لماذا غابت المسرحية الشعرية؟

يرى بعضهم أنها لا تنسجم مع سياق المتغيرات الكبيرة في الوطن العربي

عدنان الصائغ
عدنان الصائغ
TT

لماذا غابت المسرحية الشعرية؟

عدنان الصائغ
عدنان الصائغ

شعراء عرب كثيرون نسبياً كتبوا مسرحيات شعرية في مراحل مبكرة، كخليل اليازجي وأحمد شوقي وعزيز أباظة وعبد الرحمن الشرقاوي وصلاح عبد الصبور وعبد الوهاب البياتي وعبد الرزاق عبد الواحد ومحمد علي الخفاجي وغيرهم، ولكن المسرحية الشعرية انحسرت في العقود الأخيرة انحساراً شبة تام.
ما السبب وراء ذلك؟ هل يعود الأمر لظروف اجتماعية - سياسية - ثقافية في هذا البلد العربي أو ذاك، إذ لم تعد المسرحية الشعرية تنسجم مع سياق المتغيرات الكبيرة التي حدثت، والتي أثرت بالضرورة على المسرح وهياكله المؤسسية، أم يعود لعزوف الجمهور عن مثل هذا النوع من المسرحيات، أم أنه متعلق بالشعراء والكتاب أنفسهم؟
هنا آراء عدد من الشعراء والكتاب والخريجين المسرحيين العراقيين الذين كتبوا مسرحيات شعرية في مرحلة من حياتهم الأدبية، ثم توقفوا:

عدنان الصائغ (شاعر): لا أعرف سر العزوف
المسرح الشعري قديمٌ منذ الحركات التمثيلية الأولى التي رافقت المقاطعَ الشعرية التي كانت تُغنى لإله الخمر باخوس، من قبل كورس في المعابد أو على خشبة مسرح، في العهد الإغريقي والروماني، وربما جربه السومريون أو البابليون، من يدري؟ لكن ظهور المسرح العربي بشكل عام جاء متأخراً، فما بالك بالمسرح الشعري الذي لا يتعدى محاولات عدد من الشعراء بدأت بـ: خليل اليازجي (1856-1889)، وأحمد شوقي (1868-1932)، وجورج شحادة، وسعيد عقل، وعزيز أباظة، وعبد الرحمن الشرقاوي، وصولاً إلى صلاح عبد الصبور، وعلي كنعان، وعز الدين إسماعيل، ومعين بسيسو، ومحمد الفيتوري. وفي العراق: سليمان غزالة (1854-1929)، وخالد الشواف، وعبد الوهاب البياتي، وعبد الرزاق عبد الواحد، ومحمد علي الخفاجي، ومعد الجبوري، ويحيى صاحب، ود. خزعل الماجدي، وعبد الرزاق الربيعي، وغيرهم قليل.
ولا أدري أيضاً سر هذا العزوف، من ناحيتين: كتابة المسرحية الشعرية، أو مسرحة الشعر، خاصة أن للشعر طاقة صورية إيحائية هائلة، بالإضافة إلى قدرة تعبيرية واسعة شاسعة. فالشِعر بالأساس -كما أرى- حاشدٌ بالكثير المثير من المعالجات الفنية، بل هو مسرح كبير تتحرك داخله الأحداث والشخوص والصور والمشاعر والأفكار، لا تحتاج إلا لمخرج خلاق قادر على توظيف وتحريك هذه التشكيلات، والارتقاء من خلالها بالمسرح إلى معناه الحقيقي الذي أكلت منه الآيديولوجيات وشبابيك التذاكر.

علي الزيدي (كاتب مؤلف مسرحي):
لا تنسجم مع واقعنا
بدأ التأليف المسرحي العربي متأخراً، بمعنى أنه استقر في العقود الأربع الأخيرة، وبدأت تظهر تجارب مسرحية مهمة على مستوى التأليف منذ أواخر الستينيات؛ أي بعد نكسة يونيو (حزيران) 1967، بصفتها حدثاً مركزياً تحول إلى رد فعل على مستوى الكتابة للمسرح، على الرغم من أن هناك تفاوتاً زمنياً، خاصة التجارب التي ظهرت في مصر ولبنان وسوريا مثلاً. وقد بدأت المسرحية الشعرية متأثرة بالشعر (الغنائي)، واحتفى بها (العرض المسرحي) في وقت كتابتها؛ أي قبل أكثر من مائة عام، منسجمة مع الذائقة آنذاك والبدايات الأولى للكتابة أصلاً، فكانت نصوص الشاعر أحمد شوقي هي الأكثر انتشاراً عربياً، ولكن سرعان ما تلاشى هذا الانتشار باتجاه كتابات جديدة، وإن خرجت من معطف الشعر أيضاً، مثل كتابات الشاعر صلاح عبد الصبور المسرحية؛ وكل هذا بتقديري أن هؤلاء ينتمون للشعر أكثر من كتابة نص مسرحي له علاقة وطيدة مع خشبات المسارح وحاجاتها وشكلها، فهي الآن لا تنسجم مع سياق المتغيرات الكبيرة التي حدثت في الوطن العربي، وتحوله إلى سوق من الأحداث التي غيرت في بنية المجتمعات العربية، خاصة في أثناء وبعد الاحتلالات، وبدايات التفكير بنصوص مسرحية تستفيد من النثر لطرح أفكارها، وتنسجم مع الذائقة الجديدة لجمهور المسرح المتأثر بتسارع الأحداث والتطورات في العالم، ولم يعد شكل الكتابة الشعرية الحاد الذي يفرض اشتراطاته ومقاساته في النص المسرحي مغرياً لكتاب المسرح، فأخذوا يذهبون لما يسمى «شعرية النص» الأكثر استيعاباً لما يحدث في الواقع، وقدرة على الانطلاق بفضاءات جديدة في شكل الكتابة نفسه.
وبتقديري، فإن المسرحية الشعرية التي كتبت نهاية القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر تنتمي للشعر أكثر من انتمائها للمسرح، لذلك انطفأ بريقها، ولم تعد خشبات المسرح تحتفي أو تهتم بها على الإطلاق، ولا يمكن بأي حال من الأحوال الآن تقديم المسرحية الشعرية التي كتبها أحمد شوقي، أو خالد الشواف من العراق، بل حتى نصوص الشاعر صلاح عبد الصبور الأكثر حداثة منهم لم يعد يهتم بها المخرجون في الوطن العربي لتقديمها في صورة عرض مسرحي، بسبب منظومة التلقي الجديدة التي تأثرت بأحداث كبرى تحتاج إلى آليات مختلفة تماماً في تناولها على مستوى الكتابة. وبتقديري، فإن «شعرية النص» هي الشكل الأكثر استيعاباً لمشكلات عصرنا المعقدة، ويمكن لها الذهاب إلى مناطق أبعد على مستوى التجريب والتأثير بالمتلقي اليوم، وظهور جيل جديد في العراق تحديداً لا يحتفي بالشعر بصفته نصاً مسرحياً بقدر اهتمامه بشعرية النص بشكله الحديث.

عقيل مهدي (مخرج مسرحي): لم تغب تماماً
ربما لم تغب المسرحية الشعرية بالكامل، بدلالة ما قدم من مسرحيات، منها نصوص أجنبيه وأخرى عربية، ولكن المؤلفين الدراميين بعد أن غيبهم الموت، وقد كانوا من الأساس من الندرة بمكان، بحيث اختفى الرواد المبدعون أمثال الشرقاوي وصلاح عبد الصبور والخفاجي، وقبلهم شوقي وأباظة والشواف وبسيسو، وما اعترى المسرح من عقبات مقترنة بالظرف السياسي والمتغيرات الوطنية والدولية التي عصفت باستقرار المسرح وهياكله المؤسسية وخططها الإبداعية؛ كل هذه المستجدات، وسواها من تخصيصات مالية إنتاجية، كان لها تأثير في انزواء المسرحية الشعرية، فضلاً عن سوء التخطيط للبرنامج الخاص بالريبتوار، وانتقاء النصوص الشعرية بشكل متوازن مع النصوص النثرية الأخرى، علاوة على اقترانها بشعرية الحداثة في إظهار النص، كما في أطروحة الشكلانيين ومفهوم تودروف والاتجاهات العاصفة حول بنائية النص بعيداً عن تقانات الكتابة الأجناسية الجندرية، ونوع النص ونهجه الكلاسيكي التقليدي، حتى بات للعرض المسرحي نفسه شعريته المضاهية المتوازية معه، وربما التي تتفوق عليه بتأويلاتها الإخراجية الرفيعة، ومعالجاتها البصرية وإيقاعاتها المرتبطة جدلياً مع البعد السمعي، في تركيب إبداعي مفترض يخص وسائل تعميق جاذبيتهما المشتركة، بإبداع فضاءات مبتكرة مبتدعة؛ ولكن كل هذه الأسباب والذرائع لا تبرر انحسار النص الشعري في عروض المخرجين، سواء من الرواد أو من الشباب المقتدرين المتذوقين لضرورة تلقي الشعر في خطاباتهم الجمالية مع الجمهور المسرحي الخاص والعام.

صلاح حسن (شاعر): غياب الطبقة الوسطى
الغياب ليس في العراق فقط، بل في العالم العربي كله. فمنذ فترة طويلة، قد تصل إلى نصف قرن، هناك أسباب كثيرة لهذا الغياب، من بينها تلاشي النخب الثقافية التي كانت حاضرة في خمسينيات القرن المنصرم، وتراجع المجتمع المدني، وغياب الطبقة الوسطى التي كانت تمد العروض المسرحية الشعرية في كل وقت. بطبيعة الحال، هناك أسباب أخرى مختلفة، منها تفشي الأمية في المجتمعات العربية، وتراجع التعليم العالي، والحروب والنزاعات، وليس أخيراً تبدل الذائقة، والانحياز إلى العروض البسيطة الشعبية. ومن المفارقات التي جاءت مع الحداثة وما بعد الحداثة وجود وسائل التواصل الاجتماعي التي جعلت الجميع يكتبون شعراً إلى درجة ضاعت معها القيم الفنية للشعر، ما دعا الشعراء الكبار إلى الانسحاب من الحياة الاجتماعية، ورفض المشاركة في هذه النشاطات غير المجدية.
هذا حول الفضاء العام الذي تبدل إلى درجة كبيرة، قياساً بفضاءات سنوات الستينيات والسبعينيات والثمانينيات في القرن الماضي التي كانت فيها بعض القيم الثقافية والفنية راسخة. أما اليوم، فلم تعد هناك حاجة إلى الشعر، ولا المسرح الشعري ولا الفلسفة ولا علم النفس، لأن العالم حول هذه الاحتياجات إلى سلع عبر الشركات العابرة للقارات والتجار الكبار.
وأظن أن المسرح الشعري قد تلاشى في العالم العربي، وقد يتلاشى في كثير من البلدان المتقدمة، وستكون هناك بين وقت وآخر عودة إلى الكلاسيكيات، فهي الوحيدة التي تتمتع بالتكامل الفني والثقافي، وغالباً ما تكون صالحة لكل زمان ومكان، كأعمال شكسبير على سبيل المثال.



الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري
TT

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

تنهض مقامات الحريري على نسقٍ سرديٍّ ثلاثيٍّ يتوزّع بين المؤلف الخارجي، والراوي الشاهد، والبطل المركزي؛ إذ يتولى القاسم بن علي الحريري (446هـ/1054م - 516هـ/1122م) بناء النص، ويؤدّي الحارث بن همّام وظيفة الراوي الشاهد، في حين يشغل أبو زيد السروجي موقع الشخصية المحورية التي تنتظم حولها المقامات.

صاغ الحريري 50 مقامة، أي 50 حكاية عن أبي زيد السروجي، ورسم لنا شخصية ساحرة ببلاغتها وتصرّفها في فنون الكلام، وساخرة من النخب والعوام، ومتهكّمة على المهن والمؤسسات، وهامزة هازئة بالتسلسل الهرمي الاجتماعي من مختلف الفئات.

شخصية متعدِّدة الأدوار والأطوار؛ متسلّقة اجتماعياً، ومخادعة مراوغة دهيّة ظريفة. تتفوّق على القاضي، وتقلّد الواعظ، وتتوسل المرأة العجوز لاستدرار شفقة الناس وعطفهم ورِفْدِهم.

لقد ركّزت الدراسات النقدية التي تناولت مقامات الحريري على المؤلف، بل ورأى بعض الدارسين أن شخصية المقامة هي شخصية المؤلف لا شخصية بطلها، في حين ركّزت دراسات أخرى على أبي زيد، فألّفت حوله الكتب والمقالات، بينما لم تحظ شخصية الحارث بن همام بعناية مماثلة، ولم يُلتفت إليها بدراسة مستقلة على الرغم من كونها تدخل في صلب الوقائع الحكائية المبثوثة في المقامات بحيث تمثّل نقطة التوازن بين السرد والتأمل، وبين الإعجاب والنقد، وبين الأخلاق والجمال.

وأول مظاهر الفروق في الاهتمام المنصبّ على أبي زيد دون الحارث بن همام، البحث في حقيقة أبي زيد هل هو شخصية حقيقية أم شخصية خيالية، حيث مالت نصوص النقد الأدبي القديم إلى الحديث عن الأصل الحقيقي لهذه الشخصية في حين أن النقد الأدبي المعاصر أنكر ذلك. أما الحارث بن همام فلم يبحث أحد عن حقيقته، بل تسالم الجميع على كونه ناطقاً باسم الحريري، مع العلم أنّ أبا زيد لا يعدو هذه المرتبة أيضاً.

لقد انصبّ الاهتمام فقط على سبب اختيار اسم الحارث، وفسّره ياقوت الحموي بأنّ الحريري عنى نفسه بهذا الاسم أخذاً من قوله صلى الله عليه وسلم: «كلكم حارث وكلكم همّام»، فالحارث الكاسب، والهمّام كثير الاهتمام بأموره، وكان بإمكان النقد الأدبي أن يستغل هذه الإشارة ليوضّح لنا كيف غدا الراوي حارثاً وهمّاماً في هذه المقامات؟ غير أنّه غفل عن طبيعة تكوين الحارث الذي لا يقلّ ثراءً وتعقيداً وبلاغةً عن أبي زيد، إذ لم يلحظ النّقاد أنّه ليس مجرد ناقل للأحداث، بل عين القارئ وضميره ووسيطه الجمالي والأخلاقي في آن واحد.

إنّه جوّاب آفاق، وهي صفة يشترك فيها مع أبي زيد، غير أنه يختلف معه في أسبابها، فأبو زيد له سبب واحد هو الكدية والحصول على المال، أما الحارث فهو يرحل سعياً للرزق مرة، وابتغاءً للمتعة واللهو مرة أخرى، وطلباً للعلم والمعرفة مرة ثالثة، وهو في كلّ رحلة من هذه الرحلات التي يطوّف فيها من بلد لآخر يلتقي بأبي زيد في مظهر مختلف، ويكتشف حيلة جديدة، فيسردها علينا ويقدمها لنا، وتتجاوز مهمته مجرد السرد، فيمهّد للمشهد، ويخلق الإطار الحكائي، لبطل يبدّل صوره وشخصياته، كما يبدّل المحموم وسائده.

