مساعي الدعوة والإعلام في جزر الملايو في عهد الملك عبد العزيز

الرشيد والسوركتي والأيوبي أمثلة

الملك عبد العزيز
الملك عبد العزيز
TT

مساعي الدعوة والإعلام في جزر الملايو في عهد الملك عبد العزيز

الملك عبد العزيز
الملك عبد العزيز

ما إن بدأت بوادر الضعف تنخر في مفاصل الدولة العثمانية في مطلع القرن العشرين، حتى اتجهت الولايات الخاضعة لنفوذها - ومنها ولاية الحجاز - للعمل على الاستقلال من التبعية لها، وصار النفوذ السياسي لبريطانيا وفرنسا يأخذ في الاتساع في منطقة الشرق الأدنى، وبدأت القوى الإسلامية في مصر والقارة الهندية، وفي الحجاز، تتطلع لملء الفراغ السياسي للهيمنة على المقدسات الإسلامية، وذلك من خلال محاولات إعلان الخلافة الإسلامية وقيام الثورة العربية في بلاد الحرمين الشريفين.
وفي ظل هذا التدافع، ظهرت زعامة جديدة غير متوقعة، اكتسحت أرجاء وسط الجزيرة العربية، وخلطت - في زمن وجيز وبدرجة من الدهاء السياسي والمناورة العسكرية - الأوراق أمام الكيانات الكبرى، وكانت سيطرتها الشاملة والمفاجئة على الديار المقدسة مثار انبهار القوى الطامعة، سواءً من الإمارات المحيطة بالحجاز داخل شبه الجزيرة، أو من القوى الإسلامية خارجها كالهند ومصر وتركيا أو من الدول العظمى.
ومع انهيار سلطة الهاشميين في الحجاز، ودخول الإقليم تباعا - الطائف ثم مكة المكرمة فجدة والمدينة المنورة - في الحكم السعودي بدءا من عام 1924م - ظهرت دعايات معادية للحكم السعودي الجديد في الحجاز تنشط في مصر وفي جزر الملايو (إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة وبروناي وما حولها حاليا) وفي شبه القارة الهندية (الهند وباكستان وبنغلاديش حاليا) في ظاهرة امتدت نحو 20 عاما، بتحريض القوى السياسية الطامعة في الاستحواذ على الخلافة والسلطة على بلاد الحرمين الشريفين، ومن بعض الجمعيات المرتبطة بها، وقد انضم إليها أو حرض عليها أفراد من المنتمين للحزب الوطني الحجازي الموالي للأشراف في الحجاز.
تسببت تلك الدعاية - مقرونة بتدني الأوضاع الاقتصادية العالمية وإرهاصات الحرب الكونية الثانية - في إحجام جموع من حجاج القارة الهندية وأرخبيل الملايو (الجاوة) عن القدوم للحج، متأثرين بما كان يشاع عن تدني الأمن في بلاد الحرمين الشريفين في إثر دخولها في الحكم السعودي، فتقلصت أعداد القادمين للحج تدريجيا حتى بلغ هذا الأمر أدناه في حج عام 1935م عندما انخفضت أرقام القادمين للحج إلى نسبة متدنية لم يسبق لها مثيل، وقد تصادف هذا الأمر مع مرور أعوام قليلة من إعلان توحيد الحجاز ونجد في كيان واحد (المملكة العربية السعودية 1932م).
ورغم ضعف الموارد نتيجة تلك الظروف، كان على الإدارة السعودية الجديدة في الحجاز أن تبذل جهودا استثنائية لمواجهة الموقف وتأثيراته الإعلامية والاقتصادية، كان منها إنشاء مديرية للدعاية للحج (1936م) عُنيت بإيفاد مبعوثين إلى عدد من البلدان وبخاصة أرخبيل الملايو والقارة الهندية ومصر، من بينهم شخصيات سعودية وعربية موثوقة بعقيدتها وولائها وباقتناعها بصفاء نهج الحكم الجديد في الحجاز وسلامته مما يشاع، كما أصدرت مجلة النداء الإسلامي باللغتين العربية والملايوية (1937م) ومجلة الحج (1947م) وكانت في معظم موضوعاتها تؤكد على انتشار الأمن في الديار المقدسة، وعلى استقرار الأوضاع فيها، وتحض على أداء الحج للتأكد من ذلك مع تبيان التسهيلات المعيشية المتوافرة، وكان من بين علامات الاهتمام بالحجاج الجاوة والهنود، أن الإذاعة السعودية عندما بدأت في جدة عام (1949م) خصصت إذاعتين مستقلتين أسمتهما الإذاعات الشرقية (باللغتين الأردية والجاوية) موجهتين محليا وخارجيا إلى الحجاج والجاليات الناطقة بهما، وذلك لكثرة القادمين من الجاوة والهنود للعمرة والحج، وقد أضيف إليهما بعد سنوات عدد من الإذاعات الموجهة بلغات أخرى.
الموضوع المطروح هنا، يأخذ الشيخ السوداني المجاور للحرمين الشريفين أحمد محمد السوركتي، و(الكويتيين) المؤرخ والصحافي عبد العزيز الرشيد، والشاعر محمود شوقي الأيوبي أمثلة غير حصرية، لتوضيح تلك الموجة من الدعايات والحملات، وما جوبهت به من جهود تصب في الدعوة تبنتها الحكومة السعودية في عهد الملك عبد العزيز، وللحديث عن المنافسات التي جرت بين بعض الشخصيات المهاجرة وبين المقيمين الحضارم الذين يعتزون بأرومتهم العربية، ويفتخرون بأسبقيتهم في الهجرة إلى بلاد الجاوة، وكان هؤلاء الدعاة الثلاثة من محركي هذا النشاط الدعوي والإعلامي.
وباستعراض ما كتب عن هذا الموضوع، يلحظ أن المؤلفات السعودية المحلية لم تُولِه الاهتمام المستحق، وكانت المراجع الحضرمية والإندونيسية أكثر إفاضة في الحديث عن تلك الهجرات، وعن المؤثرات الثقافية الناتجة عنها، وخصت بالذكر المنافسات التي جرت بين المهاجرين الحضارم ومن لحق بهم من النازحين العرب - ومنهم هؤلاء الثلاثة - إلى بلاد الملايو.
وصدرت - ولا تزال - ضمن دائرة المصادر الحضرمية والإندونيسية وخارجها مجموعة من الكتب المعمقة والرصينة التي تناولته بإفاضة، منها على سبيل المثال كتاب عن سيرة الشاعر الكويتي محمود شوقي الأيوبي، من تأليف الأكاديمية الكويتية د. نورية الرومي (1982م) وكتاب عن سيرة المؤرخ والصحافي الكويتي عبد العزيز الرشيد، من تأليف الباحث الكويتي د. يعقوب يوسف الحجّي (1993م) وكتاب عن سيرة الشيخ أحمد محمد السوركتّي، من تأليف د. أحمد إبراهيم أبوشوك (2000م).
وإن من ينظر في الجهود الدعوية والإعلامية التي بُذلت في عهد الملك عبد العزيز وبخاصة ما يوجه منها للخارج، يذهل من حجمها وتنوعها وتأثيرها، ويبلغ التعجب مداه عندما يعرف أن تلك الجهود قد اتسمت بنوعية عالية وبحجم واسع، وذلك على الرغم من عدم وجود متخصصين في الإعلام آنذاك. اهتمت الحكومة السعودية بإيفاد الدعاة والمثقفين إلى جزر الملايو والقارة الهندية وآخرين إلى مصر وأوروبا وأميركا، من أمثال محمد رشيد رضا وعبد الحميد الخطيب وعبد العزيز العتيقي وأحمد السوركتّي وعبد العزيز الرشيد ومحمود شوقي الأيوبي ويونس بحري وإبراهيم المعمر وأمين الريحاني وغيرهم، مما لا يتسع المقام للتفصيل في سيرهم.
وتورد الكتابات التي تناولت موضوع هذا البحث أوصافا للأوضاع في أرخبيل جزر جاوة) بعد نيل استقلالها من هولندا وبريطانيا، وهي أوصاف يفهم منها أن النشاط الدعوي والإعلامي وربما السياسي لم يبرز في تلك الجزر إلا في مطلع القرن العشرين، وربما كانت توجد نشرات عربية تخدم الجالية الحضرمية الموجودة في تلك الجزر منذ زمن أقدم، كما توضح تلك الكتابات انتشار بعض الاتجاهات الصوفية بين الطوائف ذات الأصول العلوية المستقرة هناك، وهو ما اجتهد اللاحقون من المهاجرين في محاولة تصحيحها.
وربما كان الشيخ السوركتّي بمجيئه إليها أول من فتح الباب لهجرة المزيد من الجاليات غير الحضرمية، كما فتح وجوده الباب للتوسع في إنشاء المدارس وللتنافس والصراع الفكري والصحافي بينها، وهو ما توضحه - بإفاضة - تلك الكتب المذكورة وغيرها من المؤلفات والمقالات الصحافية والمدونات الإلكترونية التي تصدر بين حين وحين.ومن يتتبّع ما كتب، يلحظ كيف كانت مدن في جزر الملايو - وبخاصة في محيط إندونيسيا - ميدانا تنافسيا سلميا خصبا وفسيحا، تمثل في التسابق لإنشاء الجمعيات والمدارس الدعوية واستخدام المنابر وإصدار الصحف، في مظهر يمكن وصفه بالفوضى المنظمة، التي ساعد في تهذيبها نضوج المشهد السياسي بعد خروج المحتلين وتطور الحياة السياسية المحلية وبروز الكيانات الديمقراطية المعروفة حاليا.
بدا أكثر التنافس واضحا في ساحة جزر جاوة بعامة، وفي سنغافورة وماليزيا وبعض المدن التابعة حاليا لجمهورية إندونيسيا، ومنها بتافيا (جاكرتا حاليا) وبوقور وسورابايا وباندونغ، وكان أكثر الفاعلين في هذا المشهد جماعات تنتمي للعلويين (وهم الطائفة السنية ذات الأصول الحضرمية المهاجرة قديما وتعود أصولها إلى آل البيت وتنتمي في غالبيتها للمذهب الشافعي المنتشر حضرميا) وجماعات عربية مختلفة الجنسيات هاجرت مؤخرا وصارت نواتها تعرف باسم الإرشاديين نسبة إلى جماعة الإرشاد التي أسسها السوركتّي لاحقا.
وقبل ظهور الإذاعات، كانت الصحف تصدر بالعشرات، مستفيدةً من المرافق الطباعية المتوافرة، الوسيلة الإعلامية الأبرز للتعبير السياسي والدعوي، وقد بقيت الصحف نحو 4 عقود بين الصدور والاختفاء بين عامي 1906و 1937 م، تختلف من حيث الجودة والاستمرار، وكان منها في إندونيسيا بالتتالي: جريدة الإقبال وجريدة الإرشاد ومجلة الشفاء وجريدة بروبودور ومجلة الذخيرة الإسلامية وجريدة القسطاس وصحيفة حضرموت وجريدة الوفاق وجريدة الأحقاف ومجلة الدهناء ومجلة المصباح ومجلة الرابطة وجريدة برهوت وجريدة الكويت والعراقي وجريدة الإصلاح وجريدة السائح العراقي وجريدة التوحيد وجريدة الحق ومجلة المرشد كما ظهرت مطبوعات أخرى مثل المشكاة والمستقبل واليوم والترجمان ومرآة المحمدية ومرآة الشرق والسلام.
وفي سنغافورة، صدرت في تلك الحقبة بالتتالي: جريدة الأيام وجريدة الإصلاح وجريدة الهدى وصحيفة العرب وجريدة القصاص وجريدة النهضة الحضرمية وجريدة الشعب الحضرمي وجريدة الجزاء وجريدة الحساب وجريدة المجد العربي وجريدة صوت حضرموت وجريدة السلام وجريدة المشهور وجريدة الذكرى وجريدة الأخبار ومجلة الأخبار المصورة.
وتذكر المصادر أن مبعوثي الملك عبد العزيز، كانوا كما سلف، يركزون جهودهم في توضيح الواقع الجديد للحجاز، وبذلوا ما في وسعهم لتفنيد الافتراءات التي تشوه واقع الدعوة الإصلاحية، وكانوا يجدون في تشجيع المواطنين الجاوة وزعماء الطوائف على أداء فريضة الحج على أمل جلاء الحقائق لهم، وقد اجتذبتهم الأجواء الاجتماعية السائدة هناك في أن ينهمكوا مع دوامة الصراعات الطائفية المحلية، وفضل البعض منهم الاستقرار الدائم في بلاد الجاوة حتى آخر حياتهم، وتمكن عدد منهم من زيارة الديار السعودية قبل تكليفهم أو في أثناء قيامهم بمهامهم تلك، وكانوا يسافرون إلى بلاد الجاوة من جدة عبر موانئ الحُديدة وعدن مرورا بالموانئ الهندية، وغني عن القول أن هؤلاء المبعوثين كانوا - كما سيأتي - على درجة عالية من الكفاءة الفكرية والثقافية التي مكنتهم من الاندماج في المجتمعات الجاويّة المتنوعة.
أوردت موسوعة تاريخ الملك عبد العزيز الدبلوماسي، الصادرة عن مكتبة الملك عبد العزيز العامة بالرياض (1999م) تعريفا بالسوركتّي الذي يعني لقبه باللغة السودانية - كما يقول د. يعقوب الحجي - كثير الكتب، قالت فيه «هو مدير مدارس الإرشاد الإسلامية في جاكرتا بإندونيسيا، ولد في دنقلة بالسودان عام 1875م وانتقل بعد وفاة والده إلى الحجاز للدراسة مقيما بين مكة المكرمة والمدينة المنورة، وفي عام 1911م انتقل إلى جاوة للعمل مديراً لمدرسة جمعية خير العلوم العلوية بدعوة منها، ثم أنشأ في عام 1914م جمعية الإصلاح والإرشاد الإسلامية، واتصل بالملك عبد العزيز لمعرفته بحرصه على نشر السلفية ودعم المسلمين، وأصبح يحظى بمؤازرته في مجال الدعوة في جاوة، وكان للشيخ السوركتّي جهود طيبة في المحافظة على وحدة العرب في إندونيسيا، توفي عام 1944م في جاكرتا».
وتحدث كتاب أبو شوك الآنف الذكر عن تاريخ انتشار الإسلام في بلاد الجاوة مع وصول طلائع المهاجرين العرب، مرورا بالموانئ الهندية، وتطرق إلى بدايات الصحوة في المنطقة في أوائل القرن العشرين، مستشهدا بظهور الإمام محمد عبده والشيخ محمد رشيد رضا في مصر وعادّاً مشروع الشيخ السوركتّي امتدادا لتلك الحقبة، ثم سرد قصة سعي العلويين بين عامي 1901 و1905م لإنشاء (جمعية خير) لتكون أول جمعية دعوية خيرية في جاكرتا بدأت تتوسع في إنشاء المدارس، تبعها تأسيس جمعية الإصلاح والإرشاد من قِبل السوركتّي، مما فتح المجال لتأسيس جمعيات ومدارس دينية أخرى تهتم بالدعوة، وقد نوقشت في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة في عام 1908م رسالة ماجستير عن جهوده في الدعوة، للدارس شفيق ريزا حسن.
أما بالنسبة للشيخ عبد العزيز أحمد الرشيد فإنه أول من ألف في تاريخ الكويت، وأول من أصدر مطبوعة صحافية فيها باسم الكويت، وتعود أسرته إلى آل البداح السعودية، وقد توقفت صحيفة الكويت بعد أن استمرت في الصدور نحو عامين، ثم زار جدة في نهاية العشرينات، حيث تلقى التكليف بالذهاب إلى إندونيسيا ممضيا السنوات المتبقية من عمره، وقد تزوج ثانية وتوفي هناك عن 51 عاما.
وأما محمود شوقي الأيوبي فقد كان شاعرا مجيدا، ولد عام 1903م في الكويت في أسرة هاجرت من كردستان العراق، وقد درس في الكتاب وفي المدرسة المباركية، ثم سافر إلى البصرة وبغداد لمواصلة دراسته في دار المعلمين العالية، ثم تولى التدريس في قرية أبي الخصيب بالعراق، وبعد فترة من التنقل بين العراق والكويت وبلاد الشام سافر إلى الأحساء فالرياض عام 1939م وأدى مناسك الحج، ثم هاجر إلى إندونيسيا للدعوة والتعليم بتكليف من الملك عبد العزيز، وأقام هناك 20 سنة عاد بعدها إلى الكويت ليقيم في قرية الشعيبة، وتوفي في مارس (آذار) 1966م وقد نظم الكثير من المطولات الشعرية في مدح الملك عبد العزيز، جمعتها دارة الملك عبد العزيز في ديوان خاص به عنوانه: ديوان الملاحم العربية صدر سنة 1999م بمناسبة الذكرى المئوية لتأسيس المملكة العربية السعودية.



