الحزب الشيوعي الصيني: 100 سنة من التجربة والخطأ

الحزب الشيوعي الصيني: 100 سنة من التجربة والخطأ

ماو عارض انتقاد السوفيات لحقبة ستالين... وتجربة «القفزة الكبرى» أضرّت بحكمه
السبت - 30 ذو القعدة 1442 هـ - 10 يوليو 2021 مـ رقم العدد [ 15565]

عندما وقف الرئيس الصيني شي جينبينغ في قلب ساحة «تيان آن من» (بوابة السلام السماوي) بوسط العاصمة الصينية بكين، قبل أسبوع تقريباً، محتفياً بمئوية تأسيس «الحزب الشيوعي» عام 1921كان الرئيس الحالي يتحدث من الميدان نفسه الذي شهد ميلاد «جمهورية الصين الشعبية» عام 1949، ويستخدم اللغة ذاتها، ويستند إلى الهيكل السياسي نفسه القائم منذ قرن.

مع هذا، هل يمكن القول إن الصين التي تضم عاصمتها راهناً «نحو مائة ملياردير» هي الدولة التي حلم بها «الرفاق المؤسسون» للحزب على رأسهم ماو تسي تونغ، ونظّروا لاشتراكيتها؟... وهل بات «الحزب الشيوعي» الصيني الذي ينضوي في عضويته الآن أكثر من 95 مليون عضو ينتهج أفكار مؤسسيه نفسها؟... وكيف تمكّن الحزب والدولة من خوض غمار تحديات محلية وإقليمية ودولية شتى غيرت وجه العالم من دون أن يتزحزح «الشيوعي» عن سدة الحكم؟ والأهم أنه وفي الآن نفسه لم يخفق الحزب – تقريباً - في القفز بمعدلات النمو التي تضع الصين الآن في المركز الثاني بين أكبر اقتصادات العالم.


لا يمكن فهم طبيعة الأمر أو الإجابة عن الأسئلة المشروعة في مئوية «الحزب الشيوعي الصيني» إلا بالعودة إلى أجواء ما قبل تأسيسيه؛ فعندما كان صوت الثورة البلشفية الروسية (1917) يتردد في جنبات العالم، كان الصينيون من أوائل الذين التقطوا صداه، وسريعاً ما نظموا صفوفهم منطلقين من هدفين؛ أولهما: وطني يتمثل في مجابهة مساعي السيطرة الأجنبية على بلادهم، وثانيهما: هدف اجتماعي بمواجهة الفقر المتجذر بين الصينيين حينها.

في عام 1921 تبلورت النواة الأولى لـ«الحزب الشيوعي الصيني» الذي شهدت مدينة شنغهاي، كبرى مدن الصين تأسيسه. ويومذاك، كان ماو تسي تونغ أحد ممثلي الأقاليم المشاركة في إطلاق الحزب. غير أن طبيعة الحزب الأممي دفعته في حينه إلى الاستجابة لطلب التحالف مع «الحزب الوطني (الكومينتانغ)» باعتبار أنهما أصحاب توجه واحد يتمثل في القضاء على الإقطاعيين من أصحاب الأراضي.

استغرق الأمر نحو ست سنوات قبل أن ينفك للمرة الأولى التحالف بين الشيوعيين والوطنيين، ولتبدأ فصول معركة بينية ارتد على أثرها ماو إلى ريف الصين، حيث بدأ في زراعة بذور تمايز فكري سيمتد فيما بعد بطوال التجربة الشيوعية ذات الخصائص الصينية. وكأول خطوة في مسار «التجربة والخطأ» اعتمد الشيوعيون الصينيون على تثوير طبقة الفلاحين بدلاً من طبقة العمال «البروليتاريا» التي كان يرتكز عليها الفكر الماركسي أساساً لتحرير المجتمع وبناء الاشتراكية.


- معارك قومية

لم تمنع المعارك والمطاردات بين «الشيوعيين الصينيين» والوطنيين من التحالف بمواجهة الغزو الياباني للصين في عام 1937؛ إذ انتظم مقاتلو الجانبين في جيش واحد خاض معركة قومية للبلاد تراجع فيها إلى حد كبير الخلاف الحزبي. وبالمواكبة مع الحرب العالمية الثانية (1939: 1945) تراجعت اليابان مهزومة في المعركة، غير أن سنوات المواجهة الصينية - اليابانية، وتجربة إدارة الحكم وتوزيع الأراضي في ريف البلاد، كانت قد صقلت تجربة «الحزب الشيوعي الصيني» الذي توسّع ولم يعد ذلك الحزب المتواري في أقصى الشمال لتلافي هجمات الوطنيين في سنوات ما قبل مواجهة اليابانيين.

وللمرة الثانية، عاد «الحزب الشيوعي» في صورته الجديدة لخوض مواجهة مع «الوطنيين»، لكنه سرعان ما حسمها بإعلان ماو قيام «جمهورية الصين الشعبية» في عام 1949.


- «القفزة الكبرى»

بالعودة مرة أخرى إلى «التجربة والخطأ»، وإيماناً من ماو بتفرد الخصائص الصينية للماركسية، فإنه انتهج في عام 1958 كزعيم للحزب الشيوعي ورئيس للبلاد ما عُرف بـ«القفزة الكبرى إلى الأمام». وكان هدفه من هذه الخطوة التحول من الاقتصاد الزراعي إلى الاقتصاد الصناعي. وحقاُ، عبر آليات تنظيمية صارمة لنوعية الزراعات والدفع باتجاه تسريع التصنيع، دخلت البلاد في منعطف ينظر له بعض المؤرخين باعتباره فترة «مجاعة» في تاريخ الصين، مؤكدين أن التمسك بتصدير المنتجات الزراعية لبعض الدول مقابل الحصول على أدوات صناعية وأسلحة كان له انعكاس سلبي على حياة الكثير من الصينيين الذين لقوا حتفهم بعد تلك المرحلة. ونتيجة لذلك؛ بدا أن أدوار ماو التنفيذية في طريقها إلى الخفوت بعدما حمّله الحزب نتائج «القفزة غير المدروسة» التي انتهت في عام 1961، غير أن الرفيق ماو كان له رأى آخر بعد نحو ذلك بخمس سنوات... التي شهدت ما عُرف بـ«الثورة الثقافية».


- وقفة مع السوفيات

على الرغم من أن الاتحاد السوفياتي كان أول مَن اعترف بـ«جمهورية الصين الشعبية» عام 1949 وتوقع نشوء علاقة تعاون كبيرة بين «الشيوعيين الصينيين» ونظرائهم السوفيات، فإن ذلك لم يمنع من نمو الشقاق بين البلدين لأسباب مختلفة، بلغت ذروتها العقائدية في أواخر عقد الخمسينات من القرن الماضي. وبينما كانت موسكو تنفض تبعات حقبة جوزيف ستالين وتخوض مراجعات تنتقد «عبادة الفرد» أظهرت الصين، ممثلة في ماو تسي تونغ، رفضها لذلك. ووفق ما يورد الصحافي المتخصّص في الشؤون الروسية، سامي عمارة، في مقال نشرته «إندبندنت عربية» في أبريل (نيسان) الماضي، فإن الصراع الحزبي احتدم بين بكين وموسكو، خاصة مع «ما كالته الصين من اتهامات إلى القيادة السوفياتية بالتحريفية والتراجع عن المعتقدات الماركسية اللينينية، ورفض وإدانة الجانب الصيني لما أعلنه المؤتمر العشرون حول (إدانة عبادة الفرد)». وحسب عمارة كذلك، فإن «ماو تسي تونغ أعلن صراحة (عن الخلاف) في موسكو خلال مؤتمر ممثلي العمال والأحزاب الشيوعية 19 نوفمبر (تشرين الثاني) 1957، في الذكرى الأربعين لثورة أكتوبر (تشرين الأول) الاشتراكية، حين اتهم القيادة الحزبية السوفياتية بالسير في ركاب الغرب تحت شعار (التعايش السلمي) الذي قال (ماو) إنه لا يتفق مع النظرية اللينينية».


- «صينية» الماركسية

لاحقاً، حملت سنوات ما بعد رحيل ماو (1976) تحولاً تدريجياً تضمن تحديات كبيرة، واعتماداً على منهجه ذاته في «الخصائص الصينية للماركسية»، فإن اللاحقين بالرجل اعتمدوا ما بات يُعرف بـ«صيننة الماركسية» التي ربما برّروا بها لمواطنيهم ورفاقهم التحوّل التدريجي من الاشتراكية الصينية إلى الرأسمالية الصينية أيضاً. وهنا ينسب للقائد الصيني الراحل، دينغ زياو بينغ، الإقدام على «مجموعة إصلاحات شاملة من أجل فتح قطاعي التجارة والاستثمار مع الدول الرأسمالية الغربية»، ولكن في الواقع يصعب القول، إنه ثمة اقتصاد انفتاحي حر تنافسي في الصين، كما لا يمكن في الآن نفسه اعتبار الأمر مُداراً بالكامل.

ولعل ما يعطي صورة عن «الشيوعي الصيني» وتجربته الاقتصادية الخاصة، ما يشير إليه تقرير لمجلة «فوربز» الأميركية المرموقة في أبريل الماضي، قدّر أن «عدد من المليارديرات في مدينة بكين يفوق عددهم في أي مدينة أخرى في العالم؛ إذ ضمّت القائمة عن العام الماضي 100 شخص، متفوقة على نيويورك»، وفق المجلة.

هذه الخصوصية الشيوعية الصينية عبّر عنها الرئيس الحالي شي جينبينغ في كلمته أثناء الاحتفال بمئوية حزبه؛ إذ قال، إن «استخلاص الدروس من التاريخ بغية خلق مستقبل أفضل، يلزم مواصلة دفع (صيننة الماركسية)، (إذ) تعتبر الماركسية الأفكار المرشدة الأساسية لنا في بناء الحزب والبلاد، كما هي روح حزبنا ورايته». وتابع شي «يتمسك (الحزب الشيوعي الصيني) بالمبادئ الأساسية للماركسية حيث ينطلق من الواقع الصيني ويستشفّ الاتجاه العام للعصر، ويجري استكشافاً شاقاً لمواصلة دفع صيننة الماركسية وعصرنتها». ومن ثم، يتساءل «لماذا يقدر (الحزب الشيوعي الصيني) على ذلك؟ ولماذا تزدهر الاشتراكية ذات الخصائص الصينية؟ الجواب في نهاية التحليل هو كفاءة الماركسية».


- نفوذ الحرير

كما الحرير في نعومته وجاذبيته، لا تزال الصين في ظل حكم «الحزب الشيوعي»، تتحرك بنفاذ مقلق للدول الغربية في نطاقات مختلفة. إذ لا يمكن تجاهل الحضور العسكري المباشر في القارة الأفريقية، فضلاً عما يصحبه نفاذها من مشاريع اقتصادية عملاقة، ناهيك من مبادرة «الحزام والطريق» التي تعوّل عليها بكين بشكل كبير لإحياء طريق التجارة القديم في القرن التاسع عشر. ومن خلال استلهام مساره، فإنها تطرح وتشارك توسيع حركة التجارة العالمية مساهمة في إنشاء شبكات من الطرق والموانئ والمرافق الأخرى عبر بلدان عدة في آسيا وأفريقيا وأوروبا.

ولا يتوقف الأمر عند حدود التجارة المباشرة؛ ذلك أن الدول الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية، لا تخفي سعيها سواءً في إطار «مجموعة السبع» أو خارجها لـ«وقف النفوذ الصيني». ويضاف إلى ذلك المخاوف من النمو المتصاعد في مجال التكنولوجيا وأخصّها شبكات «الجيل الخامس» 5G التي تخشي دول أوروبية من إشراك شبكة «هواوي» الصينية في تنفيذه تحسباً لاستخدامها في التجسس.


- الحزب والدولة

في معظم تجارب الحكم غير التداولي والمعتمدة على ظهير حزبي، فإنه عادة ما تنشأ أزمة متكرّرة تتعلق إما بانسلاخ الحاكم عن حزبه باسطا نفوذه وشموليته، أو تظهر مشكلة تعزيز قائد السلطة لنفوذ رفاقه في أوساط ومفاصل السلطة منعاً لوصول حزب منافس. لكن في دولة مثل الصين يصعب وضع حدود فاصلة بين الحزب والدولة، بل يمكن القول إنه يصعب وضع تعريفات مختلفة لكل من الحزب والدولة وأيضا الشعب، إذ لم يترك الرئيس الصيني شين جينبينغ فرصة لتفسير آخر، عندما قال في الاحتفال بمئوية الحزب بوضوح، إن «تاريخ الأمة الصينية في العصر الحديث الممتد لأكثر من 180 سنة، وتاريخ الحزب منذ تأسيسه قبل مائة سنة، وتاريخ جمهورية الصين الشعبية بعد تأسيسها على مدى أكثر من 70 سنة، أثبتت كلها أنه من دون الحزب الشيوعي الصيني لا وجود للصين الجديدة، ولن تتحقق النهضة العظيمة للأمة الصينية». وأضاف «الحزب الشيوعي الصيني هو خيار التاريخ والشعب، وتشكل قيادة الحزب الشيوعي الصيني الميزة الأكثر جوهرية للاشتراكية ذات الخصائص الصينية».


- تغيير الدستور

من ناحية ثانية، ينظر بجدية كبيرة داخل الصين وخارجها إلى الرئيس الحالي شي جينبينغ، الذي وصل إلى سدة الحكم عام 2013، على أنه خلف قوي للآباء المؤسسين للحزب الشيوعي والصين الشعبية. والواقع، أن أفكار الرجل، في حدث نادر، باتت تُدرج منذ عام 2017 ضمن آيديولوجية الحزب، جنباً إلى جنب مع أفكار ماو، ودينغ زياو بينغ، وهو ما لم يحظ به غيرهم من قادة الحزب والدولة. إذ أقر الحزب الشيوعي أفكار أمينه العام تحت اسم «فكر شي جينبينغ فيما يتعلق بالاشتراكية والسمات الصينية للحقبة الجديدة».

لكن الأمر لم يتوقف عند حدود «الأفكار الملهمة». وفي عودة جديدة لمسار «التجربة والخطأ»، وبدلاً من أن يخطو «الحزب الشيوعي الصيني» في اتجاه مسار تعدّدي أو يُعمّق الديمقراطية في الحكم إسكاتاً لأي انتقادات، وافق البرلمان الصيني في عام 2018 على مقترح للحزب يقضي بإلغاء تحديد فترات حكم الرئيس، وهو ما يسمح بالتالي للرئيس شي بالبقاء في السلطة مدى الحياة، غير عابئ بأي تصورات أو مطالبات.

وبشكل إجمالي، فإن الحزب الحاكم في الصين يطوي القرن الأول في مسيرته، مسلحاً بمعدلات نمو في بلاده يقدرها «البنك الدولي» بـ8.5 في المائة عن العام الحالي، وذلك على الرغم من تحديات جائحة «كوفيد - 19» والاتهامات المتواصلة التي لم يجر إثباتها بعد لبكين بالمسؤولية عنها، في حين أن الشيء الوحيد المثبت - حتى الآن – هو أن الصين تمكّنت من تصنيع أكثر من لقاح لمواجهة الفيروس.

أخيراً، عند استبعاد التعريفات النظرية واعتماداً على الشواهد العملية؛ تقف الدولة الصينية ويقف معها حزبها «الشيوعي» الحاكم في مئويته الأولى أمام سؤالين مركزيين: هل استمر الحزب لأنه شيوعي أم لأنه صيني؟... وهل نمت وتوسّعت الدولة لأنها صينية أم لأنها شيوعية؟

سؤالان معلقان... ربما تجيب عنهما المئوية المقبلة.


- هكذا ولدت «الثورة الثقافية»... وانتهت!

مع تأكد فشل ما يصبو إليه الزعيم الصيني ماو تسي تونغ من خطة «القفزة الكبرى» للتحول الصناعي، وتضرر قطاع غير قليل من مواطنيه، شعر ماو بمحاولات معارضيه لتكريس مسؤوليته عن سقوط ضحايا جراء تلك الأزمة تمهيداً لإزاحته عن موقع القيادة في «الحزب الشيوعي». غير أن الزعيم التاريخي، المتسلح بخبرة السنين، سعى إلى تحويل موقفه إلى الضد. وبالفعل، أطلق عام 1966 ما يُعرف بـ«الثورة الثقافية» التي عمل خلالها على تعبئة جيل من الشباب ضد مَن قال إنهم «مخرفون، وضالون عقائدياً، ومضحّون بالإيدلوجية الشيوعية». وهكذا فتح الباب واسعاً أمام هؤلاء الذين اجتذبتهم فكرته - الذين عرفوا بـ«الحرس الأحمر» للثورة – «لتصحيح الأوضاع» في البلاد. غير أن نطاق تلك التحركات الشعبوية ذات الطابع العنيف امتد إلى مستويات مختلفة، فطالت أساتذة جامعات اصطادهم طلبتهم ونفّذوا فيهم أحكام إعدام، فضلاً عن عمليات إذلال وتنكيل لكُتّاب، وكذلك طال التدمير مراكز دينية ومعابد وكتب.

وطوال عشر سنوات، ظلت كتائب الغاضبين المتأثرين بخطاب ماو تنفّذ ما ترى أنه «ثورية على الرجعيين والبورجوازيين» في كل حدب وصوب من الصين. ولعله من اللافت أن الرئيس الحالي، شي جينبينغ، كان ووالده من الذين تضّرروا جراء تلك الحقبة، وبحسب ما نقل تقرير نشرته «بي بي سي» في مارس (آذار) 2018 فإن بينغ «عندما بلغ 15 سنة من العمر (عام 1968) كان أحد الذين جرى إرسالهم إلى الريف للعمل في الزراعة بهدف (إعادة التثقيف). ولقد عمل في إحدى القرى النائية الفقيرة لمدة سبع سنوات، حيث عاش في كهف، وهذه التجربة تشكل أحد أهم فصول سيرته الشخصية في المراجع الحكومية».

وبعد وفاة ماو عام 1976، وجّهت الاتهامات إلى 4 أشخاص من قياديي الحزب (بينهم زوجة ماو تسي تونغ ولين بياو - المرشح الأول لخلافة ماو - ) الذين عرفوا باسم «عصابة الأربعة»، بالمسؤولية عن الفوضى التي شهدتها البلاد خلال «الثورة الثقافية». للعلم، تتضارب الأرقام بشأن ضحاياها بسبب التكتم الصيني على تفاصيلها، وكذلك الدعاية المناوئة المبالغة في تعدداهم.


الصين أخبار الصين حصاد

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة