ليبيا في انتظار المجهول

بين الانتخابات أو التلويح بالحرب

ليبيا في انتظار المجهول
TT

ليبيا في انتظار المجهول

ليبيا في انتظار المجهول

«جميع من تحاورت معهم أكدوا التزامهم بإجراء الانتخابات في موعدها، لكن أخشى أن العديد منهم ليسوا مستعدين للمضي قُدماً في ترجمة أقوالهم إلى أفعال»، بهذه الكلمات دق المبعوث الأممي إلى ليبيا يان كوبيش، ناقوس الخطر بشأن الوضع في ليبيا، خلال جلسة وزارية بمجلس الأمن، قبل أسبوع تقريباً، مشيرا إلى عمق الأزمة الليبية. فجميع الاتفاقات التي علق الليبيون والعالم عليها آمالهم في وضع حد لحالة الفوضى والصراع التي تشهدها البلاد منذ عقد من الزمان، تواجه عقبات وتحديات التنفيذ، مما ينذر بعودة البلاد إلى المربع صفر، ويدفع ليبيا إلى مستقبل مجهول، يهيمن عليه شبح الحرب.
والجدير بالذكر، أن العالم علّق آمالاً كبيرة بشأن عودة الاستقرار في ليبيا في أعقاب توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2020، تبعه تشكيل حكومة وحدة وطنية في مارس (آذار) الماضي، ومن ثم كان من المفترض أن تكون ليبيا قد خطت أولى خطواتها نحو الاستقرار السياسي.
تقول كلوديا جازيني، كبير محللي الشأن الليبي في «مجموعة الأزمات» الدولية، في تقرير أصدرته «المجموعة» بعنوان «ليبيا تقلب الصفحة»، إنه «بعد 6 سنوات خاضت خلالها حكومتان متنافستان حرباً متقطعة، بات لدى ليبيا اليوم سلطة تنفيذية موحّدة. إذ في 10 مارس (آذار) الماضي، أقرّ البرلمان حكومة وحدة وطنية يرأسها رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة، تسلّمت مهامها في طرابلس، وهو ما يعد إنجازاً تاريخياً، كونه يحضر الأرضية لإعادة توحيد المؤسسات السياسية والعسكرية التي كانت منقسمة حتى الآن، وخاضت معارك ضد بعضها بعضاً منذ عام 2014».
وتشير جازيني في حلقة نقاشية نظمتها «المجموعة» في بداية يونيو (حزيران) الماضي لعرض التقرير، إلى أن «عام 2020 انتهى مخلفاً دولة مقسّمة، بعد ست سنوات من الصراع بين قوات قائد (الجيش الوطني) خليفة حفتر، المدعومة من الاتحاد الأوروبي ومصر وروسيا، وبين الحكومة الليبية المدعومة من تركيا بقيادة فايز السراج. واستطاعت الجهود الدولية، من ثم، تحريك صراع مجمّد كان يمكن أن يستمر لسنوات، ووضعت حدا له، ولقد ساعد تغيير الإدارة الأميركية على تحريك الأمور».
لكن هذا الأمل لم يستمر طويلا، فالطريق نحو إتمام العملية السياسية ليس مفروشاً بالورود، وهو ما عكسته جلسة مجلس الأمن في منتصف يوليو (تموز) الجاري، التي كانت فرصة لتحريك المياه الراكدة في العملية السياسية الليبية، ومحاولة لاستعادة الأمل في تحقيق استقرار سياسي في البلاد. وفعلاً «عكس البيان الختامي للاجتماع تنامي التهديدات الأمنية على الساحة الليبية، وأهمها: استمرار الانقسام العسكري، وتواصل توريد الأسلحة للبلاد عبر دول الجوار، إضافة إلى تدفق الجماعات المسلحة، وتزايد خطر التنظيمات الإرهابية.
كذلك كشف البيان عن أن الليبيين لم يُحرزوا أي تقدم فيما يتعلق باستحقاقات العملية السياسية، التي تواجه عراقيل في ثلاثة ملفات مهمة هي: المصالحة الوطنية، والقاعدة الدستورية وقانون الانتخابات، والموازنة المالية والأموال المجمدة»، بحسب الدكتور أحمد عليبة، الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، في مقال نشره على موقع المركز في 17 يوليو الجاري بعنوان «العد التنازلي للمرحلة الانتقالية: عراقيل سياسية ومهددات أمنية في ليبيا».
