مساعي الدعوة والإعلام في جزر الملايو في عهد الملك عبد العزيز

الرشيد والسوركتي والأيوبي أمثلة

الملك عبد العزيز
الملك عبد العزيز
TT

مساعي الدعوة والإعلام في جزر الملايو في عهد الملك عبد العزيز

الملك عبد العزيز
الملك عبد العزيز

ما إن بدأت بوادر الضعف تنخر في مفاصل الدولة العثمانية في مطلع القرن العشرين، حتى اتجهت الولايات الخاضعة لنفوذها - ومنها ولاية الحجاز - للعمل على الاستقلال من التبعية لها، وصار النفوذ السياسي لبريطانيا وفرنسا يأخذ في الاتساع في منطقة الشرق الأدنى، وبدأت القوى الإسلامية في مصر والقارة الهندية، وفي الحجاز، تتطلع لملء الفراغ السياسي للهيمنة على المقدسات الإسلامية، وذلك من خلال محاولات إعلان الخلافة الإسلامية وقيام الثورة العربية في بلاد الحرمين الشريفين.
وفي ظل هذا التدافع، ظهرت زعامة جديدة غير متوقعة، اكتسحت أرجاء وسط الجزيرة العربية، وخلطت - في زمن وجيز وبدرجة من الدهاء السياسي والمناورة العسكرية - الأوراق أمام الكيانات الكبرى، وكانت سيطرتها الشاملة والمفاجئة على الديار المقدسة مثار انبهار القوى الطامعة، سواءً من الإمارات المحيطة بالحجاز داخل شبه الجزيرة، أو من القوى الإسلامية خارجها كالهند ومصر وتركيا أو من الدول العظمى.
ومع انهيار سلطة الهاشميين في الحجاز، ودخول الإقليم تباعا - الطائف ثم مكة المكرمة فجدة والمدينة المنورة - في الحكم السعودي بدءا من عام 1924م - ظهرت دعايات معادية للحكم السعودي الجديد في الحجاز تنشط في مصر وفي جزر الملايو (إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة وبروناي وما حولها حاليا) وفي شبه القارة الهندية (الهند وباكستان وبنغلاديش حاليا) في ظاهرة امتدت نحو 20 عاما، بتحريض القوى السياسية الطامعة في الاستحواذ على الخلافة والسلطة على بلاد الحرمين الشريفين، ومن بعض الجمعيات المرتبطة بها، وقد انضم إليها أو حرض عليها أفراد من المنتمين للحزب الوطني الحجازي الموالي للأشراف في الحجاز.
تسببت تلك الدعاية - مقرونة بتدني الأوضاع الاقتصادية العالمية وإرهاصات الحرب الكونية الثانية - في إحجام جموع من حجاج القارة الهندية وأرخبيل الملايو (الجاوة) عن القدوم للحج، متأثرين بما كان يشاع عن تدني الأمن في بلاد الحرمين الشريفين في إثر دخولها في الحكم السعودي، فتقلصت أعداد القادمين للحج تدريجيا حتى بلغ هذا الأمر أدناه في حج عام 1935م عندما انخفضت أرقام القادمين للحج إلى نسبة متدنية لم يسبق لها مثيل، وقد تصادف هذا الأمر مع مرور أعوام قليلة من إعلان توحيد الحجاز ونجد في كيان واحد (المملكة العربية السعودية 1932م).
ورغم ضعف الموارد نتيجة تلك الظروف، كان على الإدارة السعودية الجديدة في الحجاز أن تبذل جهودا استثنائية لمواجهة الموقف وتأثيراته الإعلامية والاقتصادية، كان منها إنشاء مديرية للدعاية للحج (1936م) عُنيت بإيفاد مبعوثين إلى عدد من البلدان وبخاصة أرخبيل الملايو والقارة الهندية ومصر، من بينهم شخصيات سعودية وعربية موثوقة بعقيدتها وولائها وباقتناعها بصفاء نهج الحكم الجديد في الحجاز وسلامته مما يشاع، كما أصدرت مجلة النداء الإسلامي باللغتين العربية والملايوية (1937م) ومجلة الحج (1947م) وكانت في معظم موضوعاتها تؤكد على انتشار الأمن في الديار المقدسة، وعلى استقرار الأوضاع فيها، وتحض على أداء الحج للتأكد من ذلك مع تبيان التسهيلات المعيشية المتوافرة، وكان من بين علامات الاهتمام بالحجاج الجاوة والهنود، أن الإذاعة السعودية عندما بدأت في جدة عام (1949م) خصصت إذاعتين مستقلتين أسمتهما الإذاعات الشرقية (باللغتين الأردية والجاوية) موجهتين محليا وخارجيا إلى الحجاج والجاليات الناطقة بهما، وذلك لكثرة القادمين من الجاوة والهنود للعمرة والحج، وقد أضيف إليهما بعد سنوات عدد من الإذاعات الموجهة بلغات أخرى.
الموضوع المطروح هنا، يأخذ الشيخ السوداني المجاور للحرمين الشريفين أحمد محمد السوركتي، و(الكويتيين) المؤرخ والصحافي عبد العزيز الرشيد، والشاعر محمود شوقي الأيوبي أمثلة غير حصرية، لتوضيح تلك الموجة من الدعايات والحملات، وما جوبهت به من جهود تصب في الدعوة تبنتها الحكومة السعودية في عهد الملك عبد العزيز، وللحديث عن المنافسات التي جرت بين بعض الشخصيات المهاجرة وبين المقيمين الحضارم الذين يعتزون بأرومتهم العربية، ويفتخرون بأسبقيتهم في الهجرة إلى بلاد الجاوة، وكان هؤلاء الدعاة الثلاثة من محركي هذا النشاط الدعوي والإعلامي.
وباستعراض ما كتب عن هذا الموضوع، يلحظ أن المؤلفات السعودية المحلية لم تُولِه الاهتمام المستحق، وكانت المراجع الحضرمية والإندونيسية أكثر إفاضة في الحديث عن تلك الهجرات، وعن المؤثرات الثقافية الناتجة عنها، وخصت بالذكر المنافسات التي جرت بين المهاجرين الحضارم ومن لحق بهم من النازحين العرب - ومنهم هؤلاء الثلاثة - إلى بلاد الملايو.
وصدرت - ولا تزال - ضمن دائرة المصادر الحضرمية والإندونيسية وخارجها مجموعة من الكتب المعمقة والرصينة التي تناولته بإفاضة، منها على سبيل المثال كتاب عن سيرة الشاعر الكويتي محمود شوقي الأيوبي، من تأليف الأكاديمية الكويتية د. نورية الرومي (1982م) وكتاب عن سيرة المؤرخ والصحافي الكويتي عبد العزيز الرشيد، من تأليف الباحث الكويتي د. يعقوب يوسف الحجّي (1993م) وكتاب عن سيرة الشيخ أحمد محمد السوركتّي، من تأليف د. أحمد إبراهيم أبوشوك (2000م).
وإن من ينظر في الجهود الدعوية والإعلامية التي بُذلت في عهد الملك عبد العزيز وبخاصة ما يوجه منها للخارج، يذهل من حجمها وتنوعها وتأثيرها، ويبلغ التعجب مداه عندما يعرف أن تلك الجهود قد اتسمت بنوعية عالية وبحجم واسع، وذلك على الرغم من عدم وجود متخصصين في الإعلام آنذاك. اهتمت الحكومة السعودية بإيفاد الدعاة والمثقفين إلى جزر الملايو والقارة الهندية وآخرين إلى مصر وأوروبا وأميركا، من أمثال محمد رشيد رضا وعبد الحميد الخطيب وعبد العزيز العتيقي وأحمد السوركتّي وعبد العزيز الرشيد ومحمود شوقي الأيوبي ويونس بحري وإبراهيم المعمر وأمين الريحاني وغيرهم، مما لا يتسع المقام للتفصيل في سيرهم.
وتورد الكتابات التي تناولت موضوع هذا البحث أوصافا للأوضاع في أرخبيل جزر جاوة) بعد نيل استقلالها من هولندا وبريطانيا، وهي أوصاف يفهم منها أن النشاط الدعوي والإعلامي وربما السياسي لم يبرز في تلك الجزر إلا في مطلع القرن العشرين، وربما كانت توجد نشرات عربية تخدم الجالية الحضرمية الموجودة في تلك الجزر منذ زمن أقدم، كما توضح تلك الكتابات انتشار بعض الاتجاهات الصوفية بين الطوائف ذات الأصول العلوية المستقرة هناك، وهو ما اجتهد اللاحقون من المهاجرين في محاولة تصحيحها.