الذكاء الاصطناعي... جرس إنذار لصناعة النشر

الذكاء الاصطناعي... جرس إنذار لصناعة النشر
TT

الذكاء الاصطناعي... جرس إنذار لصناعة النشر

الذكاء الاصطناعي... جرس إنذار لصناعة النشر

في خريف العام الماضي، أنهى أنطونيو بريسيو، استشاري هندسي مقيم في غوادالاخارا بالمكسيك، مسودة روايته الأولى ـ رواية خيال علمي مثيرة، تدور حول مؤامرة حكومية لطمس تاريخ أول اتصال للبشرية مع لاجئين فضائيين.

وبعد مراسلة عشرين وكيلاً أدبياً وتلقيه سلسلة من الرفض، أمضى عدة أشهر في مراجعة روايته، بجهدٍ كبير، على أمل أن يقع على ناشر يوماً ما.

اليوم، يساور القلق بريسيو من أن عملية الحصول على عقد نشر، وهي عملية شاقة بطبيعتها لمؤلف مبتدئ ـ قد ازدادت صعوبة. ويخشى أن يتجنب الوكلاء والناشرون مخاطرة التعامل مع مؤلفين غير معروفين، خشية أن يكونوا قد استعانوا بالذكاء الاصطناعي في كتابة روايتهم.

اللافت أن حالة الذعر والريبة حيال الكتب المولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي، تفاقمت الشهر الماضي، عندما قررت دار نشر كبرى، «هاشيت»، إلغاء إصدار رواية الرعب «فتاة خجولة» للكاتبة ميا بالارد في الولايات المتحدة، بسبب أدلة تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي أسهم في كتابتها. كما سحبت دار «هاشيت» الرواية من المملكة المتحدة، بعد أن أطلقتها بالأسواق، العام الماضي، بعد إقدام بالارد على نشرها بنفسها، بادئ الأمر.

من جهته، لدى علم بريسيو، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بقرار عدم قبول روايته، انتابه شعور مؤلم بخيبة الأمل. وأكد أنه لا يستعين بالذكاء الاصطناعي في الكتابة، إلا لترجمة كلمة أو عبارة عابرة من لغته الأم الإسبانية إلى الإنجليزية، التي يتقنها كذلك، باستخدام برنامج الترجمة بالذكاء الاصطناعي «ديبل» (Deepl). غير أنه تساءل عما سيقوله نظام كشف الذكاء الاصطناعي عن عمله.

وعليه، اشترك في موقع Originality.ai وحمل فصلاً من روايته. وكانت المفاجأة أن أكد النظام بثقة تبلغ 100 في المائة أنه اعتمد على الذكاء الاصطناعي بطريقة ما.

وبالفعل، بحث بريسيو عن العبارات التي توقف عندها النظام، وحذف بعض الجمل، ثم أعاد تشغيله. هذه المرة، أكد البرنامج بنسبة 100 في المائة أن كاتباً بشرياً يقف خلف هذا النص. في نهاية المطاف، أجرى بريسيو محادثةً عبر الدردشة مع أحد ممثلي خدمة العملاء، الذي أخبره أنه إذا تلقى نتائج تُصنّف عمله خطأً باعتباره مُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي، فقد يحتاج إلى نسخة مختلفة من البرنامج.

ولم تُسفر هذه المراسلات إلا عن مزيد من القلق لدى بريسيو؛ خاصة وأن تقارير موقع Originality.ai حول مسودته، التي شاركها مع صحيفة «التايمز»، كشفت أن إضافة أو حذف بضع جمل فقط يفضي إلى نتائج مختلفة تماماً.

وعن ذلك، علق بريسيو: «ماذا لو بدأ الناشرون أو الوكلاء الأدبيون بتشغيل أدوات الذكاء الاصطناعي هذه على الجميع؟ سيتعامل الجميع بحذر شديد من الآن فصاعداً».

وفي الوقت الذي يُصارع قطاع النشر، مع تغلغل الذكاء الاصطناعي في كل جانب من جوانب العمل تقريباً، يبدو أن هناك إجماعاً ضئيلاً حول ما يمكن أو ينبغي للناشرين فعله لتنظيم كيفية استخدام الكُتّاب لهذه التكنولوجيا. ومع ذلك، فإن ما يتفق الكثيرون حوله اليوم أن الوضع الراهن غير قابل للاستمرار.

اليوم، يواجه عدد متزايد من الكُتّاب شكوكاً لا أساس لها حول استخدامهم للذكاء الاصطناعي، بينما يستخدمه آخرون دون الإفصاح عنه. في الوقت ذاته، يشعر الكثير من القراء بالحيرة والحذر، لعدم معرفتهم ما إذا كانت الكتب، التي يقرأونها من تأليف إنسان أم آلة.

في سياق متصل، جابه عدد من المؤلفين، الذين ينشرون أعمالهم بأنفسهم، انتقادات لاذعة من القراء وأقرانهم الكتاب على حد سواء، لاستعانتهم الواضحة بالذكاء الاصطناعي. غير أن الجدل الدائر حول رواية «الفتاة الخجولة» قد يُشكّل نقطة تحوّل على صعيد صناعة النشر بأكملها.

