تحذير أممي من تعريض الانتخابات الليبية للخطر... ودعوة لرحيل «المرتزقة»

مجلس الأمن يلوّح بمعاقبة «مفسدي» العملية السياسية

عبد الحميد الدبيبة مع وزير الخارجية الفرنسي على هامش جلسة مجلس الأمن أمس (الشرق الأوسط)
عبد الحميد الدبيبة مع وزير الخارجية الفرنسي على هامش جلسة مجلس الأمن أمس (الشرق الأوسط)
TT

تحذير أممي من تعريض الانتخابات الليبية للخطر... ودعوة لرحيل «المرتزقة»

عبد الحميد الدبيبة مع وزير الخارجية الفرنسي على هامش جلسة مجلس الأمن أمس (الشرق الأوسط)
عبد الحميد الدبيبة مع وزير الخارجية الفرنسي على هامش جلسة مجلس الأمن أمس (الشرق الأوسط)

بينما حذّر المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا، يان كوبيش، من أن يعرض جمود القوى السياسية المتنازعة مواعيد الانتخابات المقررة في 24 ديسمبر (كانون الأول) المقبل للخطر، وجّه مجلس الأمن إنذاراً مبطناً لـ«مفسدي» العملية السياسية من احتمال تعرضهم لعقوبات دولية إذا أخفقوا في تنفيذ التزامات خريطة الطريق، التي وضعها منتدى الحوار الوطني الليبي ومؤتمر برلين الثاني، والقرار 2570.
وعلى إثر جلسة رفيعة المستوى عقدها أعضاء مجلس الأمن في نيويورك، برئاسة وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، ورئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة، أصدر مجلس الأمن بياناً رئاسياً، رحّب فيه بمؤتمر برلين الثاني وخلاصاته، و«التزام المشاركين في العملية السياسية التي تسيّرها الأمم المتحدة بقيادة وملكية ليبية، بالعمل على سيادة البلاد واستقلالها وسلامة أراضيها ووحدتها الوطنية». وعبّر عن دعمه للمجلس الرئاسي المؤقت، وحكومة الوحدة الوطنية، بصفتهما حكومة مكلفة بقيادة البلاد إلى الانتخابات الوطنية الرئاسية والبرلمانية في ديسمبر (كانون الأول) المقبل، على النحو المنصوص عليه في منتدى الحوار السياسي الليبي والقرار 2570.
وشدد مجلس الأمن على «أهمية إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية حرة ونزيهة، تكون شاملة وذات صدقية»، مؤكداً «أهمية الترتيبات التي تكفل المشاركة الكاملة والمتساوية والهادفة للمرأة وإدماج الشباب»، داعياً إلى «حماية النساء من التهديدات والأعمال الانتقامية»، وإعطاء «أهمية لتوحيد المؤسسات الليبية والحكم الرشيد، وتحسين الأداء الاقتصادي، من خلال الاتفاق على ميزانية موحدة، والاتفاق سريعاً على توزيع المناصب السيادية، على النحو المنصوص عليه في خريطة الطريق التي وضعها المنتدى». مؤكداً اعتزامه «ضمان إتاحة الأصول المجمدة في مرحلة لاحقة للشعب الليبي ولصالحه». كما ذكر بـ«التزام المشاركين في مؤتمر برلين الثاني قبول ودعم نتائج العملية السياسية الليبية الداخلية»، مشدداً على «أهمية وجود عملية مصالحة وطنية شاملة».
في سياق ذلك، حضّ مجلس الأمن «بشدة السلطات والمؤسسات ذات الصلة، بما في ذلك مجلس النواب، على اتخاذ إجراءات فورية لتوضيح الأساس الدستوري للانتخابات، وسنّ تشريعات، بحسب الاقتضاء، لإتاحة الوقت والموارد الكافية للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات من أجل التحضير للانتخابات الرئاسية والبرلمانية الوطنية، وفقاً للجدول الزمني المحدد في خريطة الطريق».
وفي تحذير مبطن إلى معرقلي العملية السياسية من احتمال تعرضهم لعقوبات، أشار مجلس الأمن إلى أن «التدابير المنصوص عليها في القرار 1970 تنطبق أيضاً على الأفراد والكيانات، الذين تقرر اللجنة مشاركتهم أو تقديمهم الدعم لأعمال أخرى، تهدد السلام أو الاستقرار أو أمن ليبيا، أو عرقلة أو تقويض الاستكمال الناجح لعملية انتقالها السياسي». وحضّ جميع الدول الأعضاء، وجميع الأطراف الليبية، والجهات ذات الصلة، على احترام ودعم التنفيذ الكامل لاتفاق 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2020 لوقف النار، من خلال انسحاب جميع القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا من دون تأخير. مذكراً بقراره بأن «تمتثل جميع الدول الأعضاء لحظر الأسلحة المفروض على ليبيا»، وأن «يلتزم المشاركون في مؤتمر برلين بالامتناع عن التدخل في النزاع المسلح، أو في الشؤون الداخلية لليبيا، ودعوتهم جميع الأطراف الدولية إلى أن تحذو حذوها».