- القاعدة الدستورية
يُعد إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في موعدها المقرُر يوم 24 ديسمبر (كانون الأول) المقبل، التحدي الأهم الذي يواجه حكومة الدبيبة. ورغم تأكيد الجميع أن موعد الانتخابات غير قابل للتأجيل، بما في ذلك بيان مجلس الأمن الأخير، فإنه لم تُتخذ حتى الآن خطوات واضحة لإتمام هذه الانتخابات، إذ ما زال ثمة خلاف حول: «هل يجرى الاستفتاء على مسودة الدستور التي أقرتها الهيئة التأسيسية عام 2017 أولا، أم توضع قاعدة دستورية تنظم بموجبها الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة، وبعد ذلك ينظم الاستفتاء على الدستور؟».
هذا الوضع يضع البلاد أمام «سيناريوهين»، وفقا لدورية «كرّاسات استراتيجية» الصادرة عن مركز الأهرام في 18 يوليو الجاري. السيناريو الأول يتحدث عن إمكانية توافق أطراف اللعبة السياسية الليبية على عرض الدستور على الاستفتاء الشعبي، قبل الانتخابات. والسيناريو الثاني يتحدث عن الاتفاق على القاعدة الدستورية للانتخابات البرلمانية والرئاسية التي اقترحتها اللجنة القانونية المنبثقة عن «ملتقى الحوار السياسي الليبي» خلال اجتماعها في تونس خلال أبريل (نيسان) 2021 ويصار إلى تأجيل الاستفتاء على الدستور إلى ما بعد تشكيل السلطة التشريعية الجديدة المنتخبة.
«لا توجد إجابة صحيحة وأخرى خاطئة في هذا الجدل، فلكل حل مزايا وعيوب» وفقا لجازيني التي توضح أن «الاستفتاء على مسودة يمكن أن يساعد في تسوية النزاعات المستمرة منذ عدة سنوات بشأن الإطار الدستوري للحوكمة، لكنه قد يؤجل الانتخابات وتشكيل حكومة جديدة. أما خيار القاعدة الدستورية، فإنه يوفّر وقتاً، لكن المشكلة تكمُن في انقسام الليبيين حول نوعية النظام السياسي الذي يريدونه... أهو رئاسي أم برلماني، وما إذا كانت مسودة الدستور تنص على النظام الرئاسي».
وتؤكد جازيني على «ضرورة أن تعمل حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي على التوصل لاتفاق حول هذه النقطة باعتبارها واحدة من العقبات التي تواجه تحقيق الاستقرار في البلاد». وتشير إلى أن «الدبيبة الذي يدعم إجراء الانتخابات في موعدها علنا، يقول في الجلسات الخاصة إنه يريد البقاء في السلطة لسنتين. كذلك يعبّر معظم البرلمانيين عن دعمهم للانتخابات، لكنهم في مجالسهم الخاصة يبدون رغبتهم بتأجيلها، لأن ذلك يسمح لهم بالتمسك بمناصبهم، وهو ما ينذر بأزمة سياسية». وهنا لا ترجح جازيني «التوصل إلى توافق بالنظر إلى مدى الانقسام الذي لا يزال يثيره ترتيب العمليات الدستورية والانتخابية».
وحقاً، يرى مراقبون أن الجدل بشأن الدستور أولاً أم القاعدة الدستورية، مرتبط بتحقيق مصالح سياسية أو رغبة في البقاء في السلطة، وصياغة قواعد تدعم مرشح بعينه في الانتخابات الرئاسية. ويقول عليبة إن «تعارض المصالح هو السبب الجوهري في تعقد المشهد الراهن. فالأطراف المعنية بصياغة قواعد العملية السياسية، عبر البرلمان أو المجلس الأعلى للدولة، أو المشاركين في منحها صك المشروعية عبر الملتقى السياسي، هم أنفسهم مرشحون أو ممثلون للقوى التي ستترشح في الانتخابات المقبلة، وبالتالي يسعى كل طرف إلى هندسة المُخرجات لصالحه».
