الحزب الشيوعي الصيني: 100 سنة من التجربة والخطأ

ماو عارض انتقاد السوفيات لحقبة ستالين... وتجربة «القفزة الكبرى» أضرّت بحكمه

الحزب الشيوعي الصيني: 100 سنة من التجربة والخطأ
TT

الحزب الشيوعي الصيني: 100 سنة من التجربة والخطأ

الحزب الشيوعي الصيني: 100 سنة من التجربة والخطأ

عندما وقف الرئيس الصيني شي جينبينغ في قلب ساحة «تيان آن من» (بوابة السلام السماوي) بوسط العاصمة الصينية بكين، قبل أسبوع تقريباً، محتفياً بمئوية تأسيس «الحزب الشيوعي» عام 1921كان الرئيس الحالي يتحدث من الميدان نفسه الذي شهد ميلاد «جمهورية الصين الشعبية» عام 1949، ويستخدم اللغة ذاتها، ويستند إلى الهيكل السياسي نفسه القائم منذ قرن.
مع هذا، هل يمكن القول إن الصين التي تضم عاصمتها راهناً «نحو مائة ملياردير» هي الدولة التي حلم بها «الرفاق المؤسسون» للحزب على رأسهم ماو تسي تونغ، ونظّروا لاشتراكيتها؟... وهل بات «الحزب الشيوعي» الصيني الذي ينضوي في عضويته الآن أكثر من 95 مليون عضو ينتهج أفكار مؤسسيه نفسها؟... وكيف تمكّن الحزب والدولة من خوض غمار تحديات محلية وإقليمية ودولية شتى غيرت وجه العالم من دون أن يتزحزح «الشيوعي» عن سدة الحكم؟ والأهم أنه وفي الآن نفسه لم يخفق الحزب – تقريباً - في القفز بمعدلات النمو التي تضع الصين الآن في المركز الثاني بين أكبر اقتصادات العالم.

لا يمكن فهم طبيعة الأمر أو الإجابة عن الأسئلة المشروعة في مئوية «الحزب الشيوعي الصيني» إلا بالعودة إلى أجواء ما قبل تأسيسيه؛ فعندما كان صوت الثورة البلشفية الروسية (1917) يتردد في جنبات العالم، كان الصينيون من أوائل الذين التقطوا صداه، وسريعاً ما نظموا صفوفهم منطلقين من هدفين؛ أولهما: وطني يتمثل في مجابهة مساعي السيطرة الأجنبية على بلادهم، وثانيهما: هدف اجتماعي بمواجهة الفقر المتجذر بين الصينيين حينها.
في عام 1921 تبلورت النواة الأولى لـ«الحزب الشيوعي الصيني» الذي شهدت مدينة شنغهاي، كبرى مدن الصين تأسيسه. ويومذاك، كان ماو تسي تونغ أحد ممثلي الأقاليم المشاركة في إطلاق الحزب. غير أن طبيعة الحزب الأممي دفعته في حينه إلى الاستجابة لطلب التحالف مع «الحزب الوطني (الكومينتانغ)» باعتبار أنهما أصحاب توجه واحد يتمثل في القضاء على الإقطاعيين من أصحاب الأراضي.
استغرق الأمر نحو ست سنوات قبل أن ينفك للمرة الأولى التحالف بين الشيوعيين والوطنيين، ولتبدأ فصول معركة بينية ارتد على أثرها ماو إلى ريف الصين، حيث بدأ في زراعة بذور تمايز فكري سيمتد فيما بعد بطوال التجربة الشيوعية ذات الخصائص الصينية. وكأول خطوة في مسار «التجربة والخطأ» اعتمد الشيوعيون الصينيون على تثوير طبقة الفلاحين بدلاً من طبقة العمال «البروليتاريا» التي كان يرتكز عليها الفكر الماركسي أساساً لتحرير المجتمع وبناء الاشتراكية.

