صلاح فضل: الريادة مسؤولية وليست كلمة «جوفاء» نتغنى بها

صاحب «الكتابات التأسيسية» يقول إنه تعلّم من العقاد احترام الذات

د. صلاح فضل
د. صلاح فضل
TT

صلاح فضل: الريادة مسؤولية وليست كلمة «جوفاء» نتغنى بها

د. صلاح فضل
د. صلاح فضل

تولى د. صلاح فضل مؤخراً مهمة القائم بأعمال رئيس مجمع اللغة العربية بالقاهرة، كمسؤولية جديدة تضاف إلى مسؤولياته الأخرى في الحقول الأكاديمية وفي الشأن الثقافي على نحو خاص.
هنا حوار معه حول مشواره وإسهاماته النقدية العديدة في مختلف الفروع الأدبية، الذي احتل من خلالها منذ مرحلة مبكرة موقعاً متميزاً في المشهد الثقافي العربي، وتم التطرق في الحوار معه إلى كتابه الذي صدر مؤخراً، ومهمته العلمية واللغوية الجديدة:

> يرى البعض أن كتابك الأخير «شغف الرواية» يأتي في سياق هيمنة نوع أدبي هو الفن الروائي على بقية الأنواع الأخرى؟
- هذا العمل هو في الواقع المجلد الرابع الذي يضم كتاباتي النقدية حول الرواية العربية الراهنة في السنوات العشر الأخيرة، وهو يضم ما يربو على مائتي مقال تتناول ما يربو على مائتي كاتب، وتجمع بين أمرين حرصت كل الحرص على أن أوفق بينهما: الهيكل المنهجي الصارم الذي يخضع الكتابة النقدية لجهاز معرفي علمي دقيق ثم الغطاء الشعري الناعم الذي يجعل قراءة النقد دعوة إلى المتعة الجمالية في استكشاف السرد، ودعوة إلى إطالة العمر عبر قراءة الأعمال الأدبية حسب مقولة شيخي الدكتور محمد مندور حين قال إن قراءة الأدب تطيل العمر؛ لأنها تضيف تجارب إنسانية وخبرات حياتية إلى عمر القارئ.
> اهتمامك الشديد بالرواية، ألم يأت على حساب أنواع أخرى مثل الشعر على سبيل المثال؟
- لي عشرات المقالات والدراسات التي تنصب على الشعر تنظيراً وتطبيقاً، كما أن عندي ما يربو على العشرين كتاباً في هذا السياق مثل «أساليب الشعرية المعاصرة». وأذكر أنني حين كنت منتظماً في كتابة المقالات بصحيفة «الأهرام» كنت أتعامل كمن يوزع اهتمامه بالعدل بين زوجتين، فأسبوع أكتب عن الرواية وفي الأسبوع الذي يليه أكتب عن الشعر. استمر الحال على هذا النحو حتى وجدت أن الشعر الفاتن القوي الذي يستحق أن أكتب عنه نادر في الحياة المعاصرة فعدت إلى الأزمنة الماضية أبحث عن جماليات القصيدة فيها، وتجلى ذلك في عدد من المؤلفات مثل «شعرية التوهج الحسي». واعتبر أن مشاركتي في برنامج «أمير الشعراء» عبر 15 عاماً واكتشافي لعشرات المواهب من النابغين في الشعر على امتداد الوطن العربي من المغرب إلى اليمن هي الضريبة التي أدفعها بحب إلى هذا الفن القريب إلى قلبي.
> لكن لو نظرنا إلى ترجمة الأدب العربي إلى اللغات الأجنبية، لوجدنا أن الرواية أفضل حظاً من الشعر، كيف ترى واقع الترجمة إذن؟
- المشكلة أن ما يُترجم عن العربية حتى الآن ليس هو أفضل ما في حياتنا الأدبية، وإنما يخضع الأمر في جزء كبير منه للمصادفة، فضلاً عن تحايل بعض الأدباء في الترويج لأعمالهم وكثيراً ما نجد أن أسوأ ما لدينا هو ما يتم ترجمته.
> وما العمل لحل هذا المأزق برأيك؟
- لا بد من ترجمة إنتاجنا النقدي التطبيقي في الرواية والشعر إلى اللغات الأخرى حتى يتسنى للآخر تكوين صورة دقيقة وصادقة عن واقع الإنتاج العربي الإبداعي الحالي. هنا سيعرف هذا الآخر أن لدينا العديد من الأسماء التي تستحق جائزة نوبل التي لم يحصدها العرب في الآداب منذ ثلاثين عاماً حين حصل عليها نجيب محفوظ.