ومع أن جميع الأطراف الليبية تحث على تجاوز حالة الانسداد السياسي، يستحيل استبعاد دور القوى الدولية في عرقلة المشهد، حيث نرى سباقاً بين كل الأطراف الدولية المنخرطة في ليبيا على «هندسة» المشهد المستقبلي بما يخدم مصالحها، بحسب عليبة، الذي يوضح أن «موسكو متحمّسة لترشيح سيف الإسلام القذافي، في حال تمكنت من رفع القيود عنه، بينما سيكون خيارها المفضل المشير خليفة حفتر إذا ما ترشح للرئاسة... ولا تدعم واشنطن هذا التوجه، بينما تراهن تركيا على تنظيم الإخوان المسلمين».
من جانبها، علقت الدكتورة أماني الطويل على مستقبل ليبيا وتقول في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إنه «عطفاً على الاجتماعات السابقة التي فشلت في الوصول إلى اتفاقات، فإنه يصعب التفاؤل بحدوث استقرار سياسي في ليبيا». وتضيف «لا يمكن إجراء الانتخابات الليبية في موعدها وسط الوضع الحالي، لأن البيئة السياسية المحيطة بالانتخابات لا تؤسس لاستقرار سياسي... وهي إن أجريت لن تؤسس لاستقرار سياسي لأنها لم تُجرَ على أسس صحيحة».
وبعيدا عن هذا الطرح، يرى باتريك كوراث، نائب الرئيس التنفيذي لـ«منتدى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»، في مقال نشره نهاية يونيو الماضي بمجلة «فورين بوليسي»، أن «ليبيا تحتاج إلى شخصية قادرة على توحيدها قبيل الانتخابات. ومن المفيد وضع النظام الملكي الدستوري في الاعتبار، إذ إن بناء حل ديمقراطي فعّال لليبيين ليس مهمة سهلة بعد سنوات من الصراع الدموي في أعقاب الإطاحة بالنظام السابق». ويرى «ضرورة إيجاد آلية سياسية ومؤسساتية يمكنها تشجيع المجتمع على الاتحاد وإعادة بناء الاقتصاد».
- شبح الحرب
الأمر لا يتعلّق فقط بتنظيم الانتخابات بل أيضا بقبول نتائجها، إذ يخشى مراقبون من تكرار سيناريو عام 2014، والانقلاب على نتائج الانتخابات. وتنذر الإحداث الأخيرة التي شهدتها العاصمة الليبية طرابلس بمخاوف في هذا السياق، مع استمرار الاشتباكات بين الميليشيات. ويعد اقتحام مقر «المجلس الرئاسي» في فندق كورنثيا، خلال مايو (أيار) الماضي، للمطالبة بإقالة وزيرة الخارجية نجلاء المنقوش، مثالاً على ما يمكن أن يحدث في حال لم ترض الميليشيات عن نتائج الانتخابات. ويومها، اقتحمت الميليشيات الفندق اعتراضا على تصريحات للمنقوش طالبت فيها بإخراج المرتزقة الأجانب والقوات الأجنبية من ليبيا، ما يعني أن أي إجراء ضد مصالح هذه الميليشيات ينذر بحرب.
وتوجد اليوم في ليبيا أكثر من 300 مجموعة مسلحة، تتبع جماعات إسلامية وعرقية وجهوية، أو حتى شخصيات قيادية في طرابلس بحسب تقديرات غير رسمية. وهذه الجماعات مستعدة للانقلاب على نتائج الانتخابات كما حدث من قبل عام 2014، عقب خسارة تيار «الإخوان» للانتخابات.
من ناحية ثانية، قد يوفر الوضع السياسي الحالي في ليبيا فرصة لتعزيز وقف إطلاق النار، «لكنها مجرد نافذة قد تغلق مرة أخرى، وتعود البلاد مرة أخرى إلى دائرة العنف»، بحسب فولفغانغ بوستاي في تقرير نشره «المجلس الأطلسي» في يونيو الماضي، ووصف اتفاق إطلاق النار بأنه «اتفاق هش، وفرصة ضائعة».
- الميزانية
نقطة أخرى مثيرة للجدل في الملف الليبي، وهو الخلاف حول الميزانية، التي أجلت مناقشتها إلى ما بعد عيد الأضحى المبارك، بسبب تعذّر اكتمال النصاب القانوني في جلسة عقدت لهذا الغرض منتصف يوليو الجاري. ولتاريخه عجز البرلمان الليبي عن اعتماد الميزانية التي قدمتها الحكومة يوم 20 مارس الماضي، رغم عقد 7 جلسات لهذا الغرض.
