في الرد من قبل النظام، باستخدام المدفعية أو القنص أو إطلاق النار»، لكن الغضبان يشدد على «أننا كحركة سياسية، كنا وما زلنا نعتقد أن الخيار السلمي كان أساسيا».
من جهة ثانية، يصرّ المعارضون السوريون على تأكيد أن تعمّد النظام استخدام الحل الأمني كان دافعا لجرّ الحراك المدني إلى العسكرة، كذلك كانت «مساهمة النظام في خلق الظاهرة المتطرفة عبر إطلاق سراح المتطرفين المعتقلين في سجونه، وكان بعض هؤلاء من صنيعة النظام نفسه، وإذ كان قد صنعهم للقتال ضد القوات الأميركية في العراق، في حين كان يُقتل الناشطون المدنيون تحت التعذيب في سجونه». ووفق الغضبان فإن «النظام يمتلك خبرة واسعة بالتعاطي مع المتشدّدين، كونه كان يدرّبهم ويجهّزهم للقتال في العراق خلال العامين 2004 و2005 قبل أن يتحوّل هؤلاء أنفسهم، بدءا من عام 2012، إلى قياديين في (النصرة) ولاحقا (داعش)..».
غير أن النظام وحده لم يكن مسؤولا عن تنامي ظاهرة التطرف، و«أرهبة» الثورة، كما يستدرك الغضبان، لأن «تنامي القمع وتصاعده في ظل عجز دولي عن الحماية أجبر السوريين على التحول إلى من يحميهم بعد إعلانهم شعار «مالنا غيرك يا ألله». ويتابع موضحا: «لقد وفرت تلك الجماعات كل الامتيازات والتسهيلات التي تجذب المعتدلين والثوار إليها». ويضيف: «الشعب لم يعُد يفكر بعقليات سياسية وفق منظومة فكرية محدّدة، بل بعقلية الدفاع عن نفسه، ووجد تلك الميزات في جماعات متطرّفة تمتلك التمويل والخبرات بالقتال»، مشيرا إلى أن «كثيرين لم يندمجوا في تلك الجماعات بدافع آيديولوجي، بل بدافع الحاجة». أما العامل الآيديولوجي، في رأيه، فدخل على الخط «نتيجة دخول العامل الإيراني في الأزمة منذ عام 2013، ما خلق انقساما طائفيا في البلاد، وبات جزءا من المعركة مذهبيا، لأن التطرف يجر إلى التطرف، وسط أرضية خصبة لذلك».
حول تأثير المتشددين، يكاد يجمع المحللون على أن بروز التنظيمات المتشدّدة كان العامل الأبرز في «تعويم» الأسد الذي كانت المطالبة بتنحيته المطلب الأساسي للانتفاضة السلمية التي انطلقت ضده في منتصف مارس 2011 قبل أن تتحوّل إلى نزاع مسلح دامٍ؛ إذ قال كريم بيطار، الباحث في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية (إيريس) في العاصمة الفرنسية باريس، في تصريحات لوكالة الصحافة الفرنسية، إن تنظيم داعش المتطرف «ذهب بعيدا في الترويع إلى درجة بات معها الغرب اليوم مقتنعا بأن (داعش) يمثل العدو المطلق وكل ما تبقى شر أدنى منه». لكن الدكتور الغضبان لا ينفي، مع ذلك، مسؤولية المجتمع الدولي والمعارضة السورية عن الدفع باتجاه المتطرفين، إذ يقول: «اليوم نقدم تجربة نقدية شفافة، توجب الاعتراف بأن الجيش الحرّ كان ولا يزال يشكل عامل الحسم الأول، منذ عام 2012، لكنه يفتقد الدعم وجهة مركزية، فضلا عن وجود بعض الفاسدين فيه الذين باعوا أسلحة إلى المتطرّفين، وخروج (أمراء حرب) انتفعوا من الظاهرة، وهؤلاء لم يكونوا مدفوعين بطموحات الشعب السوري، بل جاءوا من خلفيات مهرّبين وشبّيحة ومنتفعين وانتهازيين».
على صعيد آخر، ضاعفت الأزمة السورية، بعد 4 سنوات من انطلاقتها، حدة المشاعر القومية والدينية بشكل لم تعرفه سوريا في سنوات قبل الأزمة أو حتى في السنة الأولى لانطلاقتها. وتشير الوقائع اليوم إلى تنامي النزعتين القومية والمذهبية، بدليل خريطة توزع القوى العسكرية على الأرض، وبروز كيانات عسكرية متفاوتة الأحجام والنفوذ. وبحسب مراقبين، كان هناك فريقان محدّدان خلال السنوات الأولى من الثورة السورية.. أما اليوم فتشهد الساحة «حرب الجميع ضد الجميع».
وبعدما منيت قوات النظام ببعض الهزائم في مواجهة مقاتلي المعارضة عند بدء النزاع، تمكّن النظام اليوم إلى حد ما من تحقيق استقرار في الجبهة العسكرية، بل وأحرز بعض التقدم بفضل الدعم الحاسم لحزب الله اللبناني وحلفاء آخرين، بينهم الحرس الثوري الإيراني. وراهنا تسيطر قواته اليوم على 40 في المائة من الأراضي السورية بما فيها المدن الكبرى باستثناء الرقة بشمال وسط البلاد ونصف مساحة مدينة حلب. كذلك يعيش 60 في المائة من السكان في المناطق الخاضعة لسيطرته، غير أن حسم المعركة لصالحه ما زال بعيدا. اليوم تشير الخريطة العسكرية في سوريا إلى أن القوات الحكومية تسيطر على معظم المدن في المحافظات الكبرى، باستثناء الرقة، كما سبقت الإشارة، في حين فقدت السيطرة على جزء كبير من الأرياف، أهمها في محافظات حلب وإدلب وحماه (شمالا) ودير الزور (شرقا) ودرعا (جنوبا) والغوطة الشرقية في محافظة ريف دمشق.
كذلك كرّس العام المنصرم تراجع قوة وحجم «الجيش الحر» الذي لم يبق منه إلا مجموعات صغيرة محدودة التجهيز والفاعلية. وفي المقابل، برز الأكراد كقوة عسكرية وقفت في وجه تنظيم داعش في معركة عين العرب (كوباني) التي استنفرت لأشهر طويلة الإعلام العالمي. وتكاد أخبار التنظيم المتطرف تختصر وحدها الحدث السوري في الإعلام، بينما يستمر النزف في البلاد المقسمة إلى مناطق نفوذ متعدّدة. ولقد انهار اقتصادها ودمّرت بناها التحتية ويدق الجوع أبواب شريحة واسعة من سكانها.
ولكن ماذا عن «داعش»؟
برز هذا التنظيم في سوريا، أساسا، خلال عام 2013، كمجموعة مرتبطة بتنظيم القاعدة قبل أن يستقل عنه. وبعدما تجنب طويلا الاصطدام بقوات نظام الأسد على الأرض، دخل منذ صيف 2014 في صراع مفتوح مع هذه القوات، وجاءت هذه المواجهات بعد أن استولى «داعش» على مناطق واسعة في العراق، ثم انتزع من فصائل المعارضة السورية المسلحة ومن «جبهة النصرة» مساحات كبيرة في شمال سوريا وشرقها.
وحقا، أدى تنامي نفوذ تنظيم داعش إلى تغيير الأولويات على المستوى الدولي. وبات بعض من كانوا خصوما للأسد ويشترطون رحيله من دون تأخير.. قلة اليوم. بل أخذ البعض يرى أنه ربما تحوّل إلى «مُحاور» حتمي للمجتمع الدولي. وتجلى ذلك في زيارات واتصالات كسرت عزلة النظام وقامت بها وفود أجنبية، ولو غير رسمية، إلى دمشق منذ فترة.
وفي الوقت نفسه، بدأ نفوذ «داعش» بالانحسار، منذ مطلع العام الجاري، بعد خسارته في السيطرة على مدينة عين العرب، بموازاة فقدانه القدرة على الهجوم وتقويض حركته، منذ بدء ضربات «التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب» استهداف مناطق تمركزه منذ سبتمبر (أيلول) 2014. وهذا مع العلم أن نفوذ التنظيم كان يمتد على مساحة واسعة من شرق سوريا إلى شمالها، تناهز 40 في المائة من الجغرافيا السورية، تضم منابع المياه والغاز والنفط الرئيسية في البلاد. لكن الوضع تبدّل خلال العام الحالي، فشهد تراجع «داعش» من 3 مواقع رئيسية على الأقل، بينها ريف حلب الشرقي وريف الحسكة بشمال شرقي سوريا.
وفي موازاة «الدولة» المعلنة من تنظيم داعش، تسعى «جبهة النصرة»، ذراع تنظيم القاعدة في سوريا، إلى التفرد بـ«إمارة» في شمال غربي البلاد (ريف إدلب)، بينما يعمل الأكراد على الحفاظ على «الإدارة الذاتية» لمناطقهم في أجزاء من ريف حلب والرقة (في الشمال) والحسكة (في الشمال الشرقي).
أما الكتائب المتعددة الولاءات والقيادات وغالبيتها إسلامية، فهي لا تزال تقاتل في الجنوب (درعا والقنيطرة) وريف دمشق وحلب حيث تسيطر على الأحياء الشرقية للمدينة وأجزاء من المحافظة، وريفي حماه (وسط البلاد)، تارة ضد النظام وطورا ضد المتشددين.
في نهاية المطاف، لا ترى المعارضة السورية أفقا لنهاية النزاع وحسمه إلا بتجهيز المقاتلين المعتدلين المنضوين تحت لواء «الجيش السوري الحر»، وتدريبهم، بعدما توصلوا إلى قناعة بأن «الصورة معقدة وتحوّل الصراع الداخلي إلى صراع إقليمي - دولي»، كما يقول نجيب الغضبان لـ«الشرق الأوسط»، الذي يضيف: «يجب أن نظل متمسكين ومحافظين على ثوابت الثورة وتحديد أفق الحل.. فالحرب على (داعش) إيجابية، ولكن نقطة الضعف بالاستراتيجية التي ركزت على الهزيمة العسكرية له، من غير التعاطي مع أسباب ظهور (داعش) التي تتمثل في عنف النظام وارتكابه جرائم ضد الإنسانية، واستخدام البراميل والتعذيب بالسجون».
ويختتم ممثل «الائتلاف» في واشنطن كلامه بالقول: «لا بد من التعاطي مع الأسباب الجذرية والحل يجب أن يبدأ من رحيل الأسد... ويبقى منطق تجميع القوى المعتدلة تحت قيادة موحّدة للأركان، هو نقطة الانطلاق».



الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».

عاجل انطلاق المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن