شانون... الرجل الذي صنع عصرنا المعلوماتي

كان شخصية نادرة يصعب إيجاد مثيل لها بين علماء آخرين

كلود شانون
كلود شانون
TT

شانون... الرجل الذي صنع عصرنا المعلوماتي

كلود شانون
كلود شانون

لو سألنا كثيراً من مواطني هذا العصر، في أماكن مختلفة من هذا العالم: من ترونه ممثلاً حقيقياً لعصرنا الرقمي؟ فأظن أن معظم الإجابات ستختار واحداً أو أكثر من الأسماء التالية: بل غيتس، إيلون ماسك، ستيف جوبز، لاري بيج،... إلخ. ليس هؤلاء بمعذورين عن نمطية إجاباتهم لأنهم في النهاية يتلقون خبراتهم من المعلومات السائدة في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي التي تحرص على معاملة هذه الأسماء معاملة النجوم السينمائيين وكبار الكتاب المشهورين. المسألة في نهاية المطاف مسألة دعاية وعلاقات عامة، وسيادة المعلومة المجانية حتى لو كانت غير دقيقة أو تنتمي لفئة الأخبار الزائفة (Fake News) التي صارت معلماً من معالم عصر ما بعد الحقيقة (Post – Truth).
لكن العارفين الحقيقيين بتفاصيل التطور المفاهيمي للأفكار والنظريات التي صارت مصنعات تقنية سائدة في وقتنا الحاضر يعرفون أن صانعي العصر الرقمي إنما كانوا أسماء ربما غلفها النسيان، أو في الأقل لم يعد معظم مستخدمي التقنيات الرقمية المتقدمة من الأجيال الشابة يعرفون عنها شيئًا، ويأتي كلود شانون (Claude Shannon) في مقدمة تلك الأسماء.
يسعى العلم وراء القوانين الأساسية في الطبيعة، وتسعى الرياضيات وراء مبرهنات جديدة تُبنى على مبرهنات قديمة، وتسعى الهندسة لبناء منظومات تفي بالاحتياجات البشرية المستجدة. هذه المساعي الثلاثة متداخلة التأثير فيما بينها، وإن كانت متميزة بذاتها، وثمة حالات نادرة يتمكن فيها شخص بمفرده من تحقيق إنجازات أساسية في الحقول الثلاثة بطريقة متزامنة. كلود شانون أحد هؤلاء النادرين، فقد كان شخصية نادرة يصعب إيجاد مثيل لها بين علماء آخرين.
ولو تجاوزنا حقيقة أن شانون كان الموضوع الأساسي الذي تناوله وثائقي حديث عنوانه «اللاعب مع الوحدات المعلوماتية الصغيرة» (The Bit Player)، وأنه كان شخصاً مثل عمله وفلسفته البحثية مصدر إلهام للمسار المهني الشخصي لكثيرين منا، فإن شانون ليس بالاسم الشائع المعروف بين أوساط الناس، وهو لم ينَلْ جائزة نوبل أبدًا عن أي من منجزاته العلمية الكبيرة، ولم يكن نجماً يحتفي الناس به أينما حل في العالم، مثل ألبرت آينشتاين أو ريتشارد فاينمان؛ فقط ظل شخصاً لا تُسلط الأضواء عليه، سواء قبل مماته عام 2001 أو بعد ذلك التاريخ، لكن هذا الرجل الاستثنائي استطاع قبل نحو سبعين سنة من اليوم، بواسطة مادة بحثية واحدة ذات تأثير ثوري مثّل انعطافة مفصلية في ميدانه، وضع أسس البنية التحتية لكامل قطاع الاتصالات الذي صار عماد العصر المعلوماتي الحديث.
وُلِد شانون في بلدة غايلورد في ولاية ميشيغان الأميركية عام 1916 لأب يعمل رجل أعمال محلي ضمن حدود بلدته، وأم تعمل معلمة. وبعد تخرجه من جامعة ميشيغان بشهادتين جامعيتين: واحدة في الهندسة الكهربائية، والأخرى في الرياضيات، كتب شانون أطروحة ماجستير في معهد ماساتشوستس للتقنية (MIT)، طبق فيها مبادئ الصياغة الرياضياتية لما يسمى «الجبر البولياني» (Boolean Algebra) في دراسة تحليل وتركيب «الدوائر المفتاحية» (Switching Circuits). وقد مثّلت أطروحة شانون مفصلاً انعطافياً حقيقياً استطاع فيه تحويل تصميم الدوائر الكهربائية من فن حدسي إلى علم حقيقي، وتسود اليوم قناعة راسخة بأن عمل شانون هذا كان بداية الشروع في تطوير تصميم الدوائر الرقمية. ثم شرع شانون عقب ذلك في تركيز بؤرة رؤاه الواعدة نحو هدف أكبر: الاتصال.
الاتصال هو أحد الحاجات البشرية الأساسية، إذ منذ عهد إشارات الدخان، مروراً بالحمام الزاجل، حتى عهد التليفون والتلفاز، سعى البشر دوماً وراء طرائق تمكنهم من الاتصال فيما بينهم لمسافات أطول، بأزمان أسرع ووسائل أكثر موثوقية واعتمادية، لكن هندسة منظومات الاتصال كانت دائماً مقيدة بمحددات الوسائط المادية المشتركة في الاتصال. تساءل شانون: هل ثمة نظرية موحدة كبرى للاتصال؟ وفي رسالة وجهها شانون عام 1939 إلى أستاذهِ المشرف عليه فانيفار بوش (Vannevar Bush)، قام بتأشير النقاط المفصلية لما سماه «الخواص الأساسية للمنظومات العامة لنقل المعلومات». وبعد أن عمل على هذه المعضلة لما يقارب العقد من الزمن، نشر شانون عام 1948 ورقته البحثية التي تعدُّ العمل الأفخم (Masterpiece) بين أعماله، وكانت بعنوان «نظرية رياضياتية للاتصال».
في الكتاب المعنون «عقلٌ لا يهدأ» (A Mind at Play)، المنشور عام 2017، يخبرنا المؤلفان: الصحافي جيمي سوني، والمنظر السياسي روب غودمان، عن سيرة شانون بطريقة شغوفة من منظور القارئ العادي الذي يسعى بجهد حثيث لمعرفة أفكار شانون. الكتاب -كما يخبرنا مؤلفاه في مقدمته- موجه نحو هؤلاء الساعين لمعرفة مزيد من تفاصيل حياة شانون، واهتماماته الكثيرة التي كان لها تأثيرها الكبير في صياغة شكل العصر المعلوماتي الذي نعيشه اليوم.
وقد أنجز مؤلفا هذه السيرة عملاً بحثياً مرهقاً تطلبه هذا الكتاب، وهذا شيء يستشعره القارئ من كم التفاصيل الدقيقة الواردة في الكتاب، حيث يقدم المؤلفان صورة دقيقة للتطور الفكري لشخصية شانون، في سياق يفهم معه القارئ كيف تناغم هذا التطور الشخصي مع انبثاق عصر الحوسبة والاتصالات. نقرأ في الكتاب عن تفاصيل حياة والدَي شانون: كان والده قاضياً لبرهة من الزمن، ثم أصبح رجل أعمال؛ أما والدته، فكانت معلمة لغات ومديرة مدرسة ثانوية. ثم يتناول المؤلفان حياة شانون المدرسية والجامعية والمهنية الأكاديمية التي قادته إلى تطوير علاقات وثقى مع كبار العلماء وقادة عصر المعلومات والحاسوب في عصره: ألبرت آينشتاين، فانيفار بوش، جون فون نيومان، آلان تورنغ،... إلخ، فضلاً عن علماء كبار في معهد ماساتشوستس للتقنية (MIT) ومختبرات بِلْ في نيوجيرسي. وثمة تفصيل كبير تقصّد فيه المؤلفان شرح حيثيات واقعة التقاء شانون مع جون فون نيومان للمرة الأولى في معهد الدراسات المتقدمة عام 1940. والمعروف عن فون نيومان أنه أحد العقول الريادية العملاقة في مضامير كثيرة من البحث العلمي، ومنها تصميم الحاسوب. وقد استمتع شانون كثيراً في إقامته بمعهد الدراسات المتقدّمة، وكانت له جولات نقاشية ممتعة كثيرة مع عالميْن كبيرَيْن في هذا المعهد: الفيزيائي ذائع الصيت ألبرت آينشتاين، والرياضياتي عالم المنطق كورت غودل صاحب مبرهنة اللااكتمال الشهيرة المعروفة باسمه.
الفصل الذي خصصه المؤلفان لشانون أستاذاً قضى كل حياته الأكاديمية في قسمي الرياضيات والهندسة الكهربائية بمعهد ماساتشوستس للتقنية وجدته أمتع فصول الكتاب لسببين: الأول أن شانون طور علاقات أكاديمية وإنسانية راقية مع بعض أفضل العقول العلمية في العالم (منهم نوربرت فينر على سبيل المثال)، والسبب الثاني أن كثيراً من طلبة شانون صاروا علامات مضيئة في التاريخ العلمي والتقني العالمي، ولا بأس من إيراد بعض الأمثلة: عالم الحاسوب ليونارد كلاينروك (Leonard Kleinrock) مؤسس شركة «كوالكوم» لتقنيات الرقائق المصغرة، وإروين جاكوبز (Irwin Jacobs) الرائد في شبكات الإنترنت الأولى المسماة «آربانت لورنس روبرتس» (Lawrence Roberts)، والمنظر المعلوماتي توماس كيلاث (Thomas Kailath).
يقدم سوني وغودمان في أحد فصول الكتاب وصفاً للطريقة التي ساهم بها شانون في حل بعض المعضلات العملية التي واجهت الجيش الأميركي والحكومة الأميركية خلال الحرب العالمية الثانية، ومنها مثلاً: كيف السبيل للحصول على مواصلات آمنة عصية على الاختراق من قبل جواسيس العدو، حيث طور شانون خلال هذه المرحلة علاقاته مع آلان تورنغ، العالم البريطاني الذي ترأس مجموعة «بليتشلي بارك» لفك الشفرة الألمانية (Enigma). ويمكن القول إن عمل تورنغ في ميدان الحوسبة، مقترناً مع عمل شانون في ميدان نظرية المعلومات، هما العمودان الأساسيان اللذان قام عليهما علم الحاسوب الحديث.
إن ما يؤسف له حقاً أن «العقل الجميل» الذي كان وراء كل منجزات شانون العلمية الرائدة أصابه داء ألزهايمر، وأورده موارد الحتوف في نهاية المطاف عام 2001.
كتاب «عقل لا يهدأ» غير مترجم إلى العربية حتى اليوم، ومن استطاع قراءته (أو حتى قراءة بعض فصوله في أقل تقدير)، فستكون هذه التجربة مصدر خبرة رائعة له، وسيعرف أن صُناع عصرنا المعلوماتي ليسوا مليارديرات من مطوري الأعمال (على شاكلة بل غيتس، وإيلون ماسك وستيف جوبز)، بل هم علماء يجب علينا معرفة شيء عن سيرتهم الفكرية ومنجزاتهم العلمية، وأظن في هذه المعرفة واجباً يسيراً مما يمكن إدراجه تحت عنوان رد الجميل، والاعتراف بفضائل هذه العقول الاستثنائية.