الخلاف حول الميزانية وصل إلى مجلس الأمن، وقال كوبيش، في كلمته خلال اجتماع مجلس الأمن، إن «الخلافات حول الميزانية، والملفات الأخرى، هي الثغرة التي يسعى المعرقلون إلى العبور من خلالها، وإفشال المسار السياسي، الذي ينتهي بانتخابات عامة نهاية العام».
- «المرتزقة» واستقرار ليبيا
مجلس الأمن طالب أيضا جميع الدول الأعضاء بالامتثال لحظر الأسلحة المفروض على ليبيا منذ عام 2011، والعمل على مساعدة السلطات الليبية في إخراج المرتزقة وسحب المقاتلين الأجانب من البلاد، وهو المطلب الذي تكرر أكثر من مرة لكنه لم ينفذ حتى الآن. إذ دعت الأمم المتحدة مراراً لإنهاء الوجود الأجنبي في ليبيا، كما تضمن اتفاق وقف إطلاق النار الصادر في أكتوبر 2020 إشارة إلى ضرورة انسحاب المرتزقة من ليبيا خلال ثلاثة شهور، ولكن روسيا وتركيا اللتين - كما يبدو - تسعيان إلى تعميق وجودهما غرب طرابلس، مع احتمال التوسع في مصراتة، تجاهلتا هذا التاريخ. وحقاً، ذكر فريق من خبراء الأمم المتحدة اجتمع في مارس الماضي أنه لا توجد مؤشرات من مجموعة «فاغنر» الروسية المسلحة على الانسحاب.
وفي نهاية أبريل عقد اجتماع غير رسمي في مجلس الأمن بدعوى من تونس وكينيا ونيجيريا لمناقشة عودة 20 ألف جندي مرتزقة في ليبيا إلى بلادهم، وأشار عدد من أعضاء المجلس إلى أن «بعض أعضاء المجلس والجالسين في الغرفة يحركون هذه المشكلة»، وفق الدكتورة عالية براهيمي، الخبيرة المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في تقرير نشره «المجلس الأطلسي» في مايو الماضي. وتقول براهيمي إنه «لو وضع حد للجنود المرتزقة في ليبيا سريعاً فإن مستقبل مواطنيها سيظل مرهونا بقوات سياسية وعسكرية خارجية، وهو ما سيكون له تداعياته على مستقبل العلاقات الدولية».
وأما أماني الطويل فتعتبر انسحاب المرتزقة «الشرط الأهم لاستقرار ليبيا». وتتابع أن «الإخفاق في الوصول إلى اتفاق هو انعكاس لتدخلات إقليمية ودولية في ليبيا... وما لم ينسحب الجميع من ليبيا، وخاصة تركيا التي يفرض وجودها ردود فعل من الدول الأخرى، لا يمكن أن تتقدم ليبيا».
أخيراً، رغم تأثير دور المرتزقة هناك، فهناك دور آخر للتدخلات الأجنبية لا يمكن إغفاله وهو القواعد الأجنبية في ليبيا. هذه القواعد أغفلها مجلس الأمن في اجتماعه الأخير رغم إشاراته الواضحة لتصاعد دور المرتزقة والجماعات المسلحة من خارج ليبيا، وهو ما يشير إلى «سياسة انتقائية» تفاديا للخوض في هذا الملف، فمن المؤكد أن إثارته كانت ستعرقل تمرير البيان الختامي، عبر الفيتو الروسي، خاصة أن «الولايات المتحدة لا تثير حالة الوجود العسكري التركي في ليبيا، إلا في سياق الإشارة إلى وجود روسي يتمثل في مجموعات فاغنر»، بحسب عليبة.
-- الأحداث في ليبيا... تسلسل زمني
- 15 فبراير (شباط) عام 2011: اندلعت شرارة الثورة في مدينة بنغازي، تأثرا بما يعرف بـ«الربيع العربي»، ومن ثم انتشرت المظاهرات ضد نظام الرئيس الراحل معمر القذافي في عموم ليبيا.
- 19 مارس 2011: شن «تحالف دولي» بقيادة واشنطن وباريس ولندن هجوماً جوياً على مقار قوات القذافي، بعد «ضوء أخضر» من الأمم المتحدة، وفي أعقاب ذلك انتقلت قيادة العملية إلى «حلف شمال الأطلسي» (ناتو).
