هل يصلح الجواهري شاعراً في البلدان الديمقراطية السعيدة؟

وزارة الثقافة العراقية تطبع أعماله الكاملة تحت إشراف لجنة مختصة

الشاعر محمد مهدي الجواهري
الشاعر محمد مهدي الجواهري
TT

هل يصلح الجواهري شاعراً في البلدان الديمقراطية السعيدة؟

الشاعر محمد مهدي الجواهري
الشاعر محمد مهدي الجواهري

في هذه الأيام تمر الذكرى الرابعة والعشرون لرحيل الشاعر العربي الكبير محمد مهدي الجواهري، وهي فرصة ليست فقط للاستذكار، قدر ما هي محطة للمراجعة ولزرع أكبر عدد من بذور الأسئلة التي تخص ميداننا الثقافي والأدبي على وجه التحديد.
أولى هذه الأسئلة، كم سيبقى الجواهري حياً في وجدان الذاكرة الثقافية العربية والعراقية؟ هل يستطيع أن يقاوم صدأ الأزمنة التي تأكل كل شيء؟
ما هي مقومات البقاء والخلود للجواهري؟ هل الأمر مرتبط بشعره وقوته؟ أم أن الأمر مرتبطٌ بحياة الناس والسياسة وتقلباتها؟
هل البقاء والخلود النسبي للشاعر له علاقة بالشكل الكلاسيكي أم لا؟ بمعنى هل يمتلك الشعر العمودي سطوة البقاء أكثر من غيره من الأشكال الشعرية؟ أم أن المقارنة ليست في محلها؟
يأتي الحديث عن الجواهري، حيث استعادت وزارة الثقافة العراقية من جديد حضوره الكبير، حين شرعت في طباعة أعماله الشعرية الكاملة فخرج ديوان الجواهري بطبعة جديدة مزيدة ومنقحة وتحت إشراف عدد من أساتذة الأدب المعروفين (حسن ناظم، سعيد الزبيدي، سعيد عدنان، نادية العزاوي، رهبة أسودي). هذا يعني أن الجواهري يحضر بين مدة وأخرى في الوسط الثقافي والاجتماعي؛ مما يعني أيضاً أنَّ حديثاً جديداً سيدور عن الجواهري، وبالفعل كلما رأوا الديوان بدأت الأسئلة تُطرح حول شعره، وهل وجدتم جديداً له؟ وكم قصيدة وجدتم؟ ولماذا أضفتم قصائد لا يرغب فيها؟ ومن هذه الأسئلة الكثير الكثير، وهي في الواقع أسئلة تُسهم في إعادة الجواهري بقوة للوسط الثقافي والاجتماعي وحتى السياسي، ذلك أن طباعة ديوان الجواهري أغرت رئيس الجمهورية الدكتور برهم صالح في أن يكتب تغريدة عن طبعة الديوان الجديدة، وهذا يعني أن الجواهري يحضر سياسياً وبقوة، فما هي أسباب القوة التي يمتلكها الجواهري لكي يحضر بهذا الشكل؟
البعض يعزوها للعمر الطويل الذي عاشه، وهو عبارة عن قرن من الزمن، رافق فيه ولادة الدولة العراقية ونمو المجتمعات، وشاهد الانقلابات والصراعات، وكتب عن كل شيء مر بهذا البلد، فضلاً عن مشاركاته الوجدانية في معظم الأحداث العربية والعالمية، فهو دائم ودائب الحضور في كل مناسبة، ولكن هل يستطيع شعر المناسبات أن يكون حائطاً قوياً يستند إليه صاحبه؟ لا أظن أن لشعر المناسبات طاقة كبيرة تمنح صاحبها خلوداً كبيراً، فهي في العادة مرتبطة بالحدث، فبمجرد زوال الحدث ستزول القصائد معه؛ لذلك نحن لا نتذكر الجواهري كثيراً في تنويمة الجياع، أو قصائده في جمال الدين الأفغاني، أو في عبد الكريم قاسم، أو جمال عبد الناصر أو أو أو أو، هذا يعني أن شعر المناسبات سبب رئيسي لنسيان الشاعر لا خلوده، وكلما كان الشاعر مرتبطاً بالأحداث والمناسبات والشخوص ستقل كثيراً أيامه في ذاكرة الزمن، إلى أنْ يختفي اسمه نهائياً.
