ليبيا في انتظار المجهول

بين الانتخابات أو التلويح بالحرب

ليبيا في انتظار المجهول
TT

ليبيا في انتظار المجهول

ليبيا في انتظار المجهول

«جميع من تحاورت معهم أكدوا التزامهم بإجراء الانتخابات في موعدها، لكن أخشى أن العديد منهم ليسوا مستعدين للمضي قُدماً في ترجمة أقوالهم إلى أفعال»، بهذه الكلمات دق المبعوث الأممي إلى ليبيا يان كوبيش، ناقوس الخطر بشأن الوضع في ليبيا، خلال جلسة وزارية بمجلس الأمن، قبل أسبوع تقريباً، مشيرا إلى عمق الأزمة الليبية. فجميع الاتفاقات التي علق الليبيون والعالم عليها آمالهم في وضع حد لحالة الفوضى والصراع التي تشهدها البلاد منذ عقد من الزمان، تواجه عقبات وتحديات التنفيذ، مما ينذر بعودة البلاد إلى المربع صفر، ويدفع ليبيا إلى مستقبل مجهول، يهيمن عليه شبح الحرب.
والجدير بالذكر، أن العالم علّق آمالاً كبيرة بشأن عودة الاستقرار في ليبيا في أعقاب توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2020، تبعه تشكيل حكومة وحدة وطنية في مارس (آذار) الماضي، ومن ثم كان من المفترض أن تكون ليبيا قد خطت أولى خطواتها نحو الاستقرار السياسي.
تقول كلوديا جازيني، كبير محللي الشأن الليبي في «مجموعة الأزمات» الدولية، في تقرير أصدرته «المجموعة» بعنوان «ليبيا تقلب الصفحة»، إنه «بعد 6 سنوات خاضت خلالها حكومتان متنافستان حرباً متقطعة، بات لدى ليبيا اليوم سلطة تنفيذية موحّدة. إذ في 10 مارس (آذار) الماضي، أقرّ البرلمان حكومة وحدة وطنية يرأسها رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة، تسلّمت مهامها في طرابلس، وهو ما يعد إنجازاً تاريخياً، كونه يحضر الأرضية لإعادة توحيد المؤسسات السياسية والعسكرية التي كانت منقسمة حتى الآن، وخاضت معارك ضد بعضها بعضاً منذ عام 2014».
وتشير جازيني في حلقة نقاشية نظمتها «المجموعة» في بداية يونيو (حزيران) الماضي لعرض التقرير، إلى أن «عام 2020 انتهى مخلفاً دولة مقسّمة، بعد ست سنوات من الصراع بين قوات قائد (الجيش الوطني) خليفة حفتر، المدعومة من الاتحاد الأوروبي ومصر وروسيا، وبين الحكومة الليبية المدعومة من تركيا بقيادة فايز السراج. واستطاعت الجهود الدولية، من ثم، تحريك صراع مجمّد كان يمكن أن يستمر لسنوات، ووضعت حدا له، ولقد ساعد تغيير الإدارة الأميركية على تحريك الأمور».
لكن هذا الأمل لم يستمر طويلا، فالطريق نحو إتمام العملية السياسية ليس مفروشاً بالورود، وهو ما عكسته جلسة مجلس الأمن في منتصف يوليو (تموز) الجاري، التي كانت فرصة لتحريك المياه الراكدة في العملية السياسية الليبية، ومحاولة لاستعادة الأمل في تحقيق استقرار سياسي في البلاد. وفعلاً «عكس البيان الختامي للاجتماع تنامي التهديدات الأمنية على الساحة الليبية، وأهمها: استمرار الانقسام العسكري، وتواصل توريد الأسلحة للبلاد عبر دول الجوار، إضافة إلى تدفق الجماعات المسلحة، وتزايد خطر التنظيمات الإرهابية.
كذلك كشف البيان عن أن الليبيين لم يُحرزوا أي تقدم فيما يتعلق باستحقاقات العملية السياسية، التي تواجه عراقيل في ثلاثة ملفات مهمة هي: المصالحة الوطنية، والقاعدة الدستورية وقانون الانتخابات، والموازنة المالية والأموال المجمدة»، بحسب الدكتور أحمد عليبة، الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، في مقال نشره على موقع المركز في 17 يوليو الجاري بعنوان «العد التنازلي للمرحلة الانتقالية: عراقيل سياسية ومهددات أمنية في ليبيا».
- القاعدة الدستورية
يُعد إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في موعدها المقرُر يوم 24 ديسمبر (كانون الأول) المقبل، التحدي الأهم الذي يواجه حكومة الدبيبة. ورغم تأكيد الجميع أن موعد الانتخابات غير قابل للتأجيل، بما في ذلك بيان مجلس الأمن الأخير، فإنه لم تُتخذ حتى الآن خطوات واضحة لإتمام هذه الانتخابات، إذ ما زال ثمة خلاف حول: «هل يجرى الاستفتاء على مسودة الدستور التي أقرتها الهيئة التأسيسية عام 2017 أولا، أم توضع قاعدة دستورية تنظم بموجبها الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة، وبعد ذلك ينظم الاستفتاء على الدستور؟».
هذا الوضع يضع البلاد أمام «سيناريوهين»، وفقا لدورية «كرّاسات استراتيجية» الصادرة عن مركز الأهرام في 18 يوليو الجاري. السيناريو الأول يتحدث عن إمكانية توافق أطراف اللعبة السياسية الليبية على عرض الدستور على الاستفتاء الشعبي، قبل الانتخابات. والسيناريو الثاني يتحدث عن الاتفاق على القاعدة الدستورية للانتخابات البرلمانية والرئاسية التي اقترحتها اللجنة القانونية المنبثقة عن «ملتقى الحوار السياسي الليبي» خلال اجتماعها في تونس خلال أبريل (نيسان) 2021 ويصار إلى تأجيل الاستفتاء على الدستور إلى ما بعد تشكيل السلطة التشريعية الجديدة المنتخبة.
«لا توجد إجابة صحيحة وأخرى خاطئة في هذا الجدل، فلكل حل مزايا وعيوب» وفقا لجازيني التي توضح أن «الاستفتاء على مسودة يمكن أن يساعد في تسوية النزاعات المستمرة منذ عدة سنوات بشأن الإطار الدستوري للحوكمة، لكنه قد يؤجل الانتخابات وتشكيل حكومة جديدة. أما خيار القاعدة الدستورية، فإنه يوفّر وقتاً، لكن المشكلة تكمُن في انقسام الليبيين حول نوعية النظام السياسي الذي يريدونه... أهو رئاسي أم برلماني، وما إذا كانت مسودة الدستور تنص على النظام الرئاسي».
وتؤكد جازيني على «ضرورة أن تعمل حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي على التوصل لاتفاق حول هذه النقطة باعتبارها واحدة من العقبات التي تواجه تحقيق الاستقرار في البلاد». وتشير إلى أن «الدبيبة الذي يدعم إجراء الانتخابات في موعدها علنا، يقول في الجلسات الخاصة إنه يريد البقاء في السلطة لسنتين. كذلك يعبّر معظم البرلمانيين عن دعمهم للانتخابات، لكنهم في مجالسهم الخاصة يبدون رغبتهم بتأجيلها، لأن ذلك يسمح لهم بالتمسك بمناصبهم، وهو ما ينذر بأزمة سياسية». وهنا لا ترجح جازيني «التوصل إلى توافق بالنظر إلى مدى الانقسام الذي لا يزال يثيره ترتيب العمليات الدستورية والانتخابية».
وحقاً، يرى مراقبون أن الجدل بشأن الدستور أولاً أم القاعدة الدستورية، مرتبط بتحقيق مصالح سياسية أو رغبة في البقاء في السلطة، وصياغة قواعد تدعم مرشح بعينه في الانتخابات الرئاسية. ويقول عليبة إن «تعارض المصالح هو السبب الجوهري في تعقد المشهد الراهن. فالأطراف المعنية بصياغة قواعد العملية السياسية، عبر البرلمان أو المجلس الأعلى للدولة، أو المشاركين في منحها صك المشروعية عبر الملتقى السياسي، هم أنفسهم مرشحون أو ممثلون للقوى التي ستترشح في الانتخابات المقبلة، وبالتالي يسعى كل طرف إلى هندسة المُخرجات لصالحه».
ومع أن جميع الأطراف الليبية تحث على تجاوز حالة الانسداد السياسي، يستحيل استبعاد دور القوى الدولية في عرقلة المشهد، حيث نرى سباقاً بين كل الأطراف الدولية المنخرطة في ليبيا على «هندسة» المشهد المستقبلي بما يخدم مصالحها، بحسب عليبة، الذي يوضح أن «موسكو متحمّسة لترشيح سيف الإسلام القذافي، في حال تمكنت من رفع القيود عنه، بينما سيكون خيارها المفضل المشير خليفة حفتر إذا ما ترشح للرئاسة... ولا تدعم واشنطن هذا التوجه، بينما تراهن تركيا على تنظيم الإخوان المسلمين».
من جانبها، علقت الدكتورة أماني الطويل على مستقبل ليبيا وتقول في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إنه «عطفاً على الاجتماعات السابقة التي فشلت في الوصول إلى اتفاقات، فإنه يصعب التفاؤل بحدوث استقرار سياسي في ليبيا». وتضيف «لا يمكن إجراء الانتخابات الليبية في موعدها وسط الوضع الحالي، لأن البيئة السياسية المحيطة بالانتخابات لا تؤسس لاستقرار سياسي... وهي إن أجريت لن تؤسس لاستقرار سياسي لأنها لم تُجرَ على أسس صحيحة».
وبعيدا عن هذا الطرح، يرى باتريك كوراث، نائب الرئيس التنفيذي لـ«منتدى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»، في مقال نشره نهاية يونيو الماضي بمجلة «فورين بوليسي»، أن «ليبيا تحتاج إلى شخصية قادرة على توحيدها قبيل الانتخابات. ومن المفيد وضع النظام الملكي الدستوري في الاعتبار، إذ إن بناء حل ديمقراطي فعّال لليبيين ليس مهمة سهلة بعد سنوات من الصراع الدموي في أعقاب الإطاحة بالنظام السابق». ويرى «ضرورة إيجاد آلية سياسية ومؤسساتية يمكنها تشجيع المجتمع على الاتحاد وإعادة بناء الاقتصاد».
- شبح الحرب
الأمر لا يتعلّق فقط بتنظيم الانتخابات بل أيضا بقبول نتائجها، إذ يخشى مراقبون من تكرار سيناريو عام 2014، والانقلاب على نتائج الانتخابات. وتنذر الإحداث الأخيرة التي شهدتها العاصمة الليبية طرابلس بمخاوف في هذا السياق، مع استمرار الاشتباكات بين الميليشيات. ويعد اقتحام مقر «المجلس الرئاسي» في فندق كورنثيا، خلال مايو (أيار) الماضي، للمطالبة بإقالة وزيرة الخارجية نجلاء المنقوش، مثالاً على ما يمكن أن يحدث في حال لم ترض الميليشيات عن نتائج الانتخابات. ويومها، اقتحمت الميليشيات الفندق اعتراضا على تصريحات للمنقوش طالبت فيها بإخراج المرتزقة الأجانب والقوات الأجنبية من ليبيا، ما يعني أن أي إجراء ضد مصالح هذه الميليشيات ينذر بحرب.
وتوجد اليوم في ليبيا أكثر من 300 مجموعة مسلحة، تتبع جماعات إسلامية وعرقية وجهوية، أو حتى شخصيات قيادية في طرابلس بحسب تقديرات غير رسمية. وهذه الجماعات مستعدة للانقلاب على نتائج الانتخابات كما حدث من قبل عام 2014، عقب خسارة تيار «الإخوان» للانتخابات.
من ناحية ثانية، قد يوفر الوضع السياسي الحالي في ليبيا فرصة لتعزيز وقف إطلاق النار، «لكنها مجرد نافذة قد تغلق مرة أخرى، وتعود البلاد مرة أخرى إلى دائرة العنف»، بحسب فولفغانغ بوستاي في تقرير نشره «المجلس الأطلسي» في يونيو الماضي، ووصف اتفاق إطلاق النار بأنه «اتفاق هش، وفرصة ضائعة».
- الميزانية
نقطة أخرى مثيرة للجدل في الملف الليبي، وهو الخلاف حول الميزانية، التي أجلت مناقشتها إلى ما بعد عيد الأضحى المبارك، بسبب تعذّر اكتمال النصاب القانوني في جلسة عقدت لهذا الغرض منتصف يوليو الجاري. ولتاريخه عجز البرلمان الليبي عن اعتماد الميزانية التي قدمتها الحكومة يوم 20 مارس الماضي، رغم عقد 7 جلسات لهذا الغرض.
الخلاف حول الميزانية وصل إلى مجلس الأمن، وقال كوبيش، في كلمته خلال اجتماع مجلس الأمن، إن «الخلافات حول الميزانية، والملفات الأخرى، هي الثغرة التي يسعى المعرقلون إلى العبور من خلالها، وإفشال المسار السياسي، الذي ينتهي بانتخابات عامة نهاية العام».
- «المرتزقة» واستقرار ليبيا
مجلس الأمن طالب أيضا جميع الدول الأعضاء بالامتثال لحظر الأسلحة المفروض على ليبيا منذ عام 2011، والعمل على مساعدة السلطات الليبية في إخراج المرتزقة وسحب المقاتلين الأجانب من البلاد، وهو المطلب الذي تكرر أكثر من مرة لكنه لم ينفذ حتى الآن. إذ دعت الأمم المتحدة مراراً لإنهاء الوجود الأجنبي في ليبيا، كما تضمن اتفاق وقف إطلاق النار الصادر في أكتوبر 2020 إشارة إلى ضرورة انسحاب المرتزقة من ليبيا خلال ثلاثة شهور، ولكن روسيا وتركيا اللتين - كما يبدو - تسعيان إلى تعميق وجودهما غرب طرابلس، مع احتمال التوسع في مصراتة، تجاهلتا هذا التاريخ. وحقاً، ذكر فريق من خبراء الأمم المتحدة اجتمع في مارس الماضي أنه لا توجد مؤشرات من مجموعة «فاغنر» الروسية المسلحة على الانسحاب.
