إدارة بايدن لا تجد «إجابات سهلة» لحل معضلة كوريا الشمالية

باحث أميركي يرى أن بكين لا تستطيع حلها لأن رؤيتها مختلفة

الزعيم الكوري الشمالي كيم خلال اشتراكه بورشة سياسية مع قادة الجيش (أ.ف.ب)
الزعيم الكوري الشمالي كيم خلال اشتراكه بورشة سياسية مع قادة الجيش (أ.ف.ب)
TT

إدارة بايدن لا تجد «إجابات سهلة» لحل معضلة كوريا الشمالية

الزعيم الكوري الشمالي كيم خلال اشتراكه بورشة سياسية مع قادة الجيش (أ.ف.ب)
الزعيم الكوري الشمالي كيم خلال اشتراكه بورشة سياسية مع قادة الجيش (أ.ف.ب)

تسعى الولايات المتحدة إلى حل مشكلة كوريا الشمالية ونزع سلاحها النووي، وذلك من خلال طلب مساعدة الصين في هذا الأمر، إلا أن رؤية الصين للتعامل الأميركي مع هذا الملف مختلفة. ولذلك لا توجد إجابات سهلة بالنسبة لإدارة الرئيس الأميركي جو بايدن. وربما لا توجد أي إجابات على الإطلاق فيما يتعلق ببكين. فقد قامت نائبة وزير الخارجية الأميركي ويندي شيرمان بزيارة جمهورية الصين الشعبية على أمل تهدئة التوترات بين الجانبين، إلا أنه يبدو أن زيارتها كانت بمثابة فشل كبير.
وقال الكاتب السياسي دوج باندو في تقرير نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست» الأميركية إنه رغم أن استجابة الصين كانت مخيبة للآمال، ربما ساعدت في إنهاء الوهم المستمر لدى واشنطن أن القيادة الصينية تميل إلى مساعدة الولايات المتحدة للضغط على كوريا الشمالية لنزع سلاحها النووي.
وخلال لقاءات في سيول قبل توجهها إلى واشنطن، رأت شيرمان أن «التفكير معا بشأن النزع الكامل للسلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية هو بالتأكيد مجال للتعاون». وبالتطلع إلى زيارتها للصين، أضافت «ليس لدي أي شك في أن محادثاتي في الصين خلال أيام قليلة، ستشمل مناقشة كوريا الشمالية... الصين بالتأكيد لديها مصالح وأفكار». ومع ذلك، فإن هذه المصالح والأفكار ربما لا تتوافق مع تلك التي لاحظتها شرمان وهي أن «إدارة بايدن وصفت علاقتنا مع الصين بأنها علاقات معقدة. لها جوانب تنافسية ولها جوانب تنطوي على تحديات وجوانب يمكننا من خلالها التعاون». وهذا صحيح، ولكن لسوء الحظ، يبدو أن جوانب التحديات هي السائدة هذه الأيام. في الواقع، أصبح الاتصال تصادميا أكثر منه تنافسيا.
وأوضح باندو، وهو زميل بارز في معهد كاتو وكان مساعداً خاصاً سابقاً للرئيس رونالد ريغان أنه رغم أن المسؤولين الصينيين يزعمون بشكل تقليدي أن العلاقات الثنائية وثيقة للغاية، لم تكن العلاقات بين البلدين ودية على الإطلاق. وقد أوصل الاتحاد السوفياتي بقيادة جوزيف ستالين كيم إيل سونغ إلى السلطة، ووافق على دعم خطته لغزو الجنوب، مما أدى فعليا إلى جر جمهورية الصين الشعبية إلى الحرب.
وعندما كانت القوات الأميركية والأممية تتقدم صوب نهر «يالو» على الحدود بين كوريا الشمالية والصين وتستعد لإنهاء حكم كيم، قرر الزعيم الصيني ماو تسي تونغ التدخل بشكل مباشر. ودفعت الصين وماو بشكل خاص - نجله مدفون في كوريا الشمالية - ثمنا باهظا لكنهما لم يتلقيا أي شكر من كيم. وظلت العلاقات بين النظامين صعبة وغير جيدة، حيث حافظت بيونغ يانغ على التوازن بين جاريها الشيوعيين.
وكان موقف بكين بارداً بشكل خاص خلال السنوات الأولى من حكم كيم جونغ أون. وقد التقى الرئيس الصيني شي جينبينغ ست مرات مع الرئيسة الكورية الجنوبية «بارك جيون هي»، كما دعم عقوبات الأمم المتحدة على كوريا الشمالية. وفقط بعد أن قرر الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب عقد قمة مع كيم، رتب شي لعقد أول اجتماع له مع الزعيم الكوري الشمالي. وخشي شي أن تتخلف الصين، إذا توصل كيم إلى اتفاق مع الولايات المتحدة، التي يعتبرها قوة عظمى أكثر بعدا، وبالتالي من المحتمل أن تكون أكثر أماناً.
واعتبر الباحث دوغ باندو أن كوريا الشمالية تعمل منذ فترة طويلة على استقلالها عن بكين، وامتلاك أسلحة نووية يعزز الاستقلال الكوري الشمالي بشكل عام، بما في ذلك الاستقلال عن الصين. نزع السلاح النووي هو هدف صيني، إلا أنه ليس الهدف الصيني الوحيد. وهناك أمر مهم بنفس القدر، إن لم يكن أكثر أهمية، وهو الاستقرار الإقليمي.
إن انهيار كوريا الشمالية، وإرسال ملايين اللاجئين إلى الشمال، والتسبب في حرب أهلية وتدفق أسلحة نووية طليقة وخلق فرصة وضغط لإعادة توحيد كوريا، ستكون كارثة بالنسبة للصين. ومع ذلك، فإن سلاح واشنطن المفضل ضد الشمال وهو العقوبات الاقتصادية، يسعى إلى تحقيق نزع السلاح النووي من خلال التهديد بزعزعة الاستقرار.
وهناك عقبة أخرى، أو تهديد آخر من وجهة نظر بكين، وهي إعادة توحيد الكوريتين، والتي ستجعل حليفا لأميركا (كوريا الجنوبية) يستضيف قوات أميركية على نهر يالو. وبالفعل، وضع العلاقة الحالية بين واشنطن وبكين يسلط الضوء على هذه القضية. فقد أبلغ المسؤولون الصينيون شيرمان بشكل علني أن أميركا لا تستطيع وقف صعود جمهورية الصين الشعبية.
وأضاف باندو أنهم يرون أن الولايات المتحدة تشن حملة احتواء منسقة، وبالتأكيد لا يريدون منح واشنطن سبل إضافة قواعد عسكرية جديدة لهذا الغرض. وبنفس القدر من الأهمية، تعد كوريا الشمالية قضية خلافية تعطل التعاون بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية. واليوم، على أي حال، لن يتجه شي جينبينغ وشركاه لمساعدة أميركا.
ويجب أن يدفع هذا الوضع شيرمان وزملاءها إلى إعادة التفكير في دور الصين وكيفية مخاطبة الصين بشأن القضية. وعادة ما يتم التعاون عندما يعتقد الجانبان أن القيام بذلك يصب في مصلحتهما. وتحتاج واشنطن إلى توضيح هذا الأمر للصين مع عرض إجراء تغييرات في السياسة من أجل دعم قضية أميركا. على سبيل المثال، ماذا ستفعل الولايات المتحدة وجمهورية كوريا إذا انهارت كوريا الشمالية تحت الضغط الاقتصادي؟ يمكنهما عرض تقاسم التكلفة الاقتصادية للتعامل مع اللاجئين. ويمكنهما أن يوضحا أنهما لن يعارضا التدخل العسكري الصيني المؤقت لوقف القتال بين الفصائل، أو منع الهجرة الجماعية، أو جمع أسلحة نووية مهربة، أو تقديم مساعدات طارئة، أو أغراض مماثلة. كما يمكنهما أن يقترحا عمليات مشتركة تتعاون فيها سيول وواشنطن مع بكين. وبالمثل، يجب على الحليفين التعامل مع الشكل الذي قد يبدو عليه ما بعد جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية.
على سبيل المثال، يمكن للولايات المتحدة أن تعد بأنها لن تفعل ما تتوقعه الصين وتريده المؤسسة الأميركية، وهو توسيع الوجود العسكري لواشنطن في شبه الجزيرة الكورية لاستخدامه ضد جمهورية الصين الشعبية. كما يمكن لأميركا أن تتعهد بسحب قواتها عند توحيد الكوريتين.
من جانبها، يمكن أن تعد سيول بالتزام الحياد العسكري. ويمكن أن تتفق الدولتان على إنهاء أو مراجعة معاهدة الدفاع المشترك. وأشار الباحث باندو إلى أنه من حيث المبدأ، لا يوجد خطأ في الأمل في الحصول على مساعدة صينية في الضغط من أجل نزع السلاح النووي لكوريا الشمالية، إلا أنه يتعين على إدارة بايدن أن تفترض أن الصين من المرجح أن تستمر في مواجهة الضغط الاقتصادي من الحلفاء من خلال تقديم المساعدة، وتخفيف فرض العقوبات مع التركيز على ضمان بقاء بيونغ يانغ.
واختتم الباحث دوغ باندو تقريره بالقول إن هذا يعني أن احتمال نجاح التعاون بين الجانبين هو احتمال ضعيف، وينبغي على واشنطن أن تبدأ في التفكير في مستقبل لا تعيش فيه كوريا الشمالية فحسب، بل توسع ترسانتها النووية. إن الأمل في حدوث الأفضل أثناء التخطيط للأسوأ هو أفضل فلسفة لتوجيه الولايات المتحدة في علاقاتها مع الشمال. لا توجد إجابات سهلة - وربما لا توجد إجابات على الإطلاق فيما يتعلق ببكين.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.