وأوضح كوبيش أن المندوبين في ملتقى الحوار لا يزالون منقسمين بخصوص القضايا الرئيسية المتعلقة بالانتخابات الرئاسية والتشريعية. ووصف هؤلاء بأنهم من «المفسدين»، مندداً خصوصاً بإلحاح بعض المجموعات على فرض «شروط مسبقة» لإجراء الانتخابات، ما من شأنه أن «يقوض تاريخ الاستحقاق المتفق عليه».
في سياق ذلك، أكدت المندوبة الأميركية الدائمة لدى الأمم المتحدة، ليندا توماس غرينفيلد، أن «الحل السياسي في ليبيا ممكن»، مضيفة أنه «ضروري وعاجل». لكنه «يتطلب إجراء انتخابات في 24 ديسمبر (كانون الأول)»، داعية الأطراف الليبية إلى «ضمان حدوث ذلك من خلال وضع الأطر القانونية والدستورية اللازمة في مكانها الصحيح». وأكدت أنه «يجب على مجلس الأمن أن يواصل دعم الجهود المبذولة لحل القضايا المتعلقة بخفض التصعيد العسكري والدعوة إلى الرحيل الفوري للقوات الأجنبية والمرتزقة»، مشددة أيضاً على «أهمية التنفيذ الكامل لاتفاق وقف النار».
من جانبه، قال رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، إن إجراء الانتخابات العامة في موعدها المقرر «خيار وطني وتاريخي». وأضاف الدبيبة، خلال جلسة مجلس الأمن، إن تنفيذ هذا الخيار «يتطلب تكاتف الجميع، كل حسب اختصاصه»، مؤكداً أهمية العمل على إنجاز القاعدة الدستورية للانتخابات. واستعرض في هذا السياق جهود حكومته في دعم إجراء الانتخابات في موعدها، مثل تشكيل لجنة وزارية لدعم الانتخابات، وتخصيص مبالغ للمفوضة العليا للانتخابات.
في غضون ذلك، قال وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، خلال كلمته أمام جلسة مجلس الأمن، إن أي طرف في ليبيا يعرقل العملية السياسية «يعرض نفسه للعقوبات الدولية»، مشيراً إلى أن «هناك تهديدات حقيقية تلوح في الأفق في ليبيا، ونعمل على إنهائها». وأضاف لودريان، في كلمته أمام مجلس الأمن الدولي: «ما زال البعض يعارض الجدول الزمني لخريطة الطريق في ليبيا وإجراء الانتخابات، التي علينا عدم التراجع عن إجرائها في 24 ديسمبر (كانون الأول)، والعمل للتغلب على التحديات التي تواجه الشعب الليبي».
بدوره، أعرب وزير الخارجية الألماني، هايكو ماس، عن توقعه بدء انسحاب المقاتلين الأجانب من ليبيا خلال الأسابيع المقبلة. وقبل جلسة مجلس الأمن الدولي الخاصة بليبيا، قال ماس إن المحادثات مع جميع الأطراف «أفادت بأننا بصدد البدء في سحب المرتزقة السوريين، الذين تم الاستعانة بهم من قبل طرفي الصراع... وهذه ستكون الخطوة الأولى لانسحاب واسع النطاق للقوات الأجنبية من ليبيا، وبدون هذه القوات لا يمكن للحرب الأهلية أن تندلع مجدداً». موضحاً أن طرفي الصراع أعلنا استعدادهما لسحب المرتزقة السوريين كخطوة أولى، وقال إنه يتوقع «أن ما تم الوعد به سيتم تنفيذه في الأسابيع المقبلة».
من جهته، قال الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، إن «الزخم المصاحب للعملية السياسية» في ليبيا «لا بد أن يستمر»، معتبراً أن توقفها يعني «خذلاناً» للشعب الليبي.
وأكد أبو الغيط في كلمته أمام جلسة مجلس الأمن الدولي اهتمام الجامعة العربية بإجراء الانتخابات، معتبراً أن هذا الاستحقاق يعد «نقطة فاصلة في مسار إنقاذ ليبيا، والحفاظ عليها موحدة ومستقرة»، حسبما ذكرت «بوابة الوسط» الإخبارية. ومشدداً على أن إخراج القوات الأجنبية «دون تأخير» يعد «ضرورة ملحة»، وأن «التباطؤ والتأخر» في هذا الشأن ستكون له «انعكاسات خطيرة» على المسار السياسي الليبي.