> رغم انشغالك الكبير وازدحام جدولك بالعديد من المهام والمسؤوليات، فإنك أحد أكثر النقاد العرب متابعة لكتابات الأجيال الجديدة. كيف استطعت تحقيق هذه المعادلة؟
- كان الأمر توجهاً مقصوداً منذ البداية ثم أصبح ما يشبه رسالة، فعندما عدت من المكسيك بعد رحلة علمية وأكاديمية في منتصف السبعينيات أردت أن أبحث عن الأدباء الشبان والكتابات الجديدة وأتناولها بالنقد والتحليل وفق أسلوب حداثي عصري. وأذكر أنني ذهبت للدكتور لويس عوض في «الأهرام» وفاتحته في الأمر فقال لي إنه يتم التضييق عليه بسبب أن ثروت أباظة، الأديب الكبير الذي يتولى الإشراف على الثقافة في الجريدة آنذاك، لا يحبذ كتابات الأدباء الجدد! ذهبت للدكتور حسين مؤنس، رئيس تحرير مجلة «الهلال»الثقافية المتخصصة فقال لي: دعك من الأدباء الشبان واكتب لنا مقالاً عن الربيع والزهور والجمال!
لم أستسلم. أعددت مقالاً وافياً عن أحدث أعمال نجيب محفوظ آنذاك وكانت رواية «الحرافيش»، وبعثت به إلى مجلة «العربي» الكوميدية التي كان يترأسها في ذلك الوقت الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين. ولأن المجلة إصدار شهري، توقعت نشر المقال بعد أشهر عدة، لكن ما حدث هو أن النشر تم بعد أقل من أسبوعين، فقد سحب أحمد بهاء الدين مقاله الافتتاحي من المطبعة ونشر مقالي بدلاً منه دون أن يعرفني شخصياً! أما رد فعل نجيب محفوظ فقد وصلني من أحد حضور ندوته الأسبوعية والتي تم تخصيصها لمناقشة مقالي، حيث قال محفوظ بإيجاز شديد وفي عبارة بسيطة، لكنها شديدة الدلالة: الواحد لم يقرأ مقالاً حلواً بهذا الشكل منذ زمن طويل!
الكتابة عن الأدباء الشبان إذن رسالة واعية مقصودة منذ البداية وآليت على نفسي ألا أقتصر فيها على الإبداعات المصرية فقط، بل أعطي الإنتاج العربي نصيباً مماثلاً.
> في هذا السياق، كيف تفهم «الريادة المصرية» في فضاء الثقافة العربية؟
- أرفض أن تكون تلك الريادة كلمة «جوفاء» نتغنى بها ونعتبرها سبباً للتعالي، فالريادة الحقيقية في تقديري مسؤولية مستمرة. في الماضي، كان شباب العرب يمرون بمصر ليتشربوا منها الأدب والإبداع والمعرفة، أما في الوقت الراهن فمن واجب المثقفين على اختلاف مشاربهم التوجه إلى المراكز المعرفية والجامعات في هذا البلد أو ذاك ليكونوا هم أيضاً من روادها جنباً إلى جنب مع أبناء هذه البلدان. وعلى المستوى الشخصي، اعتبرت دوماً أن مسؤوليتي كمصري وكعربي التبشير بأي موهبة إبداعية غير مصرية والانحياز لها بقوة، تماماً كما أفعل مع المواهب المصرية.
> ما سر المصداقية الكبيرة التي تملكها كناقد حتى أن كثيرين من المبدعين الجدد يعتبرون أن كتابتك عن أحدهم تعد بمثابة شهادة ميلاد أدبي له؟
- قديماً طرحت على الدكتور لويس عوض سؤالاً مشابهاً يتعلق بسر الهيمنة النقدية التي يملكها، فسألني: إذا كان بحوزتك قطعة من المعدن الأصفر وتريد أن تعرف إذا ما كانت زائفة أم ذهباً حقيقياً، ماذا تفعل؟ أجبته بأنني سأبحث عن «خاتم» مصلحة الدمغة والموازيين: هل يوجد على المعدن أم لا؟ قال لي الدكتور: أنا أملك هذا الخاتم نقدياً. فلو كتبت عن شاعر صار شاعراً، ولو كتبت عن روائي صار روائياً!