وربما كان الشيخ السوركتّي بمجيئه إليها أول من فتح الباب لهجرة المزيد من الجاليات غير الحضرمية، كما فتح وجوده الباب للتوسع في إنشاء المدارس وللتنافس والصراع الفكري والصحافي بينها، وهو ما توضحه - بإفاضة - تلك الكتب المذكورة وغيرها من المؤلفات والمقالات الصحافية والمدونات الإلكترونية التي تصدر بين حين وحين.ومن يتتبّع ما كتب، يلحظ كيف كانت مدن في جزر الملايو - وبخاصة في محيط إندونيسيا - ميدانا تنافسيا سلميا خصبا وفسيحا، تمثل في التسابق لإنشاء الجمعيات والمدارس الدعوية واستخدام المنابر وإصدار الصحف، في مظهر يمكن وصفه بالفوضى المنظمة، التي ساعد في تهذيبها نضوج المشهد السياسي بعد خروج المحتلين وتطور الحياة السياسية المحلية وبروز الكيانات الديمقراطية المعروفة حاليا.
بدا أكثر التنافس واضحا في ساحة جزر جاوة بعامة، وفي سنغافورة وماليزيا وبعض المدن التابعة حاليا لجمهورية إندونيسيا، ومنها بتافيا (جاكرتا حاليا) وبوقور وسورابايا وباندونغ، وكان أكثر الفاعلين في هذا المشهد جماعات تنتمي للعلويين (وهم الطائفة السنية ذات الأصول الحضرمية المهاجرة قديما وتعود أصولها إلى آل البيت وتنتمي في غالبيتها للمذهب الشافعي المنتشر حضرميا) وجماعات عربية مختلفة الجنسيات هاجرت مؤخرا وصارت نواتها تعرف باسم الإرشاديين نسبة إلى جماعة الإرشاد التي أسسها السوركتّي لاحقا.
وقبل ظهور الإذاعات، كانت الصحف تصدر بالعشرات، مستفيدةً من المرافق الطباعية المتوافرة، الوسيلة الإعلامية الأبرز للتعبير السياسي والدعوي، وقد بقيت الصحف نحو 4 عقود بين الصدور والاختفاء بين عامي 1906و 1937 م، تختلف من حيث الجودة والاستمرار، وكان منها في إندونيسيا بالتتالي: جريدة الإقبال وجريدة الإرشاد ومجلة الشفاء وجريدة بروبودور ومجلة الذخيرة الإسلامية وجريدة القسطاس وصحيفة حضرموت وجريدة الوفاق وجريدة الأحقاف ومجلة الدهناء ومجلة المصباح ومجلة الرابطة وجريدة برهوت وجريدة الكويت والعراقي وجريدة الإصلاح وجريدة السائح العراقي وجريدة التوحيد وجريدة الحق ومجلة المرشد كما ظهرت مطبوعات أخرى مثل المشكاة والمستقبل واليوم والترجمان ومرآة المحمدية ومرآة الشرق والسلام.
وفي سنغافورة، صدرت في تلك الحقبة بالتتالي: جريدة الأيام وجريدة الإصلاح وجريدة الهدى وصحيفة العرب وجريدة القصاص وجريدة النهضة الحضرمية وجريدة الشعب الحضرمي وجريدة الجزاء وجريدة الحساب وجريدة المجد العربي وجريدة صوت حضرموت وجريدة السلام وجريدة المشهور وجريدة الذكرى وجريدة الأخبار ومجلة الأخبار المصورة.
وتذكر المصادر أن مبعوثي الملك عبد العزيز، كانوا كما سلف، يركزون جهودهم في توضيح الواقع الجديد للحجاز، وبذلوا ما في وسعهم لتفنيد الافتراءات التي تشوه واقع الدعوة الإصلاحية، وكانوا يجدون في تشجيع المواطنين الجاوة وزعماء الطوائف على أداء فريضة الحج على أمل جلاء الحقائق لهم، وقد اجتذبتهم الأجواء الاجتماعية السائدة هناك في أن ينهمكوا مع دوامة الصراعات الطائفية المحلية، وفضل البعض منهم الاستقرار الدائم في بلاد الجاوة حتى آخر حياتهم، وتمكن عدد منهم من زيارة الديار السعودية قبل تكليفهم أو في أثناء قيامهم بمهامهم تلك، وكانوا يسافرون إلى بلاد الجاوة من جدة عبر موانئ الحُديدة وعدن مرورا بالموانئ الهندية، وغني عن القول أن هؤلاء المبعوثين كانوا - كما سيأتي - على درجة عالية من الكفاءة الفكرية والثقافية التي مكنتهم من الاندماج في المجتمعات الجاويّة المتنوعة.
