مساعي الدعوة والإعلام في جزر الملايو في عهد الملك عبد العزيز

الرشيد والسوركتي والأيوبي أمثلة

الملك عبد العزيز
الملك عبد العزيز
TT

مساعي الدعوة والإعلام في جزر الملايو في عهد الملك عبد العزيز

الملك عبد العزيز
الملك عبد العزيز

ما إن بدأت بوادر الضعف تنخر في مفاصل الدولة العثمانية في مطلع القرن العشرين، حتى اتجهت الولايات الخاضعة لنفوذها - ومنها ولاية الحجاز - للعمل على الاستقلال من التبعية لها، وصار النفوذ السياسي لبريطانيا وفرنسا يأخذ في الاتساع في منطقة الشرق الأدنى، وبدأت القوى الإسلامية في مصر والقارة الهندية، وفي الحجاز، تتطلع لملء الفراغ السياسي للهيمنة على المقدسات الإسلامية، وذلك من خلال محاولات إعلان الخلافة الإسلامية وقيام الثورة العربية في بلاد الحرمين الشريفين.
وفي ظل هذا التدافع، ظهرت زعامة جديدة غير متوقعة، اكتسحت أرجاء وسط الجزيرة العربية، وخلطت - في زمن وجيز وبدرجة من الدهاء السياسي والمناورة العسكرية - الأوراق أمام الكيانات الكبرى، وكانت سيطرتها الشاملة والمفاجئة على الديار المقدسة مثار انبهار القوى الطامعة، سواءً من الإمارات المحيطة بالحجاز داخل شبه الجزيرة، أو من القوى الإسلامية خارجها كالهند ومصر وتركيا أو من الدول العظمى.
ومع انهيار سلطة الهاشميين في الحجاز، ودخول الإقليم تباعا - الطائف ثم مكة المكرمة فجدة والمدينة المنورة - في الحكم السعودي بدءا من عام 1924م - ظهرت دعايات معادية للحكم السعودي الجديد في الحجاز تنشط في مصر وفي جزر الملايو (إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة وبروناي وما حولها حاليا) وفي شبه القارة الهندية (الهند وباكستان وبنغلاديش حاليا) في ظاهرة امتدت نحو 20 عاما، بتحريض القوى السياسية الطامعة في الاستحواذ على الخلافة والسلطة على بلاد الحرمين الشريفين، ومن بعض الجمعيات المرتبطة بها، وقد انضم إليها أو حرض عليها أفراد من المنتمين للحزب الوطني الحجازي الموالي للأشراف في الحجاز.
تسببت تلك الدعاية - مقرونة بتدني الأوضاع الاقتصادية العالمية وإرهاصات الحرب الكونية الثانية - في إحجام جموع من حجاج القارة الهندية وأرخبيل الملايو (الجاوة) عن القدوم للحج، متأثرين بما كان يشاع عن تدني الأمن في بلاد الحرمين الشريفين في إثر دخولها في الحكم السعودي، فتقلصت أعداد القادمين للحج تدريجيا حتى بلغ هذا الأمر أدناه في حج عام 1935م عندما انخفضت أرقام القادمين للحج إلى نسبة متدنية لم يسبق لها مثيل، وقد تصادف هذا الأمر مع مرور أعوام قليلة من إعلان توحيد الحجاز ونجد في كيان واحد (المملكة العربية السعودية 1932م).
ورغم ضعف الموارد نتيجة تلك الظروف، كان على الإدارة السعودية الجديدة في الحجاز أن تبذل جهودا استثنائية لمواجهة الموقف وتأثيراته الإعلامية والاقتصادية، كان منها إنشاء مديرية للدعاية للحج (1936م) عُنيت بإيفاد مبعوثين إلى عدد من البلدان وبخاصة أرخبيل الملايو والقارة الهندية ومصر، من بينهم شخصيات سعودية وعربية موثوقة بعقيدتها وولائها وباقتناعها بصفاء نهج الحكم الجديد في الحجاز وسلامته مما يشاع، كما أصدرت مجلة النداء الإسلامي باللغتين العربية والملايوية (1937م) ومجلة الحج (1947م) وكانت في معظم موضوعاتها تؤكد على انتشار الأمن في