رئيس «جمعية المصارف» لـ«الشرق الأوسط» : اقتصاد لبنان ليس بخير ومنطق اللادولة يعجل الانهيار

أكد أن «لا ذريعة تبرر الخلاف حول الملف الحكومي»

رئيس «جمعية المصارف» سليم صفير (الشرق الأوسط)
رئيس «جمعية المصارف» سليم صفير (الشرق الأوسط)
TT

رئيس «جمعية المصارف» لـ«الشرق الأوسط» : اقتصاد لبنان ليس بخير ومنطق اللادولة يعجل الانهيار

رئيس «جمعية المصارف» سليم صفير (الشرق الأوسط)
رئيس «جمعية المصارف» سليم صفير (الشرق الأوسط)

فيما يفاقم الجمود السياسي في لبنان من حدة الأزمة المالية والاقتصادية والنقدية، تشكل الملفات المصرفية والنقدية «كرة نار» يحملها رئيس «جمعية المصارف» سليم صفير من ولاية منتهية إلى ولاية مجددة لسنتين، بدءاً من أول يوليو (تموز) الحالي.
يقول صفير في حديث مع «الشرق الأوسط» إن «البلد واقتصاده ليسا بخير»، و«منطق اللادولة يهدد بانهيار الهيكل على رؤوس الجميع»، مشيراً إلى أن «المصارف اللبنانية التي قاومت الحروب والمصاعب التي مر بها لبنان، ستقاوم أيضاً التحديات الحالية للحفاظ على العمود الفقري للاقتصاد اللبناني، كما للحفاظ على أحد أهم أصول تملكها وهي قاعدة مودعيها».
ويصر صفير في حديثه على «نجاعة وصفة الشروع بإعادة بناء الثقة»، كمعبر إلزامي للخروج من قعر سيفضي عاجلاً إلى اصطدام كبير يطيح تماماً بالتوازن المعيشي الهش، عقب 20 شهراً من المعاناة واستمرار تدهور سعر صرف العملة الوطنية وتآكل القدرات الشرائية للأجور والمدخرات. ولا يرى أن هناك أي «ذريعة تبرر هذا التمادي باحتدام الخلافات الداخلية المتصلة بالملف الحكومي المتعثر، في ظل الارتفاع الحاد بمنسوب الأخطار المحدقة القابلة للانفجار والتشظي على كل المستويات».
150 مليون دولار تحويلات شهرية
في البداية، يؤكد صفير: «إننا نبذل كجهاز مصرفي كل جهد ممكن لتلبية الاحتياجات المالية للمودعين، وسنلتزم بضخّ السيولة التي حددها البنك المركزي بما يصل إلى 800 دولار شهرياً بالدولار وبالليرة. بالتوازي، نستمر بالتعاون والتنسيق مع حاكمية مصرف لبنان باعتماد مزيد من التدابير النقدية التي تخفّف من حدة أزمة السيولة، بمعزل عن لجوء المودعين المشروع نفسياً إلى الادخار في المنازل». وطمأن صفير بأن «التحويلات الخارجية من قبل العاملين في الخارج والمغتربين تحافظ على مستوياتها قريباً من 7 مليارات دولار، مع التنويه بأننا نرصد زيادات وازنة في التحويلات عبر المصارف وشركات تحويل الأموال التي تسجل واردات من التدفقات النقدية تناهز 150 مليون دولار شهرياً بعدما تدنت إلى معدلات تقل عن 100 مليون دولار».
تمويل الدولة
وعن الأسباب التي دفعتهم لمواصلة تمويل الدولة رغم استشعارهم المخاطر، يجيب: «بخلاف ما هو شائع، حصة المصارف من الديون الحكومية بالليرة وبالدولار تقل عن ثلث الدين العام البالغ نحو 100 مليار دولار، وكنا دوماً نتعامل بمعايير مهنية وجدية مع مخاطر المالية العامة من خلال تقنين التمويل. وواجهنا في محطات معينة نزاعات مع السلطات المعنية بعدما جاهر مجلس إدارة الجمعية بإمكانية إحجام المصارف عن أي تمويل إضافي للدولة ما لم تقم بإصلاحات مالية عاجلة وتوقف مزاريب الهدر والفساد والزبائنية المتفشية في حشو القطاع العام بآلاف الوظائف».
وقال صفير إن «نواة الأزمة نتجت عن التحول المطرد للدولة للاتكاء المالي على ميزانية البنك المركزي وتحويله إلى الدائن الرئيسي للمالية العامة، وهذا ما وضع توظيفاتنا التي تفوق 70 مليار دولار لدى مصرف لبنان بين سندان انكشافه الكبير على الدين الحكومي ومطرقة الفجوة الكبيرة والمستمرة في موازنة الدولة التي واظبت على سحب التمويل والاحتياطات الحرة من مصرف لبنان عقب انفجار الأزمة».