- 20 أكتوبر 2011: قتل القذافي قرب مسقط رأسه في سرت. وبعد ثلاثة أيام أعلن «المجلس الوطني الانتقالي»، الذي شكل كبديل للنظام، تحرير البلاد.
- يوليو 2012: انتخاب «المؤتمر الوطني العام» (البرلمان)، وتسلمه سلطاته بعد شهر من «المجلس الوطني الانتقالي».
- سبتمبر (أيلول) 2012: تعرّض السفارة الأميركية لهجوم تسبب بمقتل أربعة أميركيين بينهم السفير كريستوفر ستيفنز.
- أكتوبر 2012: تشكيل حكومة برئاسة علي زيدان.
- أبريل 2013: هجوم على السفارة الفرنسية تسبب في إصابة حارسين فرنسيين، وبعده أغلقت غالبية السفارات الأجنبية أبوابها وغادرت طواقمها البلاد.
- مارس 2014: حجب الثقة عن الحكومة.
- مايو 2014: أعلن اللواء المتقاعد خليفة حفتر بدء «عملية الكرامة» ضد جماعات إسلامية مسلحة، وشكل «الجيش الوطني الليبي» الذي ضم ضباطا من المنطقة الشرقية.
- يونيو 2014: انتخاب برلمان جديد، جاءت غالبيته من المعارضين للجماعات الإسلامية التي قاطعت الانتخابات، واندلاع اشتباكات في البلاد.
- نهاية أغسطس (آب) 2014: سيطر ائتلاف «فجر ليبيا» الذي ضم العديد من الفصائل المسلحة بينها جماعات إسلامية، على العاصمة طرابلس وأعاد إحياء «المؤتمر الوطني العام»، وهو البرلمان المنتهية ولايته. وتشكيل حكومة، ليصبح في ليبيا برلمانان وحكومتان، واحدة في الشرق والأخرى في الغرب.
- ديسمبر 2015: وقّع ممثلون للمجتمع المدني ونواب ليبيون «اتفاق الصخيرات» في المغرب، برعاية الأمم المتحدة، بعد شهور من المفاوضات. وإعلان تشكيل «حكومة الوفاق الوطني»، التي رفضها برلمان الشرق المدعوم من حفتر.
- مارس 2016: انتقل فايز السراج رئيس «حكومة الوفاق الوطني» إلى طرابلس، واتخذها مقرا لحكمه، لتبدأ محاولات المجتمع الدولي تسوية الصراع بينها وبين «حكومة» حفتر في الشرق عبر ما يعرف بـ«اجتماعات باريس» (عقدت عامي 2017 و2018)، لكنها أخفقت بالتوصل إلى تسوية سياسية.
- في مطلع 2019: غزت قوات حفتر الجنوب بدعم من القبائل المحلية، وسيطرت على سبها والشرارة، أحد أكبر الحقول النفطية في البلاد، وتقدمت باتجاه طرابلس. وهناك واجهت مقاومة عنيفة من قوات «حكومة الوفاق».
- 19 يناير (كانون الثاني) 2020: استضافت برلين برعاية الأمم المتحدة «مؤتمر برلين 1» حول ليبيا شارك فيه طرفا النزاع إلى جانب رؤساء روسيا وتركيا وفرنسا ومصر.
- يونيو 2020: تصاعد حدة العمليات والمعارك المسلحة بين الشرق والغرب، ما دفع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالتهديد بالتدخل إذا تجاوزت قوات «حكومة الوفاق» سرت، التي اعتبرتها مصر «خطا أحمر».
- 23 أكتوبر 2020: توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في أعقاب مباحثات بمدينة جنيف تحت رعاية الأمم المتحدة، بعد تسعة شهور من المفاوضات. والاتفاق على تشكيل مجلس رئاسي، وحكومة موحّدة برئاسة عبد الحميد الدبيبة حصلت على ثقة البرلمان في مارس 2021 بهدف قيادة البلاد في «مرحلة انتقالية» حتى إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في 24 ديسمبر 2021.
- 23 يونيو 2021: عقد مؤتمر «برلين 2»، بهدف التحضير للانتخابات واستكمال العملية السياسية.
- 15 يوليو 2021: اجتماع مجلس الأمن لبحث الأزمة الليبية والمساعدة في الوصول إلى حل بشأن القضايا الخلافية التي تعرقل استكمال المسار السياسي.



«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.