الديار المقدسة، وعلى استقرار الأوضاع فيها، وتحض على أداء الحج للتأكد من ذلك مع تبيان التسهيلات المعيشية المتوافرة، وكان من بين علامات الاهتمام بالحجاج الجاوة والهنود، أن الإذاعة السعودية عندما بدأت في جدة عام (1949م) خصصت إذاعتين مستقلتين أسمتهما الإذاعات الشرقية (باللغتين الأردية والجاوية) موجهتين محليا وخارجيا إلى الحجاج والجاليات الناطقة بهما، وذلك لكثرة القادمين من الجاوة والهنود للعمرة والحج، وقد أضيف إليهما بعد سنوات عدد من الإذاعات الموجهة بلغات أخرى.
الموضوع المطروح هنا، يأخذ الشيخ السوداني المجاور للحرمين الشريفين أحمد محمد السوركتي، و(الكويتيين) المؤرخ والصحافي عبد العزيز الرشيد، والشاعر محمود شوقي الأيوبي أمثلة غير حصرية، لتوضيح تلك الموجة من الدعايات والحملات، وما جوبهت به من جهود تصب في الدعوة تبنتها الحكومة السعودية في عهد الملك عبد العزيز، وللحديث عن المنافسات التي جرت بين بعض الشخصيات المهاجرة وبين المقيمين الحضارم الذين يعتزون بأرومتهم العربية، ويفتخرون بأسبقيتهم في الهجرة إلى بلاد الجاوة، وكان هؤلاء الدعاة الثلاثة من محركي هذا النشاط الدعوي والإعلامي.
وباستعراض ما كتب عن هذا الموضوع، يلحظ أن المؤلفات السعودية المحلية لم تُولِه الاهتمام المستحق، وكانت المراجع الحضرمية والإندونيسية أكثر إفاضة في الحديث عن تلك الهجرات، وعن المؤثرات الثقافية الناتجة عنها، وخصت بالذكر المنافسات التي جرت بين المهاجرين الحضارم ومن لحق بهم من النازحين العرب - ومنهم هؤلاء الثلاثة - إلى بلاد الملايو.
وصدرت - ولا تزال - ضمن دائرة المصادر الحضرمية والإندونيسية وخارجها مجموعة من الكتب المعمقة والرصينة التي تناولته بإفاضة، منها على سبيل المثال كتاب عن سيرة الشاعر الكويتي محمود شوقي الأيوبي، من تأليف الأكاديمية الكويتية د. نورية الرومي (1982م) وكتاب عن سيرة المؤرخ والصحافي الكويتي عبد العزيز الرشيد، من تأليف الباحث الكويتي د. يعقوب يوسف الحجّي (1993م) وكتاب عن سيرة الشيخ أحمد محمد السوركتّي، من تأليف د. أحمد إبراهيم أبوشوك (2000م).
وإن من ينظر في الجهود الدعوية والإعلامية التي بُذلت في عهد الملك عبد العزيز وبخاصة ما يوجه منها للخارج، يذهل من حجمها وتنوعها وتأثيرها، ويبلغ التعجب مداه عندما يعرف أن تلك الجهود قد اتسمت بنوعية عالية وبحجم واسع، وذلك على الرغم من عدم وجود متخصصين في الإعلام آنذاك. اهتمت الحكومة السعودية بإيفاد الدعاة والمثقفين إلى جزر الملايو والقارة الهندية وآخرين إلى مصر وأوروبا وأميركا، من أمثال محمد رشيد رضا وعبد الحميد الخطيب وعبد العزيز العتيقي وأحمد السوركتّي وعبد العزيز الرشيد ومحمود شوقي الأيوبي ويونس بحري وإبراهيم المعمر وأمين الريحاني وغيرهم، مما لا يتسع المقام للتفصيل في سيرهم.
وتورد الكتابات التي تناولت موضوع هذا البحث أوصافا للأوضاع في أرخبيل جزر جاوة) بعد نيل استقلالها من هولندا وبريطانيا، وهي أوصاف يفهم منها أن النشاط الدعوي والإعلامي وربما السياسي لم يبرز في تلك الجزر إلا في مطلع القرن العشرين، وربما كانت توجد نشرات عربية تخدم الجالية الحضرمية الموجودة في تلك الجزر منذ زمن أقدم، كما توضح تلك الكتابات انتشار بعض الاتجاهات الصوفية بين الطوائف ذات الأصول العلوية المستقرة هناك، وهو ما اجتهد اللاحقون من المهاجرين في محاولة تصحيحها.
وربما كان الشيخ السوركتّي بمجيئه إليها أول من فتح الباب لهجرة المزيد من الجاليات غير الحضرمية، كما فتح وجوده الباب للتوسع في إنشاء المدارس وللتنافس والصراع الفكري والصحافي بينها، وهو ما توضحه - بإفاضة - تلك الكتب المذكورة وغيرها من المؤلفات والمقالات الصحافية والمدونات الإلكترونية التي تصدر بين حين وحين.ومن يتتبّع ما كتب، يلحظ كيف كانت مدن في جزر الملايو - وبخاصة في محيط إندونيسيا - ميدانا تنافسيا سلميا خصبا وفسيحا، تمثل في التسابق لإنشاء الجمعيات والمدارس الدعوية واستخدام المنابر وإصدار الصحف، في مظهر يمكن وصفه بالفوضى المنظمة، التي ساعد في تهذيبها نضوج المشهد السياسي بعد خروج المحتلين وتطور الحياة السياسية المحلية وبروز الكيانات الديمقراطية المعروفة حاليا.
بدا أكثر التنافس واضحا في ساحة جزر جاوة بعامة، وفي سنغافورة وماليزيا وبعض المدن التابعة حاليا لجمهورية إندونيسيا، ومنها بتافيا (جاكرتا حاليا) وبوقور وسورابايا وباندونغ، وكان أكثر الفاعلين في هذا المشهد جماعات تنتمي للعلويين (وهم الطائفة السنية ذات الأصول الحضرمية المهاجرة قديما وتعود أصولها إلى آل البيت وتنتمي في غالبيتها للمذهب الشافعي المنتشر حضرميا) وجماعات عربية مختلفة الجنسيات هاجرت مؤخرا وصارت نواتها تعرف باسم الإرشاديين نسبة إلى جماعة الإرشاد التي أسسها السوركتّي لاحقا.
وقبل ظهور الإذاعات، كانت الصحف تصدر بالعشرات، مستفيدةً من المرافق الطباعية المتوافرة، الوسيلة الإعلامية الأبرز للتعبير السياسي والدعوي، وقد بقيت الصحف نحو 4 عقود بين الصدور والاختفاء بين عامي 1906و 1937 م، تختلف من حيث الجودة والاستمرار، وكان منها في إندونيسيا بالتتالي: جريدة الإقبال وجريدة الإرشاد ومجلة الشفاء وجريدة بروبودور ومجلة الذخيرة الإسلامية وجريدة القسطاس وصحيفة حضرموت وجريدة الوفاق وجريدة الأحقاف ومجلة الدهناء ومجلة المصباح ومجلة الرابطة وجريدة برهوت وجريدة الكويت والعراقي وجريدة الإصلاح وجريدة السائح العراقي وجريدة التوحيد وجريدة الحق ومجلة المرشد كما ظهرت مطبوعات أخرى مثل المشكاة والمستقبل واليوم والترجمان ومرآة المحمدية ومرآة الشرق والسلام.
وفي سنغافورة، صدرت في تلك الحقبة بالتتالي: جريدة الأيام وجريدة الإصلاح وجريدة الهدى وصحيفة العرب وجريدة القصاص وجريدة النهضة الحضرمية وجريدة الشعب الحضرمي وجريدة الجزاء وجريدة الحساب وجريدة المجد العربي وجريدة صوت حضرموت وجريدة السلام وجريدة المشهور وجريدة الذكرى وجريدة الأخبار ومجلة الأخبار المصورة.
وتذكر المصادر أن مبعوثي الملك عبد العزيز، كانوا كما سلف، يركزون جهودهم في توضيح الواقع الجديد للحجاز، وبذلوا ما في وسعهم لتفنيد الافتراءات التي تشوه واقع الدعوة الإصلاحية، وكانوا يجدون في تشجيع المواطنين الجاوة وزعماء الطوائف على أداء فريضة الحج على أمل جلاء الحقائق لهم، وقد اجتذبتهم الأجواء الاجتماعية السائدة هناك في أن ينهمكوا مع دوامة الصراعات الطائفية المحلية، وفضل البعض منهم الاستقرار الدائم في بلاد الجاوة حتى آخر حياتهم، وتمكن عدد منهم من زيارة الديار السعودية قبل تكليفهم أو في أثناء قيامهم بمهامهم تلك، وكانوا يسافرون إلى بلاد الجاوة من جدة عبر موانئ الحُديدة وعدن مرورا بالموانئ الهندية، وغني عن القول أن هؤلاء المبعوثين كانوا - كما سيأتي - على درجة عالية من الكفاءة الفكرية والثقافية التي مكنتهم من الاندماج في المجتمعات الجاويّة المتنوعة.