في أعقاب إلغاء نشر الرواية، تساءل الكثير من القراء والكُتّاب عن كيفية فشل دار نشر كبرى، في رصد دلائل على استخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة. وقد اشتكى مُعلّقون عبر منصتي «غود ريدز» و«ريديت» على مدار شهور، ممَّا وصفوه بأنه دليل واضح على استخدام لغة برامج الدردشة الآلية. ودفعت هذه الفضيحة بعض القراء إلى التساؤل عن مدى تدقيق دور النشر للأعمال التي تستحوذ عليها.

في هذا الصدد، صرَّحت أندريا بارتز، كاتبة روايات الإثارة، التي كانت المدعية الرئيسة في الدعوى الجماعية، التي رفعها مؤلفون ضد دار نشر «أنثروبيك»، بأنه: «ندخل الآن عصر انعدام الثقة، حيث لا توجد طريقة سهلة لإثبات صدق كتاباتك». جدير بالذكر أن الدعوى انتهت بالاتفاق على تسوية بقيمة 1.5 مليار دولار.

حديثاً، أدخلت بارتز بعض كتاباتها في برنامج «إيس» لرصد الذكاء الاصطناعي، وفوجئت عندما صنَّف البرنامج عملها باعتباره مُولَّد بواسطة الذكاء الاصطناعي بنسبة 82 في المائة. وبعد ذلك، اقترح عليها البرنامج حلّاً: «هل ترغبين في إضفاء طابع إنساني على نصك؟».

وعندما كتبت بارتز عن تجربتها على منصة «سبستاك»، شاركها عشرات الكتّاب. وعلّقت الروائية رينيه دينفيلد قائلةً: «أعتقد أن هذا ما يحدث عندما تتعرض كتبك للسرقة، بغية برمجة الذكاء الاصطناعي»، مشيرةً إلى أن برنامجاً لكشف الذكاء الاصطناعي، قد صنَّف كذلك بعض كتاباتها بشكل خاطئ، باعتبارها مُولَّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي.

في الإطار ذاته، قالت جين فريدمان، استشارية بمجال النشر: «يجب أن يكون هذا بمثابة جرس إنذار لصناعة النشر».

اللافت أن معظم دور النشر الكبرى لا تملك قواعد واضحة بخصوص استخدام الذكاء الاصطناعي للمؤلفين، وإنما تكتفي بالاعتماد على الثقة وتوقع الشفافية من الكتّاب. غير أنه مع تغلغل الذكاء الاصطناعي في صناعة الكتب بطرقٍ عديدة، من البحث إلى التحرير إلى صياغة الجمل، يسود الارتباك حول أشكال استخدامه التي تتجاوز الحدود، ويتزايد الخوف من أن الكتابة المدعومة بالذكاء الاصطناعي قد تتجاوز، بل وستتجاوز، حدود المحررين المحترفين.

من ناحيتها، عندما سمعت راشيل لويز أتكين، التي تتولى مراجعة الكتب على مواقع «غود ريدز» و«إنستغرام» و«تيك توك» لآلاف المتابعين، لأول مرة عن رواية «فتاة خجولة» عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بدت لها الرواية وكأنها ستنال إعجابها - قصة رعب نسوية آسرة وملتوية. وبالفعل، التهمت الرواية في يوم واحد وأوصت بها على نطاق واسع. وقالت إنها صُدمت عندما علمت بسحبها، بسبب أدلة تشير إلى الاستعانة بالذكاء الاصطناعي.

تكتب ألكسندرا ألتر عن الكتب والنشر وعالم الأدب لصحيفة التايمز.

* خدمة «نيويورك تايمز»وعلقت على الأمر بقولها: «لو كنت متأكدة من أن شيئاً ما كُتب باستخدام الذكاء الاصطناعي، لكنت تجنبته. أعتقد أنه يجب أن نكون قادرين على اتخاذ القرار بشأن ما إذا كنا نريد قراءة شيء كُتب باستخدام الذكاء الاصطناعي».

أما المؤثرة في عالم الكتب، ستايسي سميث، فقد وقعت على رواية «فتاة خجولة» على موقع «نيت غالي» ـ موقع يتيح للقراء الاطلاع على الكتب ومراجعتها قبل نشرها ـ ومنحتها تقييم خمس نجوم على موقع «غود ريدز». وقد شعرت هي الأخرى بالاستياء لدى علمها بالاتهامات الموجهة للرواية.

وقالت: «لا أمانع مطالعة الكتب المكتوبة باستخدام الذكاء الاصطناعي، لكنني أرغب في معرفة أنها كُتبت بواسطة الذكاء الاصطناعي. إن الخداع هو ما يؤلمني هنا».

من جهتهم، يضيف بعض الكتّاب شعاراً إلى كتبهم ومواقعهم الإلكترونية، يُشير إلى أن «المؤلف بشري». هذه الشهادة، التي تُقدمها «نقابة الكتاب»، تُمكّن المؤلفين من الإقرار بأنهم ألفوا كتبهم دون استخدام الذكاء الاصطناعي، في توليد النصوص أو صياغتها بشكل جوهري. ورغم أن النقابة لا تتحقق بشكل مستقل من ادعاءات المؤلفين، فإن الكتّاب قد يتعرضون لدعاوى انتهاك حقوق الملكية الفكرية، إذا انتهكوا شروط استخدام الشعار.