وفي نهاية أبريل عقد اجتماع غير رسمي في مجلس الأمن بدعوى من تونس وكينيا ونيجيريا لمناقشة عودة 20 ألف جندي مرتزقة في ليبيا إلى بلادهم، وأشار عدد من أعضاء المجلس إلى أن «بعض أعضاء المجلس والجالسين في الغرفة يحركون هذه المشكلة»، وفق الدكتورة عالية براهيمي، الخبيرة المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في تقرير نشره «المجلس الأطلسي» في مايو الماضي. وتقول براهيمي إنه «لو وضع حد للجنود المرتزقة في ليبيا سريعاً فإن مستقبل مواطنيها سيظل مرهونا بقوات سياسية وعسكرية خارجية، وهو ما سيكون له تداعياته على مستقبل العلاقات الدولية».
وأما أماني الطويل فتعتبر انسحاب المرتزقة «الشرط الأهم لاستقرار ليبيا». وتتابع أن «الإخفاق في الوصول إلى اتفاق هو انعكاس لتدخلات إقليمية ودولية في ليبيا... وما لم ينسحب الجميع من ليبيا، وخاصة تركيا التي يفرض وجودها ردود فعل من الدول الأخرى، لا يمكن أن تتقدم ليبيا».
أخيراً، رغم تأثير دور المرتزقة هناك، فهناك دور آخر للتدخلات الأجنبية لا يمكن إغفاله وهو القواعد الأجنبية في ليبيا. هذه القواعد أغفلها مجلس الأمن في اجتماعه الأخير رغم إشاراته الواضحة لتصاعد دور المرتزقة والجماعات المسلحة من خارج ليبيا، وهو ما يشير إلى «سياسة انتقائية» تفاديا للخوض في هذا الملف، فمن المؤكد أن إثارته كانت ستعرقل تمرير البيان الختامي، عبر الفيتو الروسي، خاصة أن «الولايات المتحدة لا تثير حالة الوجود العسكري التركي في ليبيا، إلا في سياق الإشارة إلى وجود روسي يتمثل في مجموعات فاغنر»، بحسب عليبة.
-- الأحداث في ليبيا... تسلسل زمني
- 15 فبراير (شباط) عام 2011: اندلعت شرارة الثورة في مدينة بنغازي، تأثرا بما يعرف بـ«الربيع العربي»، ومن ثم انتشرت المظاهرات ضد نظام الرئيس الراحل معمر القذافي في عموم ليبيا.
- 19 مارس 2011: شن «تحالف دولي» بقيادة واشنطن وباريس ولندن هجوماً جوياً على مقار قوات القذافي، بعد «ضوء أخضر» من الأمم المتحدة، وفي أعقاب ذلك انتقلت قيادة العملية إلى «حلف شمال الأطلسي» (ناتو).
- 20 أكتوبر 2011: قتل القذافي قرب مسقط رأسه في سرت. وبعد ثلاثة أيام أعلن «المجلس الوطني الانتقالي»، الذي شكل كبديل للنظام، تحرير البلاد.
- يوليو 2012: انتخاب «المؤتمر الوطني العام» (البرلمان)، وتسلمه سلطاته بعد شهر من «المجلس الوطني الانتقالي».
- سبتمبر (أيلول) 2012: تعرّض السفارة الأميركية لهجوم تسبب بمقتل أربعة أميركيين بينهم السفير كريستوفر ستيفنز.
- أكتوبر 2012: تشكيل حكومة برئاسة علي زيدان.
- أبريل 2013: هجوم على السفارة الفرنسية تسبب في إصابة حارسين فرنسيين، وبعده أغلقت غالبية السفارات الأجنبية أبوابها وغادرت طواقمها البلاد.
- مارس 2014: حجب الثقة عن الحكومة.
- مايو 2014: أعلن اللواء المتقاعد خليفة حفتر بدء «عملية الكرامة» ضد جماعات إسلامية مسلحة، وشكل «الجيش الوطني الليبي» الذي ضم ضباطا من المنطقة الشرقية.
- يونيو 2014: انتخاب برلمان جديد، جاءت غالبيته من المعارضين للجماعات الإسلامية التي قاطعت الانتخابات، واندلاع اشتباكات في البلاد.
- نهاية أغسطس (آب) 2014: سيطر ائتلاف «فجر ليبيا» الذي ضم العديد من الفصائل المسلحة بينها جماعات إسلامية، على العاصمة طرابلس وأعاد إحياء «المؤتمر الوطني العام»، وهو البرلمان المنتهية ولايته. وتشكيل حكومة، ليصبح في ليبيا برلمانان وحكومتان، واحدة في الشرق والأخرى في الغرب.
- ديسمبر 2015: وقّع ممثلون للمجتمع المدني ونواب ليبيون «اتفاق الصخيرات» في المغرب، برعاية الأمم المتحدة، بعد شهور من المفاوضات. وإعلان تشكيل «حكومة الوفاق الوطني»، التي رفضها برلمان الشرق المدعوم من حفتر.
- مارس 2016: انتقل فايز السراج رئيس «حكومة الوفاق الوطني» إلى طرابلس، واتخذها مقرا لحكمه، لتبدأ محاولات المجتمع الدولي تسوية الصراع بينها وبين «حكومة» حفتر في الشرق عبر ما يعرف بـ«اجتماعات باريس» (عقدت عامي 2017 و2018)، لكنها أخفقت بالتوصل إلى تسوية سياسية.
- في مطلع 2019: غزت قوات حفتر الجنوب بدعم من القبائل المحلية، وسيطرت على سبها والشرارة، أحد أكبر الحقول النفطية في البلاد، وتقدمت باتجاه طرابلس. وهناك واجهت مقاومة عنيفة من قوات «حكومة الوفاق».
- 19 يناير (كانون الثاني) 2020: استضافت برلين برعاية الأمم المتحدة «مؤتمر برلين 1» حول ليبيا شارك فيه طرفا النزاع إلى جانب رؤساء روسيا وتركيا وفرنسا ومصر.
- يونيو 2020: تصاعد حدة العمليات والمعارك المسلحة بين الشرق والغرب، ما دفع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالتهديد بالتدخل إذا تجاوزت قوات «حكومة الوفاق» سرت، التي اعتبرتها مصر «خطا أحمر».
- 23 أكتوبر 2020: توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في أعقاب مباحثات بمدينة جنيف تحت رعاية الأمم المتحدة، بعد تسعة شهور من المفاوضات. والاتفاق على تشكيل مجلس رئاسي، وحكومة موحّدة برئاسة عبد الحميد الدبيبة حصلت على ثقة البرلمان في مارس 2021 بهدف قيادة البلاد في «مرحلة انتقالية» حتى إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في 24 ديسمبر 2021.
- 23 يونيو 2021: عقد مؤتمر «برلين 2»، بهدف التحضير للانتخابات واستكمال العملية السياسية.
- 15 يوليو 2021: اجتماع مجلس الأمن لبحث الأزمة الليبية والمساعدة في الوصول إلى حل بشأن القضايا الخلافية التي تعرقل استكمال المسار السياسي.