أوردت موسوعة تاريخ الملك عبد العزيز الدبلوماسي، الصادرة عن مكتبة الملك عبد العزيز العامة بالرياض (1999م) تعريفا بالسوركتّي الذي يعني لقبه باللغة السودانية - كما يقول د. يعقوب الحجي - كثير الكتب، قالت فيه «هو مدير مدارس الإرشاد الإسلامية في جاكرتا بإندونيسيا، ولد في دنقلة بالسودان عام 1875م وانتقل بعد وفاة والده إلى الحجاز للدراسة مقيما بين مكة المكرمة والمدينة المنورة، وفي عام 1911م انتقل إلى جاوة للعمل مديراً لمدرسة جمعية خير العلوم العلوية بدعوة منها، ثم أنشأ في عام 1914م جمعية الإصلاح والإرشاد الإسلامية، واتصل بالملك عبد العزيز لمعرفته بحرصه على نشر السلفية ودعم المسلمين، وأصبح يحظى بمؤازرته في مجال الدعوة في جاوة، وكان للشيخ السوركتّي جهود طيبة في المحافظة على وحدة العرب في إندونيسيا، توفي عام 1944م في جاكرتا».
وتحدث كتاب أبو شوك الآنف الذكر عن تاريخ انتشار الإسلام في بلاد الجاوة مع وصول طلائع المهاجرين العرب، مرورا بالموانئ الهندية، وتطرق إلى بدايات الصحوة في المنطقة في أوائل القرن العشرين، مستشهدا بظهور الإمام محمد عبده والشيخ محمد رشيد رضا في مصر وعادّاً مشروع الشيخ السوركتّي امتدادا لتلك الحقبة، ثم سرد قصة سعي العلويين بين عامي 1901 و1905م لإنشاء (جمعية خير) لتكون أول جمعية دعوية خيرية في جاكرتا بدأت تتوسع في إنشاء المدارس، تبعها تأسيس جمعية الإصلاح والإرشاد من قِبل السوركتّي، مما فتح المجال لتأسيس جمعيات ومدارس دينية أخرى تهتم بالدعوة، وقد نوقشت في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة في عام 1908م رسالة ماجستير عن جهوده في الدعوة، للدارس شفيق ريزا حسن.
أما بالنسبة للشيخ عبد العزيز أحمد الرشيد فإنه أول من ألف في تاريخ الكويت، وأول من أصدر مطبوعة صحافية فيها باسم الكويت، وتعود أسرته إلى آل البداح السعودية، وقد توقفت صحيفة الكويت بعد أن استمرت في الصدور نحو عامين، ثم زار جدة في نهاية العشرينات، حيث تلقى التكليف بالذهاب إلى إندونيسيا ممضيا السنوات المتبقية من عمره، وقد تزوج ثانية وتوفي هناك عن 51 عاما.
وأما محمود شوقي الأيوبي فقد كان شاعرا مجيدا، ولد عام 1903م في الكويت في أسرة هاجرت من كردستان العراق، وقد درس في الكتاب وفي المدرسة المباركية، ثم سافر إلى البصرة وبغداد لمواصلة دراسته في دار المعلمين العالية، ثم تولى التدريس في قرية أبي الخصيب بالعراق، وبعد فترة من التنقل بين العراق والكويت وبلاد الشام سافر إلى الأحساء فالرياض عام 1939م وأدى مناسك الحج، ثم هاجر إلى إندونيسيا للدعوة والتعليم بتكليف من الملك عبد العزيز، وأقام هناك 20 سنة عاد بعدها إلى الكويت ليقيم في قرية الشعيبة، وتوفي في مارس (آذار) 1966م وقد نظم الكثير من المطولات الشعرية في مدح الملك عبد العزيز، جمعتها دارة الملك عبد العزيز في ديوان خاص به عنوانه: ديوان الملاحم العربية صدر سنة 1999م بمناسبة الذكرى المئوية لتأسيس المملكة العربية السعودية.



لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
TT

لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ

لا نقرأ. هذه هي الخلاصة الموجعة التي تلخص علاقة العربي المعاصر بالمعرفة. التقارير الدولية لا تكذب، وأرقام القراءة في وطننا العربي لا تحتاج إلى استدعاء معهد استطلاع لتخبرنا بأننا أمة تقف في آخر قائمة قراءة الكتاب. لكن هذه الحقيقة، على قسوتها، لا تعني أننا أمة صامتة أو منقطعة عن المعرفة؛ قد تعني أكثر أننا نتلقى المعنى على نحو مختلف. القصيدة المسجلة، الصورة، الدراما، المسرح، الأغنية، البرامج الحوارية، البودكاست، كلها صارت أكثر حضوراً من الكتاب. كثيرون لا يتفرغون لقراءة كتاب في التاريخ أو الفلسفة، لكنهم يحفظون مشهداً درامياً، ويرددون بيتاً مغنّى، ويتأثرون بحكاية سينمائية. وهنا المفارقة التي تحتاج إلى وقفة: بدل أن نتحسر على زمن الكتاب والحنين إلى الورق، علينا أن نسأل: كيف نجعل ما يشاهده الملايين ويسمعونه راقياً، حاملاً للثقافة، مغذياً للروح والعقل؟

العالم كله يسير نحو تكثيف المعرفة بصيغ بصرية وسمعية. الكتاب بجلالة قدره تحول إلى مسموع، والمحاضرة إلى فيديو، والسرد إلى بودكاست. ربما الفارق - ولو كان نسبياً - أن مجتمعات أخرى تمتلك قاعدة قراءة صلبة تعود إليها، بينما نكتفي نحن غالباً بالملخص أو الانطباع السريع، فنخسر العمق. وهنا تحديداً تبرز أهمية الفنون بوصفها الحلقة المفقودة بين المتعة والعمق، بين الشغف الجماهيري والمحتوى الهادف.

والأمثلة من واقعنا العربي ليست نادرة. حين غنى كاظم الساهر «زيديني عشقاً» في فيديو كليب لم يقدم مجرد ألحان عذبة ومشاهد جميلة، بل جعل ملايين العرب يحفظون قصيدة نزار قباني عن ظهر قلب، محولاً قصيدة النخبة إلى أهزوجة في الأحياء المنسية. وحين جسّد محمود مرسي شخصية أبو العلاء البشري في مسلسل «رحلة السيد أبو العلاء البشري»، لم يكن يقدم دراما ترفيهية فحسب، وإنما حوّل التلفزيون إلى مدرسة أخلاقية شعبية تجسد قيم الصدق والوفاء والإنسانية في وجه المادية والتناقضات. أما في النحت، فقد حوّل جواد سليم «نصب الحرية» في ميدان التحرير ببغداد إلى ملحمة وطنية حفرت في الذاكرة الجمعية قيم الصمود والانعتاق، متفوقاً بذلك على آلاف الصفحات التي لم تُقرأ. وعلى الجانب الآخر، فتح السوري فاتح المدرس بوابة الحداثة التشكيلية العربية إلى العالمية بريشته السريالية، معيداً تعريف اللغة البصرية العربية وناقلاً تجربته من المتاحف العالمية الكبرى إلى روح الشباب العربي دون أن يفقدوا هويتهم.

أيضاً، حين كتب الشاعر الفلسطيني محمود درويش قصائد مثل «سجل أنا عربي» و«بطاقة هوية» وسجّلت بصوته الرصين، حوّل الشعر إلى نشيد وجداني يردده الملايين في الميادين والمدارس دون الحاجة إلى ديوان. وحين ألف الروائي السوداني الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال»، جعل الرواية درساً ثقافياً عميقاً وصل إلى المجالس قبل الجامعات. أما في المسرح، فقد قدمت فيروز مع الرحابنة مسرحيات غنائية خالدة، حوّلت المسرح إلى تجربة جوانية عميقة وصلت إلى قلوب الملايين. ومن المملكة العربية السعودية، برز عملاقان في الأغنية: محمد عبده ذاكرة وجدانية لأجيال، وطلال مداح، نبض العاطفة المشتركة، فكانا معاً جسراً موسيقياً ينقل جمال السعودية إلى ملايين القلوب دون الحاجة إلى كتاب أو ديوان.