يذكر أنه جرى توجيه اتهامات لسارينا بوين، كاتبة نشرت بعض كتبها بنفسها، وأصدرت أخرى بالتعاون مع دور نشر كبرى، باستخدام الذكاء الاصطناعي لتصميم غلاف إحدى رواياتها. وقد نفت الكاتبة هذه الاتهامات بسهولة؛ إذ نُشرت الرواية قبل سنوات من انتشار استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي على نطاق واسع. ومع ذلك، يساورها القلق اليوم بخصوص أغلفة الكتب التي يجري الحصول عليها من الإنترنت ـ ممارسة شائعة بين المؤلفين، الذين ينشرون أعمالهم بأنفسهم ـ وما إذا كان فنان ما قد استخدم هذه التكنولوجيا لإنتاجها.

وعن هذا، قالت: «لا أعرف إلى أين سيقودنا هذا، لكن لحظة اتهامي باستخدام الذكاء الاصطناعي في تصميم الغلاف، كانت محبطة للغاية. كل من ينشر الكتب يغرق في هذا العالم، الذي لا يمكن فيه التأكد من مصدر محتوانا».

وقالت لورا تايلور نيمي، روائية: «إذا كان هناك من سينفق ماله على كتاب، فإنه يرغب في أن يكون نابعاً من عقل وقلب المؤلف، لا من جهاز كمبيوتر سلب عقل الكاتب. وأنا أؤيد ذلك».

يتردد عدد متزايد من الكُتّاب في استخدام الذكاء الاصطناعي بينما يستخدمه آخرون من دون الإفصاح عن ذلك


بودلير... الطفولة الجريحة المدمرة

 بودلير
بودلير
TT

بودلير... الطفولة الجريحة المدمرة

 بودلير
بودلير

لقد سقط بودلير وهو في عز الشباب (46 سنة فقط). وأصيب بالشلل في أواخر حياته، ويقال إنه جنّ. ومع ذلك فقد خلَّف وراءه أكبر ثورة شعرية في تاريخ العصور الحديثة. لولا بودلير لما كان رامبو. لقد انفجر بودلير بالشعر انفجاراً وعاش من أجله، وله، ولم يكن له هدفٌ آخر في الحياة. أليس هو القائل: لقد عجنت الطين (أو الوحل) وصنعت منه الذهب؟ بمعنى آخر: من كلمات عادية جداً خلقت مجازات إبداعية مبتكرة وصوراً خارقة تدوخ العقول. وهنا تكمن معجزة الشعر، سر الشعر. جوهر الشعر. إنه السهل الممتنع إلا على عباقرة العباقرة. ولكن سارتر في كتابه الرائع عن بودلير يضيف قائلاً: «لم يكن هذا الرجل بلا نقيصة ولا خالياً من التناقضات والعيوب. فهذا المنحرف الضال تبنى أكثر الأخلاق امتثالية وشيوعاً في عصره. وهذا الشخص المترف الناعم كان يتردد على المومسات العواهر. وحبه للبؤس والانحطاط والانهيارات السيكولوجية هو الذي جعله يتعلق بتلك الزنجية البشعة حنة دوفال التي كانت عشيقته لسنوات طويلة. وهذا المتوحد كان يخشى الوحدة كثيراً ولا يخرج إلا مع رفاقه إلى مقاهي باريس وحاناتها. وكان يتمنى بناء حياة عائلية وعش منزلي دافئ ولكنه فشل في تحقيق ذلك فشلاً ذريعاً، فعاش متسكعاً، مشرداً، هامشياً. وكان يثني على الجهد والعمل، ولكنه كان عاجزاً عن أن يكمل أي عمل ينخرط فيه. وكان يحمس الناس للسفر إلى الأصقاع البعيدة واكتشاف العوالم القصية، ولكنه بقي متردداً طيلة ستة أشهر قبل أن يحسم أمره ويقرر أخيراً زيارة أمه في مدينة هونفلير التي لا تبعد عن باريس أكثر من مائتي كيلومتر... باختصار شديد فقد كان شخصاً مليئاً بالتناقضات».

في الواقع إن مشكلة بودلير الأساسية هي زواج أمه بعد وفاة والده. هنا يكمن جرحه الأنطولوجي إذا جاز التعبير. هنا يكمن الجرح العميق الذي دمره من الداخل تدميراً، وفجره تفجيراً. ولم يقم من تلك الضربة القاصمة طيلة حياته كلها. بودلير كان متعلقاً بأمه إلى أقصى الحدود. وعندما مات أبوه وعمره ست سنوات فقط لم يحزن عليه كثيراً بل ربما سعد بذلك. فقد اعتقد أن أمه سوف تكون له وحده منذ الآن فصاعداً... وبالفعل فقد قضى معها فترة رائعة لمدة سنتين تقريباً قبل أن يضرب القدر ضربته ويحصل ما لا تحمد عقباه. فقد أبلغته في صبيحة أحد الأيام أنها سوف تتزوج من الجنرال جاك أوبيك الذي أصبح الحاكم العسكري لمنطقة باريس لاحقاً بل والسفير الفرنسي في إسطنبول. عندما سمع بودلير بالخبر جن جنونه. شعر وكأن السماء انطبقت على الأرض. شعر وكأنه سقط من الجنة. لقد انتهت «جنة الطفولة» بالنسبة لشارل بودلير. عندئذ تعرف لأول مرة على تجربة الشر في العالم. حتى ذلك الوقت كان هذا الطفل المدلل ساذجاً كبقية الأطفال. كان يعتقد أن العالم كله خير، وبركة، وسعادة، وطمأنينة. وفجأة يكتشف شيئاً جديداً لم يكن في الحسبان. فجأة يكتشف أن الشر موجود في قلب العالم بل وينخر فيه كما تنخر الدودة في الثمرة. منذ ذلك الوقت حصل صَدْع في الأعماق النفسية لشارل بودلير. ومنذ ذلك الوقت أصبح الشعر ممكناً.