البعض الآخر ينظر للجواهري مؤرخاً للأحداث التي مر بها العراق، وقد درسه أحد الباحثين، ولكن في قسم التاريخ وليس في الأدب، مستعيناً بقصائد الجواهري في تحليل الظاهرة التاريخية، من مظاهرات أو تحالفات مع الإنجليز أو أحداث كبرى مرَّ بها البلد، فكتب الجواهري فيها قصائد، ولكن نسأل أيضاً... هل الجواهري مؤرخ؟ ما الذي سيبقى من القصائد لو قُرئت على أنها أحداث تاريخية؟ قطعاً ستذبل أوراق القصائد تلك، وستكون أداة بيد المؤرخين بوصف القصيدة شاهداً على حادثة ما يُستشهد بها فقط لتأكيد الحادثة لا غير، وهنا سيكون الشعر عاملاً مساعداً للمؤرخ، في حين أن مكان القصيدة في الأمام، ولا يليق بالشعر أن يكون شاهداً في محكمة الحياة، إنما هو محرك للأحداث وصانع لها.
عددٌ آخر ممن رأى الجواهري وسمعه يتحدث عن عنفوان شخصيته وتمردها ومزاجها الحاد، وهي مواصفات شعرية تمنح صاحبها هيبة ورهبة بالنسبة للآخرين؛ وبهذا حين يتحدث من شاهد الجواهري بهذه الصفات فإنه يمنحه طاقة أخرى مضافة إلى قصائده، ولكن أيضاً لنا أن نتساءل كم سيبقى ذلك الحديث طرياً عن شخصية الجواهري؟ وها هم شهوده الذين رأوه بدأوا يغادرون واحداً تلو الآخر، وإلى متى ستكون شخصيته جزءاً من بناء قصيدته ليلتف بكل هذه الهالة من الكبرياء والخلود؟ لا أظن أن الحديث عن شخصية الشاعر سيعيش طويلاً، لأنني ازعم أن الشخصية ذات الصفات الشعرية من حدة المزاج، أو عصبيته، أو عنفوانه، لن تُسهم هذه الصفات بعد رحيل صاحبها بحقن النصوص بها؛ لأن النص سيبقى عارياً أمام متلقٍ لم ير الجواهري، وحتى لم يسمع عن شخصيته الكثير، ولن يهمه هذا الأمر إن كان الجواهري عصبياً أو بارد الأعصاب، لاهياً أو جاداً، مؤدلجأ أو مستقلاً، صادقاً أو كاذباً، ستختفي كل هذه الصفات لتبقى قصيدته بين يدي شاب ولد بعد مائة عام من ولادة الجواهري، أي بعد عامٍ من وفاته، شاب خال من كل هذه الالتباسات التي تسهم بتلقي القصيدة، وظروفها، وظروف صاحبها.
فما الذي يبقي الجواهري نابضاً بعد حركة الشعر الحر «التفعيلة» حركة الحداثة الأولى، ومن ثم حركة الحداثة الثانية «قصيدة النثر» ومئات الشعراء الذين أغرتهم فكرة التجريب في الشعر، فجرّبوا عشرات الأشكال، وبطرق مختلفة في التعبير والأداء في القصيدة العربية، وربما كُتبت مئات وآلاف البحوث والدراسات عن الفتوحات في الشعر العربي على أيدي شعراء الحداثة أكثر بمئات المرات مما كتب عن الجواهري، ولكن في النهاية حين يذكر الجواهري سنكون بإزاء صمت مطبق على بقية الأسماء.
