هل تؤشر أحداث كوبا إلى بداية نهاية «الكاستروية»؟

كسرت حاجز الخوف وهزت هيبة النظام الأمني

الرئيس ميغيل دياز - كانيل (يسار) والرئيس السابق راؤول كاسترو في هافانا أمس (أ.ف.ب)
الرئيس ميغيل دياز - كانيل (يسار) والرئيس السابق راؤول كاسترو في هافانا أمس (أ.ف.ب)
TT

هل تؤشر أحداث كوبا إلى بداية نهاية «الكاستروية»؟

الرئيس ميغيل دياز - كانيل (يسار) والرئيس السابق راؤول كاسترو في هافانا أمس (أ.ف.ب)
الرئيس ميغيل دياز - كانيل (يسار) والرئيس السابق راؤول كاسترو في هافانا أمس (أ.ف.ب)

في صيف عام 1994، شهدت كوبا أول اختبار جدي ضد الثورة، عندما خرجت مظاهرات حاشدة احتجاجاً على الأوضاع المعيشية الخانقة التي كانت تعيشها البلاد، وذلك بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وانقطاع شريان المساعدات الذي يمدها بالحياة والقدرة على مواجهة الحصار الأميركي الخانق. يومذاك، لم تتجاوز تلك الاحتجاجات حدود العاصمة هافانا، وتمكن النظام من إخمادها بسرعة بفضل «وحدات التدخل السريع» الشعبية. ومن ثم، انتهت بخروج ما يزيد على 30 ألف كوبي من المعارضين والسجناء عن طريق البحر إلى الولايات المتحدة، فيما وصفه فيديل كاسترو -حينذاك- بعملية «تطهير الثورة من أدرانها».
غير أن المظاهرات التي خرجت يوم الأحد الفائت احتجاجاً على الضائقة المعيشية والأزمة الاقتصادية المستفحلة عمت كل المدن الكبرى وكثيراً من القرى، ثم إنها اتسمت بمستوى غير مسبوق من أعمال النهب والاعتداء على آليات أجهزة الأمن والسيارات الرسمية. وللمرة الأولى، حُطمت صور للزعيم التاريخي فيديل كاسترو، وعلت هتافات تطالب بإنهاء «الديكتاتورية»، ما يطرح تساؤلات عما إذا كانت الأحداث الحالية تؤشر إلى بداية نهاية «الكاستروية»؟
وأيضاً، للمرة الأولى، استدعت تلك الاحتجاجات رداً وحشياً من الأجهزة الأمنية كشف مستوى الخطر الذي شعرت به الحكومة حتى دفعها إلى فتح مواجهة تحت عنوان «مصير الثورة» ضد من سمتهم «عملاء الداخل في خدمة الإمبريالية الأميركية».
والأنباء التي تتداولها حالياً وسائل الإعلام عن الأوضاع في كوبا معظمها من مصادر خارج الجزيرة، وذلك بسبب قطع خدمة «الإنترنت»، واستحالة التواصل عبر المنصات الإلكترونية التي كان لها الدور الحاسم في التعبئة الشعبية الواسعة، والدعوة إلى التظاهر. وتفيد اتصالات خاصة أجرتها «الشرق الأوسط» مع مقيمين في هافانا بأن الوضع في العاصمة يسوده هدوء حذر، وسط انتشار كثيف لعناصر من قوات الأمن والشرطة في الشوارع وأمام المباني الرسمية.
وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز - كانيل، في تجمع نُظم أمس (السبت)، وتقدمه راؤول كاسترو، وحضره آلاف الأنصار في هافانا، إن «ما يراه العالم في كوبا كذبة»، مستنكراً نشر «صور مضللة» على شبكات التواصل الاجتماعي.
- اختبار للنظام
إلا أن المؤشرات الواردة من هافانا، والمعلومات المستقاة من مصادر دبلوماسية في العاصمة الكوبية، تفيد بأن النظام الكوبي يقف أمام أخطر اختبار له منذ ستة عقود، وأن التطورات الأخيرة إن لم تكن بداية النهاية، فهي تحمل نذر بداية النهاية. ولعل أبرز المؤشرات الدالة على عمق الأزمة، واتساع دائرة تأثير الأحداث الأخيرة في الأوساط الاجتماعية، المواقف التي صدرت عن شخصيات فكرية وفنية بارزة ليست محسوبة ضمن مَن يصفهم النظام بـ«العناصر المضادة للثورة»، إذ يقول الكاتب المسرحي المعروف كارلوس سيردان الذي حاز أخيراً على «الجائزة الوطنية للمسرح»، معلقاً: «لا للعنف، لا للتعسف، لا لسوء المعاملة. لا أستطيع مشاهدة صور القمع من غير أن أتساقط على نفسي مهشماً. كل شريط فيديو يصور القمع الذي تمارسه الأجهزة ضد المتظاهرين يتركني بلا خيارات ومن غير بدائل. لقد وهبت حياتي لكوبا عبر المسرح. ناضلت من أجل الثورة، وقاومت في أصعب الظروف. أنا أعشق ما تمكنا من إنجازه على الرغم من كل الصعاب، لكن ما يحصل الآن أمام أعيننا لا أستطيع القبول به».
ومما لا شك فيه أن النظام أدرك تماماً خطورة الوضع، والاحتمالات الحقيقية لخروجه عن السيطرة، عندما دعا إلى عقد اجتماع طارئ للمكتب السياسي للحزب الشيوعي، حضره الرئيس السابق راؤول كاسترو الذي كان قد استقال من رئاسته وعضويته. وجاء في البيان الصادر عن الاجتماع، بعد 6 ساعات من النقاش: «بحث المكتب الاستفزازات التي قامت بها عناصر مضادة للثورة، بتحريض من الولايات المتحدة وتنظيمها وتمويلها، بهدف زعزعة الأمن والاستقرار في كوبا. وتناول الاجتماع الاستجابة الشعبية النموذجية لنداء الرفيق (الرئيس) دياز كانيل من أجل الدفاع عن الثورة في الشوارع التي أدت إلى إحباط المخططات والأعمال التخريبية».
ومع هذا، فإن تذرع النظام بنظرية «المؤامرة الخارجية»، واتهامه المتظاهرين بخدمة «أعداء الثورة»، ووصفهم بـ«المخربين»؛ كل ذلك يتهاوى أمام عفوية الاحتجاجات، والاتساع غير المسبوق لدائرتها، ثم إن التهويل بالقمع يتداعى تحت وطأة الضائقة المعيشية التي أظهرت الأحداث أن الشعب لم يعد قادراً على تحملها، ولا الحكومة قادرة على معالجتها أو التخفيف من حدتها.
وفي هذا السياق، يقول الكاتب يونيور غارسيا الذي اعتقلته الأجهزة الأمنية إبان مشاركته في المظاهرات، ثم أطلق سراحه بعد يومين من التحقيقات: «تبين بوضوح جلي خلال التحقيق مع جميع المعتقلين أننا لم نخرج إلى الشوارع بتوجيه أو تحريض من أي طرف خارجي... ولم يدفع لنا أحد فلساً واحداً للقيام بما قمنا به، لكننا طرحنا مواقفنا وأفكارنا من أجل التغيير كي لا يقع البلد في الهاوية السائر نحوها بسبب من الأزمة الصحية، وفقدان الأدوية والمواد الغذائية، والتضخم الجامح، والديون التي يستحيل سدادها».
ومن جانبها، تقول كارمن ميسا، الخبيرة التشيلية في الاقتصاد الكوبي بجامعة هارفارد: «بلغ الوضع الاقتصادي في كوبا من الخطورة ما جعل منه العامل الرئيس في انطلاق هذه الاحتجاجات التي ستتكرر مهما حاول النظام قمعها. ما زالت كوبا حتى اليوم الدولة الوحيدة في العالم، إلى جانب كوريا الشمالية، التي تصر على تطبيق نظام التخطيط المركزي الأشد صرامة في العالم الاشتراكي، مع أنه أظهر فشله الذريع في كل أنحاء العالم».
- الخلفية الاقتصادية للأزمة
وتعزو ميسا فداحة الأزمة الاقتصادية الكوبية إلى الأسباب التالية: أولاً، فشل خطة الإصلاح الزراعي التي كان فيديل كاسترو قد وضعها في عام 2002، وأدت إلى انخفاض إنتاج السكر الذي يشكل المحصول الأساسي لقطاع الزراعة الكوبي.
ثانياً، تراجع الطلب على الخدمات المهنية التي كان الخبراء الكوبيون، خاصة الأطباء، يقدمونها إلى الدول الحليفة. وكانت هذه الخدمات تشكل المصدر الأساسي الذي يعتمد عليه النظام للحصول على العملة الصعبة.
ثالثاً، الانهيار الاقتصادي في فنزويلا التي كانت لسنوات مصدر الدعم الرئيس لكوبا.
رابعاً، القيود الإضافية التي فرضتها إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب على التحويلات المالية إلى كوبا، والتي خلافاً للتوقعات قررت إدارة الرئيس الحالي جو بايدن ألا ترفعها.
- «دولة أمنية» ذكية
من السذاجة الاعتقاد اليوم بأن «كاريزما» فيديل كاسترو هي العامل الذي كان يمد النظام بمقومات البقاء، أو أن الإنجازات التي حققتها الثورة في الصحة والتعليم تكفي لصموده في وجه الأزمة الاقتصادية المعمرة. فمنذ أواخر ستينيات القرن الماضي، وبعدما رسخ النظام الثوري سلطته وسيطرته على كوبا، فإنه أرسى منظومة أمنية متماسكة على أسس الرصد المبكر لحركات الاستياء والتمرد، وردعها أو قمعها قبل ظهورها أو حدوثها. وبينما كانت الأنظمة الاستبدادية اليمينية في أميركا اللاتينية تمارس القمع الوحشي المكشوف، والاغتيالات في وضح النهار، كان النظام الكوبي يعتمد سياسة القمع الانتقائي، انطلاقاً من المعلومات الدقيقة التي كانت تؤمنها له شبكة واسعة من الاستخبارات، وهي السياسة نفسها التي كانت يتبعها النظام الشيوعي في ألمانيا الشرقية، بواسطة استخباراته الشهيرة (ستازي) التي كان شعارها «تحاشي القتل»، استناداً إلى مئات الآلاف من المُخبرين المنتشرين في كل قطاعات المجتمع.
ومن ثم، فمَن يعرف كوبا جيداً لا يخفى عليه أن الأبناء كانوا يتجسسون على آبائهم، والعكس بالعكس. كما كان يتجسس حراس السجون على المعتقلين، والعكس بالعكس. وكان المبدأ الأساسي الذي يقوم عليه النظام الأمني هو «الخوف وانعدام الثقة». الحزب الشيوعي يضم مئات الآلاف من المنتسبين، و«لجان الدفاع عن الثورة» تضم الملايين، والتجسس يوفر من المزايا بقدر ما يتعرض المعارضون للعقاب والحرمان من الخدمات الصحية والتعليم والمساعدات الغذائية. والحقيقة أنه لا يوجد في كوبا آلاف المفقودين كما في الأرجنتين، ولا اغتيالات جماعية كما في أنظمة الاستبداد في أميركا الوسطى. في كوبا، الاعتقالات انتقائية بدقة، والتعذيب لا يجب أن يترك آثاراً ظاهرة، والمعارضون الأشداء لا يتعرضون للاغتيال، بل يموتون في حوادث غامضة أو ينتحرون. لذلك، يمكن القول اليوم إن الاحتجاجات التي خرجت الأحد الفائت كشفت انهيار نظام التجسس والوقاية بعدما تداعى الخوف من سلطة الدولة، وتهاوت سيطرتها.
الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها كوبا اليوم تضعها أمام طريق مسدود لأن أحداً لن يهب لإنقاذ النظام، ذلك أن روسيا باتت متعبة من دعمه، والصين لا تقدم الهدايا لأحد، وفنزويلا بحاجة لمن ينقذها. وعلى العكس من الأزمات السابقة، عندما كان المعارضون والمحتجون يطلبون الخروج من الجزيرة، ويسهل النظام إبعادهم للتخلص منهم، يطالب المحتجون اليوم بالبقاء وتغيير النظام. وفي المقابل، يصر النظام على إطالة حفل وداع الشيوعية الكوبية، ويرفض الحديث عن التغيير، أو حتى عن الإصلاح، متجاهلاً نصيحة ميخائيل غورباتشوف الشهيرة: «الحياة تعاقب أولئك الذين يقررون تأجيل الحياة».