أوردت موسوعة تاريخ الملك عبد العزيز الدبلوماسي، الصادرة عن مكتبة الملك عبد العزيز العامة بالرياض (1999م) تعريفا بالسوركتّي الذي يعني لقبه باللغة السودانية - كما يقول د. يعقوب الحجي - كثير الكتب، قالت فيه «هو مدير مدارس الإرشاد الإسلامية في جاكرتا بإندونيسيا، ولد في دنقلة بالسودان عام 1875م وانتقل بعد وفاة والده إلى الحجاز للدراسة مقيما بين مكة المكرمة والمدينة المنورة، وفي عام 1911م انتقل إلى جاوة للعمل مديراً لمدرسة جمعية خير العلوم العلوية بدعوة منها، ثم أنشأ في عام 1914م جمعية الإصلاح والإرشاد الإسلامية، واتصل بالملك عبد العزيز لمعرفته بحرصه على نشر السلفية ودعم المسلمين، وأصبح يحظى بمؤازرته في مجال الدعوة في جاوة، وكان للشيخ السوركتّي جهود طيبة في المحافظة على وحدة العرب في إندونيسيا، توفي عام 1944م في جاكرتا».
وتحدث كتاب أبو شوك الآنف الذكر عن تاريخ انتشار الإسلام في بلاد الجاوة مع وصول طلائع المهاجرين العرب، مرورا بالموانئ الهندية، وتطرق إلى بدايات الصحوة في المنطقة في أوائل القرن العشرين، مستشهدا بظهور الإمام محمد عبده والشيخ محمد رشيد رضا في مصر وعادّاً مشروع الشيخ السوركتّي امتدادا لتلك الحقبة، ثم سرد قصة سعي العلويين بين عامي 1901 و1905م لإنشاء (جمعية خير) لتكون أول جمعية دعوية خيرية في جاكرتا بدأت تتوسع في إنشاء المدارس، تبعها تأسيس جمعية الإصلاح والإرشاد من قِبل السوركتّي، مما فتح المجال لتأسيس جمعيات ومدارس دينية أخرى تهتم بالدعوة، وقد نوقشت في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة في عام 1908م رسالة ماجستير عن جهوده في الدعوة، للدارس شفيق ريزا حسن.
أما بالنسبة للشيخ عبد العزيز أحمد الرشيد فإنه أول من ألف في تاريخ الكويت، وأول من أصدر مطبوعة صحافية فيها باسم الكويت، وتعود أسرته إلى آل البداح السعودية، وقد توقفت صحيفة الكويت بعد أن استمرت في الصدور نحو عامين، ثم زار جدة في نهاية العشرينات، حيث تلقى التكليف بالذهاب إلى إندونيسيا ممضيا السنوات المتبقية من عمره، وقد تزوج ثانية وتوفي هناك عن 51 عاما.
وأما محمود شوقي الأيوبي فقد كان شاعرا مجيدا، ولد عام 1903م في الكويت في أسرة هاجرت من كردستان العراق، وقد درس في الكتاب وفي المدرسة المباركية، ثم سافر إلى البصرة وبغداد لمواصلة دراسته في دار المعلمين العالية، ثم تولى التدريس في قرية أبي الخصيب بالعراق، وبعد فترة من التنقل بين العراق والكويت وبلاد الشام سافر إلى الأحساء فالرياض عام 1939م وأدى مناسك الحج، ثم هاجر إلى إندونيسيا للدعوة والتعليم بتكليف من الملك عبد العزيز، وأقام هناك 20 سنة عاد بعدها إلى الكويت ليقيم في قرية الشعيبة، وتوفي في مارس (آذار) 1966م وقد نظم الكثير من المطولات الشعرية في مدح الملك عبد العزيز، جمعتها دارة الملك عبد العزيز في ديوان خاص به عنوانه: ديوان الملاحم العربية صدر سنة 1999م بمناسبة الذكرى المئوية لتأسيس المملكة العربية السعودية.



ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
TT

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير

لا يزال بسّام كردي، صاحب دار نشر «المركز الثقافي للكتاب» تحت هول الصدمة. فقد أتى القصف الإسرائيلي على مستودع كتبه، ومقره اللبناني، في حارة حريك، في الضاحية الجنوبية لبيروت. تم تدمير المبنى المكون من 14 طابقاً، في أثناء إحدى الغارات الإسرائيلية، احترق برمته، ودفن تحت ركامه ورماده مئات العناوين، بنسخها، وفكرها، وتعب كتّابها، وكدّ ناشرها.

الناشر لا يشعر بأمل في إنقاذ أي بقايا من تعب العمر. «كنت قد زودت المستودع الموجود تحت الأرض، بخزانات ماء ونظام إنذار مضاد للحرائق. فكيف أصبحت حال الكتب وقد هوت العمارة عن بكرة أبيها، لا بد أن المياه أغرقت محتويات المستودع»، يقول كردي لـ«الشرق الأوسط».

«المركز الثقافي للكتاب» دار نشر مغربية، ارتأى صاحبها أن يكون له مستودع في بيروت لتبقى العناوين التي يطبعها، قريبة من معارض الكتب، والنقل أخفّ تكلفة. ويشرح: «كان هدفي من إنشاء الدار، تعريف المثقف العربي في المشرق بالكتاب المغربي. غالباً ما كانت كتب المشرق هي التي تصلنا، ولا يحدث العكس، فأحببت أن أقوم بهذه المهمة».

ما آل اليه مبنى من 12 طابقاً وتحته مستودعا «المركز الثقافي للكتاب» و«مؤمنون بلا حدود»

تطبع الدار في المغرب لكبار الأسماء، وتأتي بكتبهم إلى بيروت، حيث توضع في هذا المستودع الذي فقدت محتوياته. «أما الكتب ذات البعد العربي أو اللبناني فتطبع في بيروت، وتنقل منها نسخ إلى المغرب». هكذا يعمل الناشر كردي، بين بلدين محاولاً تغطية المنطقة العربية. لكن «غالبية الكتب هي التي كانت موجودة في بيروت، لأنها من هنا تشارك في المعارض المختلفة. فأنا أعتبر بيروت نقطة تلاقٍ للعالم العربي. في بيروت وضعت كل ما أملك، شقاء العمر، وخمسين سنة من الكدّ في عالم النشر. هذه المهنة التي مارستها كل حياتي ولا أجيد غيرها، وها أنا أفقد كل شيء».

كان بسّام كردي، مديراً عاماً في المغرب ولبنان لـ«المركز الثقافي العربي» طوال 38 عاماً، قبل أن يؤسس داره «المركز الثقافي للكتاب» عام 2016، التي يصفها بأنها دار مغربية، لكنها في بيروت تجد امتدادها الجغرافي.

يصعب على الناشر تصديق ما وقع له، أو أن يقدّر عدد النسخ أو العناوين التي فقدها. «لا أزال غير قادر على إجراء جردة، أو حصر الأضرار. يلزمني عدة أيام، كي أستفيق من الصدمة، وأقدّر الموجودات التي تبخرت. لكن الخسارة هي حتماً تفوق المليوني دولار». يصف ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية، وضربة لوجودي في المعارض العربية، وضربة لي شخصياً، وللبنان طبعاً».

قضى بسّام كردي عمره كله ناشراً يقوم بالمهمات كلها، «أتسلم المخطوطة، أقرأها، أتناقش مع الكاتب، نجري التعديلات، أدفع بها إلى الطبع، وأصححها، حتى تخرج بحلتها النهائية».

بسّام كردي يقيم في المغرب، وعرف بالخبر الأليم عن بعد «ولم أتمكن حتى الآن من إرسال أحدٍ لتفقد الوضع. كل ما أعرفه هو ما يخبرني به الأصدقاء هناك والصور التي أتسلمها. ولم يتمكن أحد من من المخاطرة والوصول إلى المبنى المنهار».

في الضاحية الجنوبية التي تتعرض لقصف كثيف بشكل شبه يومي، العديد من المكتبات احترقت واختفت بسبب الحرب، وتضررت دور نشر منها «مؤمنون بلا حدود» الموجودة في المبنى نفسه، ملاصقة لـ«المركز الثقافي للكتاب» ودفنت كتبها أيضاً تحت الركام.

كان بسّام كردي على علم منذ مدة أن ثمة خطر حرب يلوح في الأفق. «ذهبت وحاولت نقل محتويات المستودع. جاء جيراني في المنطقة، ولاموني. أقنعوني أن أبقى وأن لا شيء يستحق عناء الانتقال. ملت إلى هذا الحلّ، لأن الإيجارات في الضاحية لا تقارن بخارجها. فإذا كنت أدفع ألف دولار فسأضطر لأن أضرب المبلغ بثلاثة أضعاف في حال قررت الذهاب إلى مكان آخر. لهذا أبقيت المستودع حيث هو وعدت أدراجي إلى المغرب، وكانت النتيجة ما وصلنا إليه».

نعم، دور كثيرة تأثرت بهذه الكوارث التدميرية، يقول كردي، «لكن أغلبهم عندهم أكثر من مستودع، يفقدون أحدها فيبقى لهم مستودع أو اثنان. أما أنا فقد وضعت كل ما عندي في مكان واحد، ومن هنا حجم الكارثة التي تعرضت لها».

وإذا ما أضفنا إلى الخسارة التي وقعت على الدار، أن حال النشر متراجعة جداً، والسوق ليست على ما كانت عليها، كما يؤكد لنا كردي الذي يشارك في غالبية المعارض العربية، نفهم الصعوبات الجمّة التي على ناشر أن يذللها.

يطبع «المركز الثقافي للكتاب» لكبار كتّاب المغرب، لديه الأعمال الكاملة لمحمد عابد الجابري، وكتب سعيد بنكراد، حسن أوريد، الغالي أحرشاو، وأحمد المديني وغيرهم. وكان المديني من أوائل من نشروا خبر ضياع مركز الدار في بيروت تحت عنوان «شخصيات روايتي شهيدة القصف الإسرائيلي» وطالب بالتنديد بهذا العمل الهمجي وبالتضامن مع ناشره. وعدّ المديني على صفحته «فيسبوك» أن ما خسرناه هو «رصيد كبير وفخم» لخيرة الكتاب العرب مغاربة ومشارقة، مبدعين وباحثين. وقال عن الكتب وشخصياتها التي عدّها «شهيدة الأدب»: «أسمعها تصرخ قتيلة الكلمات، تبعثرت أشلاءً، والصور رفاتاً ووجوهها دماءً. إنما يقيناً سوف يبعثون بإرادة كاتبها وعزم وتصميم ناشرها، وبتضامن القراء والكتاب والناشرين العرب أجمعين والجهات الثقافية العربية الرسمية والمدنية». وختم: «لا يجوز السكوت على هذه الجريمة الشنعاء وأدعوهم لشجبها ودعم المركز الثقافي للكتاب بكل الوسائل الممكنة».

يصف صاحب «المركز الثقافي للكتاب» ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية... وللبنان»

الناشر كان قد اتخذ كل الاحتياطات اللازمة، فعدا نظام مكافحة الحريق، لديه عقد تأمين «لكن الشركات لا تعوض عن دمار الحروب. هذا موجود كأول بند. هم يعوضون عن الغريق والحريق والكوارث الطبيعية، لكن الحروب ليست مشمولة. لماذا إذن نتكلف عناء التأمين، لست أدري؟». هكذا يتساءل كردي، الذي لا يتوقف هاتفه عن الرنين منذ انتشر الخبر. كتّاب، ناشرون، قرّاء، أصدقاء، الجميع يحاول أن يخفف عنه وقع الخسارة. فعلاقته مع كتّابه وثيقة، ويعتقد أنه لا بد لما تلف أن يتم تعويضه «فمن ألّف الكتاب الأول والثاني، بمقدوره أن يكتب الثالث. لكن في النهاية، التضامن معي والذي أقدره كثيراً هو عاطفي. أنا لا أتوقع، كما أنني لا أطلب، ولن أقبل بمساعدة مادية من أحد، إلا إذا كانت مؤسسة كبيرة، تعرض الدخول في مشروع معي».

