«يوميات طائر الزنبرك» لهاروكي موراكامي بترجمة مدفوعة الحقوق

تصدر قريباً وتنشر {الشرق الأوسط} مقتطفات منها

موراكامي
موراكامي
TT

«يوميات طائر الزنبرك» لهاروكي موراكامي بترجمة مدفوعة الحقوق

موراكامي
موراكامي

بعد أيام قليلة، تصدر عن «دار الآداب» الترجمة العربية للجزأين الأول والثاني من رواية «يوميات طائر الزنبرك» للياباني الشهير هاروكي موراكامي، نقلها عن الإنجليزية أحمد المعيني. وبعد ما يقارب الشهرين ستصدر ترجمة الجزء الثالث، من الرواية، عن الدار نفسها. وجدير بالذكر أن الأجزاء الثلاثة، من رواية موراكامي هذه سبق لها أن ترجمت إلى العربية من قبل دار نشر مجهولة، بطباعة سيئة، كما شابها بعض الاجتزاء من النص. وهي ترجمة بقيت إنترنتية الصيغة، ولم توجد في السوق على الورق.
لكن صاحبة «دار الآداب» رنا إدريس قررت ولأهمية الرواية، ولما يتمتع به موراكامي من شعبية بين قراء الضاد، أن تشتري الحقوق، وتصدر الكتاب بنسخة عربية ذات ترجمة جيدة. وهذا ما يفتح الباب واسعاً أمام التساؤل حول فوضى النشر، وما يحدث في سوق الكتاب العربي. تعلق رنا إدريس على هذا الموضوع بقولها لـ«الشرق الأوسط»: «إن نسختنا مدفوعة الحقوق، وصدرت بالاتفاق مع الناشر».
و«يوميات طائر الزنبرك» تروي قصة تبدو لقارئها، للوهلة الأولى كأنها حكاية بوليسية، أو علاقة زوجية تتمزق، أو كأنما هي تنقيب عن أسرار دفينة من خبايا الحرب العالمية الثانية.
وهي حكاية تورو أوكادا الشاب الياباني الذي يبحث عن قط زوجته المفقود، غير أنه سرعان ما يجد نفسه في رحلة بحث عن زوجته نفسها في عالم آخر خفي. إذ يتقاطع بحثه عن القط مع بحثه عن الزوجة، فيلتقي زمرة غريبة من الأصدقاء والأعداء الذين يأتي كل واحد منهم ومعه حكاية: بدءاً من الفتاة المرحة، والسياسي الحقود، وانتهاءً بمقاتل سابق.
رواية يمتزج فيها الهزل بالشر. إنه عمل يذكر بروايات يوكيو ميشيما. فالرواية تطرح في عمقها عدداً من الإشكالات منها الهوية والعلاقة بالآخر، والصلة بين الظاهر والباطن كما التجربة الفردية الروحانية.

مقتطفات من{يوميات طائر الزنبرك»

رن الهاتف بينما كنت في المطبخ أغلي قليلاً من السپاغيتي، وأصفر مع افتتاحية العقعق السارق في المذياع، مقطوعة روسيني التي لا بد من أن تكون الموسيقى المثلى لطبخ الپاستا.
أردت أن أتجاهل الهاتف، لا لأن السپاغيتي كاد ينضج فحسب، بل كذلك لأن المايسترو كلاوديو أبادو كان لحظتها يقترب من ذروة السيمفونية. لكنني سلمت أمري، فلعل المتصل يحمل خبراً عن وظيفة. خففت من شدة الغاز، ثم مشيت إلى الصالة، والتقطت السماعة.
«عشر دقائق من فضلك».
كان صوت امرأة. ومع أني أميز الأصوات جيداً، فإن هذا لم يكن صوتاً أعرفه.
«معذرة، مع من تريدين التحدث؟».
«معك طبعاً. عشر دقائق من فضلك. هذا كل ما نحتاج إليه لنفهم بعضنا بعضاً»
كان صوتها خفيضاً ناعماً، لكنه غير مميز.
«نفهم بعضنا بعضاً؟».
«مشاعر بعضنا بعضاً».
انحنيت قليلاً ألقي نظرة عبر باب المطبخ. كانت قدر السپاغيتي تغلي جيداً، وكلاوديو أبادو لا يزال يعزف العقعق السارق.
«معذرة. أنا الآن منهمك في طبخ السپاغيتي. هل يمكنك الاتصال لاحقاً؟».
«سپاغيتي؟! من يطبخ سپاغيتي في العاشرة والنصف صباحاً؟».
«ليس هذا من شأنك. أنا من يحدد طعامي ووقت تناوله».
«معك حق. سأتصل لاحقاً».
قالتها بصوت فاتر لا تعبير فيه. مجرد تغيير طفيف في المزاج يمكن أن يفعل أفاعيله في نبرة الصوت. فقلت لها قبل أن تغلق الخط: «لحظة. إن كانت هذه حيلة من حيل البائعين، فانسي الموضوع. أنا عاطل عن العمل. ولا أريد أن أشتري أي شيء».
«لا تقلق. أعرف هذا»
«تعرفين؟ تعرفين ماذا؟».
«إنك عاطل. أعرف هذا. سأتركك الآن مع أكلتك العظيمة».
«وأنت من تكونين؟».
أغلقت الخط قبل أن أكمل.
لم أجد متنفساً لانفعالي، فأخذت أحدق في سماعة الهاتف التي في يدي إلى أن تذكرت السپاغيتي. عدت إلى المطبخ، فأطفأت الغاز وصببت محتويات القدر في مصفاة. بسبب المكالمة انطبخت السپاغيتي فترة أطول مما يلزم لتبلغ مستوى الدينتي، لكن الطبخة لم تفسد. أخذت أتناول طعامي، وأفكر.
نفهم بعضنا بعضاً؟ نفهم مشاعر بعضنا بعضاً في عشر دقائق؟ ماذا تقصد؟ لعلها مكالمة من مكالمات النصب والاحتيال. لا يعنيني ذلك على أي حال.
بعد الغداء عدت إلى كتابي الذي استعرته من المكتبة، أسترق النظر بين الفينة والأخرى من أريكة الصالة إلى الهاتف. ترى ما الذي يفترض أن نفهمه عن بعضنا بعضاً في عشر دقائق؟ ما الذي يمكن أن يفهمه اثنان عن بعضهما في عشر دقائق؟ بدت واثقة جداً من تلك الدقائق العشر؛ فهي أول ما قالته في اتصالها. كما لو أن تسع دقائق لا تكفي، وإحدى عشرة دقيقة أطول من اللازم. شأن طبخ السپاغيتي إلى مستوى ألدينتي.
لم أستطع أن أواصل القراءة، فقررت أن أكوي قمصاني. هذا ما أفعله دائماً حين أكون مستاءً. هي عادة قديمة. أقسم العمل إلى اثنتي عشرة مرحلة، تبدأ بالياقة (الخارجية) وتنتهي بالكم الأيسر. لا أغير شيئاً من هذا الترتيب أبداً. أعد المراحل مرحلة مرحلة، وإلا فلن اعتبر أني أديت المهمة كما ينبغي.
كويت ثلاثة قمصان، وتفحصتها جيداً ثم وضعتها على المشاجب. وما إن أطفأت المكواة وأعدتها إلى الدولاب مع طاولة الكي، حتى شعرت بأن عقلي أصبح أكثر صفاءً.
هممت إلى المطبخ أشرب ماءً، فرن الهاتف ثانية. ترددت لحظة، ثم قررت أن أرد. إن كان المتصل هو المرأة نفسها فسأقول لها إنني أكوي ملابسي ثم أغلق الخط. لكن المتصلة كانت كوميكو. نظرت إلى الساعة فوجدتها تشير إلى الحادية عشرة والنصف. سألتني: «كيف حالك؟».
قلت وقد شعرت براحة حين أتاني صوت زوجتي: «بخير».
«ماذا تفعل؟».
«انتهيت الآن من كي ملابسي».
«ما الأمر؟». لاح شيء من التوتر في صوتها، فقد كانت تعلم ما يعنيه أن أكوي ملابسي.
«لا شيء. كنت أكوي بضعة قمصان فحسب». جلست على الأريكة ونقلت السماعة من يدي اليسرى إلى اليمنى.
«هل تستطيع أن تكتب شعراً؟».
«شعر!». هل كانت تقصد الشعر فعلاً؟
«أعرف ناشراً يصدر مجلة قصص للبنات، وهم يبحثون عن شخص يختار قصائد القارئات ويراجعها. ويريدون من هذا الشخص أيضاً أن يكتب قصيدة قصيرة كل شهر تكون افتتاحية للمجلة. الراتب معقول بالنسبة إلى عمل سهل كهذا. والدوام جزئي طبعاً، لكنهم قد يضيفون بعض المهام التحريرية إن أثبت الشخص -».
«عمل سهل؟ أنا أبحث عن وظيفة في القانون، لا الشعر».
«خطر لي أنك كنت تكتب أيام المدرسة الثانوية».
«نعم، لصحيفة المدرسة. نكتب عن الفريق الفائز في بطولة الكرة، أو كيف سقط معلم الفيزياء من السلالم ودخل المستشفى.. هذا النوع من الأخبار. وليس الشعر. لا أستطيع أن أكتب شعراً».
«صحيح، لكنني لا أتحدث عن شعر رفيع. يريدون شيئاً لبنات المدارس، وليس ضرورياً أن يصبح خالداً في تاريخ الأدب. يمكنك أن تكتبه وأنت مغمض العينين، أليس كذلك؟».
«اسمعي، أنا لا أستطيع أن أكتب شعراً، سواء أغمضت عيني أم فتحتهما. لم أفعل ذلك في حياتي، ولست مستعداً لفعله الآن».
قالت كوميكو بشيء من الحزن: «حسناً. ولكن من الصعب العثور على وظيفة في القانون».
«أعرف. ولذلك تحدثت مع كثيرين للبحث عن وظيفة لي. يفترض أن تصلني أخبار هذا الأسبوع. وإن لم يحصل ذلك، فسأفكر في شيء آخر أفعله».
«حسناً، انتهى الموضوع إذن. بالمناسبة، ما اليوم؟ أي يوم من الأسبوع؟».
فكرت لحظة ثم قلت: «الثلاثاء».
«إذن هل يمكنك الذهاب إلى البنك لدفع فاتورتي الغاز والهاتف؟».
«لا بأس. كنت على وشك الخروج لشراء حاجياتٍ للعشاء».
«وماذا ستطبخ؟».
«لا أدري. سأقرر وأنا أشتري الأغراض».
سكتت قليلاً ثم قالت فجأة بنبرة جادة: «أتدري؟ لسنا في عجلة للعثور على وظيفة لك».
باغتتني هذه الجملة، وكأن نساء الأرض قررن اليوم أن يفاجئنني على الهاتف. «كيف ذلك؟ علاوتي ستنتهي عاجلاً أم آجلاً، ولا يمكنني أن أبقى عاطلاً هكذا إلى الأبد».
«صحيح، لكننا إن توخينا الحرص، فنستطيع أن نعيش جيداً في الوقت الحالي بعد زيادة راتبي والأعمال الإضافية التي أحصل عليها، بالإضافة إلى مدخراتنا. لسنا في أزمة. هل ضجرت من البقاء في البيت وأعباء البيت؟ أقصد هل ترى أن هذه الحياة غير مناسبة لك؟».
أجبت بصدق: «لا أدري». لم أكن أدري فعلاً.
«حسناً، خذ وقتك وفكر في الأمر. بالمناسبة، هل عاد القط؟».
القط! لم أفكر في القط طوال الصباح. «لا لم يعد بعد».
«من فضلك ألق نظرة في الحي. لقد مضى أسبوع على غيابه».
همهمت بشيء غير مفهوم، ونقلت السماعة إلى يدي اليسرى.
«أنا متأكدة أنه في مكان ما عند البيت الخالي، في الطرف الآخر من الزقاق. ذلك البيت الذي في فنائه تمثال طائر. كثيراً ما رأيته هناك».
«الزقاق؟ ومنذ متى تذهبين إلى الزقاق؟ لم تخبريني قط عن -».
«أوه، علي الذهاب الآن. لدي أعمال كثيرة. لا تنس القط».


مقالات ذات صلة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

ثقافة وفنون أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض
TT

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

لم يعد دخول الذكاء الاصطناعي إلى عيادة الأسنان سؤالاً نظرياً يُطرح في المؤتمرات، بل أصبح واقعاً سريرياً يتشكّل بهدوء داخل تفاصيل الممارسة اليومية، حيث تبدأ الخوارزميات بقراءة الصور الشعاعية وتحليل البيانات قبل أن يلتقي الطبيب بالمريض.

في هذا السياق، صدر حديثاً كتاب للدكتور عميد خالد عبد الحميد، بعنوان «Dental Intelligence: Artificial Intelligence, Ethics, and the Future of Dentistry» (ذكاء الأسنان: الذكاء الاصطناعي والأخلاقيات ومستقبل طب الأسنان)، وهو عمل علمي وفكري لا يكتفي بوصف هذه الثورة، بل يسعى إلى تفكيكها وفهم آثارها العميقة على طبيعة القرار الطبي، وعلى العلاقة الدقيقة بين خبرة الطبيب وحدود الحكم الخوارزمي داخل العيادة الحديثة.

ينطلق الكتاب من سؤال محوري لم يعد نظرياً، بل أصبح جزءاً من الممارسة اليومية للأطباء حول العالم: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يطوّر الطب دون أن ينتزع منه روحه الإنسانية؟ فالتكنولوجيا، مهما بلغت قدرتها على تحليل البيانات أو قراءة الصور الطبية بدقة قد تتجاوز العين البشرية، تبقى في جوهرها أداة تُحسّن القرار ولا تصنعه، وتدعم الطبيب دون أن تختزل خبرته أو تحلّ محل حكمه السريري، ذلك الحكم الذي لا يتكوّن في المعالجات الرقمية وحدها، بل يتشكّل عبر سنوات من التفاعل الإنساني المباشر مع المرضى.

غير أن الكتاب لا يكتفي بعرض الجانب التقني لهذه الثورة الطبية، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك أبعادها الأخلاقية بعمق. فمع تزايد اعتماد الأطباء على الأنظمة الذكية، تبرز أسئلة لم تعد قابلة للتأجيل: من يتحمّل مسؤولية القرار الطبي عندما تشارك الخوارزميات في التشخيص؟ وكيف يمكن ضمان شفافية هذه الأنظمة وعدالتها؟ وأين ينبغي أن تقف حدود الاعتماد على الآلة في الرعاية الصحية؟ وفي هذا السياق، يطرح الكتاب مفهوماً محورياً يمكن تسميته بـ«الشراكة الذكية» بين الطبيب والآلة؛ حيث لا تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي بديلاً عن الطبيب، بل أداة تُوسّع قدرته على الفهم والتحليل واتخاذ القرار. فالطب، كما يؤكد المؤلف، لن يفقد طبيعته الإنسانية؛ لأنه يقوم في جوهره على الخبرة والتجربة والقدرة على فهم الإنسان... قبل فهم المرض.

صدر الكتاب في نسختين؛ الأولى باللغة الإنجليزية بعنوان «Dental Intelligence» موجّهة إلى القارئ الدولي، والأخرى باللغة العربية بعنوان «الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان: الثورة السريرية الرابعة»، في خطوة تهدف إلى نقل النقاش العلمي حول الذكاء الاصطناعي من نطاقه العالمي إلى الفضاء العربي، وفتح حوار معرفي أوسع حول مستقبل هذه التقنيات في الطب والرعاية الصحية في المنطقة. ويُعدّ الكتاب ثمرةً فكرية لتراكم بحثي وكتابي امتدّ لسنوات، حيث يجمع بين دفتيه عدداً من المقالات والدراسات التي نشرها المؤلف في الصحافة العلمية، ولا سيما صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، التي يكتب فيها بانتظام حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب وأبعاده الأخلاقية.

وقد حظي الكتاب باهتمام الأوساط العلمية الدولية، حيث تناولت «British Dental Journal» خبر صدوره، مشيرة إلى أنه يقدّم رؤية متوازنة لدور الذكاء الاصطناعي في تطوير التشخيص والعلاج في طب الأسنان، مع تأكيد واضح على أن القرار الطبي النهائي يجب أن يبقى بيد الطبيب، بوصفه المسؤول الأول عن التقدير السريري والحكم المهني.

والمؤلف، الدكتور عميد خالد عبد الحميد، طبيب أسنان وباحث في مجال الذكاء الاصطناعي الطبي، يشغل منصب أستاذ زائر في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي الطبي بجامعة شرق لندن في المملكة المتحدة، ويكتب بانتظام في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط» حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب وأبعاده الأخلاقية.

وفي وقت تتسارع فيه قدرة الخوارزميات على تحليل البيانات الطبية والتنبؤ بالأمراض بدقة غير مسبوقة، يذكّر هذا الكتاب بأن مستقبل الطب لن يُبنى على الذكاء الاصطناعي وحده، بل على توازن دقيق بين قوة التقنية وحكمة الطبيب، وبين دقة الخوارزمية ومسؤولية القرار الإنساني. فالطب، في نهاية المطاف، ليس علماً بالبيانات فحسب، بل هو فنّ فهم الإنسان... قبل أن يكون تشخيصاً للمرض.

والكتاب متوفر حالياً عبر منصة «أمازون» بنسختيه الورقية والرقمية.


زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي
TT

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها. مستشار الأمن القومي الأسبق للرئيس جيمي كارتر، وأحد أبرز صانعي السياسة الخارجية الأميركية في القرن العشرين، يعود اليوم في سيرة جديدة للكاتب والصحافي إدوارد لوس، الصادرة عن «بلومسبري» بعنوان «زبيغ: سيرة زبيغنيو بريجينسكي، نبي الحرب الباردة الأميركي»*، وهي ترسم صورة دقيقة لأكاديمي لامع، وسياسي شديد المراس، ومفرط الثقة بالنفس، ترك بصمة عميقة ومثيرة للجدل على مسار الحرب الباردة وتوازنات القوى العالمية.

تبدأ السيرة المستندة لأرشيف ضخم من المذكرات الشخصية والمراسلات والوثائق والمقابلات الحصرية من الجذور البولندية لبريجينسكي. ولد زبيغنيو عام 1928 في وارسو لعائلة أرستقراطية دبلوماسية يهودية، ودفع صعود النازية في ألمانيا والتهديد السوفياتي عائلته إلى الهجرة بداية إلى كندا عام 1938، ومنها راقب شاباً تدمير وطنه وتقسيمه بين هتلر وستالين. غرس فيه والده، تاديوش، نزعة قومية بولندية عميقة، ورؤية تعتبر بولندا ممثلة للحضارة الغربية في مواجهة جيرانها بالشرق، فكان أن شكلت هذه النشأة وعيه السياسي المبكر، وولّدت لديه عداءً جذرياً ومستمراً تجاه الاتحاد السوفياتي وروسيا، معتبراً التنازلات الأميركية والبريطانية لستالين في مؤتمر يالطا خيانة أخلاقية وسياسية، ليتعهد على أثرها بتكريس حياته لتفكيك الإمبراطورية السوفياتية.

بعد جامعة ماكغيل الكندية انتقل بريجينسكي إلى الولايات المتحدة حاملاً طموحاً سياسياً كبيراً. برز نجمه الأكاديمي في جامعة هارفارد حيث ركزت أطروحته الجامعية على دراسة نقاط الضعف في النظام السوفياتي، وحدد التنوع العرقي والقومي داخل الاتحاد السوفياتي ككعب أخيل هيكلي سيؤدي حتماً إلى انهيار تلك الإمبراطورية، منظراً بأن القوميات المتعددة سترفض هيمنة الثقافة الروسية. وطور لاحقاً في جامعة كولومبيا استراتيجية «الاشتباك السلمي» للتعامل مع دول أوروبا الشرقية مقترحاً استخدام الأدوات الاقتصادية والتبادل الثقافي لاختراق الستار الحديدي، وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة، بغرض فصل الدول التابعة ببطء عن مدار موسكو.

بلغ ذروة نفوذه السياسي بتعيينه مستشاراً للأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر عام 1977، ويستعرض الكتاب تفاصيل صراعه المرير داخلها مع وزير الخارجية وقتها، سايروس فانس. جسد فانس مدرسة المؤسسة الدبلوماسية التقليدية، وفضّل نهج التسويات، وركز جهوده على إنجاز معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (سالت 2) مع السوفيات. بالمقابل، تبنى بريجينسكي نهجاً هجومياً، وفضّل استعراض القوة، واعتبر ملف حقوق الإنسان أداة استراتيجية لضرب الشرعية السوفياتية، وشجع كارتر على تبادل الرسائل مع المعارضين السوفيات مثل أندريه ساخاروف، وهي خطوة أثارت غضب القيادة السوفياتية وعقدت مهمة فانس الدبلوماسية.

تعرض السيرة أيضاً لمنافسته الشرسة والمستمرة مع هنري كيسنجر. تواجه الرجلان في الساحة الأكاديمية والسياسية لعقود، وبينما مال كيسنجر إلى الواقعية السياسية وتقاسم مناطق النفوذ مع السوفيات، أصر بريجينسكي على ضرورة هزيمة الاتحاد السوفياتي أيديولوجياً وجيوسياسياً، ونجح لاحقاً في تحقيق إنجاز دبلوماسي كبير بتطبيع العلاقات رسمياً مع الصين الشعبية عام 1979، وقاد المفاوضات مع الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ بمهارة، ليستخدم هذا التحالف الجديد كورقة ضغط قوية لمحاصرة الاتحاد السوفياتي.

يخصص لوس مساحة واسعة لتحليل دور بريجينسكي في التدخل السوفياتي بأفغانستان حيث رأى أن الغزو السوفياتي فرصة تاريخية لاستنزاف موسكو. ودفع بقوة نحو دعم المجاهدين الإسلاميين، بغرض تحويل أفغانستان إلى «فيتنام سوفياتية». ويؤكد الكتاب نجاح هذه الاستراتيجية في استنزاف الموارد السوفياتية، ويشير أيضاً إلى التداعيات المستقبلية الكارثية المتمثلة في صعود الجماعات المتطرفة كتنظيم «القاعدة»، وهو مسار يعتبره منتقدوه نتيجة مباشرة لسياساته المتشددة.

شكلت أزمة الرهائن الإيرانيين التحدي الأصعب في مسيرته السياسية. فبعدما اندلعت الثورة الإيرانية على حكم الشاه محمد رضا بهلوي، حث وقتها الرئيس كارتر على دعم تحرك عسكري يقوده جنرالات الجيش الإيراني لقمع الثورة، وتوقع تحول النظام الجديد بقيادة آية الله الخميني إلى حكم دموي، لكن كارتر رفض خيار القوة المفرطة. وتفاقمت الأزمة حين استقبلت واشنطن الشاه للعلاج، في خطوة أيدها بريجينسكي وكيسنجر لكنها أدت إلى اقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجاز الرهائن. ألح بريجينسكي لتدخل عسكري ينقذ الرهائن، إلى أن وافق كارتر أخيراً على تنفيذ عملية «مخلب النسر» التي انتهت بفشل كارثي في الصحراء الإيرانية، واستقال على أثرها فانس احتجاجاً على القرار، فيما ساهمت هذه الأزمة في خسارة كارتر للانتخابات الرئاسية أمام رونالد ريغان.

في ملف الشرق الأوسط، كان براغماتياً حاداً، ولعب دوراً محورياً في هندسة اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. جمعته علاقة معقدة ومحكومة بالندية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، وتشاركا الأصول اليهودية البولندية. أصر بريجينسكي على ضرورة إيجاد حل شامل يضمن حكماً ذاتياً للفلسطينيين، وحذر باستمرار من خطورة سياسة بناء المستوطنات الإسرائيلية، واصطدم مراراً بجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، فتعرض لحملات إعلامية قاسية شككت في نواياه، لكنه واجهها بصلابة وثبات على مواقفه، واستمر على هذا التوجه في سنواته اللاحقة، وأعلن تأييده للمقال الأكاديمي الشهير الذي كتبه جون ميرشايمر وستيفن والت حول تأثير «اللوبي الإسرائيلي» على السياسة الخارجية الأميركية.

مع انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي، حصد ثمار تنبؤاته المبكرة. وساهم تعاونه الوثيق وتواصله المستمر مع البابا يوحنا بولس الثاني (البولندي الأصل) في دعم حركة «تضامن» البولندية، ومنع الغزو السوفياتي المحتمل لبولندا في بداية الثمانينات. وفي حقبة ما بعد الحرب الباردة، دعم توسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليضم دول أوروبا الشرقية، واعتبر أوكرانيا حجر الزاوية لمنع انبعاث الإمبراطورية الروسية، وكان حذر مبكراً من صعود نزعة قومية انتقامية في روسيا، وتوقع مسار المواجهة الذي سلكه فلاديمير بوتين لاحقاً.

عكس بريجينسكي في سنواته الأخيرة تحولاً ملحوظاً في رؤيته للمشهد العالمي. فعارض بشدة الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وانتقد علناً إدارة جورج دبليو بوش والمحافظين الجدد، واصفاً مبررات الحرب بالمضللة والكارثية، كما دعم باراك أوباما في حملته الرئاسية عام 2008، ورأى فيه فرصة لتجديد القيادة الأميركية بأدوات سلمية. خصص خطابه العلني الأخير في جامعة كولومبيا للدعوة إلى التعاون المشترك بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، محذراً من استمرار عقلية المواجهة الصفرية في عالم يواجه تحديات وجودية مشتركة.

نجح إدوارد لوس في تقديم وثيقة تاريخية تتسم بالرصانة والعمق التحليلي لشخصية بريجينسكي بكل تناقضاتها: الباحث الأكاديمي المنظّر، والسياسي البراغماتي قوي الشكيمة القادر على اتخاذ قرارات قاسية. وبغير أنه أوسع سيرة عن عراف الحرب الباردة، يشكل هذا العمل إضافة مرجعية قيّمة لفهم آليات صنع القرار داخل أروقة البيت الأبيض، وتتبع جذور السياسات التي صاغت خريطة العالم المعاصر، وتأثير النخب اليهودية المهاجرة من وسط أوروبا في توجيه دفة القيادة في أقوى دول العالم.

Zbig: The Life of Zbigniew Brzezinski America's Cold War Prophet” Edward Luce “* Bloomsbury Publishing 2025


حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً
TT

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954» الذي يقدم فيها مقارنة بديعة لتجليات واحدة من أشهر قصص التراث العربي وكيف اختلف تناولها وتعددت رؤاها، سردياً وفلسفياً، لدى ثلاثة من رموز هذا التراث وهم ابن سينا وابن طفيل والسهروردي.

ويشير إلى أن خلاصة القصة الذائعة الصيت لدى ابن سينا، هي أن جماعة خرجوا يتنزهون إذ عنّ لهم شيخ جميل الطلعة حسن الهيئة مهيب قد أكسبته السنون والرحلات تجارب عظيمة، وهذا الشيخ المهيب الوقور اسمه حي بن يقظان وهو يرمز بهذا الشيخ إلى العقل.

وهذه الرفقة التي تصاحبه من هؤلاء ليست أشخاصاً وإنما هي الشهوات والغرائز وسائر الملكات الإنسانية، كما أن المجادلة بين الرفقة وحي بن يقظان عبارة عن مجادلات تحدث عادة بين غرائز الإنسان وشهواته من ناحية، وبين ضميره وعقله من ناحية أخرى.

هذه المناظرات بين قوى الإنسان وعقله أدت إلى سؤال العقل عن علم الفراسة ويقصد ابن سينا به علم المنطق وسماه علم الفراسة؛ لأنه بواسطته يُعرف الأمر المجهول الخفي من أحواله الظاهرة وتُعرف النتائج العويصة من مقدمات بدهية، فهو استدلال على الخفايا من السمات والمظاهر.

ويقول العقل إن هذه الرفقة التي تصحب الإنسان والتي هي ملكاته وشهواته رفقة سوء ومن ذلك أيضاً قوة التخيل ورمز إليها بـ«شاهد الزور»، وذلك لأنها قادرة على تشبيه الشيء بالشيء زوراً وبهتاناً لإيقاع الإنسان في الشر وهذا التشبيه زور وباطل لأنه لا ينشأ عن عقل وحكمة.

أما حي بن يقظان عند ابن طفيل فشيء آخر، هو أيضاً يتصل بالعقل ولكن على نمط مختلف فهو رسالة بناها وفق نظرية له، وهي أن في وسع الإنسان أن يرتقي بنفسه من المحسوس إلى المعقول إلى الله، فهو يستطيع بعقله أن يصل إلى معرفة العالم ومعرفة الله.

وعنده أن المعرفة تنقسم إلى قسمين: معرفة حدسية ومعرفة نظرية، أو بعبارة أخرى معرفة مبنية على الكشف والإلهام كالتي عند الصوفية، ومعرفة مبنية على المنطق كالتي عند العلماء. أما الأولى فيمكن الوصول إليها بترويض النفس فتنكشف لها الحقائق كأنها نور واضح لذيذ يومض له حيناً ثم يخبو حيناً.

وكلما أمعن الإنسان في ترويض نفسه، تجلت له المعارف، وأما النوع الثاني من المعرفة فهو مؤسس على الحواس، والمعرفة بالحواس تتألف وتتركب وتُستنتج منها نتائج علمية هي أيضاً نوع من المعرفة التي يسميها المعرفة النظرية. وقد جعل ابن طفيل بطله بن يقظان يسلك هذين الطريقين، فتارة يصل لمعرفة الأشياء بحواسه ومركباتها وتارة يصل إليها بطريق الكشف الروحاني.

أما قصة حي بن يقظان عند السهروردي فبدأها بقوله «إني لما رأيت قصة حي بن يقظان وصادفتها مع ما فيها من عجائب الكلمات الروحانية والإشارات العميقة عارية من تلويحات تشير إلى الطور الأعظم المخزون الذي يترتب عليه مقامات الصوفية وأصحاب المكاشفات، أردت أن أذكر طوراً في القصة سميتها أنا قصة الغريبة».

ويضيف: «بدأت قصتي هكذا... سافرت مع أخي عاصم من ديار ما وراء النهر إلى ساحل اللجة الخضراء إلى مدينة القيروان بالمغرب، فلما أحس قومها بقدومنا عليهم وأننا من أصحاب عدوهم أخذونا وقيدونا بسلاسل من حديد وحبسونا في قاع بئر عميقة وكان فوق البئر قصر مشيد عليه أبراج عالية وقالوا لنا لا جناح عليكم إذا صعدتم القصر مجردين إذا أمسيتم، أما عند الصباح فلا بد من الهوى في غيابة الجب».

ويشير أحمد أمين إلى أن السهروردي رأى الشمس هنا رمزاً لسطوع العقل وتحكمه، لذا جعلهم يطلعون في المساء إلى القصر ويغيبون في قاع البئر في الصباح، لأن الإنسان يكون في ترف ونعيم إذا اتبع شهواته وغاب عنه العقل، أما إذا طلع عليه العقل وتحكم في شهواته عاش عيشة سعيدة كالتي يعيشها العاقل الحكيم.

ويرمز السهروردي بحياة البئر إلى الحياة المظلمة التي تتحكم فيها الشهوات، ثم قال: «فبينما نحن في الصعود ليلاً والهبوط نهاراً إذ رأينا الهدهد في ليلة قمراء في منقاره كتاب صدر من شاطئ الوادي الأيمن وقال إني أحطت بوجه خلاصكما وجئتكما بنبأ يقين مشروح في رقعة أبيكما».

ويرمز الهدهد هنا إلى قوة العقل وتأثير إلهامه وقدرته على إظهار الأشياء على حقيقتها، وقد أتى برسالة من عند أبيهم فيها الحكمة وفيها النور الذي يكشف ظلام الشهوات.