فرانز بواس أزاح تأويل الاختلافات البشرية من علم الأحياء إلى حقل الثقافة

كان يؤمن بوجود «ثقافات بشرية متعددة والإنسان واحد»

فرانز بواس - غلاف الكتاب
فرانز بواس - غلاف الكتاب
TT

فرانز بواس أزاح تأويل الاختلافات البشرية من علم الأحياء إلى حقل الثقافة

فرانز بواس - غلاف الكتاب
فرانز بواس - غلاف الكتاب

ثمّة فكرة (أراني متفقة معها تماماً) سائدة في أوساط الإنتلجنسيا العالمية مفادها بأن مبحث الأنثروبولوجيا الثقافية (أو الاجتماعية؛ إذ لا فرق) هو الأصل الذي يمكن منه اشتقاق كل المباحث السائدة في الإنسانيات (أدب - شعر - تاريخ - جغرافيا - علم اجتماع - سياسة، اقتصاد... إلخ). الاشتقاق هنا بمعنى أن الأصول الأولى للمبحث المقصود في الإنسانيات يمكن معاينة بداية نشأتها بتوجيه البؤرة البحثية نحو موضوعة محددة في الأنثروبولوجيا الثقافية. وعليه؛ فإن الإحاطة ببدايات نشأة الأنثروبولوجيا الثقافية ستكون شرطاً لازماً لكل المشتغلين في حقل الإنسانيات، وفي الوقت ذاته لكل الشغوفين بمباحث الأنثروبولوجيا والثقافة.
يتناول تشارلز كينغ (Charles King) نشأة الأنثروبولوجيا الثقافية والشخوص المؤسسين لها في كتابه الذي اختصّه بعنوان: «آلهة المثابات العليا (Gods of the Upper Air)» الذي نشرته دار نشر «Doubleday» عام 2019. ويعمل كينغ أستاذاً للشؤون الدولية في جامعة جورج تاون الأميركية، وهو مؤلف العديد من الكتب التي تناولت أوروبا الشرقية والاتحاد السوفياتي السابق.
الكتاب في جوهره تجميعة لرؤى كتّاب متعدّدين بشأن سيرة «فرانز بواس Franz Boas (1858 – 1942))» الذي وضع الأسس الراسخة للأنثروبولوجيا الثقافية - بوصفها حقلاً أكاديمياً له أصوله القائمة - في الولايات المتحدة، فضلاً عن سيرة أربعة من تلاميذ بواس: روث بينيدِكت Ruth Benedict، وزورا نيل هرستون Zora Neale Hurston، وإيلّا كارا ديلوريا Ella Cara Deloria، ومارغريت ميد Margaret Mead. يجادل كينغ في كتابه هذا بأنّ هذه الشخصيات الثقافية كانت تعمل «في الجبهات المتقدّمة للحرب الأخلاقية العظمى في زماننا، والمقصود بهذه الحرب هو سيادة مفهوم أنّ الإنسانية كينونة واحدة لا تقبل التجزئة بصرف النظر عن الاختلافات السائدة في لون البشرة، والجندر، والقدرات الجسدية والعقلية، والعادات الثقافية والمعيشية».
يرى كينغ أنّ الأنثروبولوجيين الثقافيين استطاعوا تغيير توجّهات الناس مثلما استطاعوا تعديل سلوكياتهم، وهو يكتب في هذا الشأن:
«لو أنّ الأمر صار في عداد البداهة المقبولة من غير مساءلة في أن يقرأ طالب جامعي كتاب الـ(باغافاد غيتا Bhagavad Gita) في برنامج دراسي جامعي يتناول الكلاسيكيات الكبرى في العالم، وأن يتمّ رفض العنصرية واعتبارها إفلاساً أخلاقياً وغباوة يمكن كشفها ذاتياً، وأن يتمّ تعزيز القدرات الفردية في أماكن العمل بعيداً عن الاعتبارات الجندرية والعرقية، فهذه كلها - مع أمور أخرى سواها - لم تكن نتاجاً لتطلعات طموحة لتنظيم المجتمع، وصارت اليوم أموراً بديهية بقدر ما كانت نتائج طبيعية لأفكار بطولية قادها بواس وتلامذته؛ لذا علينا جميعاً إبداء آيات الشكر والتقدير له ولمُريديه الخُلّص».
إنّ العمل المتفرّد لبواس ومُريديه يكمن في أنهم أزاحوا تأويل الاختلافات البشرية من حقل البيولوجيا (علم الأحياء) إلى حقل الثقافة.
وُلد بواس وتعلّم في بروسيا Prussia، ثمّ هاجر إلى الولايات المتّحدة عام 1886 عندما كان في الثامنة والعشرين، وبعد عقد من الزمن وعقب محاولات كثيرة لم تُصِب نجاحاً يذكر تمكّن بواس من أن يشغل موقع أستاذ جامعي (بروفسور) للأنثروبولوجيا في جامعة كولومبيا، وقد كان هناك عُرضة لحروب عديدة شغلت سنوات ليست بالقليلة، وكان أحد أسباب تلك الحروب - في الأقلّ - معاضدته سياسات الأجنحة اليسارية.
تمكّن بواس، بشكل من الأشكال، من تدريب جيل كامل من الأساتذة المتميزين في حقل بحثي كان حتى أعقاب الحرب العالمية الثانية تخصصاً أكاديمياً في نطاقات ضيقة. كان بواس كاتباً ذا قدرة مهولة على الكتابة، وهو بهذا يشابه اثنين من البروفسورات المؤثرين المعاصرين له: جون ديوي John Dewey، وثورشتاين فبلن Thorstein Veblen؛ لكنه يتمايز عنهما في أنه لم يسمح للخوف بأن يتسلل إلى روحه، فضلاً عن امتلاكه طاقة عجيبة على العمل وشخصية كاريزمية ساحرة.
ثمة مأثورة تتردّد في الأوساط الأكاديمية جوهرها أنّ مهنة الأستاذ الجامعي ليست سوى حواشٍ تدور في مدار أطروحته الأكاديمية، وهذا أمرٌ يصدق على حالة بواس بشكل أو آخر. كان بواس باحثاً تجريبياً اعتاد جمع البيانات وتدقيقها بحثاً عن الخروج بنموذج شامل يجمعها، ولم يكن يرى في نفسه ميلاً نحو التخمينات النظرية؛ لكنه، رغم هذه الخصيصة المتأصلة في نفسه، آمن دوماً بأنّ الحقيقة الجوهرية بشأن الكائنات البشرية تكمن في أنّ كلّ الحقائق المعروفة عنهم تتغير لأنّ الظروف التي يعيشونها تتغير هي الأخرى. رأى بواس أنّ حيواتنا قد تكون محكومة بطائفة من المؤثرات: الجينات، والبيئة، والثقافة؛ لكنّ هذه المؤثرات ليست محدّدة بصورة مسبّقة.
لم تكن مكتشفات بواس مما يرغب في سماعه العلماء والسياسيون البيض عام 1911. شهد بواس في حياته تشريع قانون «جم كرو Jim Crow» الذي أشاع قبولاً واسع النطاق بالداروينية الاجتماعية وعلم تحسين السلالات البشرية (Eugenics)، والتوسّع الاستعماري (بما فيه الاحتلال الأميركي للفلبين)، والتقييدات القاسية للهجرة إلى الولايات المتحدة، وتنامي حركة الـ«كوكلاكس كلان (Ku Klux Klan)» العنصرية، وصعود سلطة أدولف هتلر. كان العلم حتى ذلك الوقت يُعامل على أنه المسوّغ المقبول للاستعمار الكولونيالي، والفصل العنصري، والتمييز العرقي، والنبذ السكّاني، والتعقيم القسري. كرّس بواس حياته لكي يثبت للناس أنّ العلم الذي كانوا يعتمدونه في تسويغ ممارساتهم السابقة إنما كان علماً سيئاً. «آمن بواس بأن العالم ينبغي أن يكون آمناً يتسع لكل الاختلافات البشرية»؛ هذا ما كتبته روث بينيدكت عقب وفاته.
إذا كانت الاختلافات البيولوجية لا تصلحُ مسوّغاً لتلك الطائفة الواسعة من الممارسات والأدوار المتباينة السائدة بين المجموعات البشرية، والتي نلاحظها في العالم، فينبغي حينئذ توقّع وجود أمر آخر يفعل فعله. فكّر بواس في وجود مجموعة من المؤثرات الأخرى، وأحدُ تلك المؤثرات هو «الثقافة Culture».
تحتاجُ مفردة الثقافة هنا شيئاً من إعادة تعريف: كانت مفردة الثقافة في القرن التاسع عشر تُعامَلُ بشكل عام كأنها أقربُ إلى حيازة شيء ما. كانت شيئاً تكتسبه المجتمعات في سياق عملية تطورها المستديم، وهي بهذا تُعدُّ طوراً في عملية نمو الحضارة المدنية. كان بواس من الشخصيات التي أشاعت بيننا التعريف الإجرائي للثقافة عندما نتحدث عن الثقافة بمعناها الأنثروبولوجي؛ بمعنى أنّ الثقافة تعني طريقة محدّدة في الحياة. كانت إحدى المساهمات الكبرى لبواس في هذا الشأن هي أن يُرينا الكيفية التي حازت بها المجتمعات ما قبل الحديثة (البدائية Primitive كما تسمّى في الأدبيات الأنثروبولوجية) ثقافاتٍ بالطريقة ذاتها التي تحوز بها المجتمعات الحديثة ثقافاتٍ خاصة بها.
انتهى بواس إلى حصيلة استنتاجية مفادُها بوجود ثقافات بشرية عدّة بدلاً من واحدة، وابتدأ منذ ذلك الحين الإشارة إلى «ثقافات» بصيغة الجمع، بدلاً من ثقافة جامعة واحدة. كان بواس مهتماً بـ«علم الأجناس البشرية Ethnography»، وكان مسكوناً بقناعة راسخة أنّ عمل المختصّ بعلم الأجناس البشرية إنما هو في حقيقته دراسة للأنماط الثقافية السائدة في أي مجموعة بشرية قيد الدراسة: أن نفهم - على سبيل المثال فحسب - من داخل الجماعة البشرية ما الذي تعنيه الذكورة أو الأنوثة، وما الذي يعنيه منحك هدية لأحد ما أو قبولك لها، وما الذي يعنيه دفن جثة ميت. كان على المختص بعلم الأجناس البشرية، كما يرى بواس، أن يفهم الطبيعة الدلالية الدقيقة للمُزحات السائدة في جماعة بشرية ما، وهذا يعني أن يترك المرء مواضعاته الثقافية بعيداً عنه. «الثقافات متعددة، والإنسان واحد»؛ هذا ما كتبته إيلّا ديلوريا في ملاحظاتها على واحدة من محاضرات بواس.
«أفضلُ طلابي نسوة»؛ هذا ما أسرّه بواس لصديق أنثروبولوجي له عام 1920. لم تكن «كلية كولومبيا» حينئذ تقبل النساء فيها (كانت كولومبيا آخر جامعة بين جامعات النخبة (Ivy) الأميركية تقبل بالتعليم المختلط عام 1983!)؛ لكنّ «مدرسة الدراسات العليا» و«كلية المعلّمين» كانتا تقبلان النساء. كان بواس يدرّسُ في «كلية برنارد»، وكانت على الجهة الثانية من الشارع والمقابلة لـ«كلية كولومبيا» (أصبحت جامعة فيما بعد).
لن يخفى على القارئ الشغوف ملاحظة أنّ هذا الكتاب يكشف عن كثير من التفاصيل المثيرة رغم أنها تتناول موضوعة محدّدة في الأنثروبولوجيا الثقافية، ومن هذه التفاصيل الكثيرة مثلاً:
- شكل التعليم الجامعي الأميركي في بدايات القرن العشرين، والتمايز الجندري فيه.
- الخصائص التقدّمية التي سادت الأنثروبولوجيا الأميركية بالمقارنة مع الخصائص المحافظة (الأقرب إلى الروح الاستعمارية) التي طبعت الأنثروبولوجيا الأوروبية.
- الأب المؤسس لحقل الأنثروبولوجيا الثقافية هو فرانز بواس. تلك حقيقة مؤكدة؛ لكن رغم ذلك؛ فإن الشخصيات الأربع الأكثر تميزاً بين تلامذته كنّ من النساء اللاتي لعبن دوراً متفرّداً في هذا الحقل البحثي وأنجزن أعمالاً متميّزة فيه، خصوصاً مارغريت ميد التي صارت شخصية أيقونية في الثقافة الأميركية.


مقالات ذات صلة

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

ثقافة وفنون «الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار...

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

صدر للروائي والناقد السوري نبيل سليمان كتاب جديد بعنوان «أرواحهم في المفكرة»

«الشرق الأوسط» (دمشق)
كتب الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس

حين تتآكل الدبلوماسية

تكتسب الصدامات العسكرية الكبرى دلالتها التاريخية انطلاقاً من المسارات التمهيدية السابقة للحظة اندلاعها المباشرة.

ندى حطيط
كتب «الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

مرَّ جهيمان العتيبي، الشخصية التي قادت اقتحام الحرم المكي عام 1979 بتحوّل راديكالي عميق، حيث بدأ من الهامش.

عمر البدوي (الرياض)
كتب امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

صدرت حديثاً عن «دار نوفل - هاشيت أنطوان»، رواية «وجهي الغريب» للكاتبة الجزائرية وئام شرماطي، وفيها تروي قصة امرأة جزائرية تحمل آثار العنف الأسري والفقدان

«الشرق الأوسط» (بيروت)

حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
TT

حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس

تكتسب الصدامات العسكرية الكبرى دلالتها التاريخية انطلاقاً من المسارات التمهيدية السابقة للحظة اندلاعها المباشرة. وتفترض هذه القاعدة المنهجية تشكّل الحروب الكبرى عبر تراكمات من القرارات الاستراتيجية والاشتباكات المحدودة والتحولات السياسية المتعاقبة.

يتبنى الباحث السعودي عبد العزيز العساكر هذا المنطق التحليلي في كتابه المعنون «كيف ساهم تآكل العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية في الأزمة الأوكرانية؟ - دار النخبة للنشر والتوزيع / 2025»، مقدماً دراسة مستفيضة تضع حرب فبراير (شباط) 2022 في نهاية سلسلة ممتدة من التحولات والقرارات وسوء التقدير المتبادل بين موسكو وواشنطن، ومقترحاً قراءة ترى في تدهور العلاقة بين القوتين عنصراً فاعلاً في إنتاج الأزمة، عوض التعامل معه بوصفه أثراً تالياً لها، ناقلاً السؤال من مسؤولية القرار الروسي المباشر بالغزو إلى البيئة الدولية التي جعلت ذلك القرار ممكناً وفق حسابات الكرملين.

يستمد الكتاب متانته المعرفية من خلفيته الأكاديمية في حقل العلاقات الدولية، وتتجلى هذه المتانة في المعمار المنهجي للبحث، وكثافة إحالاته المرجعية المتنوعة في تتبعه لمسار تطور العقيدة السياسية الخارجية الروسية بداءة من حقبة ما بعد الحرب الباردة، مروراً بمرحلة إعادة التموضع الاستراتيجي في عهد فلاديمير بوتين، رابطاً إياها بمسارات التوسع المستمر لحلف شمال الأطلسي باتجاه الشرق. ويمتد هذا الرصد التاريخي ليشمل محطات مفصلية شكلت نقاط تحول حرجة في جسد العلاقة بين الطرفين، أبرزها الثورة البرتقالية في أوكرانيا، وصدام جورجيا عام 2008، ومحاولات إعادة ضبط العلاقات في عهد الإدارة الأميركية إبان حقبة الرئيس أوباما، بلوغاً إلى احتجاجات الميدان الأوروبي، وأزمتي القرم ودونباس، وصولاً إلى مرحلة الحشود العسكرية الثقيلة والمفاوضات الأمنية الحاسمة السابقة لحرب 2022. يفلح العساكر في دمج هذه الوقائع المتناثرة داخل نسق تاريخي متصل تتصاعد فيه الهواجس المتبادلة، وتتراجع مساحات الثقة المشتركة، وتتقلص قدرة المؤسسات الدبلوماسية التقليدية على احتواء التباينات الجيوسياسية.

يمثل عام 2004 نقطة ارتكاز مفصلية بالغة الأهمية في هذا المسار التصاعدي، فقد قرأت واشنطن الثورة البرتقالية في كييف تحولاً ديمقراطياً محموداً ومقاربة ناجحة نحو المنظومة القيمية الأوروبية، يقابل ذلك تفسير روسي حاد يعتبر الحدث ذاته اختراقاً غربياً صريحاً للمجال الحيوي السوفياتي السابق، وتهديداً ينذر بانتقال عدوى الثورات الملونة إلى الداخل الروسي.

هنا يلتقط العساكر إحدى أكثر أفكار العلاقات الدولية خصوبة، أي «المعضلة الأمنية» التي تجعل سعي دولة إلى تعزيز أمنها سبباً في تراجع شعور الدولة المقابلة بالأمن. فتوسع الناتو الذي قدمه الغرب باعتباره توسيعاً لمنطقة الاستقرار الأوروبي ظهر أمام موسكو حركة في ميزان القوى تصل تدريجياً إلى حدودها، بينما تحولت الاستجابات الروسية العسكرية والسياسية إلى دليل لدى دول أوروبا الشرقية على حاجتها إلى مزيد من الحماية الغربية. وهكذا دخل الطرفان في حركة جدليّة تنتج أسباب استمرارها بنفسها: توسع غربي يثير القلق الروسي، وسياسة روسية أكثر حزماً تعزز المخاوف الأوروبية، ثم توسع أكبر في البنى الأمنية الغربية يرفع بدوره مستوى القلق الروسي.