قلت له متحدياً: سوف أستعير منك هذا الخاتم! اندهش وسألني كيف، قلت عبر مبادئ عدة أطبقها بصرامة، فلن أضعه على نص أدبي زائف وأزعم أنه أصيل. وإذا كان النص أصيلاً فسوف أجتهد في معرفة درجة أصالته عبر معايير ومناهج علمية تبتعد عن المجاملة، تماماً كما يحدد الخاتم درجة نقاء الذهب. أيضاً لن أخطئ أو أجامل مرة حتى لا أفقد مصداقيتي إلى الأبد. ابتسم الدكتور لويس وقال: إذا فعلت ذلك، ربما ترث الخاتم مني!
> كبرياؤك كمثقف استطعت الحفاظ عليه، وعلى «مسافة آمنة» في علاقتك بالسلطة؟
- هناك موقف تاريخي لا أنساه اتخذته نبراساً وهادياً في حياتي وتعلمت منه كيف يكون كبرياء المثقف في مواجهة السلطة بعيداً عن النفاق واحتراماً للذات.
كنت أحد المكرمين من الرئيس جمال عبد الناصر في عيد العلم وأحتفظ بصورتي معه وأنا أتسلم شهادة الليسانس باعتباري أحد المتفوقين على مستوى الجمهورية. وكان في الاحتفالية نفسها، عباس العقاد يتسلم شهادة الدولة التقديرية، فرأيت يوسف السباعي، باعتباره المسؤول رسمياً عن تنظيم الاحتفالية، ممتقع الوجه من شده خوفه مما سيقوله العقاد الذي كان معروفاً بمعارضته لتوجهات وسياسات الحكم الناصري، كما أنه لا يمكن أن يملي عليه أحد ما يقول. تسلم العقاد الشهادة ثم قال «أشكر هذا البلد الذي يعرف كيف يقدر أبناءه فارتفعت قامته بمقدار قاماتهم»، فهو لا يشكر الرئيس ولم يأت على ذكره، بل يشكر وطناً ارتفعت قامته لتصبح بمحاذاة قامة العقاد! تحولت بسبب هذا الموقف من «ناصري متعصب» إلى ناقد للنظام الناصري وما تلاه من أنظمة سياسية.
> أنت شاهد عيان على تحولات ثقافية شاملة في المنطقة العربية على مدار عقود، هل ظاهرة الجوائز الأدبية تساهم إيجاباً أم سلباً في المشهد العام؟
- في تقديري، أن المؤلفين حين يكتبون والعلماء حين يعكفون على تجاربهم، لا بد من أن تتوفر لهم حوافز مالية وأدبية وقوة دفع مجتمعي عبر مؤسسات، مدنية أم رسمية. على سبيل المثال، كانت أول جائزة حصل عليها نجيب محفوظ هي جائزة مجمع اللغة العربية.
وقيمة الجوائز مرهونة بأن يكون تحكيمها علمياً وموضوعياً وعادلاً ودقيقاً، كما يجب أن تكون ذات طابع تقدمي حضاري تبتعد عن المعايير السلفية التقليدية العتيقة. هذا هو السبب في احتفاظ جائزة مثل «نوبل» بقيمتها رغم مرور كل هذه السنوات على تأسيسها. بعض جوائزنا يراعي ذلك أم البعض الآخر فينكفئ على ذاته ويخضع لمعايير غير موضوعية.
> على ذِكر مجمع اللغة العربية الذي توليت مهمته مؤخراً، ما هي طموحاتك للنهوض بهذا الصرح الكبير؟
- أنا عضو قديم بالمجمع وأعرف عن قرب مدى حاجته إلى التحديث والتطوير، لا سيما على صعيد التحول الرقمي. هذا الصرح يشمل في عضويته كوكبة من خيرة علماء اللغة وخبراءها العظام، لكن ينقصه قادة الأدب والفكر والرأي العام وبعض عشاق اللغة وممثلو النسيج الوطني من المصريين، حيث كان من مؤسسيه الأوائل على سبيل المثال الأب كرملي والحاخام اليهودي. تغيير بنية المجمع يحتاج إلى جهد حقيقي لأن العضوية بالانتخاب وبالإجماع ومدى الحياة.
أيضاً لا بد للمجمع من بذل المزيد من الجهد للتواصل مع الأوساط التعليمية والإعلامية واختيار نصوص أدبية شيقة ليتم تدريسها في المراحل الدراسية المختلفة. وللأسف المجمع يقوم بصناعة ثقيلة في تعريب المصطلحات لكنها تطبع في كتيبات ثم توضع في الأدراج دون أن يستفيد منها المجتمع. أيضا الجهد الهائل الذي يبذله المجمع في إنتاج القواميس الرصينة الراسخة لا تصل للجمهور. الطموحات كثيرة لكن التحديات أيضاً غير هينة.



حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.