وعن مسؤولية المصارف تجاه أصحاب الحقوق وكيف للمودعين في المصارف أن يطيقوا كل هذا الانتظار الثقيل لحلول لا يرونها محققة في الأمد المنظور؟ يجيب صفير: «ما من جهاز مصرفي في العالم يحتفظ بأموال المودعين في خزائنه ويقدر على تسديدها بالكامل في توقيت واحد. أساس العمل المصرفي هو الائتمان والتمويل. مصارفنا كانت ولا تزال تلتزم أرقى المواصفات الدولية في إدارة أصولها وموجوداتها ومطلوباتها، وليس صحيحاً بالمطلق أننا انغمسنا بتمويل دولة فاسدة وأهملنا تمويل الاقتصاد. فمحفظة تمويلاتنا للقطاع الخاص من أفراد ومؤسسات تعدت 50 مليار دولار، أي ما يماثل إجمالي الناتج المحلي قبل الأزمة. ووجهنا الجزء الوازن من توظيفاتنا إلى البنك المركزي، باعتباره بنك البنوك والأدنى في قياس المخاطر وتثقيلها عن أي استثمارات موازية». وقال: «نحن موّلنا الاقتصاد بضعفي ما موّلنا به الدولة، وأسهمنا بفاعلية في نمو قطاعاته المنتجة وتمكين الأسر من شراء ما يربو على 130 ألف منزل خاص، فضلاً عن المشاركة في حزمة القروض التحفيزية التي وجهها البنك المركزي إلى قطاعات التعليم والتكنولوجيا والشركات الناشئة وسواها».
وحمّل صفير مصرف لبنان «مسؤولية المس بالاحتياطي الإلزامي والخضوع نظراً للضغوطات التي تمارسها عليه السلطات السياسية خلافاً لمنطق وروحية قانون النقد والتسليف، حيث إن غاية الاحتياطي الإلزامي تنحصر بحاجات القطاع المصرفي. كما أكدت الجمعية أن تخفيض معدّل الاحتياطي الإلزامي بالعملات يوجب إعادة المبالغ المحررة للمودعين أصحاب الحق بها. فليس جائزاً استعمال المبالغ المحررة مؤخراً جراء تخفيض المعدّل من 15 في المائة إلى 14 في المائة لأغراض الدعم. ونطلب ألا يتكرر منحى كهذا».
وعن تناقص قدرات لبنان في مواجهة التداعيات المتراكمة للأزمات، يجزم صفير بأن الدولة «أقفلت أو حجّمت بنفسها منافذ البلاد إلى الخارج القريب والبعيد، وبالأخص منها الاقتصادية والمالية ذات الأولوية القصوى على قائمة موجبات الإنقاذ المفترضة»، متهماً إياها «بصناعة العثرات على شبكة خطوط التواصل مع المجتمعين الإقليمي والدولي». وقال: «الخارج لا يطلب منا التنازع داخلياً على حصص وزارية طائفية وفئوية تنسف إمكانية تأليف حكومة جديدة، وتوقف معها استئناف مفاوضات الحصول على برنامج تمويلي مع صندوق النقد الدولي. وبالتأكيد لا يحفزنا الخارج لأن نسيء تارة بفعل التهريب وأطواراً بالتصريحات غير المسؤولة إلى علاقاتنا مع دول شقيقة وصديقة، طالما وقفت إلى جانبنا في الظروف الصعبة».
ويكمل: «كان بإمكاننا تجنب إشهار التعثر المالي للدولة وإجراء عمليات مبادلة (سواب) للديون المستحقة مع سداد الفوائد، ثم إعادة هيكلة محفظة سندات اليوروبوندز بكاملها عبر التفاوض المباشر مع الدائنين المحليين والخارجيين. ففي ذلك الوقت كانت احتياطات البنك المركزي من العملات الصعبة تتعدى 32 مليار دولار، وقد قلنا للحكومة حينها وبشفافية مطلقة: لن يمكنكم مقاومة الأضرار الفورية ولا اللاحقة المتولدة عن التنصل من موجبات الديون الدولية. لكن الحكومة، ومعززة بنصائح مستشارين لا صفة رسمية لهم ولا مسؤوليات قانونية عليهم، وخلافاً لمشاوراتها مع البنك المركزي وجمعية المصارف، اتخذت القرار الخاطئ في مارس (آذار) 2020، بتعليق سداد مستحقات تتعلق بسندات دولية مصدرة من قبل وزارة المال».
وأضاف: «في النتيجة، تكبدنا الأكلاف المضاعفة جراء تأجيج الفوضى النقدية وإنفاق الاحتياطات الحرة على دعم المواد الأساسية من دون ضمان وصولها إلى مستحقيها، لنصل راهناً إلى حقيقة نفاد هذه الاحتياطات».

رفد التحويلات
ويأسف صفير لأن أجزاء وازنة من التحويلات «لا تستقر في الداخل بسبب المناخات غير المناسبة للأعمال وللإيداع وللاستثمار»، آملاً في «رفدها بتدفقات جديدة من خلال ترقبات موسم صيفي ناشط بدأت تترجمه معطيات الحجوزات في الفنادق والمنتجعات وقرى الاصطياف». ويقر بأن المعادلة العادلة تقضي حكماً بتوزيع الأحمال المترتبة على المعالجات المطلوبة، وفقاً لتدرج المسؤوليات عن نشوء الأزمة وتفاقمها وخسائرها. ويقول: «ربما كان علينا كجهاز مصرفي أن نتسلح بمزيد من الجرأة لتسليط الضوء على انحرافات المالية العامة والسعي مع البنك المركزي للتشدّد في حفظ توظيفاتنا لديه. لكن تصرفات من هذا القبيل كانت ستفضي حكماً إلى تعجيل الانهيار الذي بدأت ملامحه بالظهور»، لافتاً إلى أن «الوعود بمؤتمرات دعم كـ(سيدر) الذي لم يتحقق بسبب السجالات والخلافات السياسية، كانت تشكل مخرجاً لتدهور كان واضحاً»، مشيراً إلى أن جمعية المصارف كانت حذرت «من إقدام الدولة على إقرار سلسلة الرتب والرواتب في خريف عام 2017، وما رتبته من كلفة مضاعفة للأرقام التقديرية على الموازنة العامة».
هذه الحقيقة المؤلمة، يضيف صفير، ولكي لا تتكرر الأخطاء، «ألزمتنا برفع الصوت وبالتهيؤ لأي إجراءَات قانونية واعتراضية يمكننا اللجوء إليها للحؤول دون المس بالاحتياطي الإلزامي من قبل الدولة أو المصرف المركزي. وكما حمّلت الجمعية الدولة مسؤولية استنزاف ودائع المصارف لدى مصرف لبنان خلال السنوات الماضية، فإننا لم نتردد بالتأكيد أن الاستمرار بهذه السلوكيات سيقضي على بعض الإمكانات التي قد تسهم في إعادة النهوض الاقتصادي والمالي متى تشكَّلَت الحكومة وأُطلِقت العجلة الاقتصادية بالتعاون مع المؤسسات المالية الدولية والدول الداعمة للبنان».

خريطة الإنقاذ
وقال إن السلطات كافة «تواظب على تجنب سلوك خيار الإنقاذ رغم سطوع مساره ومحطاته وإسناده بنصائح المجتمع الدولي ودعمه»، مضيفاً: «خريطة الطريق تبدأ حكماً من حكومة متجانسة تخرج من حالة الإنكار لوقائع الانهيار عبر إعادة صوغ خطة إنقاذ تشاركية مع القطاع الخاص والمؤسسات المالية الدولية، ثم وضع برنامج زمني محدد ومتفق عليه لعقد اتفاق مع صندوق النقد الدولي يتزامن تنفيذ بنوده مع الشروع بورشة الإصلاحات العامة، بالتوازي يتم تحديد موجبات إعادة هيكلة ثلاثية الأطراف لكامل أصول القطاع المالي من خلال تحديد مسبق ودقيق لحجم الفجوة المالية وتوزيع مقتضياتها على الدولة، بوصفها المدين الأكبر، ومصرف لبنان والجهاز المصرفي».
ورأى رئيس جمعية المصارف أن «الفساد وسوء الإدارة هما أصل الأزمة وتداعياتها الحالية واللاحقة»، مضيفاً: «ندرك وتدرك معنا المؤسسات الدولية أن الحكومات المتعاقبة أهدرت موارد الدولة ومولّت عجوز الموازنة العامة وهدرها من المصرف المركزي الذي لم يكن أمامه خيار سوى مساعدة الدولة ومدّها بالسيولة اللازمة لاستمرار سير المرافق العامة»، معتبراً أن «بذلك خنقت الدولة السيولة إلى حدود نضوب الاحتياطات من العملات الصعبة القابلة للاستخدام، وأمعنت عبر تأخير المعالجات في جانبها الحكومي وعقد اتفاق مع صندوق النقد، بدفع البنك المركزي إلى ضخ كميات إضافية من النقد الوطني لتناهز حالياً 40 تريليون ليرة». وقال: «هكذا تهيأت المناخات السلبية لضرب الاستقرار النقدي، لتتوالى معه ومن خلاله فصول الأزمات المالية والنقدية العاتية».
ورأى صفير أن تصحيح كامل جوانب الخلل الذي يعتري علاقات المصارف مع مودعيها «ليس مستحيلاً»، قائلاً: «لا نبالغ حين نؤكد حرص إدارات البنوك على المدخرات كافة بقيودها وبعملاتها المحررة بها. فتوظيفاتنا لدى البنك المركزي والدولة والقطاع الخاص هي الضمانة. لذا فإن كل تقدم في مسار المعالجات سيوازيه تحسّن ملموس في تمكين أصحاب الحقوق من التصرف بأموالهم واستثمارها كما يرغبون». ويختم: «الأصل أن العميل والمصرف شريكان، ومصلحتهما المشتركة توجب إعلاء الوعي والتفهم لحقائق التطورات المؤثرة وتداعياتها على الانسياب الطبيعي لحركة الأموال. والحقيقة الساطعة أن السياسات الفاشلة لا المصارف هي التهديد الفعلي للاقتصاد ومعيشة الناس».



«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.


«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.


الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.