«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.


الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.


صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)
تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)
TT

صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)
تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)

وسط العزلة التي تعيشها الجماعة الحوثية، تتزايد أحداث العنف التي تعكس حدوث تحوّلات عميقة في علاقتها بالمكونات المجتمعية وقدرتها على فرض الهيمنة، وعجزها عن إدارة الخلافات الداخلية، حيث تتقاطع المصالح وتتصادم على النفوذ والموارد، في ظل غياب آليات مستقرة لضبط هذا التنافس، مع اتساع رقعة الاستياء الشعبي وعدم الثقة في المؤسسات الخاضعة للجماعة.

وفي إحدى أحدث وقائع الفوضى الأمنية وأخطرها، تحوّل مقر إدارة أمن مديرية جبل رأس، جنوب محافظة الحديدة (غرب)، الثلاثاء الماضي، إلى ساحة اشتباك مفتوح بين قيادات من داخل الجماعة نفسها، في مواجهة استخدمت فيها الأسلحة الرشاشة وسط أحياء سكنية مكتظة.

وذكرت مصادر محلية أن توتراً متصاعداً بين القيادي محمد عباس القحيف المعين من قبل الجماعة مديراً لأمن المديرية، والقيادي الميداني أبو بشار حبيب مطلق، تحول إلى مواجهة مباشرة بالأسلحة الرشاشة داخل المقر الأمني، أسفرت عن إصابة عددٍ من العناصر من الجانبين، بالإضافة إلى إصابة مدني، حالته حرجة، بفعل انتقال الاشتباكات إلى الخارج.

وشهدت الأسابيع الماضية مقتل عددٍ من القادة الأمنيين والميدانيين الحوثيين في محافظات الجوف والمحويت وصنعاء والبيضاء.

الحوثيون يستغلون التصعيد الإقليمي للتغطية على سوء المعيشة وتردي الخدمات (رويترز)

ويرى صلاح علي صلاح، الباحث السياسي اليمني، أن هذه الصراعات «ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر وضوحاً وتكراراً»، نتيجة تراكم شبكات نفوذ تشكّلت خلال سنوات الحرب، أعادت توزيع مراكز القوة داخل الجماعة، وأضعفت أدوار قوى قبلية واجتماعية كانت شريكة أو مستفيدة في مراحل سابقة.

ويشير صلاح في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن المرحلة الراهنة تشهد تحولاً لافتاً، يتمثل في انتقال التوترات من أطراف المشهد إلى داخل بنية الجماعة نفسها، مع بروز خلافات بين القيادات والمشرفين، مدفوعة بالتنافس على النفوذ والموارد والصلاحيات، وهي خلافات لم تعد قابلة للاحتواء إلا عبر تدخلات مباشرة من القيادة العليا.

وتعددت خلال الأيام الماضية وقائع العنف المرتبطة بالخلافات الشخصية وانتشار السلاح بين قيادات حوثية وسكان في عدد من المحافظات، ففي صنعاء قُتِل الشيخ القبلي عبد الرزاق العذري، على يد شقيقه محمد، وهو مسلح تابع للجماعة، بعد خلاف على قطعة أرض في مديرية أرحب شمال العاصمة المختطفة.

تجيير الأمن والقضاء

في سياق هذا الانفلات الأمني، قُتل شيخ قبلي آخر في منطقة قيفة في مديرية رداع التابعة لمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، وشخص آخر في مركز المديرية.

وحسب المصادر المحلية، فإن الشيخ محمد الربيحي قُتل في كمين مسلح نصبه مجهولون، بينما سقط رجل مسن ينتمي إلى محافظة إب، خلال وجوده في مدينة رداع، برصاص مسلحين قبليين، دون الكشف عن ملابسات الواقعة.

وتعدّ مديرية رداع في البيضاء مسرحاً مفتوحاً لانفلات أمني من جهة، ومواجهة بين السكان والجماعة الحوثية من جهة أخرى.

باحثون يرجحون أن انشغال الحوثيين بالتصعيد الإقليمي أدى إلى تراجع سيطرتهم الداخلية (غيتي)

وتعتزم قبائل قيفة اتخاذ مواقف تصعيدية رافضة لقرار قضائي من محكمة تابعة للجماعة بإعدام 11 شخصاً من أبنائها، على خلفية نزاع قبلي سابق مع قبائل سنحان في محافظة صنعاء.

ومنذ أشهر تطور نزاع على أرض بين أحد شيوخ المنطقة وقيادي حوثي في مديرية سنحان، إلى اشتباك مسلح أسفر عن مقتل شخصين من كل طرف، ورغم تدخل وساطة لتهدئة الموقف واحتجاز أشخاص من الجانبين رهائن لضمان التسوية، فوجئت قبائل قيفة بصدور قرارات إعدام جماعية دون علمها بحدوث أي إجراءات قضائية.

ووفقاً لما أوردته مصادر محلية فإن أبناء قيفة يتهمون القيادي الحوثي يحيى الرزامي، بالوقوف خلف القرار القضائي والانحياز لصالح قبائل سنحان، سعياً إلى إذلالهم بسبب مواقفهم المناهضة لنفوذ الجماعة وممارساتها.

وكانت المديرية شهدت، الشهر الماضي، مقتل ملاطف الجاكي، المكنى أبو حامد، أحد أبرز القيادات العقائدية للجماعة الحوثية التي اعترفت بالواقعة، دون أن تقدم أي تفاصيل عنها أو من يقف خلفها، مكتفية بتشييعه في صنعاء، بحضور عدد من القيادات المتوسطة والميدانية.

ويرجح المحلل في الشأن اليمني باسم منصور أن يكون للعزلة التي تعيشها الجماعة الحوثية دور في فقدانها القدرة على إدارة الخلافات الداخلية أو السيطرة على أحداث العنف، ففي حين تنشغل القيادات العليا بالتطورات العسكرية والأمنية المحلية والإقليمية، تلجأ القيادات الميدانية إلى التصرف برعونة في مواجهة الاستياء الشعبي أو في إدارة المشهد الأمني.

ويوضح منصور لـ«الشرق الأوسط» أن القيادات العليا مضطرة للاختفاء وتأمين نفسها خوفاً من أي استهداف إسرائيلي، في حين يجد المشرفون والقادة الميدانيون أنفسهم في مواجهة غضب الشارع وسط مخاوفهم من انهيار سيطرة الجماعة.

غضب معكوس

تزايدت في الآونة الأخيرة حوادث العنف لحل الخلافات الشخصية، في مختلف مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى، وسط غياب الأجهزة الأمنية الحوثية وتدخلها المتأخر، في حين يشكو السكان من بطء إجراءات الأجهزة القضائية وفسادها وعدم قدرتها على حل النزاعات.

ويذهب باحث في الإعلام والسياسة، يقيم في صنعاء، إلى أن الظروف المعيشية المعقدة وتردي الخدمات في مناطق سيطرة الجماعة تسببت في وقوع السكان تحت ضغوط نفسية كبيرة تدفعهم إلى التهور في تصرفاتهم وحل خلافاتهم.

صعوبة العيش في مناطق سيطرة الحوثيين تدفع إلى مزيد من الفوضى الأمنية (غيتي)

ويبين الباحث، الذي طلب من «الشرق الأوسط» التحفظ على هويته حفاظاً على سلامته، أن غضب السكان يتزايد يومياً بفعل ممارسات الجماعة الحوثية وإجراءاتها التي أدت إلى مفاقمة معاناتهم، إلا أن هذا الغضب ينفجر في الخلافات الشخصية، ويتطور إلى عنف لا محدود.

ولم تعد الأجهزة الأمنية أداة لفرض النظام، بل أصبحت ساحة لتصفية الحسابات كما حدث في مديرية جبل رأس، بينما تفقد المؤسسات القضائية ثقة السكان، وتتحول إلى خصم لهم ما يتيح المزيد من الانفلات في بيئة يسودها انتشار السلاح وغياب الردع، وتآكل دور المؤسسات القضائية والأمنية.

وفي ظل استمرار هذا المشهد، يبقى المدنيون هم الحلقة الأضعف، عالقين بين صراعات الأجنحة الحوثية في الأعلى، وفوضى السلاح في الميدان، دون أفق واضح لاستعادة الحد الأدنى من الاستقرار.