تبدأ علاقة الحارث بأبي زيد في أول مقامة من لقاءٍ عابرٍ في صنعاء حين يرى واعظاً «يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه»، فيتتبّعه بعد انفضاض المجلس، ويراه يأوي إلى مغارة يأكل مع تلميذٍ فيها الحنيذ، ويشرب النبيذ، فيكتشف زيف هذا الواعظ، ويسأل التلميذ عن اسم شيخه فيجيبه: «هذا أبو زيد السروجي: سراج الغرباء وتاج الأدباء». من هنا تبدأ هذه العلاقة، ثم تتطور وتمرّ في عدة مراحل متداخلة: مرحلة الدهشة والانخداع في البدايات، إذ ينجذب الحارث إلى بلاغة أبي زيد بسهولة، ويقع في خداعه دون مقاومة، وتبدأ مرحلة الاكتشاف عندما يدرك نمط أبي زيد المتكرّر، ومرحلة التواطؤ، فقد بات يعرف حقيقته، لكنّه يستمر في المتابعة بدافع الإعجاب بل الافتتان، ومرحلة التوتّر الأخلاقي عندما يحاول التوفيق بين رفضه الأخلاقي ومتعة السرد، وأخيراً مرحلة النضج، إذ يصبح واعياً ببنية المقامة نفسها، ويدرك أنّه داخل لعبة أدبية، غير أنّ هذه المراحل لا تسير في خطٍّ تصاعدي واضح، فالمقامات في بنيتها تقوم على إعادة إنتاج موقف الخداع البلاغي في صور متعدِّدة، فتتكرّر الحيلة وتتنوّع الصيغ، دون أن يُبنى ذلك وفق نموٍّ تدريجيٍّ ثابت، فأبو زيد لا يظهر إلا في صورة جديدة، ولا يتكلم إلا بلسان مختلف، ولا يتحرك إلا داخل لعبة تمويهٍ واسعة. هنا يتحول الحارث من ضحيةٍ إلى شاهدٍ واعٍ، وإن ظلّ متورطاً عاطفياً وجمالياً، وبذلك يتّضح أنَّ وظيفة الحارث ليست محايدة. فهو يشارك في تشكيل المعنى ويعيش حالةً دائمةً من التذبذب بين الإعجاب والرفض. حين يسمع خطب أبي زيد المؤثرة، ينجذب إليه جماليّاً، لكنّه حين يكتشف الخديعة ينفر منه أخلاقيّاً. هذا التناقض هو جوهر شخصيته: مبدأ يرفض الكذب، وذائقة جمالية تنجذب إلى براعة الكذب، لذلك نراه أحياناً يوبّخ ضمنياً، وأحياناً يسوّغ، وأحياناً يكتفي بالمشاهدة. وإذا كان أبو زيد متلوّناً، متحوّلاً، مراوغاً، فإن الحارث ثابت نسبياً، ويمثّل نوعاً من «المرجع الأخلاقي»، وهذا التضاد مقصود فنياً: فأبو زيد يعبّر عن الحركة والخداع والتحوّل، والحارث يرمز إلى الثبات والملاحظة والتأمّل.

تتعمّق هذه العلاقة فتغدو نوعاً من الصحبة الفكرية. ينتقل الحارث من موقع المشاهدة إلى تتبّع أبي زيد عبر المدن، ويتحوّل هذا الترحال تدريجياً إلى مدخل لفهم الخداع نفسه: كيف يُبنى؟ كيف يُصدَّق؟ ولماذا ينجذب الناس إليه رغم إدراكهم أنه زيف؟

في بعض المقامات، يتحوّل الحارث من مجرد شاهد على ما يجري إلى دائرة الفعل، فيطلب أحياناً من أبي زيد أداءً بلاغيّاً معيّناً، أو يختبر قدرته على الإقناع، أو يغضّ الطرف عن بعض خداعه. ومع ذلك، لا يمكن وصفه بالمشارك الكامل، إذ يبدو كأنّه يقف في منطقة رمادية بين الحياد والتورّط، يستمتع بالمشهد على الرغم من إدراكه أنّه قائم على الخداع.

ومع تتابع التجربة، يبدأ الحارث في اكتساب وعي أعمق بطبيعة ما يراه؛ ويتحول من ضحيَّةٍ إلى مشارك ضمنيٍّ في إنتاج المتعة السردية. يتعلم كيف يتأرجح بين التصديق والتأويل، وبين الانخداع باللغة والوعي بآلياتها. وهكذا لا يصل إلى يقين نهائيّ، بل إلى وعيٍّ متوتّر يزداد تعقيداً مع كل مقامة، حتى يصبح جزءاً من إنتاج المتعة السردية نفسها، لا مجرد شاهد عليها.

في المقامة الأخيرة، يحدث التحول الأهم: يقرّر أبو زيد التوبة وترك الحيل، ويتجه إلى العبادة والوعظ. هنا ينقلب موقف الحارث بشكل مفاجئ. بدلاً من الفرح، يشعر بخيبة أمل. فالتوبة، رغم قيمتها الأخلاقية، تعني نهاية اللعبة التي كانت تغذي فضوله ومتعة المراقبة لديه، ويبدو أنّ الحارث كان يظن أنه يبحث عن الحقيقة الأخلاقية، لكنّه يكتشف أنّه كان يستمتع بالبنية الجمالية للخداع أكثر من اهتمامه بالحقيقة نفسها.

في المشهد الأخير يحدثنا الحارث عن آخر ما دار بينهما من حوار، إذ يدنو منه «كما يدنو المصافح، وقلت: أوصني أيها الناصح. فقال: اجعل الموت نصب عينك، وهذا فراق بيني وبينك، فودّعته وعبراتي يتحدّرن من المآقي، وزفراتي يتصعّدن من التراقي، وكانت هذه خاتمة التلاقي». لم يلحظ النقاد أنّ الحارث ليس مجرد ناقل للأحداث بل عين القارئ وضميره ووسيطه الجمالي

والأخلاقي في آن واحد


«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية
TT

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

لم يكن غريباً أن تفوز رواية «مخبز السعادة» للكاتبة هيلين هولمستروم بجائزة «أفضل كتاب رومانسي» في السويد، حيث تقوم حبكتها الرئيسية على قصة حب غير متوقعة بين طرفين، بدأ كل شيء بينهما بالنفور قبل أن يتحول إلى مشاعر مشتعلة في سردية تميزت باستبطان الانفعالات الداخلية للمرأة على نحو لافت.

صدرت الرواية أخيراً عن دار «العربي» بالقاهرة، ترجمة نهى مصطفى، وفيها تجد الشخصية الرئيسية «نورا يانسون» نفسها مضطرة لاتخاذ خطوة يائسة لإنقاذ مخبز والديها من الإفلاس فتضطر لقبول المشاركة في برنامج تلفزيوني واقعي، الذي من خلاله يدخل إلى حياتها الشيف الشهير «هنريك إكلوند» ببروده المهني وانتقاداته القاسية.

وبين رائحة الخبز الدافئ وأمسيات الشتاء الطويلة تبدأ المسافة بينهما في التلاشي ويتحول الصدام إلى انجذاب غير متوقع، لكن مع تزايد الضغوط بين ما تفرضه الكاميرا وما يمليه القلب تدرك «نورا» أن المعركة الحقيقية ليست من أجل إنقاذ المخبز فقط، بل من أجل استعادة ثقتها بنفسها وفتح قلبها من جديد، عبر نص ينبض بالدفء، ويحتفي بحرارة البدايات ويبرز قوة الشغف الذي قد يولد في أكثر اللحظات غير المتوقعة.

وُلدت هيلين هولمستروم عام 1984 في السويد وتخرجت في كلية الحقوق وعملت محامية لبعض الوقت لكن شغفها بالكتابة دفعها لترك مهنة المحاماة والتفرغ لكتابة الروايات، حيث صدر أول أعمالها عام 2018 تحت عنوان «العمل بعد الساعات الرسمية»، كما اشتُهرت بكتابة نصوص عاطفية ذات حبكات مشوقة وشخصيات نسائية مثيرة للاهتمام.

ومن أجواء الرواية نقرأ: «وصل هنريك بالقطار في المساء نفسه، كان الثلج يتساقط وبدا المكان أشبه بعالم من الخيال، حاول الاتصال بـ(نورا) ليخبرها أنه في طريقه إليها، لكنها لم تجب بالتأكيد. توجه مباشرة من المحطة إلى شقتها، حيث كان مخبز الحلويات قد أغلق أبوابه في وقت مبكر جداً والباب المؤدي إلى شقتها مغلقاً. حاول الاتصال برقمها مرة أخرى لكنه تحول مباشرة إلى البريد الصوتي.