هل يريد نتنياهو فعلاً وقف المساعدات الأميركية؟

خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)
خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)
TT

هل يريد نتنياهو فعلاً وقف المساعدات الأميركية؟

خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)
خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)

المسؤول الإسرائيلي الذي يزور الولايات المتحدة هذه الأيام، يتعب. الأسئلة التي تُطرح عليه صعبة، بعضها لم يُطرح على الإسرائيليين حتى في دول معادية. على سبيل المثال: «إذا شئتم أن تعيشوا كل حياتكم على الحراب فهذا شأنكم، ولكن لماذا تريدون للولايات أيضاً أن تعيش مثلكم؟ تريدون منا مساعدات، مفهوم. لكن لماذا تريدون أن ندير نحن حروبكم، التي لا تنتهي؟ هل أنتم تريدون حقاً وقف المساعدات الأميركية، أم أن هذه مجرد تصريحات تضليلية يطرحها رئيس حكومتكم ويخدعنا بها؟ أنتم قوة إقليمية عظمى في الشرق الأوسط، ولكن كيف ومتى سترون أن هناك قوى عظمى أخرى في هذه المنطقة، لا تقل عنكم أهمية، بل في قضايا عديدة هي أهم منكم؟ لدينا قائمة طويلة بمطالبكم منا ومن حلفائنا ومن المؤسسات والأطر التي يوجد لنا تأثير فيها. فماذا تعطون بالمقابل؟ إلى متى تريدوننا أن نقف معكم في مواجهة العالم؟ متى سنرى مبادرات إسرائيلية للسلام، تمكننا من الاستمرار في الدفاع عنكم أيضاً في المستقبل؟».

الأسئلة أعلاء مأخوذة عن شهادات إسرائيلية منشورة، تثير قلق كثيرين، خصوصاً وأنها صادرة عن «حلفاء إسرائيل المقربين»، كما يقول الجنرال في الاحتياط عاموس يدلين، الذي عاد أخيراً من زيارة طويلة من الولايات المتحدة. ومما قاله: «ثمة أزمة متفاقمة في الموقف الشعبي الأميركي تجاه إسرائيل. إنك تلمس فوراً أن هناك جبهة معادية لإسرائيل تجمع بين اليسار التقدمي في الحزب الديمقراطي والمعسكر الانعزالي في الحزب الجمهوري. وكلّما اتجهنا نحو الفئات العمرية الأصغر، اتسع نطاق هذه الظاهرة لتشمل بعض المعتدلين في الحزبين. وتزداد هذه الظاهرة حدةً في ضوء التعاون الأمني غير المسبوق بين البلدين في الحرب ضد إيران، والمساهمة الإسرائيلية الكبيرة والمؤثرة في العمليات القتالية المشتركة».

يدلين يُعدّ من كبار المهتمين بالشؤون الاستراتيجية لإسرائيل. إذ شغل لسنين طويلة منصب رئيس «معهد أبحاث الأمن القومي»، بعد خدمة طويلة في الجيش طالت لأكثر من 30 سنة، وتولى آخر منصب فيها رئيساً لشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان). والزيارة الأميركية المذكورة لم تكن زيارة عابرة، بل جاءت في إطار دراسة للعلاقات الأميركية - الإسرائيلية تعدّها منظمة «مايند يسرائيل»، التي يقودها، وكان معه مؤسس «المنظمة» الدكتور أفنر غولوب.

الرجلان يريان، كما ورد في مقال نُشر في موقع معهد الأبحاث المذكور، أنه «مقابل التقدير البالغ للجيش الإسرائيلي على شراكته الحرب مع الجيش الأميركي ضد إيران، وخارج المؤسسة الأمنية وحاشية الرئيس دونالد ترمب، تتشكّل جبهة معادية لإسرائيل من الحزبين الأميركيين، تُصوّر إسرائيل على أنها (جرّت الرئيس الأميركي إلى صراع إقليمي لتحقيق طموحاتها بالقوة العسكرية)». بل حتى الذين يصفون هذا الادعاء بأنه لا أساس له من الصحة، يُقرّون بأن هذه حملة فعّالة للغاية، خاصة بين الشباب من كلا الحزبين. ولهذا السبب تحديداً؛ يجب على إسرائيل أن تُقدّم للولايات المتحدة رواية جديدة. ولا ينبغي أن تكون هذه مجرد علاقة أخرى قائمة أساساً على المصالح الأمنية أو الالتزامات التاريخية، بل شراكة تُحقق قيمة استراتيجية مباشرة للمصالح المشتركة للبلدين.

أيضاً، وفق المقال، «تحتاج تل أبيب إلى تعزيز نموذج جديد للعلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة لا يقتصر على تلقّي المساعدات، بل يشمل الشراكة؛ ولا يقتصر على الأمن فحسب، بل يشمل التكنولوجيا أيضاً؛ ولا يقتصر على الدبّابات والطائرات، بل يشمل أيضاً الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والرقائق الإلكترونية، والطاقة، والمواد الحيوية، والتقارب الحيوي (مزيج من الهندسة والبرمجيات والذكاء الاصطناعي مع علم الأحياء)».

العلاقات الثنائية اليوم

معروف أن الدعم الأميركي لإسرائيل حالة نادرة في العلاقات الدولية. ففي المجال العسكري قدّمت واشنطن لإسرائيل غالبية الأسلحة التي تستخدمها في الحروب. وقد بلغ 69 في المائة حتى سنة 2023 وارتفع إلى 78 في المائة خلال الحرب على غزة ولبنان وإيران. وتمّول واشنطن هذا الدعم بمساعدات مالية، بلغ مجموعها 220 مليار دولار منذ عام 1948. وكذلك تجاوزت المساعدات الأميركية لإسرائيل 21.7 مليار دولار منذ بدء الحرب في غزة، لتضاف إلى المساعدات السنوية الاعتيادية البالغة 3.8 مليار دولار. بيد أن الأهم من الحسابات المالية في هذا الدعم هو «المبدأ» الذي تسير عليه، وهو «ضمان تفوق الجيش الإسرائيلي على جميع الجيوش العربية والجيوش المعادية في الشرق الأوسط».

في الولايات المتحدة يعتبر هذا دعماً للدفاع عن إسرائيل في مواجهة أعدائها. ولكن الحقيقة أن ثمة سبباً آخر، لا يقل أهمية، ألا وهو خدمة مصالح واشنطن في المنطقة. بالمناسبة، إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم، التي لا تعارض خوض حرب يُقتل فيها أبناؤها، لخدمة دولة أخرى. ولقد سبق أن فعلتها عام 1956 عندما شاركت في «العدوان الثلاثي» على مصر لخدمة مصالح فرنسا وبريطانيا، الغاضبتين من تأميم قناة السويس. وفعلتها بعشرات العمليات المغامرة، وراء الحدود، بواسطة عملاء «الموساد». ولقد عبّر المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، عن ذلك في يونيو (حزيران) 2025، خلال تصريح على هامش مشاركته بقمة «مجموعة السبع» في كندا، عندما أشاد بالضربات الواسعة التي تشنها إسرائيل على إيران وقال: «هذه مهمة قذرة تؤديها إسرائيل نيابةً عنّا جميعاً».