هذه النماذج تؤكد أن الفن، حين ينجح، يصبح أستاذاً بديلاً خصوصاً في زمن تراجع فيه الأستاذ الورقي. الأغنية يمكن أن تحمل اللغة الرفيعة، والدراما يمكن أن تكون مدرسة للضمير، والسينما يمكن أن توسع الخيال الأخلاقي، والمسرح يمكن أن يعيد صياغة الأسئلة الكبرى أمام جمهور حي.

وما يضاعف حاجتنا في وطننا العربي إلى الفنون أن مجتمعاتنا تمر بتحولات كبرى: عولمة جارفة، هويات بديلة، انقسامات طائفية، وأزمات تعليمية حادة. في هذا الفراغ، لا يعود الفن رفاهية، إنما ضرورة تربوية ومدنية. نحن بحاجة إلى فن يعلّم من غير وعظ، ويربي الحس من غير استعلاء، ويقترح نماذج للانتماء والمسؤولية من داخل المتعة ذاتها. القيمة حين تُلقى في خطبة قد تُنسى، لكنها حين تتجسد في شخصية درامية أو لحن شجي أو صورة مدهشة، تصبح أقرب إلى القلب وأبقى في الذاكرة.

في حقيقة الأمر، نحتاج إلى الفنون أكثر من غيرنا، لكن الإنفاق العام عليها في كثير من الدول العربية لا يزال محدوداً، وغالباً أقل من نظائره في عدد من الدول المتقدمة، بينما تُترك الساحة للابتذال والاستهلاك السريع. ومع ذلك، هناك بصيص أمل: معارض مثل «إثراء» في الظهران، وبينالي الشارقة، ومتحف اللوفر أبوظبي، أثبتت أن الجمهور العربي يتعطش للفن الرفيع حين يُقدم له باحترام. الحرفي التقليدي الذي كان مهمشاً يعاد اكتشافه اليوم، والفنان التشكيلي العربي يحجز مكانه في المتاحف العالمية. لكن هذا لا يكفي؛ نحتاج إلى سياسات ثقافية طموحة تدمج الفنون في المناهج، وتدعم المبدعين، وتجعل من التذوق الفني قيمة مجتمعية.

والآن، وبعد هذا كله، ما العمل؟ المسؤولية تقع على المبدع أن يحترم عقل متلقيه، وعلى المؤسسة أن تمول الثقافة لا أن تسلّعها، وعلى المثقف أن ينزل من برجه العاجي ويدخل إلى المنصات الرقمية بلا استعلاء. والسؤال الأهم هو سؤال القارئ نفسه، المواطن، المشاهد: متى كانت آخر مرة دفعت فيها ثمن تذكرة مسرح، أو اشتريت لوحة لفنان عربي، أو شجعت ابنك على دراسة الموسيقى أو أن يحفظ قصيدة أو يصمم فيديو؟

النهضة لا تصنعها الخطابات وحدها، بل الممارسات اليومية الصغيرة. والفن أولها. إذا أردنا مجتمعاً أكثر وعياً، وأشد تماسكاً، وأرقى ذائقة، فعلينا أن نصنع فناً يعكسنا ويعلّمنا ويقودنا. عندها فقط لن يكون الفن ترفاً، فالفن هو الدم الذي يجري في عروق الحضارة؛ وإذا جفّ هذا الدم، جفّت الحضارة نفسها. ولماذا نحن العرب بالتحديد؟ لأننا أمة توحدنا اللغة وتسكننا بيوت الشِعر ونسكنها.

يحسن بنا القول إن الفن ليس بديلاً عن الكتاب، بل هو طريق منه وإليه. حين يبكيك مشهد درامي، أو يهتز قلبك للحن، أو تجذبك لوحة، ينفتح باب واسع من المعرفة. نحن العرب، أمة «اقرأ»، نستحق أن نقرأ ونُقرأ بالكلمة وبالصورة وباللحن.