- معارك قومية
لم تمنع المعارك والمطاردات بين «الشيوعيين الصينيين» والوطنيين من التحالف بمواجهة الغزو الياباني للصين في عام 1937؛ إذ انتظم مقاتلو الجانبين في جيش واحد خاض معركة قومية للبلاد تراجع فيها إلى حد كبير الخلاف الحزبي. وبالمواكبة مع الحرب العالمية الثانية (1939: 1945) تراجعت اليابان مهزومة في المعركة، غير أن سنوات المواجهة الصينية - اليابانية، وتجربة إدارة الحكم وتوزيع الأراضي في ريف البلاد، كانت قد صقلت تجربة «الحزب الشيوعي الصيني» الذي توسّع ولم يعد ذلك الحزب المتواري في أقصى الشمال لتلافي هجمات الوطنيين في سنوات ما قبل مواجهة اليابانيين.
وللمرة الثانية، عاد «الحزب الشيوعي» في صورته الجديدة لخوض مواجهة مع «الوطنيين»، لكنه سرعان ما حسمها بإعلان ماو قيام «جمهورية الصين الشعبية» في عام 1949.

- «القفزة الكبرى»
بالعودة مرة أخرى إلى «التجربة والخطأ»، وإيماناً من ماو بتفرد الخصائص الصينية للماركسية، فإنه انتهج في عام 1958 كزعيم للحزب الشيوعي ورئيس للبلاد ما عُرف بـ«القفزة الكبرى إلى الأمام». وكان هدفه من هذه الخطوة التحول من الاقتصاد الزراعي إلى الاقتصاد الصناعي. وحقاُ، عبر آليات تنظيمية صارمة لنوعية الزراعات والدفع باتجاه تسريع التصنيع، دخلت البلاد في منعطف ينظر له بعض المؤرخين باعتباره فترة «مجاعة» في تاريخ الصين، مؤكدين أن التمسك بتصدير المنتجات الزراعية لبعض الدول مقابل الحصول على أدوات صناعية وأسلحة كان له انعكاس سلبي على حياة الكثير من الصينيين الذين لقوا حتفهم بعد تلك المرحلة. ونتيجة لذلك؛ بدا أن أدوار ماو التنفيذية في طريقها إلى الخفوت بعدما حمّله الحزب نتائج «القفزة غير المدروسة» التي انتهت في عام 1961، غير أن الرفيق ماو كان له رأى آخر بعد نحو ذلك بخمس سنوات... التي شهدت ما عُرف بـ«الثورة الثقافية».

- وقفة مع السوفيات
على الرغم من أن الاتحاد السوفياتي كان أول مَن اعترف بـ«جمهورية الصين الشعبية» عام 1949 وتوقع نشوء علاقة تعاون كبيرة بين «الشيوعيين الصينيين» ونظرائهم السوفيات، فإن ذلك لم يمنع من نمو الشقاق بين البلدين لأسباب مختلفة، بلغت ذروتها العقائدية في أواخر عقد الخمسينات من القرن الماضي. وبينما كانت موسكو تنفض تبعات حقبة جوزيف ستالين وتخوض مراجعات تنتقد «عبادة الفرد» أظهرت الصين، ممثلة في ماو تسي تونغ، رفضها لذلك. ووفق ما يورد الصحافي المتخصّص في الشؤون الروسية، سامي عمارة، في مقال نشرته «إندبندنت عربية» في أبريل (نيسان) الماضي، فإن الصراع الحزبي احتدم بين بكين وموسكو، خاصة مع «ما كالته الصين من اتهامات إلى القيادة السوفياتية بالتحريفية والتراجع عن المعتقدات الماركسية اللينينية، ورفض وإدانة الجانب الصيني لما أعلنه المؤتمر العشرون حول (إدانة عبادة الفرد)». وحسب عمارة كذلك، فإن «ماو تسي تونغ أعلن صراحة (عن الخلاف) في موسكو خلال مؤتمر ممثلي العمال والأحزاب الشيوعية 19 نوفمبر (تشرين الثاني) 1957، في الذكرى الأربعين لثورة أكتوبر (تشرين الأول) الاشتراكية، حين اتهم القيادة الحزبية السوفياتية بالسير في ركاب الغرب تحت شعار (التعايش السلمي) الذي قال (ماو) إنه لا يتفق مع النظرية اللينينية».

- «صينية» الماركسية
لاحقاً، حملت سنوات ما بعد رحيل ماو (1976) تحولاً تدريجياً تضمن تحديات كبيرة، واعتماداً على منهجه ذاته في «الخصائص الصينية للماركسية»، فإن اللاحقين بالرجل اعتمدوا ما بات يُعرف بـ«صيننة الماركسية» التي ربما برّروا بها لمواطنيهم ورفاقهم التحوّل التدريجي من الاشتراكية الصينية إلى الرأسمالية الصينية أيضاً. وهنا ينسب للقائد الصيني الراحل، دينغ زياو بينغ، الإقدام على «مجموعة إصلاحات شاملة من أجل فتح قطاعي التجارة والاستثمار مع الدول الرأسمالية الغربية»، ولكن في الواقع يصعب القول، إنه ثمة اقتصاد انفتاحي حر تنافسي في الصين، كما لا يمكن في الآن نفسه اعتبار الأمر مُداراً بالكامل.
ولعل ما يعطي صورة عن «الشيوعي الصيني» وتجربته الاقتصادية الخاصة، ما يشير إليه تقرير لمجلة «فوربز» الأميركية المرموقة في أبريل الماضي، قدّر أن «عدد من المليارديرات في مدينة بكين يفوق عددهم في أي مدينة أخرى في العالم؛ إذ ضمّت القائمة عن العام الماضي 100 شخص، متفوقة على نيويورك»، وفق المجلة.
هذه الخصوصية الشيوعية الصينية عبّر عنها الرئيس الحالي شي جينبينغ في كلمته أثناء الاحتفال بمئوية حزبه؛ إذ قال، إن «استخلاص الدروس من التاريخ بغية خلق مستقبل أفضل، يلزم مواصلة دفع (صيننة الماركسية)، (إذ) تعتبر الماركسية الأفكار المرشدة الأساسية لنا في بناء الحزب والبلاد، كما هي روح حزبنا ورايته». وتابع شي «يتمسك (الحزب الشيوعي الصيني) بالمبادئ الأساسية للماركسية حيث ينطلق من الواقع الصيني ويستشفّ الاتجاه العام للعصر، ويجري استكشافاً شاقاً لمواصلة دفع صيننة الماركسية وعصرنتها». ومن ثم، يتساءل «لماذا يقدر (الحزب الشيوعي الصيني) على ذلك؟ ولماذا تزدهر الاشتراكية ذات الخصائص الصينية؟ الجواب في نهاية التحليل هو كفاءة الماركسية».

- نفوذ الحرير
كما الحرير في نعومته وجاذبيته، لا تزال الصين في ظل حكم «الحزب الشيوعي»، تتحرك بنفاذ مقلق للدول الغربية في نطاقات مختلفة. إذ لا يمكن تجاهل الحضور العسكري المباشر في القارة الأفريقية، فضلاً عما يصحبه نفاذها من مشاريع اقتصادية عملاقة، ناهيك من مبادرة «الحزام والطريق» التي تعوّل عليها بكين بشكل كبير لإحياء طريق التجارة القديم في القرن التاسع عشر. ومن خلال استلهام مساره، فإنها تطرح وتشارك توسيع حركة التجارة العالمية مساهمة في إنشاء شبكات من الطرق والموانئ والمرافق الأخرى عبر بلدان عدة في آسيا وأفريقيا وأوروبا.
ولا يتوقف الأمر عند حدود التجارة المباشرة؛ ذلك أن الدول الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية، لا تخفي سعيها سواءً في إطار «مجموعة السبع» أو خارجها لـ«وقف النفوذ الصيني». ويضاف إلى ذلك المخاوف من النمو المتصاعد في مجال التكنولوجيا وأخصّها شبكات «الجيل الخامس» 5G التي تخشي دول أوروبية من إشراك شبكة «هواوي» الصينية في تنفيذه تحسباً لاستخدامها في التجسس.

- الحزب والدولة
في معظم تجارب الحكم غير التداولي والمعتمدة على ظهير حزبي، فإنه عادة ما تنشأ أزمة متكرّرة تتعلق إما بانسلاخ الحاكم عن حزبه باسطا نفوذه وشموليته، أو تظهر مشكلة تعزيز قائد السلطة لنفوذ رفاقه في أوساط ومفاصل السلطة منعاً لوصول حزب منافس. لكن في دولة مثل الصين يصعب وضع حدود فاصلة بين الحزب والدولة، بل يمكن القول إنه يصعب وضع تعريفات مختلفة لكل من الحزب والدولة وأيضا الشعب، إذ لم يترك الرئيس الصيني شين جينبينغ فرصة لتفسير آخر، عندما قال في الاحتفال بمئوية الحزب بوضوح، إن «تاريخ الأمة الصينية في العصر الحديث الممتد لأكثر من 180 سنة، وتاريخ الحزب منذ تأسيسه قبل مائة سنة، وتاريخ جمهورية الصين الشعبية بعد تأسيسها على مدى أكثر من 70 سنة، أثبتت كلها أنه من دون الحزب الشيوعي الصيني لا وجود للصين الجديدة، ولن تتحقق النهضة العظيمة للأمة الصينية». وأضاف «الحزب الشيوعي الصيني هو خيار التاريخ والشعب، وتشكل قيادة الحزب الشيوعي الصيني الميزة الأكثر جوهرية للاشتراكية ذات الخصائص الصينية».

- تغيير الدستور
من ناحية ثانية، ينظر بجدية كبيرة داخل الصين وخارجها إلى الرئيس الحالي شي جينبينغ، الذي وصل إلى سدة الحكم عام 2013، على أنه خلف قوي للآباء المؤسسين للحزب الشيوعي والصين الشعبية. والواقع، أن أفكار الرجل، في حدث نادر، باتت تُدرج منذ عام 2017 ضمن آيديولوجية الحزب، جنباً إلى جنب مع أفكار ماو، ودينغ زياو بينغ، وهو ما لم يحظ به غيرهم من قادة الحزب والدولة. إذ أقر الحزب الشيوعي أفكار أمينه العام تحت اسم «فكر شي جينبينغ فيما يتعلق بالاشتراكية والسمات الصينية للحقبة الجديدة».
لكن الأمر لم يتوقف عند حدود «الأفكار الملهمة». وفي عودة جديدة لمسار «التجربة والخطأ»، وبدلاً من أن يخطو «الحزب الشيوعي الصيني» في اتجاه مسار تعدّدي أو يُعمّق الديمقراطية في الحكم إسكاتاً لأي انتقادات، وافق البرلمان الصيني في عام 2018 على مقترح للحزب يقضي بإلغاء تحديد فترات حكم الرئيس، وهو ما يسمح بالتالي للرئيس شي بالبقاء في السلطة مدى الحياة، غير عابئ بأي تصورات أو مطالبات.
وبشكل إجمالي، فإن الحزب الحاكم في الصين يطوي القرن الأول في مسيرته، مسلحاً بمعدلات نمو في بلاده يقدرها «البنك الدولي» بـ8.5 في المائة عن العام الحالي، وذلك على الرغم من تحديات جائحة «كوفيد - 19» والاتهامات المتواصلة التي لم يجر إثباتها بعد لبكين بالمسؤولية عنها، في حين أن الشيء الوحيد المثبت - حتى الآن – هو أن الصين تمكّنت من تصنيع أكثر من لقاح لمواجهة الفيروس.
أخيراً، عند استبعاد التعريفات النظرية واعتماداً على الشواهد العملية؛ تقف الدولة الصينية ويقف معها حزبها «الشيوعي» الحاكم في مئويته الأولى أمام سؤالين مركزيين: هل استمر الحزب لأنه شيوعي أم لأنه صيني؟... وهل نمت وتوسّعت الدولة لأنها صينية أم لأنها شيوعية؟
سؤالان معلقان... ربما تجيب عنهما المئوية المقبلة.

- هكذا ولدت «الثورة الثقافية»... وانتهت!
مع تأكد فشل ما يصبو إليه الزعيم الصيني ماو تسي تونغ من خطة «القفزة الكبرى» للتحول الصناعي، وتضرر قطاع غير قليل من مواطنيه، شعر ماو بمحاولات معارضيه لتكريس مسؤوليته عن سقوط ضحايا جراء تلك الأزمة تمهيداً لإزاحته عن موقع القيادة في «الحزب الشيوعي». غير أن الزعيم التاريخي، المتسلح بخبرة السنين، سعى إلى تحويل موقفه إلى الضد. وبالفعل، أطلق عام 1966 ما يُعرف بـ«الثورة الثقافية» التي عمل خلالها على تعبئة جيل من الشباب ضد مَن قال إنهم «مخرفون، وضالون عقائدياً، ومضحّون بالإيدلوجية الشيوعية». وهكذا فتح الباب واسعاً أمام هؤلاء الذين اجتذبتهم فكرته - الذين عرفوا بـ«الحرس الأحمر» للثورة – «لتصحيح الأوضاع» في البلاد. غير أن نطاق تلك التحركات الشعبوية ذات الطابع العنيف امتد إلى مستويات مختلفة، فطالت أساتذة جامعات اصطادهم طلبتهم ونفّذوا فيهم أحكام إعدام، فضلاً عن عمليات إذلال وتنكيل لكُتّاب، وكذلك طال التدمير مراكز دينية ومعابد وكتب.
وطوال عشر سنوات، ظلت كتائب الغاضبين المتأثرين بخطاب ماو تنفّذ ما ترى أنه «ثورية على الرجعيين والبورجوازيين» في كل حدب وصوب من الصين. ولعله من اللافت أن الرئيس الحالي، شي جينبينغ، كان ووالده من الذين تضّرروا جراء تلك الحقبة، وبحسب ما نقل تقرير نشرته «بي بي سي» في مارس (آذار) 2018 فإن بينغ «عندما بلغ 15 سنة من العمر (عام 1968) كان أحد الذين جرى إرسالهم إلى الريف للعمل في الزراعة بهدف (إعادة التثقيف). ولقد عمل في إحدى القرى النائية الفقيرة لمدة سبع سنوات، حيث عاش في كهف، وهذه التجربة تشكل أحد أهم فصول سيرته الشخصية في المراجع الحكومية».
وبعد وفاة ماو عام 1976، وجّهت الاتهامات إلى 4 أشخاص من قياديي الحزب (بينهم زوجة ماو تسي تونغ ولين بياو - المرشح الأول لخلافة ماو - ) الذين عرفوا باسم «عصابة الأربعة»، بالمسؤولية عن الفوضى التي شهدتها البلاد خلال «الثورة الثقافية». للعلم، تتضارب الأرقام بشأن ضحاياها بسبب التكتم الصيني على تفاصيلها، وكذلك الدعاية المناوئة المبالغة في تعدداهم.


مقالات ذات صلة

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

حصاد الأسبوع تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب

أحمد جمال (القاهرة)
حصاد الأسبوع صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع الدكتور محمد يونس (آ ب)

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع السفير لدى «ناتو» ماثيو ويتيكر في بروكسل (غيتي)

جولة مع القراءة الفرنسية لسياسات واشنطن الجديدة

تواجه العواصم الأوروبية، وفي مقدمتها باريس، اختباراً وجودياً غير مسبوق أمام سياسات واشنطن الجديدة؛ حيث أدت الضغوط الأميركية للاستحواذ على غرينلاند والتدخلات

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد،

جمال جوهر (القاهرة)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.