تنهد وقرر أن يتنزه قليلاً ثم يحاول مرة أخرى، عندما عاد رأي أن نوافذ الشقة مظلمة، نظر حوله وقرر أنه لا خيار أمامه. انحنى وجمع بعض الثلج وشكّل كرة ثلج كبيرة... تراجع بضع خطوات إلى الوراء وصوّب نحو النافذة، أصاب الهدف بلا رد فعل. رمى كرة ثلج أخرى ثم أخرى ثم اثنتين أخريين. فجأة أضيئت الأنوار اقتربت نورا من النافذة ونظرت إليه هزت رأسها واختفت. رن تليفونه برسالة نصية: أنا نائمة لا أريد التحدث الآن ربما غداً. هاتان الكلمتان الأخيرتان جعلتا قلبه ينبض بقوة (ربما غداً)، كانتا الموعد. استيقظت نورا على صوت المنبه. لم تنم نوماً هانئاً بسبب مكالمات هنريك المتكررة ثم ارتطام كرات الثلج بنافذتها، الآن باتت مدينة له بقلب مكسور وإهانة علنية وليلة نوم مضطربة، لكن هناك شيئاً ما في تلك الكرات الثلجية كما لو أنهما بطلا فيلم رومانسي والأفلام الرومانسية لها دائماً نهاية سعيدة.

فكرت أنه ما كان ينبغي أن يكون الأمر هكذا، لم يكن عليها أن تشعر بالغضب أو الألم أو الخذلان، ربما يستحق هنريك فرصة لتبرير موقفه. نهضت من سريرها، شغلت آلة القهوة. كان الأمر معقداً لكليهما والآن ها هو قد جاء إلى هنا يرمى كرات الثلج على نافذتها ومن الواضح أنه مستعد للقتال من أجلها».


احتفاء سوري بالبحتري في مدينته منبج

ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
TT

احتفاء سوري بالبحتري في مدينته منبج

ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)

أعلنت وزارة الثقافة أن المركز الثقافي في مدينة منبج بريف حلب سيشهد انطلاق فعاليات «مهرجان البحتري 2026» في 20 و21 مايو (أيار) الحالي، بمشاركة نخبة من الشعراء والباحثين والمثقفين السوريين.

ويتضمن المهرجان برنامجاً ثقافياً متنوعاً يضم أمسيات شعرية ومحاضرات فكرية وفقرات إنشادية، في إطار احتفاء يجمع بين الأصالة الأدبية والحضور الثقافي المعاصر، حسب ما أوردته وزارة الثقافة عبر معرفاتها.

وتسعى الفعاليات إلى إحياء الموروث الشعري وتعزيز الحراك الثقافي، عبر تقديم أعمال أدبية وفكرية تبرز مكانة الشعر العربي ودوره في بناء الوعي الثقافي والجمالي.

ويشهد المهرجان مشاركة عدد من الشعراء والباحثين الذين يقدمون قراءات نقدية وأدبية، إلى جانب فقرات إنشادية تستحضر جماليات اللغة وروح التراث العربي.

ويأتي تنظيم «مهرجان البحتري» ضمن سلسلة الفعاليات الثقافية التي تعمل وزارة الثقافة على إطلاقها؛ بهدف تنشيط المشهد الأدبي والفني في مختلف المحافظات.

وكانت الوزارة قد أطلقت أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي مهرجان «أيام البُردة الدولي» في دار الأوبرا بدمشق، بمشاركة واسعة من شعراء ومثقفين عرب وسوريين.

وهدف مهرجان «أيام البُردة الدولي» إلى تعزيز التواصل الثقافي والاحتفاء بالتراث الأدبي، عبر برنامج جمع الشعر والفكر والفن في فضاء ثقافي متنوع.

وشارك في المهرجان شعراء من فلسطين، والعراق، والأردن، والبحرين، والسعودية، والكويت، وتونس، وليبيا وسلطنة عمان، إلى جانب نخبة من الشعراء السوريين.

وتوزعت فعاليات «أيام البُردة الدولي» بين دمشق، وحمص، واللاذقية وحلب، في ظاهرة ثقافية احتفت بالشعر العربي ومديح الرسول الكريم ضمن أجواء فكرية وفنية متنوعة.