لكن المسؤولين الإسرائيليين لا يجرؤون على الاعتراف الصريح بذلك، مع أنهم يزعمون أن «إسرائيل تحارب الإرهاب الإيراني لمصلحة الغرب كله». ويفضلون وصف الدعم الأميركي لإسرائيل بأنه «استثمار مُجدٍ».

دبلوماسي إسرائيلي سابق أفاد بأن «كل دولار تصرفه الولايات المتحدة على إسرائيل تسترده بخمسة اضعاف على الأقل». وعدَّد فوائد إسرائيل للولايات المتحدة، من خلال دراسة أعدها ونشرها على موقع الجمعية في يناير (كانون الثاني) الماضي، قائلاً: «إسرائيل تجرّب عشرات أنواع الأسلحة الأميركية في الحروب والعمليات العسكرية. ومنذ عام 1967، وهي تعمل كقاعدة عسكرية تعمل في خدمة العَلم الأميركي كأفضل قاعدة وأطول ذراع في الشرق الأوسط لخدمة مصالحها في وجه الأعداء والإرهاب وحتى لردع الصين وروسيا في المنطقة. ويكفي أن نعرف أن هناك اليوم 128 قاعدة أميركية في 51 دولة في العالم تكلفها مبلغ 70 - 80 مليار دولار في السنة، لكن لا توجد قاعدة كهذه في إسرائيل. لأنها كلها تعتبر قاعدة أميركية. وهي لا تكلف الجيش الأميركي سنتاً واحداً ولا يعمل فيها أي جندي أميركي». من هنا، فإن الدعم الأميركي بقيمة 3.8 مليار دولار «مبلغ متواضع جداً أمام الفوائد التي تجنيها من إسرائيل».


أُطلِقت أخيراً مبادرة تُوازن بين مكانة إسرائيل كما تعرّفها السلطات الأميركية وبين ما لا يعرفه الجمهور الأميركي المنتقد لإسرائيل حالياً

المبادرة الجديدة

اعتماداً على هذا المنطق، يدرس الإسرائيليون مبادرة أُطلقت تُوازن بين مكانة إسرائيل، كما يعرّفها قادة البيت الأبيض والبنتاغون، وبين ما لا يعرفه الجمهور الأميركي الذي يعادي إسرائيل اليوم.

المبادرة أُطلقت في الأسبوع الماضي بالتعاون بين «معهد أبحاث الأمن القومي» في تل ابيب (INSS) ومعهد «مايند يسرائيل» وبين معهد أبحاث SCSP، الذي أسسه هنري كيسنجر والرئيس التنفيذي السابق لشركة «غوغل» إريك شميدت، ويشارك فيها نحو 50 شخصية أميركية وإسرائيلية من السياسيين والعسكريين والباحثين والخبراء، الذين يدعون إلى بناء عملية ذات شقين: خفض تدريجي للمساعدات المباشرة لإسرائيل، بالتزامن مع بناء شراكة تكنولوجية واسعة النطاق.

يدلين وغولوب يشرحان هذه المبادرة، موضحين: «على الصعيد الأمني، يعني ذلك استثماراً مشتركاً في تقنيات الدفاع المستقبلية، ودمج إسرائيل في برنامج (القبة الذهبية) الدفاعي الأميركي. ويمثل هذا تحوّلاً من نموذج الرعاية - دولة راعية للأمن تتلقى مساعدات - إلى نموذج شراكة تكنولوجية عميقة من شأنها تعزيز وتعميق وتحصين العلاقة من خلال المساهمات الإسرائيلية للولايات المتحدة في صراعها ضد الصين».

ويصف الرجلان الرؤية الإسرائيلية للفكرة قائلَين: «أظهرت الحرب ضد إيران بوضوح أهمية إسرائيل كحليف أمني لواشنطن: إذ قدّمت إسرائيل قدرات استخباراتية وعملياتية وتكنولوجية جعلتها شريكاً استراتيجياً يقاتل، مُظهراً أداءً مذهلاً، إلى جانب أقوى قوة في العالم لتحقيق أهداف الحرب. وتساوت مشاركة القوات الإسرائيلية والأميركية في الهجوم والدفاع، وكانت مساهمة إسرائيل في إنقاذ الجنود الأميركيين مساوية لمساهمة الولايات المتحدة في حماية سكان إسرائيل. لم نلتقِ بمسؤول واحد إلا وأبدى تقديره للمساهمة الإسرائيلية في الحرب، وردّد تعريف البنتاغون لإسرائيل (حليف يُحتذى به). لكن، وبما أنه خارج المؤسسة الأمنية وحاشية الرئيس ترمب، تتشكّل راهناً جبهة معادية لإسرائيل من الحزبين الأميركيين الكبيرين، تُصوّر إسرائيل على أنها جرّت الرئيس الأميركي إلى صراع إقليمي لتحقيق طموحاتها بالقوة العسكرية، علينا ان نحدث شيئاً يغيّر الصورة. على إسرائيل أن تُقدّم لواشنطن رواية جديدة. لا ينبغي أن تكون هذه مجرد علاقة أخرى قائمة أساساً على المصالح الأمنية أو الالتزامات التاريخية، بل شراكة تُحقق قيمة استراتيجية مباشرة للمصالح المشتركة للبلدين».

المعروف أن مفعول مذكرة التفاهم الحالية بشأن المساعدات الأميركية لإسرائيل ينتهي عام 2028. ولقد أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سابقاً - وكرّر ذلك هذا الأسبوع - أن على إسرائيل أن تُقلل اعتمادها على المساعدات الأمنية، وقد يكون هذا هو الهدف الصحيح على المدى البعيد.

لكن قلائل جداً في إسرائيل يصدّقون فعلاً بأنه جاد في التخلي عنها، وبخاصة الآن، في خضم أو حتى بعد الحرب ضد إيران. وحسب يدلين: «بالتأكيد إذا اختارت الولايات المتحدة في المستقبل تقليص وجودها في الشرق الأوسط أو التوصل إلى اتفاق جديد مع طهران، فمن المنطقي الإبقاء على المساعدات العسكرية لعقد آخر، ليس فقط لمساهمتها في ميزانية الجيش الإسرائيلي، بل لأنها أصبحت رمزاً لالتزام أميركا بأمننا. ويمكن تفسير أي توقف مفاجئ لها في المنطقة على أنه تقويض لهذا الالتزام».

ويضيف يدلين وغولوب: «لقد رأت المؤسسة الأمنية الأميركية وإدارة ترمب مساهمة مباشرة في المصلحة الأمنية العليا لواشنطن عندما خاضت طائرات (إف -35) و(إف -15)، التي اشتريت بأموال المساعدات، معارك جوية مثيرة للإعجاب، ينفذها الطيارون الإسرائيليون جنباً إلى جنب مع القوات الجوية والبحرية ومشاة البحرية الأميركية. ولكن بعيداً عن الاستراتيجية الأمنية، ووفقاً لتقديراتنا في (مايند إسرائيل)، فإن المساهمة المباشرة للمساعدات الأمنية في الاقتصاد الأميركي تفوق قيمة المساعدات نفسها بأربعة أضعاف على الأقل. بل في النموذج الحالي، لا يتعلق الأمر كثيراً بـ(«مساعدة إسرائيل) بقدر ما يتعلق بالاستثمار الأميركي في منظومة أمنية تكنولوجية مشتركة؛ ولهذا السبب أطلقنا في واشنطن هذه المبادرة».

للعلم، كان معهد الأبحاث الإسرائيلي قد خصّص فصلاً من المبادرة للعمل على الصعيد المدني، لا العسكري فحسب. ويتضمّن الفصل تخصيص موارد متساوية لصندوق مشترك، بقيمة مليار دولار سنوياً لمدة عشر سنوات، يركز على تطوير أهم التقنيات الاستراتيجية للمستقبل.

وتشمل المشاريع الرئيسة التي برزت خلال المناقشات بين الفريقين الإسرائيلي والأميركي: إنشاء مصنع للرقائق الإلكترونية المتقدمة، الموجود حالياً في تايوان فقط؛ وتطوير قدرات البلدين في مجال الأمن السيبراني عبر الذكاء الاصطناعي، وجهود مشتركة لإنتاج ومعالجة المواد الحيوية التي يستخدمها قطاع التكنولوجيا وتسيطر عليها الصين بشكل رئيس، وتطوير الريادة في الحوسبة الكمومية وتطوير تقنيات الاندماج النووي لإنتاج الطاقة... وهي قدرات تضمن الاستقلال الاستراتيجي للبلدين ونفوذاً كبيراً على الساحة العالمية.

يهود أميركا يتغيّرون

على صعيد آخر، في إسرائيل قلق شديد من مكانتها عند يهود الولايات المتحدة، الذين يضاهي عددهم عدد اليهود في إسرائيل.

الباحثان الإسرائيليان تيد ساسون وإلزا زيلبرمان، ذكرا في دراسة جديدة لـ«معهد الأمن القومي» في تل أبيب أن «المجتمع اليهودي الأميركي يسهم إسهاماً كبيراً في الأمن القومي الإسرائيلي وتعزيز صمود المجتمع. فهو يدير شبكة قوية من المنظمات التي تُساعد في حشد الدعم لإسرائيل في المجالين الدبلوماسي والأمني. ويتبرع بمبالغ طائلة للنهوض بالفنون والعلوم والطب والتعليم والرعاية الاجتماعية في إسرائيل، ويُعدّ جزءاً لا يتجزأ من النسيج الثقافي الذي يُشكّل المجتمع الإسرائيلي. لهذه الأسباب وغيرها؛ يُشكّل وجود مجتمع يهودي أميركي قوي ومؤيد لإسرائيل رصيداً استراتيجياً حيوياً لدولة إسرائيل.

مع ذلك، تُشير مؤشرات عدة إلى ضعف هذا المجتمع وتراجع دعمه لإسرائيل»، مع: تزايد التباعد عن المجتمع اليهودي المنظم، وانخفاض عدد الأعضاء في المعابد اليهودية، وتراجع الإقبال على برامج التعليم اليهودي المكملة، وتناقص عدد المتبرعين لحملات الاتحادات اليهودية.

الباحثان رصدا انخفاضاً في عدد الشباب اليهود من الشتات الذين زاروا إسرائيل في السنوات الخمس الماضية بعشرات الآلاف مقارنة بالتوقعات. ويتزايد الجدل حول إسرائيل على خلفية الانتقادات الواسعة لإدارة الحرب في غزة، ولا سيما ارتفاع عدد الضحايا المدنيين، ونقص المساعدات الإنسانية، والسياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية. وبشكل عام، وصل التعاطف مع إسرائيل إلى أدنى مستوياته منذ عقود، وخاصة بين جيل الشباب. وان الاستقطاب تتسع بين الفصائل اليمينية والليبرالية في مجال المناصرة والضغط المؤيد لإسرائيل، مع تصاعد التطرف لدى كلا الجانبين.


عاصم منير... رئيس أركان الجيش الباكستاني و«وجه» دبلوماسية إسلام آباد مع واشنطن

برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود
برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود
TT

عاصم منير... رئيس أركان الجيش الباكستاني و«وجه» دبلوماسية إسلام آباد مع واشنطن

برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود
برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود

في أواخر مارس (آذار) الماضي، بدأت باكستان تموضع نفسها وسيطاً غير اعتيادي بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب بين الطرفين، وراحت تنقل رسائل لوقف النار، انتهت بإعلان هدنة في 8 أبريل (نيسان)، وذلك بعد قرابة 5 أسابيع من القتال، ما زالت مستمرة حتى اليوم. وهي الآن تكمل لعب دور الوسيط الرئيس بين واشنطن وطهران بهدف التوصُّل إلى اتفاق نهائي يثبِّت الهدنة، ويهدف إلى تحقيق اتفاق حول برنامج إيران النووي. لقد فاجأت الوساطة الباكستانية هذه كثرة من المراقبين، لا سيما أن العلاقة بين إسلام آباد وواشنطن لم تكن يوماً علاقة ثقة كاملة بين حليفين يتشكِّك كلاهما من الآخر. وفي الماضي القريب، حتى انطلاق الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، وبدء إيران باستهداف دول الخليج رداً على العملية التي أطلقتها واشنطن وتل أبيب ضدها، كانت دول في المنطقة مثل قطر وتركيا ومصر، تلعب دور الوسيط مع إيران. أيضاً، كان الاتحاد الأوروبي وسيطاً لسنوات بين واشنطن وطهران، وقاد المفاوضات التي تُوجِّت باتفاق نووي عام 2015 انسحب منه الرئيس الأميركي دونالد ترمب في فترته الرئاسية الأولى عام 2018، ثم عاد الرئيس السابق جو بايدن ليطلق مفاوضات جديدة فاشلة، بوساطة بروكسل، لإعادة إحيائه. ولكن مع تحوُّل دول المنطقة إلى أهداف لإيران خلال الأشهر الماضية، ووصول حدة التوترات بين واشنطن والدول الأوروبية إلى مستويات غير مسبوقة، برزت إسلام آباد وسيطاً مقبولاً لدى طرفي النزاع. في قلب هذا التحوُّل، كان هناك رجل عزا إليه كثيرون تغيير الموقف الأميركي: المشير عاصم منير، رئيس أركان الجيش الباكستاني. وبمجهود شخصي، نجح منير في كسب ودِّ الرئيس الأميركي الذي يعوّل في كثير من الأحيان في علاقاته مع الدول، على بناء روابط شخصية مع قادتها، وفي حالة باكستان - التي لطالما لعب الجيش فيها دوراً محورياً في السلطة - مع مشيرها.

يطلق الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، على عاصم منير لقب «مشيري المُفضَّل». وخلال الأشهر الأخيرة الماضية، امتدحه أكثر من مرة بعبارات تراوحت بين «جنرال رائع وقوي»، و«رجل استثنائي»، و«مقاتل رائع». ولا يمر ذكر باكستان أو رئيس وزرائها على لسان الرئيس الأميركي من دون ذكر عاصم منير.

هذا الإعجاب الذي أبداه ترمب مراراً بالجنرال الباكستاني بدأ قبل سنة تقريباً عند اندلاع «حرب الأيام الأربعة» بين «الجارتين» اللدودتين النوويتين، باكستان والهند، على خلفية تفجير في كشمير الهندية.

يومذاك، أنحت نيودلهي باللائمة في التفجير على إسلام آباد، وردَّت بقصف مواقع عديدة لجيشها، ليبدأ تصعيد خطير بين الطرفين، انتهى سريعاً بجهود دبلوماسية أميركية. ومع أن نيودلهي رفضت الإقرار بـ«فضل» ترمب في إنهاء التوتر مع باكستان، وإعلانها أنَّ القتال إنما توقَّف بعد «حوار ثنائي»، فإنَّ إسلام أباد لم تترد بامتداح الرئيس الأميركي علناً، بل وترشيحه أيضاً لـ«جائزة نوبل للسلام».

وهنا يقول محللون إن باكستان استغلت فتور الرد الهندي على الوساطة الأميركية كي تتموضع في مكان أقرب لقلب ترمب ومزاجه. ولكن من هو عاصم منير؟

البداية والنشأة

وُلد عاصم منير في راولبندي عام 1968 لعائلة محافظة ذات جذور في جالاندهار، بشرق إقليم البنجاب، كانت قد هاجرت إلى باكستان بعد الانفصال عن الهند عام 1947.

ونشأ في بيئة دينية انعكست لاحقاً على شخصيته العامة وخطابه السياسي. فهو لا يتحدر من عائلة عسكرية، إذ كان أبوه معلماً في إحدى مدارس مدينة راولبندي وإماماً لمسجد. وخلال نشأته في راولبندي، العاصمة السابقة لباكستان، زاول منير رياضة الكريكت، وحظي بدراسة دينية مبكّرة في مدرسة إسلامية تقليدية. وبعدها، تحوَّل إلى منشد ديني، ويُقال إنه حفظ القرآن بشكل كامل إبان تدريبه العسكري.

وبالفعل، تلقَّى منير تعليمه العسكري في مانغلا، وتخرّج بتفوق، وهو ما وضعه مبكراً ضمن الضباط الذين يُنظر إليهم باعتبارهم «مشاريع قادة» داخل المؤسسة العسكرية.

ثم إنَّه تخرَّج في «مدرسة تدريب الضباط»، ومن ثم التحق بالجيش الباكستاني بعد تخرجه عام 1986، وبدأ الخدمة في وحدات ميدانية، ثم انتقل تدريجياً إلى مواقع أكثر حساسية، خصوصاً في مجالات الاستخبارات والأمن. ومن ثم، ترقّى بسرعة ليصبح مديراً للاستخبارات العسكرية عام 2016، ثم أصبح المدير العام للاستخبارات الباكستانية عام 2018. وخلال هذه الفترة دخل في صراع مع رئيس الوزراء (آنذاك) عمران خان الذي أقاله من منصبه عام 2019... مُطلقاً صراعاً مفتوحاً بين الطرفين.

انضباط ميداني... وبروز في مجال الاستخبارات

هذا المسار المُبكِّر مهَّد لصورته كضابط يجمع بين الانضباط الميداني والخبرة الاستخباراتية. وكما سبقت الإشارة، منذ عام 2016 تولّى منير مناصب بارزة في الاستخبارات، وصولاً إلى قمة الهرم، وهو ما منحه وزناً سياسياً كبيراً داخل الدولة الباكستانية.

هذه المرحلة كانت مفصلية، لأنها صنعت له شبكة علاقات داخلية وخارجية، وعرّفته على ملفات أفغانستان والهند والإرهاب والتوازنات الإقليمية. إلا أن عمران خان أقاله عام 2019 من المنصب من دون إعلان الأسباب.

توليه قيادة الجيش

يوم 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 أصبح عاصم منير رئيس الأركان الـ11 للجيش الباكستاني، وهو المنصب العسكري الأقوى في البلاد. ومنذ تلك اللحظة بدأ حضوره يتجاوز الإطار العسكري البحت، ليصبح لاعباً محورياً في السياستين الداخلية والخارجية لباكستان.

وبين عاميَ 2023 و2024، برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي، مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود. وعمل على توسيع قنوات باكستان مع الخليج والصين وتركيا، وإبقاء التواصل مع واشنطن مفتوحاً في إطار «تنويع التحالفات» بدل الارتهان الكامل لأي طرف.

أيضاً، منذ عام 2024 ارتبط اسم عاصم منير بمحاولات تهدئة الاقتصاد الباكستاني عبر دعم آليات لجذب الاستثمار ومكافحة المضاربة في سوق الصرف، بالتوازي مع اتساع دور الجيش في إدارة ملفات الدولة. وفي الداخل، أثار ذلك جدلاً بين مَن يرى فيه رجل دولة قوياً، ومَن يعدّه متوسعاً في مساحة التأثير السياسي.

بعدها، في مايو (أيار) 2025 رُقّي منير إلى رتبة مشير (فيلد مارشال)، وهي أعلى رتبة عسكرية في باكستان، في خطوة أكّدت حجم حضوره بعد اشتباكات باكستان والهند وتعاظم مكانته داخل النظام. وجعلت هذه الترقية من منير واحداً من أكثر القادة نفوذاً في تاريخ الجيش الباكستاني الحديث.

أكثر من هذا، في نوفمبر 2025 وافق البرلمان الباكستاني على تعديل دستوري يوسِّع دور رئيس أركان الجيش، ويضع القوات البحرية والجوية تحت سلطته، ووافق أيضاً على منح مَن يرقّون إلى رتبة 5 نجوم (فريق) حصانة قانونية مدى الحياة. وهكذا بات المشير يتمتع بحصانة تحميه من الملاحقات القانونية حتى بعد مغادرة منصبه.

العلاقة مع واشنطن

منذ عام 2025 تحوَّلت علاقة عاصم منير بواشنطن إلى عنصر سياسي مهم، مع تقارير عن لقاءات ومشاورات عزَّزت قنوات التواصل مع إدارة ترمب. وفي الوقت نفسه، برز اسمه في ملفات الوساطة الأميركية - الإيرانية، حيث نُظر إليه كقناة غير تقليدية قادرة على تخفيف التوتر الإقليمي عبر موقع باكستان إزاء الطرفين.

والواقع أنَّ العلاقة بين واشنطن وإسلام آباد كانت قد بدأت تترمّم قبل أشهر، عندما سلّمت السلطات الباكستانية مطلوباً أفغانياً لواشنطن متهماً بالمسؤولية عن تفجير مطار كابل الدولي في عام 2021 في أثناء الانسحاب الأميركي ما أدى إلى مقتل 13 عسكرياً أميركيا آنذاك. وكان الفضل في تسليم المتهم وغيره من المطلوبين لدى الولايات المتحدة، يعود بشكل أساسي إلى منير نفسه. وبالفعل، حرص الرئيس ترمب على تقديم الشكر إلى باكستان، إبان الإعلان عن اعتقال المتهم، في خطوة كانت لافتة، خصوصاً بعدما وجَّه الرئيس الأميركي انتقادات لاذعة لها في ولايته الأولى، متهماً إياها بـ«الكذب والخداع» في التعاون بمسائل تتعلق بمكافحة الإرهاب.