ليس واضحاً بعد عند ناشر «المركز الثقافي للكتاب» ما يمكن أن يفعله للخروج من هذه المحنة. فبعض الكتب ضاع، وبعضها الآخر، بقي بنسخ محدودة. «سأعيد طباعة الكتب الموجودة، بكميات قليلة، أسميها (طبعة حرب) أو (طبعة استثنائية)، وربما (طبعة قصف)، لست أدري؟ كتبي لها طبيعة استثنائية، هي كتب حداثية، لا تتوجه للجمهور العريض، جامعية، تخصصية أو فلسفية، وكتّابي هم أصدقاء يتفهمون ما وقع ويتضامنون ويشجعون».

إعادة بناء مؤسسة من الصفر أو ما أشبه لرجل ضيّع خميرة خمسين سنة، أمر يصفه بأنه «صعب ومكلف جداً»، ولا بد أنه يحتاج إلى شجاعة استثنائية. بسّام كردي رغم بحّة الحزن في صوته، يحتفظ بالأمل والعزيمة، ويقول إنه يبحث عن موقع جديد في لبنان، بعيد عن المناطق الأكثر خطراً، شرط أن يكون السعر مقبولاً.

وعندما نسأله إن كان قد قرر تغيير البلد كلياً يقول: «أنا باقٍ في لبنان، ليس هذا ما أناقشه. الأمر محسوم بالنسبة لي، ولا بديل. إنما أبحث عن مستودع جديد يكون في مكانٍ أكثر أمناً، وأعيد التأسيس رويداً رويداً، كي أسترجع ما خسرته». يضيف: «أسست عبر سنوات طويلة، علاقات، أصدقاء، مؤلفين. هذا لا يلغي أنني في صدمة، وقد أصبح مخزوني صفراً بعد نصف سنة من العمل. سأبدأ من جديد، لأنه ليس أمامي من خيار آخر».

يصف ما حدث بأنه «عملية محو لذاكرة مغربية» في هذا الجزء من العالم العربي، ولا بد من استعادتها. «أعتقد رغم كبر مصيبتي، أنها أسهل من حال من فقد بيته، أو ابنه أو عائلته بأكملها. أنا عائلتي بخير، ورصيدي محبة الناس لي، وتقديرهم، وهذا هو رأس مالي الأكبر».


لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة
TT

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

ضمن سلسلة «الدراسات الشعبية» الصادرة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة صدر كتاب «سيوة... واحة الأحلام والأساطير- دراسة إثنوغرافية» للباحث محمد أمين عبد الصمد. والكتاب، كما هو واضح من العنوان، يشير إلى تلك الواحة الشهيرة التي تقع في شمالي غرب مصر على بعد نحو 340 كم من ساحل البحر المتوسط وعلى بعد 450 كم من وادي النيل وتقترب بشدة من الحدود السياسية لليبيا، ويتحدث سكانها اللغة الأمازيغية «باللهجة الشاوية» بجانب اللغة العربية المتداولة رسمياً.

يعتمد أهل سيوة في حياتهم الاقتصادية على الزراعة ويشتهرون بإنتاج أنواع متعددة من البلح، وذلك لانتشار النخيل وزراعته في الواحة بأنواعه المتعددة، حيث كان تعداد النخيل في سيوة عام 1960 نحو 100 ألف نخلة، فضلاً عن 30 ألف شجرة زيتون تعطي بعد عصرها 200 طن من زيت الزيتون.

ويبدي المؤلف اهتماماً خاصاً، بواحدة من أشهر الأحداث التاريخية التي ارتبطت بسيوة، وهي زيارة الإسكندر الأكبر للواحة، في واقعة نادرة اكتنفها الكثير من الغموض، بهدف أن يستقي الكثير من معارفه منها ومن كهنتها ومعبودها «آمون»، كما قوي حضوره وذاع صيته بعد إعلانه من جانب الكهنة ابناً لهذا الإله الشهير بين آلهة مصر القديمة.