يشكل خطاب بوتين في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007 محطة دالة في سردية العساكر؛ لأنه يكشف عن انتقال الاعتراض الروسي من التذمر الدبلوماسي إلى صياغة رؤية متكاملة تعترض على الأحادية الأميركية وطريقة إدارة النظام الدولي بعد الحرب الباردة. ثم كان أن جاءت حرب جورجيا في العام التالي لتمنح هذا التحول مضموناً عسكرياً؛ إذ أظهرت استعداد موسكو لاستخدام القوة عندما ترى ميزان النفوذ في جوارها المباشر مهدداً، كما أظهرت حدود الاستجابة الغربية في تلك المرحلة، الأمر الذي يربطه الكتاب بتطور الثقة الروسية بإمكانية حماية خطوطها الحمراء بوسائل أشد صرامة.

يستند العساكر في تفسير هذه الدينامية إلى «الواقعية الهجومية» عند جون ميرشايمر، التي تفترض نظاماً دولياً فوضوياً تتحرك فيه القوى الكبرى وفق هاجس البقاء وتعظيم القوة ومنع المنافسين من إقامة مواقع متقدمة في مناطقها الحيوية. وبهذا النسق تصبح الحساسية الروسية تجاه أوكرانيا قابلة للقراءة ضمن منطق القوة والمجال الجغرافي وتوازنات الأمن، بدلاً من ربطها حصراً بشخصية بوتين أو الحنين الإمبراطوري الروسي، وهي مساهمة تحليلية مفيدة؛ لأنها تعيد السياسة الروسية إلى بنية دولية أوسع، وتضع السلوكَيْن الأميركي والروسي داخل منظومة واحدة من الحسابات الاستراتيجية.

تتجلى براعة المؤلف الفكرية في تطويع النظريات المتنوعة لاستيعاب تعقيدات الهوية والمكانة التاريخية، جاعلاً من المقاربة البنائية أداة مساعدة شديدة الأهمية للفهم الشامل لتأثيرات انهيار الاتحاد السوفياتي، وصدمة تراجع المكانة الدولية، والروابط السلافية العميقة بين روسيا وأوكرانيا. وهذه مرونة فكرية تحسب للمؤلف؛ لأن النظرية عنده تتحول إلى أداة للفهم أكثر منها قالباً تساق الوقائع نحوه.

يمثل عام 2014 الاختبار الأقسى وراء أطروحة تآكل الدبلوماسية الواردة في عنوان الكتاب. فعملية ضم شبه جزيرة القرم أحدثت قطيعة مؤسسية واسعة النطاق بين واشنطن وموسكو، شملت تعليق مسارات التعاون العسكري والأمني، وتجميد مبادرات الحد من التسلح، ووقف المشاريع المشتركة في مجالات الطاقة والأمن النووي. حوّلت هذه القطيعة الجذرية مسار العلاقة الثنائية لتعتمد كلياً على أدوات الضغط المتبادل والعقوبات الاقتصادية المشددة، متسببة في تلاشي آليات الحوار الفعالة والمنصات المؤسسية الضامنة لاستمرار التواصل وقت الأزمات.

يعيد الكتاب الاعتبار إلى الدبلوماسية بوصفها بنية لإدارة التناقضات قبل أن تصبح وقائع عسكرية يصعب الرجوع عنها

غير أن هذا الاختيار النظري يفتح أيضاً مساحة للاشتباك مع أطروحة الكتاب؛ لأن مفهوم «تآكل العلاقات الدبلوماسية» في العنوان يبدو أحياناً أوسع من المادة التي يقدمها المتن، حيث ينصب الجزء الأكبر من التحليل على توسع التحالفات وميزان القوى والعقوبات والثورات الملونة والتحركات العسكرية والسياسات الداخلية الروسية، بينما كان المفهوم المركزي سيكتسب وزناً تفسيرياً أكبر عبر تحليل أكثر تفصيلاً لآليات الدبلوماسية نفسها: كيف تغيرت قنوات الاتصال بين موسكو وواشنطن؟ وأي مفاوضات تعثرت؟ وأين ضاعت فرص التسوية؟ وكيف انتقلت الرسائل بين الطرفين؟ وأي مؤسسات أو شخصيات لعبت أدواراً في تضييق هوامش الحل؟ فعند هذه النقطة يتحول «التآكل الدبلوماسي» من وصف لمسار العلاقة إلى متغير سببي يمكن قياس أثره بصورة أكثر إحكاماً.

يخصص الكتاب حيزاً تحليلياً مهماً لموقع أوكرانيا بوصفها فاعلاً سياسياً واجتماعياً مستقلاً، متجاوزاً تصويرها كمجرد رقعة شطرنج تتنافس عليها القوى العظمى. فالوقائع أثبتت حيوية المجتمع الأوكراني في صناعة تحولاته السياسية وإعادة صياغة هويته الوطنية وموقعه الجيوسياسي المستقبلي. وعززت الضغوط العسكرية والسياسية الروسية المتعاقبة ميول قطاعات واسعة من الرأي العام الأوكراني نحو التحالف الاستراتيجي مع المنظومة الغربية، وتوطيد الارتباط بمؤسسات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، ما قوّض القاعدة الاجتماعية الداعمة للنفوذ الروسي داخل أوكرانيا، وبدد الحسابات الاستراتيجية المسبقة للكرملين.


«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»
TT

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

مرَّ جهيمان العتيبي، الشخصية التي قادت اقتحام الحرم المكي عام 1979 بتحوّل راديكالي عميق، حيث بدأ من الهامش. بدأ حياته عاملاً مُحتالاً صغيراً، يُهرِّب السجائر عبر الحدود، ويلهث في الكويت خلف اللذائذ العابرة، قبل أن يندمج في جماعة «الدعوة والتبليغ»، ثم تنصل منها ليصعد كأب كاريزمي لجماعة أُصولية مفتونة بالرؤى والأساطير، وصولاً إلى اللحظة الفارقة، حين قاد هجوماً على الحرم، وبايع فيه «المهدي» المزعوم، بين الركن والمقام، حيث كشف الحجاب عنه، إيذاناً بالملحمة النهائية.

ويطرح كتاب «الغريب: دراسة في الجهيمانية المهدوية» مقاربة نقدية ورؤية تفكيكية مغايرة لسيرة جهيمان، وهو صادر عن دار جداول للنشر والترجمة، ومن تأليف الدكتورة لطيفة الشعلان، أستاذة علم النفس بجامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن بالرياض، وعضوة مجلس الشورى السعودي، وهو يعالج الاختزالات التقليدية التي تقف عند حدود التحليل السياسي أو التشخيص الباثولوجي الإكلينيكي لـ«جهيمان العتيبي»، وتغوص في أعماق «سيكولوجيا الوعي المهدوي»، متتبعة مسارات القلق الوجودي وسؤال المعنى لدى شخصية هذه التراجيديا المؤلمة.

قصور الاختزال

لا تعلق الباحثة كل المسؤولية على «اليقين المهدوي» الذي أدّى بطبيعة الحال دوراً حاسماً في الحراك الذي انتهى بالاقتحام، لكنه لا يُقدِّم سوى نصف الإجابة عن السؤال التاريخي المُحيِّر، إذ يكمن النصف الآخر في بنية هذه الذات التي سمحت لهذا الإيمان أن يتشكّل، بكل ذلك الصدق والتماسك، وصولاً إلى اللحظة الفاصلة وما ترتّب عليها.

تضمنت نشأة جهيمان - في مرحلتي الطفولة والمراهقة - استدماجاً للمشاعر المُرتبطة بواقعة «السبلة» (1347 هـ / 1929 م)، وهي المشاعر التي سادت محيطه الاجتماعي، من الأُسرة والمسجد، وصولاً إلى القبيلة، ومن المُحتمل أن الحنين كان يشدّه إلى ماضي أسلافه، بحديث يُراوح بين التبجيل والأسى.

لكن الباحثة ترى أن هذه الاستحضارات الوجدانية تظل هامشية في سياق الدراما المهولة، التي بلغت ذروتها في عملية الاقتحام.«مجتمع الأوهام»

يكشف الكتاب عن كيفية تشكل «مجتمع أوهام» متكامل داخل أروقة الجماعة، حيث أصبحت مرويات الفتن وأشراط الساعة محاكاة يومية استهلكت وجدان الأفراد، لينكمش الواقع تدريجياً لصالح عالم موازٍ.

ولعبت «الأحلام والمنامات» دوراً محورياً في تغذية هذا الوهم؛ إذ وثقت الجماعة وصنفت ملفات تضم ما لا يقل عن 270 مناماً، تحولت من مجرد شطحات نفسية إلى «تأكيدات غيبية» يستند إليها الأفراد.

وتجلت المأساة في كون الفكرة المهدوية نشأت في فضاء هامشي عبر المزاح والمداعبات، قبل أن تتلقفها بيئة الإشارات والرموز، وتشكّلت دائرة ارتدادية خادعة، تبشير «محمد بن عبد الله» بنفسه بناءً على نبوءات ورؤى، ليصادق جهيمان عليها ويمررها للأتباع، الذين يعودون بدورهم للمهدي المزعوم كبراهين تصديق، لتستحيل كل ذات إلى مرآة تعكس ضلال الأخرى وتمنحها الشرعية.

هذه البدايات التي اتسمت بالخِفة العابرة، سُرعان ما وجدت في بيئة الإشارات والرموز والأحلام تربة خصبة للتشابك والنمو الملحمي، ليتكفل جهيمان بنقلها من سياق الهمس الخجول إلى صعيد «الحقيقة الكونية»، التي شكّلت في نهاية المطاف تلك التراجيديا التاريخية.

تقول الباحثة: «بفعل ذلك الاستغراق، كان الواقع ينكمش ويضيق تدريجياً لينغلق على عالم موازٍ، يحكمه مناخ غرائبي مشدود إلى الغيب، استهلك وجدان هؤلاء الرجال، وأخرجهم من سياق الواقع إلى حيِّز الانتظار الملحمي. ومع ذلك، لم يكن اليقين بظهور «المهدي» على درجة واحدة من الاستقرار في النفوس، إذ ظل بعضهم متوجساً حيال هذه الدعوى، وإن استمروا في فلك الجماعة، مدفوعين إما بالارتهان للآيديولوجية الرامية إلى التغيير الديني والأخلاقي، وإما انشداداً إلى سطوة القائد وشخصيته الكاريزمية».

القطيعة والإنكار

يرصد الكتاب محطات مفصلية شكلت الوعي الحركي لجهيمان، أبرزها حادثة تكسير «ألمانيكانات» والصور بالمدينة المنورة عام 1965، التي لم تكن مجرد اعتراض باليد، بل أعلنت قطيعة نهائية مع عالمه الراهن وموت براءته السياسية، لتتأسس بعدها بعام واحد (1966) الجماعة السلفية المحتسبة، التي انشق عنها هو الآخر، منفرداً بخط أكثر صرامة وتشدداً.

ومع حلول عام 1978، استقرت فكرة المهدوية في ذهنه، ليبدأ التحرك نحو السلاح عبر المهربين، ترتيباً لإطلالة القرن الهجري الجديد.

ورغم الحصار والتطورات الميدانية أثناء المواجهة داخل الحرم المكي، انقاد جهيمان لسيطرة يقينه اللامعقول؛ حيث مارس حالة نموذجية من «الانفصال عن الواقع»، وحين تسرب الشك بين صفوف أتباعه عقب مقتل «المهدي المزعوم»، واجه ذلك بغضب حاد، معتبراً إياه إرجافاً، مصرّاً على أن المهدي لا يُقتل، بل ينتظر «الخسف بالجيش».

تقول الباحثة: «تُوفِّر الرؤى الأُخروية للمؤمنين بها على المدى القصير شعوراً بالراحة والسكينة، وأملاً باكتمال المعنى، لكن هذا الاستقرار سرعان ما يضطرب حين تمرّ الأيام دون تحقق وعد الخلاص، وحينذاك يزداد الإحباط وتتراكم مشاعر الخواء والاغتراب، ما يُحيل هذه الرؤى الغيبية ذاتها إلى قوة ديناميكية تدفع أصحابها دفعاً نحو الكارثة».

غربة الروح وسؤال المعنى

تجلت لدى جهيمان رمزية بالغة، في اهتمامه المُفرط بالترتيب الزماني والمكاني للعلامات المرتبطة بخروج «المهدي»، ومحاولة مطابقتها قسرياً مع واقع السعودية المُعاش خلال سبعينات القرن العشرين.

لقد اندفع جهيمان تحت وطأة الاغتراب وانسداد الأفق في قفزة نحو اللامعقول، مسكوناً بقلق وجودي جارف سعى من خلاله إلى إعادة هيكلة الوجود، عبر تسريع المسير العنيف من الحاضر المأزوم إلى الغيب المنتظر؛ لتنتهي تلك المأساة باستسلامه الإجهادي، وصمته الواجم أثناء رحلته الأخيرة نحو القصاص، مخلفاً وراءه واحدة من أقسى السرديات المسيانية في التاريخ الحديث.

ورصدت الباحثة من خلال مصادرها، ومن بينهم مسؤول أمني مطلع على تفاصيل القضية، أن جهيمان لم يُبد أي مقاومة لحظة اعتقاله، إذ كان الإجهاد قد نال منه، وخلال مجريات التحقيق ظهر متماسكاً، مختزلاً العملية بأكملها في صورة اجتهاد تبيَّن أنه في غير محله.

وفي رحلته الأخيرة نحو تنفيذ حُكم القتل، برفقة سعيد بن عبد اللّه - شقيق «المهدي» - وأربعة محكومين آخرين، كان جهيمان واجماً طوال الطريق، شأنه في ذلك شأن رفاقه الخمسة الآخرين، فلم ينبس بكلمة واحدة.

وترى الباحثة أن «جهيمان يبقى حالة استثنائية مُتفرِّدة في يقينه المُطلق بأنه يُعاصر أواخر الزمان، وهو يقين استبدّ بمداركه وهيمن عليها، وصاغ خياراته الوجودية، ورسم مصيره الشخصي ومصائر الآخرين من حوله. فقد تجاوز هذا الاعتقاد كل حد مُتصور ليستحيل قوة تاريخية كبرى، أحدثت تأثيرات عميقة ومتعددة الأبعاد».


امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»
TT

امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

صدرت حديثاً عن «دار نوفل - هاشيت أنطوان»، رواية «وجهي الغريب» للكاتبة الجزائرية وئام شرماطي، وفيها تروي قصة امرأة جزائرية تحمل آثار العنف الأسري والفقدان والحب المنقطع، وتعيش صراعاً متواصلاً مع ذاكرتها وهويتها... تكبر المرأة وهي تحمل اسماً لا يشبهها، ووجوهاً كثيرة تخفي وراءها الخوف والذنب والوحدة.

في هذه الرواية (256 صفحة) يتسع السرد ليكشف لا عن تاريخ عائلة فحسب بل عن مجتمع، وسط التحولات السياسية والاجتماعية التي عرفتها الجزائر من أواخر الثمانينات إلى سنوات العنف المسلح.

إنها رواية عن آثار العنف المتوارث، وتبعات الفقد، والخوف من الأمومة، وتضحية النساء بذواتهن داخل الأسرة والزواج، إلى جانب محاولات استعادة الصوت والحلم من خلال التعليم والرسم والحب.

جاء في كلمة الناشر:

«لا جدار أبيض في منزل كاملة. هناك، تعيش وحيدة، محاطة بوجوه لا تعرفها. وجوه نساء من دون ملامح أو مشوّهة الملامح تكتظّ بها الجدران كيفما التفتت. لكنَّ وجهاً غريباً يبدأ، خارج حدود ذلك المنزل المتخم بالرسومات، بالظهور أمام كاملة في كلّ انعكاس: على واجهات المحالّ، ونوافذ الحافلات، والزجاج البارد للثلاجات. وجه امرأة لا تعرفها... لكن، مع ذلك، يبدو مألوفاً بشكل مقلق.

تخبر المحيطين بها أنَّ امرأة تلاحقها، وتترصدها. لكن لا أحد يصدقها، فلا تجد أمامها سوى العودة إلى الماضي، ومخالفة أهمّ قاعدة وضعتها لنفسها: ثلاث أيادٍ لن تسمح بأن تمسك بها يوماً: يد غريب، ويد عدوّ، ويد الذكريات.

في رحلةٍ تعود بها إلى ما حاولت طويلاً دفنه في غياهب ذاكرتها، تجد كاملة نفسها أمام سؤالٍ لم يخطر لها يوماً أن تطرحه:

هل يمكن للإنسان أن يفقد وجهه فعلاً، أم أنّ الحياة هي من تغيّره بصمت حتى يعجز عن التعرف إليه؟

من تكون المرأة التي تظهر في المرايا؟ ولماذا يبدو وجهها مألوفاً إلى هذا الحدّ؟». وكانت وئام شرماطي قد أصدرت روايتين: «قبر مكشوف على السماء» التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة القلم الذهبي و«المرأة التي لا تشبه اسمها».