* كاتب سعودي


«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي
TT

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

على الرغم من وطأة الأزمة الصحية التي تلمّ بالباحثة نادية هناوي، فإن إرادتها في مجابهة المرض عبر بوابة الإبداع تظل الوقود الذي يغذي استمرارية عطائها النقدي. فلقد صدر لها حديثاً عن مؤسسة «أبجد» للتوزيع والنشر كتابان جديدان، واحد منهما في السرديات ما بعد الكلاسيكية هو «سرديات رواية التاريخ: التأريخ، الميتا - تاريخ، التاريخ النسوي»، والكتاب الآخر بعنوان «طوفان فلسطين». ويمثل الكتابان إضافة نوعية إلى مجمل ما ألفته الباحثة من كتب نقدية، وصل تعدادها إلى 42 كتاباً مطبوعاً.

يتألف الكتاب الأول «سرديات رواية التاريخ»، البالغة صفحاته أكثر من 350 صفحة، من تمهيد نظري تتلوه أربعة فصول، تدور حول مقتضيات هذا النوع الأدبي الفنية وتحديد اشتراطات المتنوعة من خلال مباحث عدة، بعض منها نظري صرف، وبعضها الآخر نظري إجرائي. وفيها تستكمل الباحثة هناوي جهودها النظرية التي كانت قد أسست لها قبل سنوات بكتابها «السرد القابض على التاريخ» 2018. وتركز فصول الكتاب الجديد على العلاقة الجدلية بين مفاهيم التاريخ - الواقع - التخييل بوصفها ثالوثاً إبداعياً ومعرفياً مترابطاً ترابطاً لا مجال فيه لفصل أحدها عن الآخر على أساس أن العلاقة بين الكتابة والتاريخ قديمة قدم الفلسفة، وعن ذلك تقول المؤلفة: «إن مبتدأ هذه العلاقة عند هيرودتس الذي ألف أول كتاب في التاريخ فكان الأب الشرعي له. وبالرغم من التطورات التي شهدتها البشرية على طول تاريخها؛ فإن تلك العلاقة ظلت قائمة بدعائم مهمة وأكيدة تجعل أي عملية لتوصيفها أو التعريف بها متجهة صوب التناظر الذي به يصبح تسريد التاريخ أو ترخنة السرد واحداً، فيمسي الروائي مؤرخاً والمؤرخ روائياً وبوعي فلسفي بالاثنين الإنسان والزمان».

وتدور أطروحة الكتاب حول مفهوم «رواية التاريخ» استناداً إلى فرضية أنه إذا كانت الرواية التاريخية توظف التاريخ بمعناه الكلاسيكي استعادةً وتوثيقاً وبطريقة يُجاري فيها السرد القصصي التاريخ الموثق الرسمي وغير الرسمي؛ فإن في «رواية التاريخ» نزعة ما بعد حداثية، معها يغدو التاريخ شكلاً سردياً، يشتغل فنياً على المراكز كأنساق يتم تقويضها وخلخلة أطرها بقصد توكيد الجانب الجمالي وتعرية مستورات التاريخ ومنغلقاته من دون انحياز إلى الشكل ولا تغلّيب للمحتوى.

وتتمحور أطروحة الكتاب الثاني «طوفان فلسطين»، كما واضح من العنوان، حول قضية فلسطين في مرحلتها الحالية والتحديات التي تواجهها هذه القضية على مختلف الصعد. والهدف هو وضع القراء أمام طبيعة تطورات معركة «طوفان الأقصى»، وما أسفرت عنه من مستجدات وتداعيات وأصداء على المستوى العربي ومستوى الرأي العام العالمي.

وجاء في الكتاب: «ما الملتجأ الذي إليه يفر العرب، وأمامهم الوحشية الإمبريالية والصهيونية، ومن ورائهم نار الأصولية؟ وإلى متى يظلون كائنات مسجونة في دواخلها وضائعة؟ ولماذا لا نستثمر الحرية الناعمة المتاحة لنا افتراضياً في امتلاك التفكير الحر والواعي؟ وهل يمكن لنا أن نتحرر من سباتنا مطوعين فكرنا ـ الذي شوشته دوائر الثقافة والإعلام المضادة عقوداً ليكون في خدمتنا، منتفضين على كل القيود التي كبلتنا وأرعبتنا حتى صرنا سجناء فيها بالوهم والتزييف وأسارى اليأس والخيبة؟ ومتى تعتلي شعوبنا العربية دفة حكم التاريخ؟ وأين الشجاعة والثبات والبطولة التي كانت عليها الأجيال السابقة لها؟ وما الذي ستدخره وتحفظه من خيبات وتنازلات للأجيال القادمة؟».


هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة