شانون... الرجل الذي صنع عصرنا المعلوماتي

كان شخصية نادرة يصعب إيجاد مثيل لها بين علماء آخرين

كلود شانون
كلود شانون
TT

شانون... الرجل الذي صنع عصرنا المعلوماتي

كلود شانون
كلود شانون

لو سألنا كثيراً من مواطني هذا العصر، في أماكن مختلفة من هذا العالم: من ترونه ممثلاً حقيقياً لعصرنا الرقمي؟ فأظن أن معظم الإجابات ستختار واحداً أو أكثر من الأسماء التالية: بل غيتس، إيلون ماسك، ستيف جوبز، لاري بيج،... إلخ. ليس هؤلاء بمعذورين عن نمطية إجاباتهم لأنهم في النهاية يتلقون خبراتهم من المعلومات السائدة في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي التي تحرص على معاملة هذه الأسماء معاملة النجوم السينمائيين وكبار الكتاب المشهورين. المسألة في نهاية المطاف مسألة دعاية وعلاقات عامة، وسيادة المعلومة المجانية حتى لو كانت غير دقيقة أو تنتمي لفئة الأخبار الزائفة (Fake News) التي صارت معلماً من معالم عصر ما بعد الحقيقة (Post – Truth).
لكن العارفين الحقيقيين بتفاصيل التطور المفاهيمي للأفكار والنظريات التي صارت مصنعات تقنية سائدة في وقتنا الحاضر يعرفون أن صانعي العصر الرقمي إنما كانوا أسماء ربما غلفها النسيان، أو في الأقل لم يعد معظم مستخدمي التقنيات الرقمية المتقدمة من الأجيال الشابة يعرفون عنها شيئًا، ويأتي كلود شانون (Claude Shannon) في مقدمة تلك الأسماء.
يسعى العلم وراء القوانين الأساسية في الطبيعة، وتسعى الرياضيات وراء مبرهنات جديدة تُبنى على مبرهنات قديمة، وتسعى الهندسة لبناء منظومات تفي بالاحتياجات البشرية المستجدة. هذه المساعي الثلاثة متداخلة التأثير فيما بينها، وإن كانت متميزة بذاتها، وثمة حالات نادرة يتمكن فيها شخص بمفرده من تحقيق إنجازات أساسية في الحقول الثلاثة بطريقة متزامنة. كلود شانون أحد هؤلاء النادرين، فقد كان شخصية نادرة يصعب إيجاد مثيل لها بين علماء آخرين.
ولو تجاوزنا حقيقة أن شانون كان الموضوع الأساسي الذي تناوله وثائقي حديث عنوانه «اللاعب مع الوحدات المعلوماتية الصغيرة» (The Bit Player)، وأنه كان شخصاً مثل عمله وفلسفته البحثية مصدر إلهام للمسار المهني الشخصي لكثيرين منا، فإن شانون ليس بالاسم الشائع المعروف بين أوساط الناس، وهو لم ينَلْ جائزة نوبل أبدًا عن أي من منجزاته العلمية الكبيرة، ولم يكن نجماً يحتفي الناس به أينما حل في العالم، مثل ألبرت آينشتاين أو ريتشارد فاينمان؛ فقط ظل شخصاً لا تُسلط الأضواء عليه، سواء قبل مماته عام 2001 أو بعد ذلك التاريخ، لكن هذا الرجل الاستثنائي استطاع قبل نحو سبعين سنة من اليوم، بواسطة مادة بحثية واحدة ذات تأثير ثوري مثّل انعطافة مفصلية في ميدانه، وضع أسس البنية التحتية لكامل قطاع الاتصالات الذي صار عماد العصر المعلوماتي الحديث.
وُلِد شانون في بلدة غايلورد في ولاية ميشيغان الأميركية عام 1916 لأب يعمل رجل أعمال محلي ضمن حدود بلدته، وأم تعمل معلمة. وبعد تخرجه من جامعة ميشيغان بشهادتين جامعيتين: واحدة في الهندسة الكهربائية، والأخرى في الرياضيات، كتب شانون أطروحة ماجستير في معهد ماساتشوستس للتقنية (MIT)، طبق فيها مبادئ الصياغة الرياضياتية لما يسمى «الجبر البولياني» (Boolean Algebra) في دراسة تحليل وتركيب «الدوائر المفتاحية» (Switching Circuits). وقد مثّلت أطروحة شانون مفصلاً انعطافياً حقيقياً استطاع فيه تحويل تصميم الدوائر الكهربائية من فن حدسي إلى علم حقيقي، وتسود اليوم قناعة راسخة بأن عمل شانون هذا كان بداية الشروع في تطوير تصميم الدوائر الرقمية. ثم شرع شانون عقب ذلك في تركيز بؤرة رؤاه الواعدة نحو هدف أكبر: الاتصال.
الاتصال هو أحد الحاجات البشرية الأساسية، إذ منذ عهد إشارات الدخان، مروراً بالحمام الزاجل، حتى عهد التليفون والتلفاز، سعى البشر دوماً وراء طرائق تمكنهم من الاتصال فيما بينهم لمسافات أطول، بأزمان أسرع ووسائل أكثر موثوقية واعتمادية، لكن هندسة منظومات الاتصال كانت دائماً مقيدة بمحددات الوسائط المادية المشتركة في الاتصال. تساءل شانون: هل ثمة نظرية موحدة كبرى للاتصال؟ وفي رسالة وجهها شانون عام 1939 إلى أستاذهِ المشرف عليه فانيفار بوش (Vannevar Bush)، قام بتأشير النقاط المفصلية لما سماه «الخواص الأساسية للمنظومات العامة لنقل المعلومات». وبعد أن عمل على هذه المعضلة لما يقارب العقد من الزمن، نشر شانون عام 1948 ورقته البحثية التي تعدُّ العمل الأفخم (Masterpiece) بين أعماله، وكانت بعنوان «نظرية رياضياتية للاتصال».
في الكتاب المعنون «عقلٌ لا يهدأ» (A Mind at Play)، المنشور عام 2017، يخبرنا المؤلفان: الصحافي جيمي سوني، والمنظر السياسي روب غودمان، عن سيرة شانون بطريقة شغوفة من منظور القارئ العادي الذي يسعى بجهد حثيث لمعرفة أفكار شانون. الكتاب -كما يخبرنا مؤلفاه في مقدمته- موجه نحو هؤلاء الساعين لمعرفة مزيد من تفاصيل حياة شانون، واهتماماته الكثيرة التي كان لها تأثيرها الكبير في صياغة شكل العصر المعلوماتي الذي نعيشه اليوم.
وقد أنجز مؤلفا هذه السيرة عملاً بحثياً مرهقاً تطلبه هذا الكتاب، وهذا شيء يستشعره القارئ من كم التفاصيل الدقيقة الواردة في الكتاب، حيث يقدم المؤلفان صورة دقيقة للتطور الفكري لشخصية شانون، في سياق يفهم معه القارئ كيف تناغم هذا التطور الشخصي مع انبثاق عصر الحوسبة والاتصالات. نقرأ في الكتاب عن تفاصيل حياة والدَي شانون: كان والده قاضياً لبرهة من الزمن، ثم أصبح رجل أعمال؛ أما والدته، فكانت معلمة لغات ومديرة مدرسة ثانوية. ثم يتناول المؤلفان حياة شانون المدرسية والجامعية والمهنية الأكاديمية التي قادته إلى تطوير علاقات وثقى مع كبار العلماء وقادة عصر المعلومات والحاسوب في عصره: ألبرت آينشتاين، فانيفار بوش، جون فون نيومان، آلان تورنغ،... إلخ، فضلاً عن علماء كبار في معهد ماساتشوستس للتقنية (MIT) ومختبرات بِلْ في نيوجيرسي. وثمة تفصيل كبير تقصّد فيه المؤلفان شرح حيثيات واقعة التقاء شانون مع جون فون نيومان للمرة الأولى في معهد الدراسات المتقدمة عام 1940. والمعروف عن فون نيومان أنه أحد العقول الريادية العملاقة في مضامير كثيرة من البحث العلمي، ومنها تصميم الحاسوب. وقد استمتع شانون كثيراً في إقامته بمعهد الدراسات المتقدّمة، وكانت له جولات نقاشية ممتعة كثيرة مع عالميْن كبيرَيْن في هذا المعهد: الفيزيائي ذائع الصيت ألبرت آينشتاين، والرياضياتي عالم المنطق كورت غودل صاحب مبرهنة اللااكتمال الشهيرة المعروفة باسمه.
الفصل الذي خصصه المؤلفان لشانون أستاذاً قضى كل حياته الأكاديمية في قسمي الرياضيات والهندسة الكهربائية بمعهد ماساتشوستس للتقنية وجدته أمتع فصول الكتاب لسببين: الأول أن شانون طور علاقات أكاديمية وإنسانية راقية مع بعض أفضل العقول العلمية في العالم (منهم نوربرت فينر على سبيل المثال)، والسبب الثاني أن كثيراً من طلبة شانون صاروا علامات مضيئة في التاريخ العلمي والتقني العالمي، ولا بأس من إيراد بعض الأمثلة: عالم الحاسوب ليونارد كلاينروك (Leonard Kleinrock) مؤسس شركة «كوالكوم» لتقنيات الرقائق المصغرة، وإروين جاكوبز (Irwin Jacobs) الرائد في شبكات الإنترنت الأولى المسماة «آربانت لورنس روبرتس» (Lawrence Roberts)، والمنظر المعلوماتي توماس كيلاث (Thomas Kailath).
يقدم سوني وغودمان في أحد فصول الكتاب وصفاً للطريقة التي ساهم بها شانون في حل بعض المعضلات العملية التي واجهت الجيش الأميركي والحكومة الأميركية خلال الحرب العالمية الثانية، ومنها مثلاً: كيف السبيل للحصول على مواصلات آمنة عصية على الاختراق من قبل جواسيس العدو، حيث طور شانون خلال هذه المرحلة علاقاته مع آلان تورنغ، العالم البريطاني الذي ترأس مجموعة «بليتشلي بارك» لفك الشفرة الألمانية (Enigma). ويمكن القول إن عمل تورنغ في ميدان الحوسبة، مقترناً مع عمل شانون في ميدان نظرية المعلومات، هما العمودان الأساسيان اللذان قام عليهما علم الحاسوب الحديث.
إن ما يؤسف له حقاً أن «العقل الجميل» الذي كان وراء كل منجزات شانون العلمية الرائدة أصابه داء ألزهايمر، وأورده موارد الحتوف في نهاية المطاف عام 2001.
كتاب «عقل لا يهدأ» غير مترجم إلى العربية حتى اليوم، ومن استطاع قراءته (أو حتى قراءة بعض فصوله في أقل تقدير)، فستكون هذه التجربة مصدر خبرة رائعة له، وسيعرف أن صُناع عصرنا المعلوماتي ليسوا مليارديرات من مطوري الأعمال (على شاكلة بل غيتس، وإيلون ماسك وستيف جوبز)، بل هم علماء يجب علينا معرفة شيء عن سيرتهم الفكرية ومنجزاتهم العلمية، وأظن في هذه المعرفة واجباً يسيراً مما يمكن إدراجه تحت عنوان رد الجميل، والاعتراف بفضائل هذه العقول الاستثنائية.


مقالات ذات صلة

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

كتب حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة

ندى حطيط
كتب النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية

«الشرق الأوسط» (عمان)
ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).