مقالات ذات صلة

جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة تُعلن قائمتها القصيرة

ثقافة وفنون جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة (الشرق الأوسط)

جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة تُعلن قائمتها القصيرة

أعلنت جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة العربية، الاثنين، القائمة القصيرة للدورة الثامنة، التي تضم 5 مجموعات قصصية.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
ثقافة وفنون إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

في روايتها «الخروج من غيط العنب»، تُعيد الكاتبة الروائية المصرية مي المغربي تشكيل المهمَّش، لا باعتباره تفصيلاً فائضاً في الحكاية، بل بصفته بؤرة العالم.

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق يحتفي المهرجان بالكُتّاب والقُرّاء بأسلوب معاصر يجمع بين عبق التاريخ وروح الثقافة الحديثة (واس)

«مهرجان الكُتّاب والقُرّاء 2026» ينطلق في الطائف بتجارب ثقافية وترفيهية

انطلقت، الجمعة، فعاليات «مهرجان الكُتّاب والقُرّاء» في نسخته الثالثة، وذلك في متنزه الردف بمحافظة الطائف (غرب السعودية)، تحت شعار «حضورك مكسب».

«الشرق الأوسط» (الطائف)
كتب هل مات الناقد الأدبي؟

هل مات الناقد الأدبي؟

قرأنا كثيراً عن ميتات متعدّدة في تاريخ الفكر، وبالتخصيص في تاريخ الممارسة الأدبيّة؛ لكنّي أحسبُ أنّ موت الناقد الأدبي هي الميتة الأكثر تحقّقاً في عصرنا.

لطفية الدليمي
كتب لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

يكشف كتاب «20 خرافة عن التلوث البيئي» الصادر عن دار «العربي» بالقاهرة لثلاثة من علماء الاجتماع والباحثين الكنديين، كيف أن قضية التلوث البيئي

رشا أحمد (القاهرة)

هل مات الناقد الأدبي؟

هل مات الناقد الأدبي؟
TT

هل مات الناقد الأدبي؟

هل مات الناقد الأدبي؟

قرأنا كثيراً عن ميتات متعدّدة في تاريخ الفكر، وبالتخصيص في تاريخ الممارسة الأدبيّة؛ لكنّي أحسبُ أنّ موت الناقد الأدبي هي الميتة الأكثر تحقّقاً في عصرنا. هذه الميتة الناجزة تملك مسوّغاتها الكاملة، وليست محض تمنّيات منشودة أو رغبات متفلّتة. ربّما الكياسةُ وحدها هي التي دفعتني لأن أجعل العنوان بصيغة تساؤل يحتملُ التشكيك. أنا من جانبي لا أميلُ للتشكيك، بل لتعضيد فكرة موت الناقد الأدبي.

ربّما في دوائر صناعة الأدب الغربية بات واضحاً أنّ الناقد الأدبي مات، وإن لم يُصرّحْ بهذه الحقيقة، مثلما جرى التصريح بموت المؤلّف. المعضلة تكمنُ فينا؛ فالنقد الأدبي، كما يُمارَسُ في شكله التقليدي، ما زال يقاتِلُ من أجل الاحتفاظ بهالته السلطوية، كأنّما الزمن لم يتزحزحْ عن ستينات وسبعينات القرن الماضي، وكأنّما القرّاء لم يصبحوا شركاء كاملين في إنتاج المعنى، وكأنّما النصوص لم تتفلّتْ منذ زمن بعيد من يد الكاهن الذي يحتكرُ قراءتها وتفسيرها.

تقوم فكرةُ مداخلتي هذه على دحض القناعة الراسخة بأنّ الناقد الأدبي يمتلك سلطة مرجعية تُخوّلُهُ تحديد ما يُعدّ أدباً جيداً وما ليس كذلك. تلقّى القارئ العربيُّ، لعقود طويلة، خطاباً نقدياً يجعل من الناقد الأدبي حارساً للهيبة الأدبية، يستدعي معايير قديمة، ويُصدِرُ الأحكام، ويتصرّف كما لو أنّ ذائقته محمولةٌ على يقين معرفي لا يتزعزع. هذا الخطاب، إذا ما تعهّدناه بما يكفي من المُدارسة والتنقيب المعرفي، سننتهي إلى وضع اليد على هشاشته المؤكّدة؛ إذ يقوم على افتراضٍ غير معلن جوهرُهُ أنّ الناقد يمتلك موقعاً معرفياً أرفع من موقع القارئ العادي. هذا الافتراض ربما كان له شيءٌ من مقبولية في أزمان سابقة؛ لكنّه لم يَعُد اليوم مقبولاً في زمن انفجرت فيه سلطة المعنى، وتنوعّت فيه أشكال القراءة بذات المقادير التي تباينت فيها هذه الأشكال، وتراجع فيه مركز النص لصالح محيطه الذي غُيّبَ طويلاً.

يمكنُ عدّ الناقد الأدبي قارئاً بصوتٍ أعلى من القارئ العادي، وهذا الصوت العالي جاء من تمكين وسائل النشر وسلطة الذيوع الأكاديمي أو الصحافي. سيكون أمراً مشروعاً أن نتساءل: ما الذي يميّز الناقد الأدبي ويمنحُهُ عُلْوية ثقافية فوق القارئ؟ هل يمتلك أدوات قراءة تتمنّعُ عن أيُّ قارئ شغوف لا يحيدُ عن موارد الرصانة الفكرية؟ هل يحتكر الناقد الأدبيُّ مسافة من الفهم لا تُنالُ إلّا عبر طقسٍ سري؟ الجواب ببساطة: لا. الناقد الأدبيّ، مهما امتلك من معرفة، ليس سوى قارئ يشكّلُ رأيه تبعاً لمرجعياته الثقافية، وتربيته الجمالية، وميوله الشخصية، ومواقفه الآيديولوجية. رأيُ الناقد الأدبيّ ليس «حقيقة مكتشفة» بل «موقف مُنتَج أو مصنوع»، وإذا كان كذلك فلماذا نمنحه سلطة غير مسوّغة ليكون رقيباً ومبشّراً ونذيراً؟

القراءةُ ليست حقلاً يمكن لأحد أن يحتكر فيه «الصواب»، وكلّ محاولة لإضفاء صفة المرجعية المطلقة على الناقد الأدبيّ ليست سوى محاولة لإعادة إنتاج سلطة المثقف التقليدي، ذلك الذي كان يتكلّم باسم الآخرين، ويُفكّر نيابة عنهم، ويصادرُ الحقّ الطبيعي للقُرّاء في أن يفهموا النصوص برُؤاهم الخاصة.

*****

يموت الناقد الأدبي اليوم لأنّ شروط وجوده القديمة تفسّخت: تغيّرت الوسائط، وتغيّرت طرق تلقّي الأدب، وتحوّلت القراءة من نشاط نخبوي ضيّق إلى ممارسة يومية واسعة. منصّات التواصل الاجتماعي وحدها كفيلةٌ بخلخلة سلطة ناقد أدبي كان يُحسَبُ كلامُهُ كأنّه «القول الفصل». اليوم، منشورٌ على منصّة تواصل اجتماعي قد يوجّهُ دفّة الاهتمام الأدبي أكثر مما يفعله مقالٌ نقدي مطوّل في مجلة ثقافية. هذه حقيقة لا يصحّ، ولن نستطيع، أن نتغافلها.

يموت الناقد الأدبي أيضاً لأنّ النصوص ذاتها تغيّرت: لم تعُدْ تُنتَجُ لتُقرأ بعينٍ واحدة بل بعيون كلّ قارئ. الأدب المعاصر -وبخاصّة في عصر السرد المتشظّي إلى ألوان أدائية عصية على التوصيف الدقيق- لم يَعُدْ يحتمل قارئاً واحداً يقرّر معناه تحت سلطة النقد الأدبي؛ بل يفرض تعدّدَ القراءات، وتفكّكَ سلطة المؤلّف، و«ديمقراطية التأويل». لك -إنْ شئت- أن تنفر من هذا الوضع وأن لا تطيقه؛ لكن لن يفيدك نفورُك في تغيير مسار العجلة.

من المثير تاريخياً أن نشير إلى حقيقة مغيّبة: حين أعلن رولان بارت موت المؤلف، كان يُشير إلى تفكّك سلطة المؤلّف المركزية داخل النص: سلطة المعنى. الجيل النقدي القديم قاوم هذه الفكرة بشراسة، لا لأنّه كان متيّماً بعشق المؤلّف؛ بل لأنّه أدرك -وإنْ من غير تصريح- أنّ موت المؤلف يعني أيضاً تخلخل أساس سلطته؛ فالناقد الأدبي الذي كان يستند في قراءته إلى سلطة المؤلف واعتباره خالقاً مركزياً للنص، وجد نفسه (أعني الناقد الأدبي) ليس أكثر من قارئ آخر، لا يحقّ له ادعاءُ امتلاك الحقيقة، بل تقديم قراءة من بين أعداد هائلة من القراءات الممكنة. هنا صار الناقد الأدبي أسير مساءلة مُرْهِقَة: كيف يمكن للناقد الأدبي أن يمضي في تعزيز سلطته وهو يفقد الموقع الاعتباري الذي يُشرعنُ وجودَهُ؟ وإذا كان المؤلف -بهيبته ورمزيته- قد مات؛ فكيف يظلُّ حيّاً مَن كان يتحدّث باسمه أو يتربّع على عرش تأويله أو يدور في مدارات صنائعه الإبداعيّة؟

موتُ الناقد الأدبيّ ليس ظاهرة منفردة مستقلّة؛ بل هو الوجه الآخر المتعشّقُ عضوياً مع موت المؤلّف، وكلاهما جزء من حركة ثقافية واسعة تُعيدُ تعريف السلطة داخل النص الأدبي. النصّ لم يَعُدْ «موقعاً يُدارُ من الأعلى»، بل «فضاءٌ مفتوحٌ يشارك في تشكيله القرّاء».

هل يعني موت الناقد الأدبي انتصار الرثاثة؟ سيدافع كثيرٌ من النُقّاد عن حصونهم، وهذا أمر متوقّع. سيدبّجون المقالات، ويُحاضرون، ويُسفّهون فكرة موتهم، وسيعتبرونها جزءاً من «انحطاط الذائقة العامّة». أعرف هذا تماماً. سيتحدّثون عن الفوضى، والانهيار، وسقوط المعايير؛ لكنّما العجلة دارت، وما مِنْ سبيلٍ لإيقافها. يبدو أمراً محتّماً أنّ الناقد الأدبيّ التقليدي يشرع في مقاربته الدفاعية من مواضعة، يراها راسخة، مفادُها أنّه كان دوماً المدافع الشرس عن الجودة الأدبية. التاريخ الأدبيّ مليء بالنقّاد الذين احتفوا بأعمال متواضعة وحاربوا نصوصاً عظيمة. هل آتي بأمثلة: الرفض النقدي الطويل لكافكا، واستقبال بودلير العاصف، والهجوم العنيف على نيتشه، والسخرية من شعراء الحداثة العرب في بداياتهم. ثمّ دارت الأيام دورتها وأعيد تقييمُ كلّ شيء.

لم يكن الناقد حارساً للجودة الأدبيّة، بقدر ما كان حارساً لذائقته الخاصة ولذيوع سطوته في الحلقات الثقافية. موت الناقد الأدبي لا يعني موت الذائقة، بل تحريرها. لا يعني سقوط معايير الجودة، بل تعدّدها. لا يعني شيوع الرثاثة، بل إزاحة الحاجز الذي كان يشكّلُ حائط صدّ أمام القرّاء يردعهم عن إثبات جدارتهم.

في هذا السياق، يمكن الإشارة إلى كتاب «The Death of the Critic» للكاتب البريطاني رونان ماكدونالد (Ronan McDonald)، وهو عمل حديث نسبيّاً، نُشِر عام 2007، وتُرجِمَ إلى العربية عام 2014. هذا الكتاب أعاد بقوة طرح السؤال حول جدوى النقد الأدبي التقليدي.

يرى ماكدونالد أنّ سلطة الناقد تتآكل في ظلّ تعدّد الأصوات الثقافية وتحوّل القرّاء إلى مستهلكين/ منتجين للمعنى، وهو ما ينسجم تماماً مع واقعنا العربي والعالمي اليوم.

فضلاً عن ذلك يقدّمُ ماكدونالد في كتابه هذا قراءة عميقة لتحوّلات المؤسسة النقدية الأدبية في العصر الحديث، موضحاً كيف تراجعت سلطة الناقد التقليدي لصالح أصوات القرّاء، ووسائط الإعلام الجديدة، والمنصّات الرقمية التي منحت الجميع حقّ التعبير عن رأيهم في النصوص الأدبية. يرى ماكدونالد أنّ النقد لم يَمُتْ بوصفه ممارسة فكرية؛ بل ماتت سلطته القديمة التي كانت تجعل منه مرجعية أولى للحُكْم على القيمة الأدبية. الكتاب يكشف تعاظم «ديمقراطية القراءة»، ويرصد صعود أشكال جديدة من التلقّي تُقصي الناقد الأدبي الكلاسيكي من موقعه الكهنوتي.

*****

المُشْتَغِل الثقافي (Cultural Worker) هو العنوان الأكثر مقبولية وملاءمة لعصرنا من عنوان الناقد الأدبي، ويبدو أكثر تلاؤماً مع تاريخ التطوّر الطبيعي والثقافي. المشتغل الثقافي يتحرّكُ في فضاء أوسع من حدود النص ومرجعياته الجمالية الكلاسيكية، ويمتدُّ في وسائله التشريحية إلى قراءة سياق إنتاج العمل الثقافي، لا الأدبي فحسب، وأنماط تلقّيه، وصِلاتِهِ بالبنى الاجتماعية والسياسية والمعرفية. فضلاً عن ذلك في استطاعة «المشتغل الثقافي» تقديمُ قراءة مركّبة، بعيداً عن مرجعيات سلطوية مفترضة أو متوقّعة، تعيدُ إطلاق حيوية الأدب كتيّار في الثقافة البشرية هو أبعد ما يمكن عن نمط التمارين الأكاديمية المعزولة عن الحراك العالمي في كلّ ألوانه.

ما الذي يبقى بعد موت الناقد الأدبي؟ يبقى القارئ الشغوف، ويبقى النصّ الخلّاق، ويبقى الاشتغال الثقافي الحيوي، ويبقى الحوار المفتوح الذي لا يحتاج رمزيّة كهنوتية سلطوية مغلقة كي تُشَرْعِنَهُ.


لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟
TT

لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

يكشف كتاب «20 خرافة عن التلوث البيئي» الصادر عن دار «العربي» بالقاهرة لثلاثة من علماء الاجتماع والباحثين الكنديين، كيف أن قضية التلوث البيئي هي في جوهرها معركة ثقافية تتعلق بتزييف الوعي العام وخداع الجماهير العريضة عبر «شعارات زائفة وأفكار مغلوطة» تبثها دوائر رأسمالية تستهدف تحقيق أرباح خرافية على حساب سلامة كوكب الأرض وموارده، دون أن تبدو هى في الصورة نهائياً.

ويقول أرنو توريا كلوتييه وفردريك لوغو وآلان سافار في الكتاب، الذي ترجمته أماني مصطفى، إن جميع من في العالم أصبحوا من أصحاب «التوجه الأخضر» بما في ذلك شركتا «كوكاكولا» و«توتال» على نحو يوحي أن البيئة هي «الفطرة السليمة الجديدة» وأننا يجب أن نسعد بهذا، لكن الحقيقة على عكس ذلك.

إن لديهم أسباباً وجيهة للقلق؛ فإذا كان الجميع ذوي توجه أخضر، فكيف نبرر الكارثة البيئية وتوابعها حيث تعاني الإنسانية بالفعل من عنف الاضطرابات المناخية، مثل موجات الحر والجفاف والفيضانات وحرائق الغابات والأعاصير المدمرة؟ البيئة هي ساحة معركة ثقافية بالأساس، ففيها نجد حلفاء حقيقيين ولكننا نجد أيضاً أعداء شرسين، والمدهش أنه حتى المرتزقة، عديمو الرحمة، يتخفون وراء شعارات نبيلة يأتي في مقدمتها اللون الأخضر.

ويوضح العلماء الثلاثة أن البيئة ليست مسألة بسيطة تتعلق بقناعات أخلاقية أو سياسية، كما أنها وقبل كل شيء نتاج القيود الاقتصادية تلك المفروضة على معظمنا للعمل لمصلحة شركة كبيرة ملوثة للبيئة، أو استخدام سيارة للذهاب إلى العمل أو شراء أغذية غير عضوية لأنها أرخص، أو المعاناة من التلوث الناتج عن منجم أو ازدحام السيارات أو الإسراف في استخدام الطاقة لتدفئة المساكن السيئة العزل، بل أيضاً القيود المفروضة على معظم الشركات لخفض التكاليف عن طريق زيادة التلوث وتحقيق الأرباح، والتميز في المنافسة من خلال إغفال هذه القيود وكيفية تطبيقها بلا مساواة، ومن ثم قد ينتهي بنا الأمر إلى الاعتقاد بأننا جميعاً في القارب نفسه. هذا الوهم جميل بقدر ما هو خطير.

إن المصدر الرئيس للأزمة البيئية هو أننا نستهلك كثيراً، فإذا تمكنا من استهلاك ما هو ضروري فقط لتلبية احتياجاتنا واستهلكنا بطريقة أكثر ذكاء فسوف نتمكن من حل الأزمة البيئية. يجري هذا الكلام على لسان الجميع إلى درجة أنه يصعب علينا أحياناً التخلص من الشعور بالذنب إزاء إقدامنا على شراء ملابس جديدة، فهم يودون أن يضعوا كل ثقل خيارات الاستهلاك على عاتق المستهلكين وحدهم كأفراد يتمتعون بسلطة شرائية معينة وليس لكونهم مواطنات ومواطنين يتمتعون أيضاً بسلطة اجتماعية.

ويلفت العلماء إلى أنه في جوهر هذه الحجة تكمن فكرة تفترض أن المستهلك ستكون لديه السلطة والسيادة أو حتى السيطرة الكاملة على الاقتصاد، حيث يقال لنا إن الشراء اختيار، فالشركات بعد كل شيء تخدم فقط احتياجات المستهلكين، أليس كذلك؟

من وجهة نظر أخلاقية يمكن أن تمتد مسؤولية المستهلك قدر الإمكان إلى المعلومات والسلطة الشرائية التي يمتلكها، لكن من المغالطة والتضليل تحميلنا نحن المستهلكين العاديين مسؤولية انبعاثات الغازات الدفيئة المرتبطة بإنتاج القلم الذي نشتريه لأمر مضلل لأنه من المستحيل في أغلب الأحيان معرفة الانبعاثات الناتجة عن إنتاجه، فضلاً عن الظروف البيئية والاجتماعية التي أنتج فيها. وقبل كل شيء فإنه من المستحيل أيضاً ممارسة سيطرة حقيقية على هذا الإنتاج فتظل هذه المعلومات وهذه السلطة في الأساس ملكاً للشركة، إذ يكون الزبون بعيداً جداً عن أن يكون المالك.

والمؤكد أن الاستهلاك ليس بالضرورة عملاً من أعمال الحرية، ففي أميركا الشمالية أصبح شراء سيارة ضرورة في بيئة تهيمن عليها الطرق السريعة والضواحي دون وجود شبكة نقل عام كبيرة، ففي ثلاثينات القرن العشرين قلصت شركات «ستاندرد أويل» و«جنرال موتورز» و«فايرستون» للإطارات خيارات النقل بشدة بعد شراء شبكة النقل العام للترام الكهربائي وتفكيكها في 45 مدينة بالولايات المتحدة. وهو ما يثبت أن الخضوع لقرارات عدد قليل من الشركات الكبرى ليس بالأمر النادر بل إنه اتجاه قوي في السوق يفضل تركيز رؤوس الأموال ومركزيتها من خلال السباق المستمر لتحقيق الأرباح.

كما أن جزءاً لا بأس به من انبعاثات الغازات الدفيئة المرتبطة باستهلاكنا غير مرغوب فيها بقدر ما هي مقيدة، خاصة بالنسبة للفئات الأشد فقراً، حيث يفرض تنظيم الساحات والنقل على أعضائه استخدام السيارة للوصول إلى أعمالهم خاصة إذا كانوا يعيشون خارج المراكز الرئيسة، كما أن الدخل المحدود يجبر هذه الأسرة الفقيرة أو تلك على اختيار طراز سيارة اقتصادي وهي ليست بالضرورة الأكثر صداقة للبيئة.

وخلافاً للفرد الثري الذي يسافر عدة مرات في السنة بالطائرة، فإن الانبعاثات الصادرة عن الأشخاص الأقل حظاً ليست من باب الرفاهية، لكنها في كثير من الأحيان ضرورة في الواقع، فمن يستطيع شراء سيارة كهربائية اليوم حيث تتطلب نفقات مرتفعة للغاية؟ لا يمكننا أيضاً إلقاء اللوم على أفراد هذه الأسرة لعدم شراء المنتجات العضوية عندما تكون خارج ميزانيتهم في ظل خضوع المواد الغذائية لديناميكيات السوق التي تهيمن عليها الشركات الكبرى.

ويخلص العلماء الثلاثة إلى أنه بالطريقة نفسها فإن الأسر ذات الدخل المنخفض التي تكون من فئة المستأجرين عموماً نادراً ما تتحكم في تدفئة منازلها وتضطر أحياناً إلى التعاون مع أنظمة التدفئة الملوثة التي تعمل بالمازوت أو الغاز.

وفي كثير من الأحيان تكون مبانيها معزولة عزلاً سيئاً، فضلاً عن أنه نادراً ما يكون من الممكن لها اختيار شركة الكهرباء التي قد تعمل بالفحم أو الغاز، كما يمكن أن تؤدي معايير البناء المطبقة حالياً أيضاً إلى ارتفاع استهلاك الطاقة.


شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى

شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى
TT

شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى

شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى

عبر 21 نصاً مشحوناً بالمشاعر والمفارقات الإنسانية، ترسم الكاتبة المصرية نرمين دميس عالماً من الأسى أبطاله أبطال مهزومون، ومصائر عنوانها العريض العزلة والدموع الصامتة، وذلك في مجموعتها القصصية «صندوق أرابيسك» الصادرة أخيراً في القاهرة عن دار «الأدهم».

فضلاً عن أن النصوص تطمح في مجملها لأن تكون لسان حال الشخصيات الصامتة، معبرةً عن أحلامها وصدماتها الدفينة التي يبدو أنها استقرت في «صندوق» مغلق لم يعد بإمكان أحد أن يطلع عليه، وما يزيد الأمر صعوبة وتعقيداً هو أن تلك الشخصيات أدمنت السكوت واعتادت التجاهل من الآخرين، حتى أصبحت العزلة خيارها المفضل على طريقة «مجبر أخاك لا بطل».

على هذه الخلفية، تتعدد النماذج المثيرة للتأمل بين دفتي المجموعة مثل العجوز البسيطة ذات الملابس المهترئة التي تريد أن تصبح واحدة من «حفيدات السندريلا»، والأب الذي يشعر بالعجز وهو يطالع عبر واجهات المحال أسعار الملابس الضرورية لابنته، فضلاً عن البيت الذي يتحول إلى سجن، والمطر الذي يطلق طاقة تحرر داخلية والخوف الذي يصبح إدماناً والدموع التي تصدر عن شخص يحترف مهنة إسعاد الآخرين.

تتعدد التقنيات السردية في المجموعة ومنها «الأنسنة»، أي خلع صفات إنسانية على الأشياء والجمادات، واعتماد المراسلات كأداة لعرض الحدث، فضلاً عن اللجوء إلى التصوير الفانتازي الذي يتجاوز حدود العقل والمنطق ليسبح في حالة شعورية من الانطلاق.

ويبدو أن اسم المجموعة «صندوق أرابيسك» يكتسب دلالته ورمزيته من حالة التعقيد والتشابك، كما في فن الأرابيسك، التي تعكس واحدة من تجليات النفس البشرية والقصص المتداخلة داخل المجموعة، وكذلك حالة التكتم والسرية لهواجس الإنسان المؤلمة التي لا تظهر لنا لأنها استقرت داخل صناديق مزخرفة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«وسط ظلام ليلة عاصفة تنازل فيها القمر عن عرش السماء، وقفت وحيدة مذعورة يلفها الصقيع ويتسلل إلى داخلها، يزلزلها، يكاد يقتلعها من مكانها، تحاول التشبث بالفراغ من حولها فلا يغيثها، تخور قواها وتخمد مقاومتها وتتساءل... كيف تبدل حالها هكذا ما بين عشية وضحاها؟ بالأمس القريب، كانت تستيقظ على زقزقة العصافير وعبير الأزهار، تؤنسها ضحكات الأطفال، تتردد أصداؤها في الفضاء الفسيح، يعانقونها ويختبئون خلف جسدها فتبادلهم العناق كأم حنون. كم من أسرار حفظتها وأطبقت عليها بين الضلوع، لطالما لاذ بها المتعب حتى يستريح، الجائع حتى يشبع، والظمآن حتى يرتوي، شاركت الأحباب أوج الغرام ودمعت معهم لحظة الفراق.

كانت جميلة فتية، لا تكسرها ريح ولا يسكن قلبها برد، تتدثر بردائها الأخضر النضر وأنفاس ساكنيه الدافئة في أعشاشها، تستمتع بزخات السماء، تمنحها سر الحياة. أما اليوم فزال عنها الرداء، وهجرها الأحباب، صارت قاحلة المحيا بذراعين مصلوبتين تستميتان من أجل البقاء، يمزق نياط قلبها إعراض الناس عنها حتى أصبحت كيتيمة تفتقد السكن والونس، تقتلها نظرات التجاهل تلك، يكاد صراخها المكتوم يشق عنان السماء هاتفاً:

- ما زلت على قيد الحياة، لم أمت بعد!».