زيارة البيت الأبيض

بالنتيجة، هذا الإعجاب المُتجدِّد من طرف الرئيس الأميركي، تُوِّج في يونيو (حزيران) العام الماضي باستضافة ترمب لرئيس الأركان الباكستاني في البيت الأبيض، للجنرال الذي كان قد رقّي بعد «حرب الأيام الأربعة» مع الهند، إلى رتبة مشير، في زيارة غير مسبوقة. إذ ليس من المعتاد أن يستقبل البيت الأبيض قائداً عسكرياً من دون القيادة المدنية، ولكن هذا الحدث كان مؤشراً إلى أنَّ منير كان المُحرِّك الأساسي خلف إعادة إطلاق العلاقات الثنائية. ومع أنَّ الرجل شخصية عسكرية بشكل أساسي، فإنَّه لعب دور الدبلوماسي خلف الأبواب، معتمداً على التكتم، والعمل ما وراء الكواليس.

دور حساس وحيوي

بل لقد كان واضحاً، بعد لقائه ترمب، أنه نقطة التواصل الرئيسة لواشنطن مع إسلام آباد في مواضيع تتجاوز الترتيبات العسكرية والاستخباراتية. فبعد لقاء الرجلين في البيت الأبيض، أصدر الجيش الباكستاني بياناً كشف فيه عن أنَّ اللقاء استمرَّ ساعتين، وناقش مسائل تتعلق بالتجارة والعلاقات الاقتصادية والعملات المشفّرة، إضافة إلى التوترات بين إسرائيل وإيران. ولم تكن، حينذاك، قد اندلعت الحرب بين الطرفين، لكن ترمب أراد - كما يقول البعض - ربما الاستفادة من العلاقة المقربة للمشير بـ«الحرس الثوري الإيراني». وهو قال حقاً بعد لقائه به في البيت الأبيض: «الباكستانيون يفهمون إيران جيداً، بشكل أفضل منا، وهم لاعبون أساسيون في السلام بالمنطقة».

وبحسب ترمب أيضاً، فإنَّ السبب الرئيس لدعوة منير إلى البيت الأبيض كان لشكره على تخفيف التصعيد مع الهند. وكان لافتاً أن زيارة رئيس الأركان الباكستاني جاءت بعد أيام على زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، وهو ما أشار إليه ترمب، مضيفاً: «نحن نعمل على اتفاقية تبادل تجاري مع الهند وباكستان». وما كان لافتاً في هذا الإطار أن ترمب اختار دعوة منير، وليس رئيس الحكومة الباكستاني، إلى واشنطن بعد رئيس الحكومة الهندي، والتشاور معه في أمور تتجاوز المسائل العسكرية.

وللعلم، عاد منير إلى البيت الأبيض بعد 3 أشهر، ولكن هذه المرة مع رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف ليلتقيا معاً الرئيس الأميركي. وبدا واضحاً أن ترمب بات يرى في باكستان شريكاً موثوقاً، وليس ناقص الأهلية، كما كانت الحال في عهده الأول.


دور منير المؤثر في عملية الوساطة مع طهران

قاليباف (آ ف ب)
قاليباف (آ ف ب)
TT

دور منير المؤثر في عملية الوساطة مع طهران

قاليباف (آ ف ب)
قاليباف (آ ف ب)

يرى المراقبون، بكثير من الثقة، أن اللقاءات والعلاقة المتجددة لواشنطن مع باكستان، وبفضل رئيس أركان جيشها عاصم منير، عامل أساسي مهَّد الطريق أمام الوساطة التي لعبتها إسلام آباد عندما بدأت الحرب مع إيران. فهنا أيضاً قاد الوساطة المشير منير، الذي نجح في جمع الطرفين على طاولة المفاوضات يومي 11 و12 أبريل (نيسان) في إسلام آباد.

ولقد تحوّل اللقاء الذي شارك فيه نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس رئيساً للوفد الأميركي، ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباق رئيساً لوفد بلاده، إلى لقاء تاريخي مع أنه لم يتيسر تحقيق أي خرق أو اتفاق فيه؛ إذ كان المرة الأولى التي يلتقي فيها مسؤولون أميركيون وإيرانيون رفيعون بهذا المستوى منذ الثورة الإيرانية.

هنا كان المشير الباكستاني «نقطة الوصل» الرئيسة بين الطرفين والحاضر الثالث على طاولة المفاوضات. وهكذا حلّت إسلام آباد محل كل من فيينا وجنيف اللتين استضافتا جولات كثيرة بين المفاوضات النووية بين الولايات المتحدة وإيران. واستعيض عن الوسيط الأوروبي الذي كان الشريك الأقرب للأميركيين، بوسيط باكستاني.

أيضاً، على الرغم من تعذّر التوصل إلى اتفاق آنذاك، ظل منير متأهباً ويواصل اتصالات لا تتوقف وزيارات مكّوكية لإقناع الطرفين بتوقيع اتفاق. وكان آخرها زيارته إلى طهران الأسبوع الماضي حين التقى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي للتفاوض على النقاط الأخيرة في الاتفاق. ومع أن الزيارة الأخيرة لم تثمر اتفاقاً... فإن جهود المشير الباكستاني مستمرة بلا توقف.

والحقيقة، أن الجهود الدبلوماسية التي قادها منير أوسع من مجرّد إعادة «ترميم» العلاقات مع واشنطن. فهو كان محرّك «اتفاقية الدفاع المشترك» مع المملكة العربية السعودية من الجانب الباكستاني، وهي وصفت بأنها اتفاقية تاريخية تنص على أن أي اعتداء على أحد الطرفين يشكّل اعتداءً على الآخر.

هذه النجاحات الدبلوماسية نادراً ما يحققها قائد عسكري. وهنا يذكر محللون بأن منير كان سبب ملاحقة خان واعتقاله عام 2024 بتهم فساد. وعاد رئيس الحكومة شهباز شريف ليعيّن منير رئيساً لأركان الجيش الباكستاني، ثم تصدر ترقيته العام الماضي إلى رتبة مشير بعد «حرب الأيام الأربعة» مع الهند. إذ سُجّل له الفضل بالوقوف في وجه نيودلهي وإلحاق إضرار كبيرة بجيشها خلال المواجهة الوجيزة.

تلك الحرب، فتحت في الواقع الباب أمام عاصم منير لتصحيح العلاقات مع واشنطن وحوّلته «نقطة تواصل» موثوق بها ووسيطاً دبلوماسياً رئيساً مع إيران. وفعلاً، أنهى منير بجهود متراكمة، سنوات من تشكيك الإدارات الأميركية المتعاقبة بشراكة باكستان. وللعلم، ما زال في الأذهان قرار إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، تنفيذ عملية اغتيال أسامة بن لادن على الأراضي الباكستانية من دون التنسيق معها. وظل التشكيك بإسلام آباد والتساؤل حول ما إذا كانت فعلاً تجهل وجوده على أراضيها، يلاحقها حتى اليوم.

أخيراً، ما إذا كان سينجح المشير الباكستاني في دوره الجديد ويتوّج جهوده الدبلوماسية باتفاق نهائي بين الولايات المتحدة وإيران، تساؤل غير واضح الإجابة بعد. ولكنه من دون شك، نجح في تغيير صورة باكستان لدى الإدارة الأميركية، وتحويلها من شريك ناقص مشكوك فيه، إلى شريك كامل محل ثقة، حتى في أكثر الملفات تعقيداً.