«الجنائية الدولية» تحيل «كوشيب» إلى المحاكمة

بعد اعتماد التهم ضده بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في السودان

TT

«الجنائية الدولية» تحيل «كوشيب» إلى المحاكمة

اعتمدت المحكمة الجنائية الدولية رسميا، التهم الموجهة من مكتب المدعي العام ضد السوداني علي محمد عبد الرحمن الشهير بـ«علي كوشيب»، بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وقررت إحالته للمحاكمة. وكانت الدائرة التمهيدية الثانية التابعة للمحكمة الجنائية الدولية، قد أصدرت في 30 سبتمبر (أيلول) 2019 بالإجماع، قراراً باعتماد التهمِ الموجهة إلى علي كوشيب بارتكابِ جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإحالته إلى المحاكمة أمام دائرة ابتدائية.
وخلصت الدائرة التمهيدية الثانية المؤلفة من رئيس الدائرة القاضي الإيطالي روزاريو سالفاتوري إيتالا، والقاضيين الكونغوليين أنطوان كيسيا، ومبي ميندوا، والقاضي الياباني توموكو أكاني، إلى وجود أسباب جوهرية للاعتقاد بأن كوشيب مسؤول عن الجرائم الواردة في التهم البالغة 31 تهمة المشتبه بارتكابه لها.
وتتعلق التهم الموجهة لكوشيب بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ارتكبت في إقليم دارفور السوداني خلال الفترة من أغسطس (آب) 2003 حتى أبريل (نيسان) 2004، في مناطق كدوم، وبنديس، ومكجر، ودليج، والمناطق المجاورة لها في إقليم دارفور. وبحسب النشرة الصادرة عن المحكمة أمس، فإن كوشيب سيواجه تهما بجرائم حرب، تتمثل في تعمد توجيه هجمات ضد المدنيين، والقتل ومحاولة القتل، والاغتصاب والنهب، والاعتداء على كرامة الأشخاص، والتعذيب والمعاملة القاسية، وتدمير الممتلكات الشخصية والاستيلاء عليها.
ويواجه المتهم جرائم ضد الإنسانية، مثل القتل ومحاولة القتل والاغتصاب وأعمال لا إنسانية أخرى، والنقل القسري للسكان والاضطهاد والتعذيب، ولا يجوز الطعن في قرار اعتماد التهم، إلاّ بإذن مسبق من الدائرة التمهيدية الثانية.
ونقل كشيب إلى المحكمة الجنائية الدولية في 9 يونيو (حزيران) 2020، بعد أن سلم نفسه طوعيا في جمهورية أفريقيا الوسطى، وعقدت جلسة المثول الأولى له أمام المحكمة في 15 يونيو (حزيران) 2020، ثم عقدت جلسة اعتماد التهم من 24 إلى 26 مايو (أيار) 2021. وأصدرت المحكمة الجنائية الدولية في 4 مارس (آذار) 2009 مذكرة قبض بحق الرئيس السوداني وقتها عمر البشير، تحت اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وألحقت بها في 12 يوليو (تموز) 2010 مذكرة قبض ثانية ضده تحت اتهام بممارسة الإبادة الجماعية والتطهير العرقي في دارفور.
وفي 27 أبريل (نيسان) 2007 أصدرت محكمة لاهاي مذكرة قبض بحق وزير الدولة في الداخلية السودانية وقتها أحمد محمد هارون، على ارتكابه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وألحقت به في 1 مارس (آذار) 2012 وزير الدفاع وقتها عبد الرحيم محمد حسين بمذكرة قبض على ذات التهم.
وكان الرئيس المعزول عمر البشير ومساعديه الثلاثة، يرفضون المثول أمام المحكمة الجنائية الدولية، طوال فترة وجودهم في الحكم، لكن بعد سقوط نظامهم في ثورة شعبية في 11 أبريل (نيسان) 2019، ألقي القبض على الرجال الثلاثة، وأدخلوا السجن ويخضع البشير وحسين للمحاكمة في السودان، بتهمة تقويض النظام الدستوري، فيما يقبع هارون في السجن منذ ذلك الوقت.
وزارت المحققة السابقة للمحكمة الجنائية الدولية، فاتو بنسودا، السودان أكثر من مرة، بعد سقوط نظام البشير، وزارات معسكرات النازحين والضحايا في دارفور، وأجرت مباحثات مع المسؤولين السودانيين، بشأن تسليم الرجال الثلاثة ومحاكمتهم.
وصدر أكثر من تصريح لرئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، تؤكد إمكانية مثول الرجال الثلاثة أمام المحكمة الجنائية الدولية، ومثلها من رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان، بيد أن تعقيدات سياسية وأمنية ما تزال تعرقل تسليم الرجال الثلاثة، على الرغم من تأكيد اتفاقية السلام السودانية الموقعة في جوبا عاصمة جنوب السودان، على تسليم المتهمين لمحكمة الجنايات الدولية، استجابة لمطالب الضحايا والنازحين واللاجئين.



نزيف بشري للجماعة الحوثية رغم توقف المعارك

مقبرة أنشأتها الجماعة الحوثية لقتلاها في صنعاء (أ.ف.ب)
مقبرة أنشأتها الجماعة الحوثية لقتلاها في صنعاء (أ.ف.ب)
TT

نزيف بشري للجماعة الحوثية رغم توقف المعارك

مقبرة أنشأتها الجماعة الحوثية لقتلاها في صنعاء (أ.ف.ب)
مقبرة أنشأتها الجماعة الحوثية لقتلاها في صنعاء (أ.ف.ب)

شيّعت الجماعة الحوثية خلال الأسبوع الماضي أكثر من 15 قتيلاً من قيادييها العسكريين والأمنيين من دون إعلان ملابسات سقوطهم. ورغم توقف المعارك العسكرية مع القوات الحكومية اليمنية في مختلف الجبهات؛ فإن النزيف البشري المستمر لقياداتها وعناصرها يثير التساؤلات عن أسبابه، بالتزامن مع مقتل العديد من القادة في خلافات شخصية واعتداءات على السكان.

ولقي قيادي بارز في صفوف الجماعة مصرعه، الأحد، في محافظة الجوف شمال شرقي العاصمة صنعاء في كمين نصبه مسلحون محليون انتقاماً لمقتل أحد أقاربهم، وذلك بعد أيام من مقتل قيادي آخر في صنعاء الخاضعة لسيطرة الجماعة، في خلاف قضائي.

وذكرت مصادر قبلية في محافظة الجوف أن القيادي الحوثي البارز المُكنى أبو كمال الجبلي لقي مصرعه على يد أحد المسلحين القبليين، ثأراً لمقتل أحد أقاربه الذي قُتل في عملية مداهمة على أحد أحياء قبيلة آل نوف، التي ينتمي إليها المسلح، نفذها القيادي الحوثي منذ أشهر، بغرض إجبار الأهالي على دفع إتاوات.

من فعالية تشييع أحد قتلى الجماعة الحوثية في محافظة حجة دون الإعلان عن سبب مقتله (إعلام حوثي)

ويتهم سكان الجوف القيادي القتيل بممارسات خطيرة نتج عنها مقتل عدد من أهالي المحافظة والمسافرين وسائقي الشاحنات في طرقاتها الصحراوية واختطاف وتعذيب العديد منهم، حيث يتهمونه بأنه كان «يقود مسلحين تابعين للجماعة لمزاولة أعمال فرض الجبايات على المركبات المقبلة من المحافظات التي تسيطر عليها الحكومة، وتضمنت ممارساته الاختطاف والتعذيب والابتزاز وطلب الفدية من أقارب المختطفين أو جهات أعمالهم».

وتقول المصادر إن الجبلي كان يعدّ مطلوباً من القوات الحكومية اليمنية نتيجة ممارساته، في حين كانت عدة قبائل تتوعد بالانتقام منه لما تسبب فيه من تضييق عليها.

وشهدت محافظة الجوف مطلع هذا الشهر اغتيال قيادي في الجماعة، يُكنى أبو علي، مع أحد مرافقيه، في سوق شعبي بعد هجوم مسلحين قبليين عليه، انتقاماً لأحد أقاربهم الذي قُتِل قبل ذلك في حادثة يُتهم أبو علي بالوقوف خلفها.

في الآونة الأخيرة تتجنب الجماعة الحوثية نشر صور فعاليات تشييع قتلاها في العاصمة صنعاء (إعلام حوثي)

وتلفت مصادر محلية في المحافظة إلى أن المسلحين الذين اغتالوا أبو علي يوالون الجماعة الحوثية التي لم تتخذ إجراءات بحقهم، مرجحة أن تكون عملية الاغتيال جزءاً من أعمال تصفية الحسابات داخلياً.

قتل داخل السجن

وفي العاصمة صنعاء التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية منذ أكثر من 10 سنوات، كشفت مصادر محلية مطلعة عن مقتل القيادي الحوثي البارز عبد الله الحسني، داخل أحد السجون التابعة للجماعة على يد أحد السكان المسلحين الذي اقتحم السجن الذي يديره الحسني بعد خلاف معه.

وتشير المصادر إلى أن الحسني استغل نفوذه للإفراج عن سجين كان محتجزاً على ذمة خلاف ينظره قضاة حوثيون، مع المتهم بقتل الحسني بعد مشادة بينهما إثر الإفراج عن السجين.

وكان الحسني يشغل منصب مساعد قائد ما يسمى بـ«الأمن المركزي» التابع للجماعة الحوثية التي ألقت القبض على قاتله، ويرجح أن تجري معاقبته قريباً.

وأعلنت الجماعة، السبت الماضي، تشييع سبعة من قياداتها دفعة واحدة، إلى جانب ثمانية آخرين جرى تشييعهم في أيام متفرقة خلال أسبوع، وقالت إنهم جميعاً قتلوا خلال اشتباكات مسلحة مع القوات الحكومية، دون الإشارة إلى أماكن مقتلهم، وتجنبت نشر صور لفعاليات التشييع الجماعية.

جانب من سور أكبر المستشفيات في العاصمة صنعاء وقد حولته الجماعة الحوثية معرضاً لصور قتلاها (الشرق الأوسط)

ويزيد عدد القادة الذين أعلنت الجماعة الحوثية عن تشييعهم خلال الشهر الجاري عن 25 قيادياً، في الوقت الذي تشهد مختلف جبهات المواجهة بينها وبين القوات الحكومية هدوءاً مستمراً منذ أكثر من عامين ونصف.

ورعت الأمم المتحدة هدنة بين الطرفين في أبريل (نيسان) من العام قبل الماضي، ورغم أنها انتهت بعد ستة أشهر بسبب رفض الجماعة الحوثية تمديدها؛ فإن الهدوء استمر في مختلف مناطق التماس طوال الأشهر الماضية، سوى بعض الاشتباكات المحدودة على فترات متقطعة دون حدوث أي تقدم لطرف على حساب الآخر.

قتلى بلا حرب

وأقدمت الجماعة الحوثية، أخيراً، على تحويل جدران سور مستشفى الثورة العام بصنعاء، وهو أكبر مستشفيات البلاد، إلى معرض لصور قتلاها في الحرب، ومنعت المرور من جوار السور للحفاظ على الصور من الطمس، في إجراء أثار حفيظة وتذمر السكان.

وتسبب المعرض في التضييق على مرور المشاة والسيارات، وحدوث زحام غير معتاد بجوار المستشفى، ويشكو المرضى من صعوبة وصولهم إلى المستشفى منذ افتتاح المعرض.

ويتوقع مراقبون لأحوال الجماعة الحوثية أن يكون هذا العدد الكبير من القيادات التي يجري تشييعها راجعاً إلى عدة عوامل، منها مقتل عدد منهم في أعمال الجباية وفرض النفوذ داخل مناطق سيطرة الجماعة، حيث يضطر العديد من السكان إلى مواجهة تلك الأعمال بالسلاح، ولا يكاد يمرّ أسبوع دون حدوث مثل هذه المواجهات.

ترجيحات سقوط عدد كبير من القادة الحوثيين بغارات الطيران الأميركي والبريطاني (رويترز)

ويرجح أن يكون عدد من هؤلاء القادة سقطوا بقصف الطيران الحربي للولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا اللتين شكلتا منذ قرابة عام تحالفاً عسكرياً للرد على استهداف الجماعة الحوثية للسفن التجارية وطرق الملاحة في البحر الأحمر، وتنفذان منذ ذلك الحين غارات جوية متقطعة على مواقع الجماعة.

كما تذهب بعض الترجيحات إلى تصاعد أعمال تصفية الحسابات ضمن صراع وتنافس الأجنحة الحوثية على النفوذ والثروات المنهوبة والفساد، خصوصاً مع توقف المعارك العسكرية، ما يغري عدداً كبيراً من القيادات العسكرية الميدانية بالالتفات إلى ممارسات نظيرتها داخل مناطق السيطرة والمكاسب الشخصية التي تحققها من خلال سيطرتها على أجهزة ومؤسسات الدولة.

وبدأت الجماعة الحوثية خلال الأسابيع الماضية إجراءات دمج وتقليص عدد من مؤسسات وأجهزة الدولة الخاضعة لسيطرتها، في مساعِ لمزيد من النفوذ والسيطرة عليها، والتخفيف من التزاماتها تجاه السكان بحسب المراقبين.