يقول عنه أحد النقاد: كان بودلير ذا روح رقيقة وحساسة جداً وحنونة أيضاً. وقد انكسرت من أول صدمة من صدمات الحياة. لم يتحمل بودلير أبداً زواج أمه. أمه لم تعد له وحده، بل لم تعد له بالمرة. أصبحت لرجل آخر يختلي بها في الغرفة المجاورة مغلقاً الباب في وجهه. لقد خانته أمه وتركته وحيداً على قارعة الطريق. أبداً لن ينسى هذه الإهانة. أبداً لن يغفر لها فعلتها تلك. ولذلك راح يصرخ في وجهها قائلاً: «من كان لها ابن مثلي لا تتزوج»! كيف يمكنه أن يثق بالحياة بعد الآن؟ لقد انتهى عهد الطمأنينة والشفافية واختل نظام الأشياء. وهذا ما حصل لسارتر أيضاً. فقد تزوجت أمه بعد وفاة والده. لهذا السبب حقد عليها وعلى زوجها تماماً مثلما فعل بودلير. كان يكره زوج أمه كره النجوس. كان يكرهه إلى درجة أنه رفض أن يدفن في المقبرة ذاتها. حتى بعد الموت كان شبحه يلاحقه. وربما لهذا السبب نجح كتابه عن بودلير نجاحاً باهراً. لقد عاش التجربة المرة الساحقة الماحقة ذاتها. لا تكاد تشبع من قراءته: نثر فلسفي متفجر أين منه الشعر... (بين قوسين: لن أغفر للغة الفرنسية ما حييت أنها تدعو زوجة الأب «بالأم الجميلة». ما هذه الحماقة؟ ما هذه الفضيحة؟ الأم الجميلة هي وحدها الأم الحقيقية).

ماذا نستنتج من كل ذلك؟ نستنتج أن مرحلة الطفولة الأولى هي التي تصنعنا وتجبلنا وتصوغ شخصيتنا إلى الأبد. لا نستطيع منها فكاكاً. مستحيل. مؤخراً سمعت مطرباً فرنسياً شهيراً يقول بعد أن تجاوز الثمانين: والله حتى الآن لم أستطع أن أتجاوز طفولتي. والله حتى الآن لم أستطع أن أتصالح معها. ثم يضيف: من يستطيع أن ينجو من طفولته، من يستطيع أن يُشفى من طفولته؟ وهذا شخص شعبي، ناجح، تباع أشرطته بالملايين. فما بالك بالتعساء من أمثالنا؟ كيف يمكن أن تتصالح مع طفولة أصولية غياهبية، أو كارثية فجائعية؟

الآن دعونا نطرح هذا السؤال: كيف كانت شخصية بودلير في الحياة؟ لنستمع إلى مكسيم دوكامب، صديق فلوبير الشهير، يصوره لنا: «كان متوسط القامة، صلب الجسم، قوي العضلات، أو قل يُوحي بالقوة لمن يراه لأول وهلة. ولكن إذا ما تمعنَّا فيه عن كثب وجدناه مسحوقاً من الداخل أو حتى مدمَّراً تماماً. كانت تلوح عليه علائم التهالك والضعف والهُجران...».

كان بودلير ملاحقاً بالإحساس بالخطيئة والذنب دون أي ذنب. كان يشعر بأنه مدان أبدياً سرمدياً، ولا خلاص. طيلة حياته كلها لم يعرف القرار ولا الاستقرار النفسي السيكولوجي. يا جماعة اسمعوا وعوا: بودلير ما كان بحاجة إلى أعداء لكي يضربوه أو يجلدوه. كان هو يجلد نفسه بنفسه يومياً عشر مرات على الأقل. كان هو العدو اللدود لنفسه. أليس هو القائل:

أنا الطعنة والسكين

أنا الضحية والجلاد

أنا لقلبي مصاص الدم

وهو القائل أيضاً هذه الكلمات المعبرة:

«من يستطيع أن يقضي على الندم القديم، الطويل، ذلك الندم الذي يحيا، يختلج، يتلوى، يتغذى من أحشائنا كما تتغذى الدودة من جسد الميت، أو الأسروع من شجر السنديان؟

من يستطيع أن يقضي على الندم العنيد؟».

لقد عضت الحياة شارل بودلير أكثر مما ينبغي. لكن هل كان سيصبح شاعراً لولا ذلك؟ لولا زواج أمه إبان طفولته الأولى، لولا تلك الصدمة القاتلة، هل كان سيصبح أكبر شاعر في تاريخ فرنسا؟ كان بودلير يفكر على النحو التالي: بما أن الشر إجباري في هذا العالم، بما أنه سيد العالم، فلماذا لا نقبل يديه ورجليه وننحني أمامه؟ لماذا لا نجامله بل ونتغزل بأزهاره وجماله؟ آه أيها الشيطان يا أخي يا صديقي.. ولكن الخير ينتصر في نهاية المطاف على الشر، والله على الشيطان، وإلا فعلى الدنيا السلام... هذا ما يعتقده بودلير في قرارة نفسه. وهذا ما عبر عنه في قصائده مرات ومرات عندما كان يحلم بالشفافية ويحلق إلى أعلى السماوات. لكنه ظل يخشى ضربات الشر وغدرات الزمان. كيف يمكن أن تتحاشاها؟ هذا من جهة. وأما من جهة أخرى فلو أن بودلير عنون ديوانه «أزهار الخير» لما سمع به أحد بل ولربما فشل فشلاً ذريعاً. وذلك لأن «الشعر نكد بابه الشر فإذا دخل في باب الخير ضعف» كما يقول الأصمعي. أخيراً ينبغي العلم أن بودلير قد يتحول أحياناً إلى شخص آخر مختلف تماماً. قد يتحول من تراجيدي إلى كوميدي. والدليل على ذلك هذه القصيدة الفكاهية المرحة:

زوجتي ماتت أنا حر

أستطيع أن أشرب على كيفي

عندما كنت أعود بلا فلس في جيبي

كانت زعقاتها تمزق أعصابي

أنا سعيد كملك متوج

أنا ملك الملوك

يا إلهي ما أرحب البيت بعد رحيلها

أعيش أجمل لحظات حياتي

أغني على كيفي

الهواء نقي والسماء ساطعة

عشنا صيفاً مشابهاً

عندما كنت مغرماً بها

إلخ...


لوحة بصرية لمصر في بدايات القرن الـ 21

لوحة بصرية لمصر في بدايات القرن الـ 21
TT

لوحة بصرية لمصر في بدايات القرن الـ 21

لوحة بصرية لمصر في بدايات القرن الـ 21

صدر أخيراً عن «منشورات الربيع» في القاهرة، رواية «بيت الخلد: الحياة السرية لفريدة المفتي»، للروائية والناقدة المصرية الدكتورة هويدا صالح.

تقع الرواية في نحو 300 صفحة من القطع المتوسط، وتدور أحداثها في الفترة من أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، وتعاين كثيراً من التحولات السياسية العالمية في تلك الفترات، بخاصة قضايا الاستعمار، واستعباد الأوروبيين لأبناء أفريقيا السوداء، وخطفهم من بلدانهم وقراهم في أفريقيا، وبيعهم في أوروبا؛ حيث يجري استعبادهم.

الرواية أقرب إلى نقد الفكر الاستعماري، فضلاً عن نقد الفكر الذكوري، ومن هنا تأتي مركزية المرأة ودورها في مجابهة هذا الاستعمار، وكيف تكون ضحية له في كثير من الأحايين، بوصفها الحلقة الأضعف، ومراوحتها بين مقاومة هذا الطابع الاستعماري، والخضوع والاستسلام له حيناً آخر، وفي الوقت ذاته مقاومة الاستبداد الذكوري الواقع عليها من بني جلدتها أحياناً.

تدور الرواية مكانياً في عدة فضاءات مترامية، بدءاً من مركز الأحداث في العاصمة المصرية، القاهرة، ومحافظة أسيوط في صعيد مصر، ثم إيطاليا؛ حيث ولد «بولدوين» الإيطالي الثري الذي وقع في عشق مصر والشرق عموماً، وحيث ولدت أيضاً عبدته «سورما». أما المكان الثالث فهو إثيوبيا، الموطن الأصلي لجدة «سورما» وأمها، اللتين اختطفتا وبيعتا في سوق العبيد بإيطاليا، واشتراهما جد «بولدوين».

الرواية تتمحور -حسب العنوان- حول شخصية «فريدة المفتي» التي تنحدر من مدينة قفط بمحافظة قنا، وتنتقل إلى القاهرة، وتؤسس وكالة تجارية كبيرة، على عكس الأعراف السائدة وقتها بأن التجارة والعمل للرجال فقط. ولا تكتفي بذلك؛ بل تؤسس بيتاً غريباً، وتسميه «بيت الخلد»، أقرب إلى بيت للمتعة، ولكنه يختلف عن بيوت البغاء التي كانت موجودة آنذاك ومعترفاً بها قانوناً؛ إذ وضعت قانوناً بأن تكون السيدات في هذا البيت لسن بغايا؛ بل سيدات فضليات، ولكنهن لا يشعرن بالحب تجاه أزواجهن، وأن كل امرأة في هذا البيت هي التي ستختار الرجل الذي تريده، وليس العكس كالمعتاد في هذه النوعية من البيوت، للحصول على متعتها، دون تقاضٍ لأي أموال، حتى تمنح كل امرأة حرية التصرف في جسدها.

في مقابل هذه الحرية التي تنطلق من الجسد، كانت شخصية «إستر»، الصعيدية ابنة أسيوط، خريجة الجامعة الأميركية، ترى هذا نوعاً من العبودية، وتؤمن بأن حرية المرأة تبدأ من امتلاك عقلها وليس الجسد، وانخرطت في حركات مقاومة الاستعمار، وكانت ضمن الطليعة الوفدية، وتزوجت «بولدوين» الإيطالي، المحب لمصر والكاره للميول الاستعمارية، والذي أطلق سراح جاريته «سورما» ومنحها حريتها، منذ أن جاءت معه إلى مصر.

ترصد الرواية حياة كل هؤلاء الشخوص، بجذورهم المختلفة، وخلفياتهم المعرفية المتباينة، وعلاقاتهم المركبة بعضهم ببعض، صانعةً خيوطاً درامية أشبه بضفيرة مركبة، تحضر فيها السياسة في الخلفية، وتقدم لوحة بصرية لمصر في بدايات القرن الماضي، مصورة الحياة الفنية الثرية آنذاك، فهناك حضور قوي لشخصيات فنية شهيرة، مثل: نجيب الريحاني، ويوسف وهبي، ومنيرة المهدية، وأم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب.