قلق أممي من ظروف وأماكن الاحتجاز في العراق

TT

قلق أممي من ظروف وأماكن الاحتجاز في العراق

رسم تقرير أصدرته البعثة الأممية في العراق (يونامي)، أمس، بشأن حقوق الإنسان صورة قاتمة بشأن تطبيق العدالة في العراق والشروط القانونية والضمانات الإجرائية لمنع التعذيب وسوء المعاملة في أماكن الاحتجاز والتحقيق. وأبدت «يونامي»، قلقها من غرف الاستجواب وأماكن الاحتجاز في العراق، إلى جانب عدم إمكانية حصول المتهمين على الدفاع المناسب وغياب الشفافية فيما يتعلق بالأجهزة الأمنية التي تتمتع بصلاحيات رسمية للاحتجاز.
وجاء القلق الأممي في ظل كثرة الأنباء عن وفاة معتقلين داخل عرف التحقيق ومراكز الشرطة نتيجة سوء المعاملة والتعذيب الجسدي الذي تقوم به عناصر الشرطة على المتهمين، كما يأتي بعد أيام قليلة من وفاة شابين في محافظة البصرة الجنوبية، وتتحدث المصادر عن الاشتباه بوفاة مدير مفتشية آثار نينوى علي حازم الصميدعي، أمس، نتيجة التعذيب.
وبحسب تقرير بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق ومكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان (OHCHR) الصادر، أمس، ويتعلق بـ«حقوق الإنسان وتطبيق العدالة في العراق والشروط القانونية والضمانات الإجرائية لمنع التعذيب وسوء المعاملة» الذي يسعى إلى منع التعذيب في أماكن الاحتجاز في العراق، بما في ذلك إقليم كردستان، فإن التقرير يسعى إلى تحديد عوامل الخطر في السجون والحد منها والقضاء على الأسباب المحتملة التي تؤدي إلى تعذيب المتهمين والمحتجزين.
وقالت الممثلة الأممية في العراق جينين هينيس - بلاسخارت، في بيان تناول التقرير الأممي بالتفصيل: «لا توجد ظروف، مهما كانت استثنائية، تبرر التعذيب أو أي شكل من أشكال الإفلات من العقاب». وأضافت: «أنا أشجع زيادة الجهود نحو الوقاية والمساءلة، بما يتماشى مع التزامات العراق بموجب القانون الدولي والمحلي».
ويغطي التقرير الفترة من 1 يوليو (تموز) 2019، حتى 30 أبريل (نيسان) 2021، ويستند إلى مقابلات مع 235 شخصاً محرومين من حريتهم «وقدّم أكثر من نصف المحتجزين الذين قابلتهم المفوضية السامية لحقوق الإنسان في البعثة الأممية من أجل التقرير، روايات موثوقة وذات مصداقية عن التعذيب، بما يتفق مع الأنماط والاتجاهات التي وثقتها في الماضي بعثة (اليونامي) ومنظمات أخرى» بحسب التقرير.
وأظهرت نتائج التحقيق، أن معظم الشروط القانونية والضمانات الإجرائية التي يمكن أن تمنع التعذيب لم يتم احترامها بشكل روتيني. وهذا، بحسب التقرير، يثير القلق بشأن عدم وجود رقابة قانونية فعالة لمعالجة واقع غرف الاستجواب وأماكن الاحتجاز، ما يديم دورة الإذعان والإنكار. ويشير التقرير إلى «انتشار عدم إمكانية الحصول على الدفاع؛ الفحص الطبي غير الكافي؛ غياب الشفافية فيما يتعلق بالأجهزة الأمنية التي تتمتع بصلاحيات رسمية للاحتجاز؛ والاستجوابات التي تهدف إلى انتزاع الاعترافات؛ إلى جانب القلق من أن الآليات القائمة لمعالجة شكاوى التعذيب تبدو غير فعالة».
ونقل التقرير عن رئيسة مكتب حقوق الإنسان في بعثة الأمم المتحدة وممثلة المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في العراق دانييل بيل قولها: إن «سَنّ إطار قانوني فعال يجرم التعذيب وإنفاذَ آلياتٍ وطنية مستقلة للوقاية والتحقيق، على النحو المنصوص عليه في خطة العمل الوطنية لحقوق الإنسان للسنوات الخمس القادمة في العراق، من شأنه أن يساعد في معالجة النقص المستمر في محاسبة مرتكبي التعذيب». وأضافت أن «الامتثال للالتزامات القانونية والضمانات الإجرائية وتوفير سبل انتصاف فعالة لضحايا التعذيب سيعزز التغيير ويبني الثقة في النظام القانوني العراقي».
وكان مجلس القضاء الأعلى في العراق رفض، أول من أمس، حالات التعذيب التي تمارس من قبل بعض الأجهزة الأمنية أثناء التحقيق مع المتهمين والمشتبه بهم، ولوّح باتخاذ إجراءات قانونية بحق من تصدر منه أفعال تعذيب وانتهاك لحقوق الإنسان.
كما قالت مفوضية حقوق الإنسان في العراق، أول من أمس، إن «مشهد الانتهاكات المتكررة في السجون ومواقف الاحتجاز يقوض جهود العراق والتزاماته محلياً ودولياً».
من ناحية أخرى، تحدث قائمقام الموصل زهير الأعرجي، أمس، عن ظروف وفاة مدير مفتشية آثار نينوى علي حازم الصميدعي الذي يشتبه في تعرضه للتعذيب بعد اعتقاله على خلفية اتهامه بالتزوير والتلاعب بالمناطق الأثرية. وقال الأعرجي في تصريحات لوسائل إعلام محلية: إن «مذكرة قبض صدرت بحق الصميدعي، الساعة 12 ظهراً، حيث ذهب إلى المحكمة بنفسه، بسبب قضية تتعلق بالتزوير العقاري، واعتقل هناك، ليبقى على ذمة التحقيق في القضية». وأضاف، أن «الصميدعي، نُقل إلى المستشفى الساعة الواحدة ليلاً، في ظروف غامضة، وتوفي هناك». ولفت إلى أن «تحقيقاً رفيع المستوى يجري الآن لمعرفة ملابسات الموضوع، وسبب الوفاة، خصوصاً أن التقرير الطبي لم يصدر لغاية الآن».
وفيما تتحدث مصادر محلية في الموصل عن تعرض الصميدعي إلى أزمة قلبية أثناء التوقيف، تحدثت أخرى عن تعرضه إلى التعذيب.
وشهدت محافظة البصرة الجنوبية وفاة الشابين هشام محمد هاشم وعلي مبارك الفهد نتيجة التعذيب وسوء المعاملة في مراكز الشرطة، طبقا لمفوضية حقوق الإنسان العراقية.



قوات طارق صالح تتهم «الحرس الثوري» بإدارة الهجوم على الساحل الغربي اليمني

قوات من الحكومة اليمنية تطلق النار على الحوثيين غرب تعز (أ.ف.ب)
قوات من الحكومة اليمنية تطلق النار على الحوثيين غرب تعز (أ.ف.ب)
TT

قوات طارق صالح تتهم «الحرس الثوري» بإدارة الهجوم على الساحل الغربي اليمني

قوات من الحكومة اليمنية تطلق النار على الحوثيين غرب تعز (أ.ف.ب)
قوات من الحكومة اليمنية تطلق النار على الحوثيين غرب تعز (أ.ف.ب)

في أول بيان لها منذ خسارة مواقع واسعة في الساحل الغربي اليمني، كشفت «المقاومة الوطنية» الحكومية عن تكلفة المعارك التي خاضتها مع الحوثيين على مدى شهر، واتهمت إيران، عبر «الحرس الثوري» وحلفائه في المنطقة، بالإسناد المباشر وإدارة الهجوم الذي انتهى بسيطرة الجماعة على مواقع ومناطق واسعة على امتداد الساحل.

وأعلنت قوات «المقاومة الوطنية»، التي يقودها عضو «مجلس القيادة الرئاسي» اليمني طارق صالح، عن مقتل أكثر من 500 من عناصرها وإصابة نحو 1500 آخرين، مقابل أكثر من 1000 قتيل وآلاف الجرحى في صفوف الحوثيين، وفق ما أورده بيانها عن المعارك التي امتدت من 9 أغسطس (آب) إلى 10 سبتمبر (أيلول).

ويأتي البيان الذي بثّه إعلام القوات العسكرية عقب تحول ميداني كبير شهدته جبهات الساحل الغربي، مع تقدم الحوثيين وسيطرتهم على حيس والخوخة والمخا ومينائها، وامتداد سيطرتهم إلى باب المندب وجزيرة ميون وبقية الجزر اليمنية في جنوب البحر الأحمر.

عنصر حوثي يحمل قذيفة صاروخية خلال حشد تعبوي في صنعاء (أ.ف.ب)

ووصفت قوات «المقاومة الوطنية» المعارك بأنها واحدة من «أشرس المعارك» التي خاضتها ضد الحوثيين، وقالت إن الهجوم بدأ بقصف صاروخي مكثف وهجمات بالطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة، قبل أن يتوسع على محاور حيس والكدحة ومقبنة والبرح.

وأضافت أن الحوثيين دفعوا بأعداد كبيرة من المقاتلين والتعزيزات من محاور مختلفة، في محاولة لتغيير موازين القوى على الأرض ومحاصرة القوات المدافعة، في حين واجهت الهجوم «ألوية حراس الجمهورية» و«الألوية التهامية» التابعة لـ«المقاومة الوطنية».

وحسب البيان، أسفرت المواجهات عن مقتل أكثر من 500 من أفراد المقاومة، وإصابة نحو 1500، في حين تكبّد الحوثيون أكثر من 1000 قتيل وآلاف الجرحى. ولم يورد البيان تفاصيل مستقلة بشأن الخسائر التي أعلنها في صفوف الجماعة.

دور «الحرس الثوري»

وربطت قوات «المقاومة الوطنية» اليمنية في الساحل الغربي بين طبيعة الهجوم وقدرة الحوثيين على حشد القوات وتنفيذ عمليات متزامنة، وبين ما وصفته بإسناد مباشر من عناصر وخبرات «الحرس الثوري الإيراني» وحلفائه في المنطقة.

وقالت إن الهجوم أُعد مسبقاً لاستغلال طبيعة التضاريس والسيطرة النارية على عدد من المرتفعات الحاكمة، ومحاولة إطباق الحصار على القوات وتدمير قدرتها القتالية.

وعدّت أن مجريات المعارك كشفت، حسب تقديرها، عن طبيعة الدور الإيراني في دعم الحوثيين، متهمة الجماعة بتنفيذ مشروع يستهدف الأمن القومي العربي والممرات المائية الدولية.

دخان يتصاعد خلال معارك بين القوات الحكومية اليمنية والحوثيين (رويترز)

وأمام كثافة الهجوم وتتابع التعزيزات، قالت «المقاومة الوطنية» إن قيادتها قررت إعادة تمركز القوات في خطوط دفاعية جديدة، بهدف الحفاظ على «القوة الضاربة» وإفشال مخطط تطويقها وتدميرها.

ويعد الإعلان عن إعادة التموضع أبرز ما يكشفه البيان بشأن التعامل العسكري مع التطورات الأخيرة، إذ لم تقدم المقاومة الخطوة باعتبارها نهاية للمواجهة، وإنما بوصفها إجراءً للحفاظ على القوات، وإعادة ترتيب انتشارها بعد فقدان مواقع واسعة.

وأشاد البيان بالدعم السعودي، الذي قال إنه استمر حتى «آخر لحظة»، إلى جانب مشاركة وإسناد «ألوية العمالقة» و«درع الوطن» ومتطوعي القبائل، معتبراً ذلك تجسيداً لوحدة القوى المناهضة للحوثيين.

إعادة ترتيب

وأشار البيان إلى أن طارق صالح تابع تفاصيل المعركة وسير العمليات من مقر القيادة، رغم تعرض المقر للقصف، وفق ما ورد فيه.

ورأت «المقاومة الوطنية» أن ما حدث يؤكد الحاجة إلى تكامل الجبهات المناهضة للحوثيين وتحريكها بصورة متزامنة، بدلاً من الاعتماد على قطاع عسكري واحد، بهدف استعادة المبادرة وفرض واقع عسكري جديد.

تشكيلات القوات الحكومية اليمنية خاضت معارك ضارية ضد الحوثيين قبل خسارة الساحل الغربي (أ.ف.ب)

وفي محاولة لتجنب تحميل أطراف يمنية مسؤولية الخسارة، أكد البيان أن المقاومة ليست في وارد «تخوين أحد» أو الدخول في «تصفية حسابات أو مزايدات سياسية»، داعياً إلى قراءة التطورات بصورة موضوعية، واستخلاص الدروس، وإعادة ترتيب الأوراق للمرحلة المقبلة.

وأكدت المقاومة الوطنية استمرارها ضمن القوات المسلحة في مواجهة الحوثيين، مشددة على أن خسارة معركة «ليست نهاية المطاف»، وأنها ستواصل القتال مع بقية القوى المناهضة للجماعة.


القيادة اليمنية تتجه لتجاوز صدمة خسارة الساحل الغربي

نازح يمني في غرب تعز أقام مأوى له بين الأشجار بعد هروبه من تصعيد الحوثيين (أ.ف.ب)
نازح يمني في غرب تعز أقام مأوى له بين الأشجار بعد هروبه من تصعيد الحوثيين (أ.ف.ب)
TT

القيادة اليمنية تتجه لتجاوز صدمة خسارة الساحل الغربي

نازح يمني في غرب تعز أقام مأوى له بين الأشجار بعد هروبه من تصعيد الحوثيين (أ.ف.ب)
نازح يمني في غرب تعز أقام مأوى له بين الأشجار بعد هروبه من تصعيد الحوثيين (أ.ف.ب)

تتجه القيادة اليمنية إلى التعامل مع الخسارة التي لحقت بالقوات الحكومية في الساحل الغربي باعتبارها انتكاسة ميدانية مؤلمة، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى نقطة فاصلة في مسار المواجهة مع الجماعة الحوثية، في وقت تسعى فيه الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي إلى إعادة ترتيب القوات واستعادة زمام المبادرة، بالتوازي مع احتواء التداعيات الإنسانية للنزوح وتأكيد استمرار مؤسسات الدولة في أداء وظائفها.

وفي أحدث تعبير عن هذا التوجه، قال عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني ومحافظ مأرب، سلطان العرادة، إن ما حدث في الساحل «مؤلم ومؤسف»، لكنه يندرج، وفق وصفه، ضمن طبيعة الحروب التي تشهد الكر والفر والتقدم والتراجع، مؤكداً أن الواقعة لن تحرف البوصلة عن الهدف الرئيسي. وأضاف في تصريحات نقلها الإعلام الحكومي أن القوات التي انسحبت من الساحل تعيد ترتيب صفوفها، وأنها ستعود إلى المعركة «بشكل أو بآخر».

وكانت التطورات الميدانية الأخيرة في الساحل الغربي قد فرضت على القوات الحكومية إعادة الانتشار بعد خسارتها مواقع ومناطق كانت تمثل جزءاً من نطاق انتشارها هناك، في ظل تصعيد واسع للحوثيين. وأدت التطورات إلى موجات نزوح جديدة، فيما انتقلت أعداد من العسكريين إلى مأرب، حيث قال العرادة إن السلطات أعدت معسكراً لهم، واتخذت ترتيبات لاستقبال النازحين وتأمين احتياجاتهم.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني سلطان العرادة (إعلام حكومي)

وتكشف تصريحات العرَّادة أن القيادة اليمنية تحاول نقل التعامل مع خسارة الساحل من خانة الصدمة الميدانية إلى مسار إعادة التنظيم واستعادة القدرة على القتال. وهو توجه يتقاطع مع ما طرحه رئيس الوزراء شائع الزنداني خلال اجتماع مجلس الوزراء في عدن، حين شدد على أن التطورات الصعبة التي شهدتها الأيام الماضية لا ينبغي فهمها باعتبارها نهاية للمواجهة أو حسماً لمسارها.

وقال الزنداني إن المعارك لا تقاس بنتيجة يوم أو تغير في موقع، وإنما بقدرة الدولة على إعادة تنظيم جهودها وحشد مواردها ودعم قواتها والحفاظ على تماسك مؤسساتها واستعادة زمام المبادرة.

إعادة بناء القدرة العسكرية

يبدو أن أولوية القيادة اليمنية في المرحلة المقبلة تتمثل في إعادة ترتيب القوات التي انسحبت من الساحل وإدماجها مجدداً في مسار العمليات، مع رفع مستوى الإسناد الحكومي للقوات المسلحة والأمن. وأكد مجلس الوزراء أنه استمع إلى تقرير وزير الدفاع بشأن الأوضاع العسكرية في مختلف الجبهات، ومستوى الجاهزية والاحتياجات العملياتية، مشدداً على ضرورة تعزيز قدرة القوات على مواجهة التصعيد واستعادة زمام المبادرة.

وفي مأرب، أكَّد العرادة أن قوات المحافظة لا تفكر إلا في الانتصار ومساندة مختلف الجبهات، مشيراً إلى أن الهدف النهائي للجبهات، في مأرب وغيرها، يظل استعادة العاصمة صنعاء. وربط ذلك بما وصفه بالإرادة الشعبية، مؤكداً أن القوات والقيادات الموجودة في الميدان تتحمل مسؤولية تاريخية في الدفاع عن الدولة والكرامة الوطنية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عثمان مجلي يزور جبهات صعدة شمالاً (إعلام حكومي)

وفي اتجاه آخر، حاولت القيادة السياسية إرسال رسائل إلى الجبهات الشمالية والغربية لتأكيد أن إعادة الانتشار لا تعني التخلي عن المواجهة. فقد زار عضو مجلس القيادة الرئاسي الشيخ عثمان مجلي قوات الفرقة الرابعة طوارئ في كتاف البقع بمحافظة صعدة، واطلع على جاهزيتها وانتشارها ومهامها الميدانية، بينما أكد القادة هناك استمرار الاستعداد لمواجهة الحوثيين.

وفي تعز، شدد وكيلا المحافظة لشؤون الدفاع والأمن والتنمية، خلال زيارة إلى صبر الموادم، على ضرورة رفع مستوى الاستعداد والحشد ورفد الجبهات، في إشارة إلى أن القيادة المحلية تسعى إلى الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية وعدم السماح للتطورات الأخيرة في الساحل بإضعاف المساندة الشعبية للقوات.

احتواء التداعيات الإنسانية

لا تقتصر محاولة تجاوز الخسارة على الجانب العسكري، إذ تواجه الحكومة اليمنية تداعيات إنسانية مباشرة نتيجة موجات النزوح من مناطق المواجهات. وأكد مجلس الوزراء أن حماية المدنيين والنازحين تمثل مسؤولية وطنية وإنسانية عاجلة، موجهاً الجهات الحكومية بحصر الاحتياجات وأعداد النازحين وتوفير المأوى والغذاء والمياه والرعاية الصحية والاحتياجات الأساسية.

وتحظى مأرب بموقع رئيسي في هذه الاستجابة، إذ قال العرادة إن القادمين من الساحل سيجدون في المحافظة بيئتهم وأهلهم، مؤكداً أن أبناء مأرب سيقفون إلى جانبهم باعتبارهم متساوين في الحقوق والواجبات. كما أشاد مجلس الوزراء بجهود السلطة المحلية في عدن في استقبال الأسر النازحة والتعامل مع تداعيات التصعيد.

قرويون في غرب اليمن يفرون رفقة أغنامهم جراء التصعيد الحوثي العسكري (أ.ف.ب)

وتسعى الحكومة، في الوقت نفسه، إلى منع التطورات العسكرية من التحول إلى اضطراب أوسع في مناطق سيطرتها. وقال الزنداني إن الحكومة تدير المرحلة من العاصمة المؤقتة عدن، وتتابع التطورات وتحدد الأولويات وتتخذ القرارات وفقاً لتطورات الميدان، مؤكداً أن التصعيد، على خطورته، لن يتحول إلى إرباك في عمل الدولة أو فراغ تستغله الجماعة الحوثية.

من السلام إلى استعادة الدولة

سياسياً، تمثل تصريحات العرادة إعلاناً أكثر وضوحاً عن انتقال القيادة اليمنية من أولوية مسار السلام الذي تبنته منذ عام 2022 إلى أولوية استعادة الدولة، بعد أن اعتبر أن الحوثيين أوصلوا مسار السلام إلى طريق مسدود وأعادوا فرض خيار الحرب.

وقال إن مجلس القيادة والحكومة قدما خلال السنوات الماضية تنازلات كبيرة سعياً إلى إنهاء الحرب وحقن الدماء، بدعم من السعودية وسلطنة عمان والأمم المتحدة ودول أخرى، لكن الحوثيين، بحسب روايته، رفضوا جهود السلام وأعادوا البلاد إلى مربع الحرب.

وتتزامن هذه المقاربة مع تأكيد حكومي على أن التصعيد الحوثي يتجاوز الساحة اليمنية، ويرتبط، وفق موقف الحكومة، بأجندة إيرانية تستخدم الموقع الاستراتيجي لليمن لتهديد أمن المنطقة والملاحة الدولية.

جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (إعلام حكومي)

كما ناقش مجلس الوزراء اليمني تداعيات التصعيد على الساحل الغربي وباب المندب وحركة التجارة الدولية، محذراً من مخاطر تهديد السفن وخطوط الإمداد.

وكانت الجماعة الحوثية شنَّت هجوماً عسكرياً برياً واسعاً بين 3 و11 سبتمبر (أيلول) الحالي بواسطة أنساق ضخمة من القوات البرية بالتزامن مع المسيَّرات والصواريخ على جبهات الساحل الغربي اليمني، وهو ما أدى إلى سيطرة الجماعة على حيس والخوخة والمخا وصولاً إلى باب المندب والجزر اليمنية في جنوب البحر الأحمر.


تصعيد الحوثيين في الحديدة وتعز يشرد 68 ألف يمني

أطفالٌ من عائلات يمنية نازحة فرّت من منازلها جراء تصعيد الحوثيين العسكري (أ.ف.ب)
أطفالٌ من عائلات يمنية نازحة فرّت من منازلها جراء تصعيد الحوثيين العسكري (أ.ف.ب)
TT

تصعيد الحوثيين في الحديدة وتعز يشرد 68 ألف يمني

أطفالٌ من عائلات يمنية نازحة فرّت من منازلها جراء تصعيد الحوثيين العسكري (أ.ف.ب)
أطفالٌ من عائلات يمنية نازحة فرّت من منازلها جراء تصعيد الحوثيين العسكري (أ.ف.ب)

أدى التصعيد العسكري لجماعة الحوثيين غربي محافظة تعز وجنوب الحديدة إلى موجة نزوح واسعة، شملت 9746 أسرة تضم 68338 فرداً في ست محافظات يمنية، وسط تحذيرات حكومية من تفاقم الاحتياجات الإنسانية ونقص حاد في المأوى والمياه والغذاء والخدمات الصحية.

وقالت مصادر حكومية لـ«الشرق الأوسط» إن موجة النزوح الحالية تفوق قدرات السلطات المحلية، في وقت أدى فيه تدني التمويل إلى محدودية تدخلات المنظمات الإنسانية المحلية والدولية، مؤكدة أن الأوضاع التي يعيشها النازحون تتطلب تحركاً دولياً سريعاً لتفادي مضاعفات الأزمة.

وأضافت المصادر أن استمرار الأعمال العسكرية والانتقامية للحوثيين في المديريات التي دخلتها الجماعة غرب تعز وجنوب الحديدة أسهم في زيادة أعداد الفارين، مشيرة إلى أن العمليات مستمرة في ريف تعز باتجاه مديرية جبل حبشي وعزلة بني عمر والمناطق القريبة منها.

الحوثيون يشردون عشرات الآلاف في غرب تعز وجنوب الحديدة (إعلام محلي)

وتسببت هذه التطورات في موجة نزوح إضافية باتجاه مديرية المعافر ومدينة التربة ومناطق ريفية أخرى قريبة، مع استمرار المخاوف من اتساع نطاقها إذا استمرت المواجهات في المناطق المأهولة.