اتجه الإسكندر الأكبر إلى واحة سيوة في شتاء عام 331، قبل الميلاد، وذلك بعد أن وضع تخطيطاً لمدينة تحمل اسمه وهي الإسكندرية، فوصل أولاً إلى مدينة «باراتونيوم» وهي مكان مدينة «مرسى مطروح» حالياً وتلقى هدايا رسل ملوك المدن الليبية وإعلان طاعتهم له، ثم انطلق بعدها جنوباً قاصداً الواحة.

ويذكر مؤرخ بلاط الإسكندر الذي رافقه في هذه الرحلة أنهم تعرضوا للهلاك عطشاً أثناء الرحلة بعد نفاد الماء منهم، ولم ينقذهم سوى سقوط أمطار بشكل مفاجئ فارتووا منها وخزنوا بعضها لبقية الطريق، كما تعرضوا للهلاك مرة ثانية بعد أن ضلوا الطريق ولم ينقذهم سوى ظهور غراب في السماء فأمرهم الإسكندر بتتبعه والاتجاه معه فوصلوا الواحة بعد سبعة أيام واعتبرت حاشية الإسكندر أن نجاة الإسكندر ونجاة من معه من معجزات الإله آمون.

وصل الإسكندر بركبه إلى «معبد النبوءات» فاستقبله كهنة آمون واحتفوا به وبمن معه وتلقى الكهنة تساؤلات مرافقي الإسكندر الأكبر وأجابوهم عنها في بهو المعبد الشهير، أما الإسكندر الأكبر فقد طلب من الكهنة أن يسأل الإله آمون في خلوة فاصطحبه رئيس الكهنة إلى الهيكل ولم يرافقه أحد من حاشيته وسأل ما شاء من أسئلة وعندما خرج من الهيكل إلى رفاقه لم يخبرهم بأي شيء مما دار معه في الداخل واكتفى فقط بقوله: «سمعت من الإله آمون ما طابت له نفسي».

ولم يذكر التاريخ أو يسجِّل لنا أي شيء عما دار داخل الهيكل أو غرفة النبوءات تصريحاً أو تلميحاً وكل ما سجله التاريخ هو ما كتبه الإسكندر الأكبر في رسالته إلى والدته «أوليمبياس» عن تلك الزيارة فقال: «إنه سمع من الإله أشياء مهمة جداً لا يستطيع أن يذكرها في خطابه وسيرويها لها عندما يراها» ولكن هذا اللقاء لم يتم، فقد مات الإسكندر الأكبر وأخذ معه سره وسر ما قيل له في غرفة النبوءات.

يذكر المؤرخون حرص الإسكندر الأكبر فيما بعد على زيارة سيوة وإرسال رسله ليسأل كهنة آمون كلما كان مقدماً على أمر مهم، وهو ما يدل على الأثر الكبير الذي تركه آمون وكهنته في نفسه، حتى إنه عندما كان يعاني من سكرات الموت في مرضه الأخير في مدينة بابل تقدم إليه صديقه المقرب أريدوس وسأله: هل يوصي بشيء بخصوص ابنه وزوجته؟ فأعرض عنه الإسكندر الأكبر، فجاءه أريدوس مرة أخرى وسأله عمن يخلفه في القيادة بعد موته فأجابه بأن القيادة للأقوى منهم.

سأله «أريدوس» إن كان له طلب خاص ففتح الإسكندر الأكبر عينيه وقال إنه «يوصي بأن يدفنوه إلى جوار أبيه آمون في واحة سيوة». تم وضع الجثمان في تابوت ذهبي وسار وراءه الجيش كله منكس الرأس والسلاح والأعلام من مدينة بالمي في العراق حتى وصل إلى مدينة منف في مصر وكانت كل مدينة يمر عليها موكب الجنازة تخرج لتحييه وتبجل رحيله.

وعندما أراد اليونانيون استكمال مسيرتهم إلى واحة سيوة، أقنعهم بطليموس الذي كان يحكم مصر باسم الإسكندر الأكبر بأن يدفنوه في مدينة الإسكندرية التي دشن بناءها الإسكندر نفسه فاقتنع قادة الجيش اليوناني ووافقوا على دفن الإسكندر الأكبر في الإسكندرية.


«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»