تحفّظ دولي عقب دعوة ترمب لتأمين مضيق هرمز

ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
TT

تحفّظ دولي عقب دعوة ترمب لتأمين مضيق هرمز

ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

قوبلت دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدول حليفة وشريكة بإرسال سفن حربية للمساعدة في حماية الملاحة في مضيق هرمز بردود حذرة

قوبلت دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدول حليفة وشريكة بإرسال سفن حربية للمساعدة في حماية الملاحة في مضيق هرمز بردود حذرة ومتباينة، في وقت تهدد فيه الحرب الدائرة مع إيران باضطراب طويل الأمد لأحد أهم الممرات النفطية في العالم.

وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت أن بحريتها ستبدأ قريباً مرافقة ناقلات النفط عبر المضيق الاستراتيجي، الذي يمر عبره نحو خُمس إنتاج النفط العالمي؛ إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 3 آلاف سفينة كانت تعبره شهرياً قبل أن تشلّ التهديدات الإيرانية حركة الملاحة فيه، في أعقاب اندلاع الحرب في المنطقة قبل أسبوعين.

ترمب يُحمّل العالم المسؤولية

كتب ترمب على منصة «تروث سوشال»، السبت: «نأمل بأن تبادر الصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة ودول أخرى إلى إرسال سفن إلى المنطقة». وأضاف في تغريدة لاحقة: «ستنسق الولايات المتحدة مع تلك الدول لضمان سير الأمور بسلاسة وكفاءة. كان يجب أن يكون هذا جهداً جماعياً منذ البداية، وهو ما ستكون عليه الحال الآن».

وفي مقابلة هاتفية مع شبكة «إن بي سي»، أكد ترمب أن دولاً عدة لم تكتفِ بالموافقة، بل رأت في الأمر «فكرة رائعة»، غير أن المواقف الرسمية التي صدرت لاحقاً جاءت في معظمها متردّدة.

وبعد ساعات من الدعوة الأميركية، حثّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، خلال اتصال هاتفي بنظيره الفرنسي جان نويل بارو، دول العالم إلى «الامتناع عن أي إجراء قد يؤدي إلى تصعيد النزاع وتوسيعه». ويرى المراقبون أن هذا التحذير يستهدف تحديداً الدول التي يسعى ترمب إلى استقطابها.

سيول «تدرس بعناية»

أعلنت رئاسة الجمهورية الكورية الجنوبية أنها «تدرس من كثب» الطلب الأميركي. وقال المتحدث باسمها: «نتابع تصريحات الرئيس ترمب على وسائل التواصل الاجتماعي، وسندرس المسألة بعناية في إطار التشاور الوثيق مع واشنطن». وأشار المسؤول إلى أن بلاده تُجري «بحثاً دقيقاً لمختلف التدابير لضمان أمن طرق نقل الطاقة»، مستحضراً أهمية حرية الملاحة الدولية للاقتصاد الكوري الذي يعتمد اعتماداً كبيراً على واردات الطاقة العابرة للمضيق. وكانت سيول قد اتخذت في وقت سابق قراراً بتحديد سقف لأسعار الوقود، وهو إجراء استثنائي لم تلجأ إليه منذ عام 1997.