إذن، ما الذي يبقي الجواهري متقد الحضور بيننا ونحن في بعض المرات نقرأ له نصوصاً ننقدها بوصفها نصوصاً كلاسيكية والبعض منها تقليدي، والبعض الآخر منها نصوص لغوية فقط خالية من الصورة، ولكننا نتذكر له إضاءات مهمة فيعود الجواهري للواجهة.
وهذا السؤال هو سؤال يصلح لكل الشعراء الذين خلدوا في الوجدان العربي وقاوموا الأزمنة التي مرت عليهم من امرئ القيس مروراً بأبي نواس وأبي تمام والبحتري، حتى نصل إلى الأهم وهو المتنبي ومن ثم المعري والشريف الرضي وصولاً إلى الجواهري، الذي يرتبط بخيط خفي وظاهر مع هذه المسبحة الذهبية، التي يسبِّح بها العالم العربي، فكيف استطاع الجواهري أن يكون خرزة ذهبية تضاف للخرز الموجودة في مسبحة الشعر العربي؟
بصراحة، أنا لا أملك إجابات محددة لهذا الموضوع؛ لأنه واسع ومتشعب ولا يمكن أنْ تستوعبه مقالة واحدة؛ لأن مثل هذا الحديث يجب أنْ يكون علمياً وغير خاضع للأمزجة والتكهنات فقط؛ فالجواهري لحد هذه اللحظة هو مؤثر وفاعل، وحاضر حضوراً قوياً في المشهد الشعري العربي، وكأن كل موجات الحداثة لم تؤثر عليه، ولم تستطع أن تغير المتلقي نحوه، فما زال حاضراً حتى في السوشيال ميديا، حيث تحولت العديد من مقاطعه الصوتية وقصائده إلى فيديوهات محفوظة في أجهزة «الآي فون» بيد الشباب، قصائد كلاسيكية في فيديوهات مصورة محفوظة في أحدث تقنيات التواصل الاجتماعي، في حين عجزت نصوص الحداثة من أن تكون جملة واحدة في التقنيات الحديثة، لماذا؟ أسئلة عديدة يمكن أن نطرحها على تجربة الجواهري الكبيرة، رغم أني ذكرتُ مرة أن الجواهري سيبقى منه القليل من الشعر، وستذهب نصوصه في السياسة ومعتركها دون ذكر، سيحتفظ التاريخ بنصوصه النافرة والمتمردة التي كُتبت للشعر فقط، ولا وظيفة لها غير الشعر، ستبقى «يا نديمي، والراعي، وأم عوف، وبائعة السمك في براغ» وقصائد آخر بهذه الطريقة نفسها التي تكون القصيدة مكتوبة للشعر فقط، ولا غرض من ورائها إلا الشعر، ستبقى نصوص الرؤيا التي يتمتع بها الجواهري والتي يعبّر فيها عما سيكون في المستقبل؛ إذ إن مثل هذه النصوص ستعيش طويلاً معنا ومع همومنا، ولكن إذا تغير الحال، وأصبحت بغداد مثل باريس أو سويسرا أو استوكهولم هل سنجد شباباً يقرأون أبياتاً تقول:
«سينهض من صميم اليأس جيلٌ» أو لنفترض أننا في المستقبل سنكون إزاء حكّام عرب ديمقراطيين هل سنردد قول الجواهري:
«باقٍ وأعمار الطغاة قصار» أو حين يكون الوطن جنة للجميع ولا مغترب في أي بلدٍ هل سنردد «حييت سفحك عن بعدٍ فحييني»
هل الشعر كما يقول أبو عمرو بن العلاء «نكد بابه الشر، فإذا دخل في الخير فسد ولان»؟ هل يصلح الجواهري شاعراً في البلدان الديمقراطية السعيدة؟ أم إنه موكولٌ بنا نحن الأمم المنكسرة التي لا تملك غير الصوت العالي؟



ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
TT

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير

لا يزال بسّام كردي، صاحب دار نشر «المركز الثقافي للكتاب» تحت هول الصدمة. فقد أتى القصف الإسرائيلي على مستودع كتبه، ومقره اللبناني، في حارة حريك، في الضاحية الجنوبية لبيروت. تم تدمير المبنى المكون من 14 طابقاً، في أثناء إحدى الغارات الإسرائيلية، احترق برمته، ودفن تحت ركامه ورماده مئات العناوين، بنسخها، وفكرها، وتعب كتّابها، وكدّ ناشرها.

الناشر لا يشعر بأمل في إنقاذ أي بقايا من تعب العمر. «كنت قد زودت المستودع الموجود تحت الأرض، بخزانات ماء ونظام إنذار مضاد للحرائق. فكيف أصبحت حال الكتب وقد هوت العمارة عن بكرة أبيها، لا بد أن المياه أغرقت محتويات المستودع»، يقول كردي لـ«الشرق الأوسط».

«المركز الثقافي للكتاب» دار نشر مغربية، ارتأى صاحبها أن يكون له مستودع في بيروت لتبقى العناوين التي يطبعها، قريبة من معارض الكتب، والنقل أخفّ تكلفة. ويشرح: «كان هدفي من إنشاء الدار، تعريف المثقف العربي في المشرق بالكتاب المغربي. غالباً ما كانت كتب المشرق هي التي تصلنا، ولا يحدث العكس، فأحببت أن أقوم بهذه المهمة».

ما آل اليه مبنى من 12 طابقاً وتحته مستودعا «المركز الثقافي للكتاب» و«مؤمنون بلا حدود»

تطبع الدار في المغرب لكبار الأسماء، وتأتي بكتبهم إلى بيروت، حيث توضع في هذا المستودع الذي فقدت محتوياته. «أما الكتب ذات البعد العربي أو اللبناني فتطبع في بيروت، وتنقل منها نسخ إلى المغرب». هكذا يعمل الناشر كردي، بين بلدين محاولاً تغطية المنطقة العربية. لكن «غالبية الكتب هي التي كانت موجودة في بيروت، لأنها من هنا تشارك في المعارض المختلفة. فأنا أعتبر بيروت نقطة تلاقٍ للعالم العربي. في بيروت وضعت كل ما أملك، شقاء العمر، وخمسين سنة من الكدّ في عالم النشر. هذه المهنة التي مارستها كل حياتي ولا أجيد غيرها، وها أنا أفقد كل شيء».

كان بسّام كردي، مديراً عاماً في المغرب ولبنان لـ«المركز الثقافي العربي» طوال 38 عاماً، قبل أن يؤسس داره «المركز الثقافي للكتاب» عام 2016، التي يصفها بأنها دار مغربية، لكنها في بيروت تجد امتدادها الجغرافي.

يصعب على الناشر تصديق ما وقع له، أو أن يقدّر عدد النسخ أو العناوين التي فقدها. «لا أزال غير قادر على إجراء جردة، أو حصر الأضرار. يلزمني عدة أيام، كي أستفيق من الصدمة، وأقدّر الموجودات التي تبخرت. لكن الخسارة هي حتماً تفوق المليوني دولار». يصف ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية، وضربة لوجودي في المعارض العربية، وضربة لي شخصياً، وللبنان طبعاً».

قضى بسّام كردي عمره كله ناشراً يقوم بالمهمات كلها، «أتسلم المخطوطة، أقرأها، أتناقش مع الكاتب، نجري التعديلات، أدفع بها إلى الطبع، وأصححها، حتى تخرج بحلتها النهائية».

بسّام كردي يقيم في المغرب، وعرف بالخبر الأليم عن بعد «ولم أتمكن حتى الآن من إرسال أحدٍ لتفقد الوضع. كل ما أعرفه هو ما يخبرني به الأصدقاء هناك والصور التي أتسلمها. ولم يتمكن أحد من من المخاطرة والوصول إلى المبنى المنهار».

في الضاحية الجنوبية التي تتعرض لقصف كثيف بشكل شبه يومي، العديد من المكتبات احترقت واختفت بسبب الحرب، وتضررت دور نشر منها «مؤمنون بلا حدود» الموجودة في المبنى نفسه، ملاصقة لـ«المركز الثقافي للكتاب» ودفنت كتبها أيضاً تحت الركام.

كان بسّام كردي على علم منذ مدة أن ثمة خطر حرب يلوح في الأفق. «ذهبت وحاولت نقل محتويات المستودع. جاء جيراني في المنطقة، ولاموني. أقنعوني أن أبقى وأن لا شيء يستحق عناء الانتقال. ملت إلى هذا الحلّ، لأن الإيجارات في الضاحية لا تقارن بخارجها. فإذا كنت أدفع ألف دولار فسأضطر لأن أضرب المبلغ بثلاثة أضعاف في حال قررت الذهاب إلى مكان آخر. لهذا أبقيت المستودع حيث هو وعدت أدراجي إلى المغرب، وكانت النتيجة ما وصلنا إليه».

نعم، دور كثيرة تأثرت بهذه الكوارث التدميرية، يقول كردي، «لكن أغلبهم عندهم أكثر من مستودع، يفقدون أحدها فيبقى لهم مستودع أو اثنان. أما أنا فقد وضعت كل ما عندي في مكان واحد، ومن هنا حجم الكارثة التي تعرضت لها».

وإذا ما أضفنا إلى الخسارة التي وقعت على الدار، أن حال النشر متراجعة جداً، والسوق ليست على ما كانت عليها، كما يؤكد لنا كردي الذي يشارك في غالبية المعارض العربية، نفهم الصعوبات الجمّة التي على ناشر أن يذللها.

يطبع «المركز الثقافي للكتاب» لكبار كتّاب المغرب، لديه الأعمال الكاملة لمحمد عابد الجابري، وكتب سعيد بنكراد، حسن أوريد، الغالي أحرشاو، وأحمد المديني وغيرهم. وكان المديني من أوائل من نشروا خبر ضياع مركز الدار في بيروت تحت عنوان «شخصيات روايتي شهيدة القصف الإسرائيلي» وطالب بالتنديد بهذا العمل الهمجي وبالتضامن مع ناشره. وعدّ المديني على صفحته «فيسبوك» أن ما خسرناه هو «رصيد كبير وفخم» لخيرة الكتاب العرب مغاربة ومشارقة، مبدعين وباحثين. وقال عن الكتب وشخصياتها التي عدّها «شهيدة الأدب»: «أسمعها تصرخ قتيلة الكلمات، تبعثرت أشلاءً، والصور رفاتاً ووجوهها دماءً. إنما يقيناً سوف يبعثون بإرادة كاتبها وعزم وتصميم ناشرها، وبتضامن القراء والكتاب والناشرين العرب أجمعين والجهات الثقافية العربية الرسمية والمدنية». وختم: «لا يجوز السكوت على هذه الجريمة الشنعاء وأدعوهم لشجبها ودعم المركز الثقافي للكتاب بكل الوسائل الممكنة».

يصف صاحب «المركز الثقافي للكتاب» ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية... وللبنان»

الناشر كان قد اتخذ كل الاحتياطات اللازمة، فعدا نظام مكافحة الحريق، لديه عقد تأمين «لكن الشركات لا تعوض عن دمار الحروب. هذا موجود كأول بند. هم يعوضون عن الغريق والحريق والكوارث الطبيعية، لكن الحروب ليست مشمولة. لماذا إذن نتكلف عناء التأمين، لست أدري؟». هكذا يتساءل كردي، الذي لا يتوقف هاتفه عن الرنين منذ انتشر الخبر. كتّاب، ناشرون، قرّاء، أصدقاء، الجميع يحاول أن يخفف عنه وقع الخسارة. فعلاقته مع كتّابه وثيقة، ويعتقد أنه لا بد لما تلف أن يتم تعويضه «فمن ألّف الكتاب الأول والثاني، بمقدوره أن يكتب الثالث. لكن في النهاية، التضامن معي والذي أقدره كثيراً هو عاطفي. أنا لا أتوقع، كما أنني لا أطلب، ولن أقبل بمساعدة مادية من أحد، إلا إذا كانت مؤسسة كبيرة، تعرض الدخول في مشروع معي».

ليس واضحاً بعد عند ناشر «المركز الثقافي للكتاب» ما يمكن أن يفعله للخروج من هذه المحنة. فبعض الكتب ضاع، وبعضها الآخر، بقي بنسخ محدودة. «سأعيد طباعة الكتب الموجودة، بكميات قليلة، أسميها (طبعة حرب) أو (طبعة استثنائية)، وربما (طبعة قصف)، لست أدري؟ كتبي لها طبيعة استثنائية، هي كتب حداثية، لا تتوجه للجمهور العريض، جامعية، تخصصية أو فلسفية، وكتّابي هم أصدقاء يتفهمون ما وقع ويتضامنون ويشجعون».

إعادة بناء مؤسسة من الصفر أو ما أشبه لرجل ضيّع خميرة خمسين سنة، أمر يصفه بأنه «صعب ومكلف جداً»، ولا بد أنه يحتاج إلى شجاعة استثنائية. بسّام كردي رغم بحّة الحزن في صوته، يحتفظ بالأمل والعزيمة، ويقول إنه يبحث عن موقع جديد في لبنان، بعيد عن المناطق الأكثر خطراً، شرط أن يكون السعر مقبولاً.

وعندما نسأله إن كان قد قرر تغيير البلد كلياً يقول: «أنا باقٍ في لبنان، ليس هذا ما أناقشه. الأمر محسوم بالنسبة لي، ولا بديل. إنما أبحث عن مستودع جديد يكون في مكانٍ أكثر أمناً، وأعيد التأسيس رويداً رويداً، كي أسترجع ما خسرته». يضيف: «أسست عبر سنوات طويلة، علاقات، أصدقاء، مؤلفين. هذا لا يلغي أنني في صدمة، وقد أصبح مخزوني صفراً بعد نصف سنة من العمل. سأبدأ من جديد، لأنه ليس أمامي من خيار آخر».

يصف ما حدث بأنه «عملية محو لذاكرة مغربية» في هذا الجزء من العالم العربي، ولا بد من استعادتها. «أعتقد رغم كبر مصيبتي، أنها أسهل من حال من فقد بيته، أو ابنه أو عائلته بأكملها. أنا عائلتي بخير، ورصيدي محبة الناس لي، وتقديرهم، وهذا هو رأس مالي الأكبر».


لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة
TT

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

ضمن سلسلة «الدراسات الشعبية» الصادرة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة صدر كتاب «سيوة... واحة الأحلام والأساطير- دراسة إثنوغرافية» للباحث محمد أمين عبد الصمد. والكتاب، كما هو واضح من العنوان، يشير إلى تلك الواحة الشهيرة التي تقع في شمالي غرب مصر على بعد نحو 340 كم من ساحل البحر المتوسط وعلى بعد 450 كم من وادي النيل وتقترب بشدة من الحدود السياسية لليبيا، ويتحدث سكانها اللغة الأمازيغية «باللهجة الشاوية» بجانب اللغة العربية المتداولة رسمياً.

يعتمد أهل سيوة في حياتهم الاقتصادية على الزراعة ويشتهرون بإنتاج أنواع متعددة من البلح، وذلك لانتشار النخيل وزراعته في الواحة بأنواعه المتعددة، حيث كان تعداد النخيل في سيوة عام 1960 نحو 100 ألف نخلة، فضلاً عن 30 ألف شجرة زيتون تعطي بعد عصرها 200 طن من زيت الزيتون.

ويبدي المؤلف اهتماماً خاصاً، بواحدة من أشهر الأحداث التاريخية التي ارتبطت بسيوة، وهي زيارة الإسكندر الأكبر للواحة، في واقعة نادرة اكتنفها الكثير من الغموض، بهدف أن يستقي الكثير من معارفه منها ومن كهنتها ومعبودها «آمون»، كما قوي حضوره وذاع صيته بعد إعلانه من جانب الكهنة ابناً لهذا الإله الشهير بين آلهة مصر القديمة.

اتجه الإسكندر الأكبر إلى واحة سيوة في شتاء عام 331، قبل الميلاد، وذلك بعد أن وضع تخطيطاً لمدينة تحمل اسمه وهي الإسكندرية، فوصل أولاً إلى مدينة «باراتونيوم» وهي مكان مدينة «مرسى مطروح» حالياً وتلقى هدايا رسل ملوك المدن الليبية وإعلان طاعتهم له، ثم انطلق بعدها جنوباً قاصداً الواحة.

ويذكر مؤرخ بلاط الإسكندر الذي رافقه في هذه الرحلة أنهم تعرضوا للهلاك عطشاً أثناء الرحلة بعد نفاد الماء منهم، ولم ينقذهم سوى سقوط أمطار بشكل مفاجئ فارتووا منها وخزنوا بعضها لبقية الطريق، كما تعرضوا للهلاك مرة ثانية بعد أن ضلوا الطريق ولم ينقذهم سوى ظهور غراب في السماء فأمرهم الإسكندر بتتبعه والاتجاه معه فوصلوا الواحة بعد سبعة أيام واعتبرت حاشية الإسكندر أن نجاة الإسكندر ونجاة من معه من معجزات الإله آمون.

وصل الإسكندر بركبه إلى «معبد النبوءات» فاستقبله كهنة آمون واحتفوا به وبمن معه وتلقى الكهنة تساؤلات مرافقي الإسكندر الأكبر وأجابوهم عنها في بهو المعبد الشهير، أما الإسكندر الأكبر فقد طلب من الكهنة أن يسأل الإله آمون في خلوة فاصطحبه رئيس الكهنة إلى الهيكل ولم يرافقه أحد من حاشيته وسأل ما شاء من أسئلة وعندما خرج من الهيكل إلى رفاقه لم يخبرهم بأي شيء مما دار معه في الداخل واكتفى فقط بقوله: «سمعت من الإله آمون ما طابت له نفسي».

ولم يذكر التاريخ أو يسجِّل لنا أي شيء عما دار داخل الهيكل أو غرفة النبوءات تصريحاً أو تلميحاً وكل ما سجله التاريخ هو ما كتبه الإسكندر الأكبر في رسالته إلى والدته «أوليمبياس» عن تلك الزيارة فقال: «إنه سمع من الإله أشياء مهمة جداً لا يستطيع أن يذكرها في خطابه وسيرويها لها عندما يراها» ولكن هذا اللقاء لم يتم، فقد مات الإسكندر الأكبر وأخذ معه سره وسر ما قيل له في غرفة النبوءات.

يذكر المؤرخون حرص الإسكندر الأكبر فيما بعد على زيارة سيوة وإرسال رسله ليسأل كهنة آمون كلما كان مقدماً على أمر مهم، وهو ما يدل على الأثر الكبير الذي تركه آمون وكهنته في نفسه، حتى إنه عندما كان يعاني من سكرات الموت في مرضه الأخير في مدينة بابل تقدم إليه صديقه المقرب أريدوس وسأله: هل يوصي بشيء بخصوص ابنه وزوجته؟ فأعرض عنه الإسكندر الأكبر، فجاءه أريدوس مرة أخرى وسأله عمن يخلفه في القيادة بعد موته فأجابه بأن القيادة للأقوى منهم.

سأله «أريدوس» إن كان له طلب خاص ففتح الإسكندر الأكبر عينيه وقال إنه «يوصي بأن يدفنوه إلى جوار أبيه آمون في واحة سيوة». تم وضع الجثمان في تابوت ذهبي وسار وراءه الجيش كله منكس الرأس والسلاح والأعلام من مدينة بالمي في العراق حتى وصل إلى مدينة منف في مصر وكانت كل مدينة يمر عليها موكب الجنازة تخرج لتحييه وتبجل رحيله.

وعندما أراد اليونانيون استكمال مسيرتهم إلى واحة سيوة، أقنعهم بطليموس الذي كان يحكم مصر باسم الإسكندر الأكبر بأن يدفنوه في مدينة الإسكندرية التي دشن بناءها الإسكندر نفسه فاقتنع قادة الجيش اليوناني ووافقوا على دفن الإسكندر الأكبر في الإسكندرية.


«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»