وحذرت المصادر من أن تمركز الحوثيين في المرتفعات المطلة على القرى والمزارع يعرض السكان للخطر جراء تبادل إطلاق النار مع القوات الحكومية، إلى جانب مخاوف من تكرار الأعمال الانتقامية التي شهدتها مديريات أخرى، ودفعَت أعداداً كبيرة من السكان إلى مغادرة مناطقهم بحثاً عن الأمان.

فجوة إغاثية

حذرت الوحدة الحكومية المسؤولة عن إدارة المخيمات من استمرار موجات النزوح، مؤكدة أنها تضاعف الضغوط الإنسانية على الأسر الفارة والمجتمعات المضيفة، خصوصاً أن كثيراً من الأسر اضطرت إلى ترك منازلها ومصادر دخلها من دون أن تتمكن من تأمين احتياجاتها الأساسية قبل المغادرة.

وأكدت الوحدة أن استمرار الأعمال العسكرية والاشتباكات أجبر آلاف الأسر على الفرار المفاجئ وترك منازلها وممتلكاتها وسبل عيشها، قبل الوصول إلى مناطق الاستضافة وهي تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة، وفي مقدمتها الغذاء والمأوى والمياه الآمنة.

وأشارت إلى وجود فجوة خطيرة في الاستجابة الإنسانية، لافتة إلى عدم تسجيل أي استجابة قطاعية للأسر الـ104 النازحة حديثاً في محافظة عدن، حيث تعيش 57 أسرة منها لدى أسر مضيفة في ظروف بالغة الصعوبة.

أطفال يفرون من التصعيد الحوثي في غرب تعز إلى المجهول (إعلام محلي)

كما سجلت الوحدة نقصاً حاداً في الخيام ومواد الإيواء والمياه الصالحة للشرب والمساعدات الغذائية والنقدية والخدمات الصحية الأساسية، محذرة من أن استمرار هذه الفجوة قد يؤدي إلى مزيد من التدهور في الظروف المعيشية، خصوصاً بين الفئات الأكثر ضعفاً.

وأطلقت الوحدة نداء استغاثة عاجلاً إلى السلطات المحلية ووكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والجهات المانحة، مطالبة بحشد الموارد وتكثيف التدخلات الإنسانية للوصول سريعاً إلى الأسر النازحة وتوفير احتياجاتها الأساسية والمنقذة للحياة.

كما دعت إلى تنفيذ استجابة طارئة بالتوازي مع إجراء تقييمات ميدانية عاجلة، بما يضمن توجيه المساعدات إلى المناطق والأسر الأكثر احتياجاً، والحد من مخاطر تفاقم الوضع الإنساني.

تعز في الصدارة

وفق التقرير الموحد الصادر عن الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين، سجل نزوح 9746 أسرة تضم 68338 فرداً في ست محافظات، جراء التصعيد العسكري الحوثي والقصف والاشتباكات وتدهور الأوضاع الأمنية، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات للأسر التي غادرت منازلها ومصادر رزقها بصورة عاجلة.

وتوزعت حركة النزوح على محافظات تعز ولحج والحديدة وأبين وعدن وشبوة، مع تفاوت كبير في أعداد الأسر الوافدة بين المحافظات.

قرويات يحملن ما استطعن في رحلة نزوح جراء تصعيد الحوثيين (إعلام محلي)

وتصدرت تعز قائمة المحافظات المستضيفة، باستقبال 5799 أسرة تضم 40710 أفراد موزعين على 12 مديرية، تلتها لحج التي استقبلت 2132 أسرة تضم 14923 فرداً.

وسجلت الحديدة نزوح 1471 أسرة تضم 10297 فرداً، فيما بلغ العدد في أبين 228 أسرة تضم 1596 فرداً، وفي عدن 104 أسر تضم 728 فرداً، بينما سجلت شبوة 12 أسرة تضم 84 فرداً.

وتأتي هذه الأرقام في ظل استمرار العمليات العسكرية وتوسع حركة الفرار من مناطق المواجهات، ما يزيد الضغط على السلطات المحلية والمجتمعات المضيفة والشركاء الإنسانيين، ويجعل سرعة التدخل وحشد التمويل عاملين حاسمين لتوفير الحد الأدنى من مقومات الحياة للنازحين.