طوكيو تتمسك بـ«الاستقلالية»

لم يصدر عن اليابان أي رد رسمي على الدعوة الأميركية حتى اللحظة. وأبلغت وزارة الخارجية اليابانية وكالة «إن إتش كيه» الإخبارية أن طوكيو «لن تُسارع إلى إرسال سفن حربية بناءً على طلب ترمب»، مستندةً إلى مبدأ راسخ مفاده أن «اليابان تتخذ قراراتها المستقلة وفق حكمها الخاص». بينما أوضح تاكايوكي كوباياشي، المسؤول عن السياسات في الحزب الحاكم، أن القوانين النافذة تجعل قواعد إرسال السفن العسكرية إلى المنطقة «شديدة الصعوبة» من الناحية القانونية.

لندن «مستعدّة للتعاون»

أبدى وزير الطاقة البريطاني، إد ميليباند، استعداداً للتعاون دون أن يُفصح عن أي التزام ميداني، مؤكداً أن «أفضل السُّبل وأجداها لإعادة فتح المضيق هو وضع حدٍّ لهذا الصراع». وأضاف ميليباند أن إعادة فتح مضيق هرمز تمثل «أولوية للعالم»، مشيراً إلى أن «كل الخيارات التي قد تسهم في إعادة فتح المضيق يجري النظر فيها».

وأشار إلى أن لندن «تتحدث مع حلفائها بما فيهم الولايات المتحدة» لدراسة ما يمكن تقديمه، مستعرضاً جملةً من الخيارات المطروحة، من بينها تزويد المنطقة بـ«معدات ذاتية لكشف الألغام البحرية». كما أوضح أن بريطانيا أجرت بالفعل محادثات مع حلفائها لإعادة الملاحة في المضيق إلى طبيعتها. ولفت ميليباند أيضاً إلى أن وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر زارت المملكة العربية السعودية، هذا الأسبوع، لإجراء محادثات مع دول الخليج بشأن أمن المضيق، مؤكداً أن لندن «تريد العمل مع شركائها» لمعالجة الأزمة.

وأكدت الحكومة البريطانية أن أولويتها الراهنة تبقى «خفض حدة الصراع» لا التصعيد العسكري.

باريس تُبقي أسطولها في «وضع دفاعي»

أعلنت وزارة الخارجية الفرنسية على منصة «إكس» أن سفنها المنتشرة أصلاً في شرق البحر المتوسط ستبقى في «وضع دفاعي». وكان الرئيس إيمانويل ماكرون قد أبدى في وقت سابق انفتاحه على إمكانية مرافقة السفن عبر المضيق مستقبلاً، إلا أن المحللين يرون أن الموقف الفرنسي لا يزال «بعيداً جداً عن تشكيل مهمة فعلية».

وذكرت صحيفة «فاينانشال ⁠تايمز» أن وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي الذين ⁠يعقدون اجتماعاً دورياً، الاثنين، سيناقشون إمكانية توسيع نطاق مهمة «أسبيدس» البحرية التابعة للاتحاد الأوروبي والتي تحمي الملاحة من هجمات الحوثيين في البحر الأحمر لتشمل مضيق هرمز. وقال مسؤولون إن فرنسا تسعى لتشكيل تحالف لتأمين مضيق هرمز بمجرد استقرار الوضع الأمني هناك.

بكين تدعو إلى وقف إطلاق النار

جاء الموقف الصيني الأكثر تحفظاً والأبعد عن الاستجابة لمطالب واشنطن؛ إذ اكتفى المتحدث باسم السفارة الصينية في واشنطن بالدعوة إلى «وقف فوري لإطلاق النار»، وفق صحيفة «فاينانشال تايمز»، مُتجاهلاً الطلب الأميركي بصورة شبه كاملة.

في المقابل، أبدى وزير الطاقة الأميركي كريس رايت تفاؤلاً حذراً بشأن الدور الصيني، مُعرباً عن أمله في أن تكون بكين «شريكاً بنّاءً» في إعادة فتح المضيق، نظراً لحجم اعتمادها على نفط الخليج.


هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».