النساء العربيات في «اليوم العالمي للمرأة» بين انتصارات حقوقية وانتكاسات اجتماعية

قوانين أفضل في كل من مصر وتونس ولبنان.. وأسعدهن في جزر القمر

فلسطينية تحتمي من الغاز المسيل للدموع الذي أطلقه جنود إسرائيليون خلال مسيرة عشية اليوم العالمي للمرأة عند معبر قلندية بين القدس المحتلة ورام الله أمس (أ.ب)
فلسطينية تحتمي من الغاز المسيل للدموع الذي أطلقه جنود إسرائيليون خلال مسيرة عشية اليوم العالمي للمرأة عند معبر قلندية بين القدس المحتلة ورام الله أمس (أ.ب)
TT

النساء العربيات في «اليوم العالمي للمرأة» بين انتصارات حقوقية وانتكاسات اجتماعية

فلسطينية تحتمي من الغاز المسيل للدموع الذي أطلقه جنود إسرائيليون خلال مسيرة عشية اليوم العالمي للمرأة عند معبر قلندية بين القدس المحتلة ورام الله أمس (أ.ب)
فلسطينية تحتمي من الغاز المسيل للدموع الذي أطلقه جنود إسرائيليون خلال مسيرة عشية اليوم العالمي للمرأة عند معبر قلندية بين القدس المحتلة ورام الله أمس (أ.ب)

التشريعات المتعلقة بحقوق المرأة تتطور، في حين أن الممارسات على الأرض تتراجع بحدة، هذا على الأقل ما يمكن قوله بالنظر إلى وضع النساء العربيات، في السنة الأخيرة، تلك التي تلت ثورات وتقلبات ما سمي بـ«الربيع العربي»؛ فمن المغرب إلى اليمن، نساء غاضبات يطالبن بإنقاذهن من التمييز والعنف، فيما الوقائع على الأرض لا يبدو أنها تتحسن بسبب استمرار الاشتباكات والحروب، سواء في العراق أو سوريا أو اليمن وليبيا.
وباستثناء تونس التي نجت من انتكاسة كان يخشى منها لقانون الأحوال الشخصية الذي أعطى النساء ما لم تنله امرأة عربية، وإقرار قوانين في كل من مصر ولبنان، فإن بلدان الربيع العربي، التي كان نزول النساء فيها إلى المظاهرات والاحتجاجات كثيفا، وفاعلا، لم تشهد المرأة سوى انعكاسات العنف المتنامي، والتراجعات تلو الأخرى.
ومع اليوم العالمي للمرأة، الذي سعى فيه كل بلد إلى إعادة تقييم أحوال النساء، بدت أوضاع الدول العربية مخجلة، قياسا إلى دول أميركا اللاتينية أو حتى بعض البلدان الأفريقية، فقد أبرزت دراسة مغربية أن أكثر من 40 ألف حالة استخدام للعنف سجلت في المغرب خلال العام 2014. هذا علما بأن الدستور المغربي الذي أقر عام 2011 يعد متقدما في مجال الأحوال الشخصية عن سابقه، إلا أن المكتسبات القانونية التي كان يفترض أن تنتهز، لم يتم العمل بها على النحو الذي يحقق غاياتها. وتطالب الهيئات النسائية اليوم بتطبيق مبدأ المناصفة. وكانت وزير الأسرة المغربية، بسيمة الحقاوي، قد قالت منذ أيام، إن الحكومة تعتزم تبني مشروع قانون تنظيمي ينص على تشكيل هيئة وطنية للمناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز، بغية تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة. لكن إلى حينه، فإن حال المرأة المغربية يعد سيئا اجتماعيا لكثرة حالات الطلاق وما يترتب عليه من عواقب لغير صالحها، والإنجاب غير الشرعي الذي تتحمل أعباءه، وحالات الفقر التي غالبا ما تنعكس على النساء أكثر من الرجال.
وبالعودة إلى تونس التي تعد رائدة في مجال حقوق المرأة، فإن النساء سجلن انتصارا كبيرا عام 2014، بمحافظتهن على مكتسباتهن الحقوقية في الدستور الجديد، رغم الأخذ والرد الشديدين منذ عام 2011 مع اندلاع الثورة، والمخاوف من انتكاسات أثناء صياغة القوانين لدستور الجمهورية الثانية، إلا أن النقاشات أثمرت لصالح المرأة التونسية التي استطاعت أن تفوز بأفضل القوانين العربية؛ فقد أكد الدستور التونسي في الفصل 46 منه على أن «الدولة تلزم بحماية الحقوق المكتسبة للمرأة وتعمل على دعمها وتطويرها»، في حين نص الفصل 21 منه على الآتي: «المواطنون والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواء أمام القانون من غير تمييز». في حين أرسى الفصل 21 صراحة مبدأ المساواة بين الجنسين في الحقوق والحريات. ومع ذلك لا تزال الأمم المتحدة ترى أن القوانين التونسية تنطوي على بعض الأحكام التي تميز بين الرجل والمرأة، التي يفترض أن يعمل عليها لتعديلها.
وفي 23 أبريل (نيسان) الماضي، أكدت الأمم المتحدة، وفي خطوة متقدمة ومنتظرة منذ عام 2011 أن تونس أعلمتها بشكل رسمي برفع تحفظاتها على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو). وكانت تونس قد أبدت تحفظات على بعض الأحكام القانونية سابقا، ومنها حقوق المرأة في العائلة، رغم انضمامها إلى الاتفاقية.
ومن إنجازات النساء العربيات عام 2014 إقرار قانون العنف الأسري في لبنان، بعد طول كفاح، وبعد أن دفعت عشرات النساء ثمنا من حياتهن، أو عطبا في أجسادهن نتيجة اعتداءات الأزواج التي لم تكن تجد لها رادعا قانونيا. ورغم أن القانون أُقرّ مبتورا ومعدلا ولم ينل رضا الهيئات النسائية، فإن النضال متواصل لتحسين القوانين، وباتت مخافر الشرطة أكثر حساسية وإيجابية في التعامل مع النساء المعنفات.
ومن المفارقات فعلا، أن تكون أوضاع المرأة الفلسطينية، أفضل حالا، من أولئك اللواتي بتن ضحايا ثورات الربيع العربي. فرغم أن النساء الفلسطينيات، هن أول ضحايا الاحتلال، وهناك عشرات القصص عن تعذيب في السجون، واعتداءات جسدية، وحتى حالات إجهاض قسري، فإن السلطة الفلسطينية، وربما نتيجة ضغوط الهيئات الدولية الممولة، لا تزال تسعى لتحسين وضع المرأة. وتحدث الرئيس محمود عباس منذ أيام في كلمته أمام المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، عن احترامه للمرأة واعتبارها الجزء الفعال في المجتمع.
ولفت عباس إلى قيام السلطة بتوقيع الميثاق العالمي للحقوق السياسية للمرأة، الأمر الذي اعتبره في غاية الأهمية. وقال أبو مازن: «حريصون كل الحرص على أن تكون المرأة في الوزارة والمجلس التشريعي والمجلس الوطني والمجالس البلدية، وفي القضاء وفي النيابة العامة والقضاء الشرعي»، الأمر الذي أكد أنه غير موجود في كثير من الدول العربية. وأكمل أبو مازن ممازحا: «المرأة ليست عاجزة أن تفعل المهمة كما يفعلها الرجل، وباقي أن نعين المرأة مأذونة، وفي المستقبل القريب ستكون المرأة مأذونة، ولا ينقصها شيء»، وأضاف: «خطر في بالي لماذا لا تكون المرأة مأذونا شرعيا ورئيسا للسلطة؟!». لكن إلى حينه تبقى المرأة الفلسطينية كما بقية النساء العربيات ضحية الأفكار الاجتماعية التقليدية حول دونيتها، وضحية جرائم الشرف التي يعاني منها الأردن أيضا، بسبب عدم وجود روادع قانونية صارمة وكابحة.
كلما اقتربنا من المناطق الساخنة عسكريا وأمنيا تسوء أحوال النساء. لكن كان لافتا مثلا أن دولة مثل مصر، لم تشهد حروبا، صُنفت في دراسة أجرتها مؤسسة «تومسن رويترز» نهاية عام 2013، على أنها البلد الأسوأ عربيا بالنسبة للنساء. وجاءت الأرقام صادمة. ونشرت «يونيسيف» عام 2013 أن 27 مليون امرأة في مصر ضحايا لختان الإناث، وهو أكبر عدد يمكن أن يوجد في بلد واحد، كما نشرت الأمم المتحدة في العام نفسه أن 99.3 في المائة من المصريات تعرضن لتحرش جنسي. واعتبر عام 2014 من الأعوام التي شهدت نقلة نوعية في حقوق المرأة المصرية، حيث صدور دستور 2014 الذي بمقتضاه حصلت النساء المصريات على العديد من المكتسبات التي أقرها الدستور، لكن رغم ذلك تعد الهيئات النسائية، لا سيما المركز المصري لحقوق المرأة، أن وعودا كثيرة لم تتحقق، خاصة في مجال الحقوق المدنية والسياسية. إلا أنه خلال الأسابيع الماضية، تصاعدت الآمال بأخذ المرأة حقها في العاصمة العراقية بعد أن رشحت ذكرى علوش لتكون أول أمينة لبغداد منذ أكثر من 60 عاما.
وخلال العام الماضي، تظاهر عدد من الناشطات العراقيات احتجاجا على قانون يسمح بزواج القاصرات. وقالت الناشطة الحقوقية العراقية، هناء إدوار: «نعتقد أن هذا القانون جريمة ضد الإنسانية، وسيحرم الفتاة من حقها في طفولة طبيعية».
أما في استفتاء «تومسن رويترز»، فقد صنّف العراق «ثاني أسوأ بلد بالنسبة للمرأة العربية بعد مصر». فيما تشير أرقام البنك الدولي إلى أن 17.4 في المائة من العراقيات فقط يشغلن وظائف تدر عليهن مدخولا.
والنساء السوريات لسن أفضل حالا، فقد أبلغت الشبكة السورية عن 4000 حالة اغتصاب منذ بدء الثورة، كما أن النساء استخدمن للثأر، وكأداة من أدوات الحرب خلال الاشتباكات. وتتحدث تقارير حقوق الإنسان عن حالات زواج بقاصرات بأعداد كبيرة جدا بين اللاجئات السوريات. كما أن النساء الحوامل في سوريا وخارجها يعانين قلة أو حتى فقد العناية الصحية، نظرا لظروفهن الاجتماعية السيئة.
ولعل صور السبايا وأخبار النساء المعروضات للبيع مع تفاوت أسعارهن، تبعا لمواصفاتهن، في المناطق التي سيطر عليها «داعش» في كل من سوريا والعراق، كانت من أسوأ ما تعرضت له النساء العربيات على الإطلاق في العصر الحديث. وبقي المتحاربون يحاولون تجنيب النساء المعارك قدر الممكن، سواء خلال الحرب اللبنانية أو حتى خلال سنوات الاحتلال الأميركي للعراق، إلا أن ارتكابات «داعش» خرقت كل ما كان يتحاشاه المقاتلون، مهما بلغت درجة العنف في السنوات السابقة.
الصورة في اليمن قاتمة للغاية، إذ لا يتجاوز عدد الفتيات اللواتي أتممن تعليمهن الابتدائي نسبة 53 في المائة، بحسب البنك الدولي، ويعد زواج القاصرات والزواج السياحي، الذي تصاعدت نسبته في السنوات الأخيرة، أحد أسوأ صور الاتجار بالبشر، وبعض هذه الحالات أدت إلى الموت، ولا تسعف الأوضاع الأمنية المتردية في إعطاء الأولوية لأحوال النساء مهما بلغ سوؤها.
لعل أسعد النساء العربيات، وأفضلهن حقوقا على ما يبدو، هن اللواتي يعشن في «جزر القمر»؛ فهناك، بحسب دراسة «تومسن رويترز»، رغم أنهن ربات منزل في الغالب، إلا أن الزوجة عند الطلاق تحتفظ بالمنزل والأراضي العائدة للزوج، وثلثهن لهن وظائف دائمة، والقانون يمنع زواجهن قبل بلوغ سن الـ18. وبالتالي صنفت جزر القمر الدولة العربية الأفضل على الإطلاق، بالنسبة للنساء.



ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.


أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
TT

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)

في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، لا تُقاس قسوة الأمطار الموسمية بكمية ما تهطله من مياه، بقدر ما تُقاس بقدرة السيول المتدفقة على انتزاع الأطفال من أحضان أسرهم. إلى حدّ أن والد أحد الضحايا اختار مواجهة فاجعته بإطلاق مبادرة لإغلاق فتحات مجاري السيول في مركز المحافظة الخاضع للحكومة الشرعية، وسط اتهامات متصاعدة بإهمال طال البنية التحتية وفاقم المخاطر المحدقة بالسكان.

ولن ينسى أهالي تعز الساعات الـ17 التي أمضوها في البحث عن الطفل أيلول السامعي (11 عاماً)، قبل أن يُعثر على جثمانه خارج المدينة. وبينما كانت أسرته تستعد لوداعه الأخير، جرفت السيول طفلاً آخر ووالدته التي اندفعت خلفه محاولة إنقاذه، في واحدة من أكثر الحوادث مأساوية التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الطفل الثاني، مجاهد الحولي (12 عاماً)، ووالدته، أُنقذا سريعاً على يد بعض المارة، فإن والدته ستظل أسيرة ذكرى اللحظات الأخيرة التي حاولت فيها افتداء حياته بنفسها ولم تفلح. وفي حادثة أخرى، لم يجد الطفل الثالث، عمر الزبيدي (10 أعوام)، من ينتشله من الحفرة التي قذفته إليها السيول، ليلقى مصيره غرقاً.

وبالتزامن مع تلك الوقائع، تمكن عدد من الأهالي من إنقاذ طفلة في حي الروضة شمالي المدينة، بعد لحظات من جرفها بمياه الأمطار، قبل أن تبلغ مجرى أكثر خطورة. ومع ذلك، لا تزال الأرقام الحقيقية لضحايا السيول من الأطفال مجهولة، في ظل شح كبير في البيانات والمعلومات التي ترصد حجم هذه المآسي المتكررة.

وتتكرر المأساة في كل موسم بتحول الشوارع مجاري سيول مفتوحة مع رداءة التصريف وغياب أو تأخر التحذيرات، في وضع يرفض الأهالي توصيفه بكارثة طبيعية فقط، وسط غضبهم من عدم كفاءة منشآت التصريف، وتساؤلهم عن كيفية إنفاق المخصصات المالية للبنية التحتية، وأسباب تكرار الحوادث التي تبقى حتى الآن من دون إحصائيات توضح حجم الكارثة.

وتتميز مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، بطبيعة طبوغرافية جبلية معقدة، حيث تقع على السفح الشمالي لجبل صَبِر، ثاني أعلى قمة في اليمن بارتفاع يصل إلى نحو 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتسم بتضاريس منحدرة تتدرج عليها المباني وتتخللها الكثير من الأودية.

حماية منقوصة

يتهم السكان السلطة المحلية في تعز بالمسؤولية عن هذه الحوادث، وحسب حديث المحامي والناشط صلاح غالب لـ«الشرق الأوسط»، فإن مكتب الأشغال العامة والمكاتب في مديريات تعز أهملت التعامل مع فتحات تصريف المياه، وتركتها مفتوحة دون حماية للسكان، خصوصاً الأطفال، من الوقوع فيها.

يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

واستغرب صلاح من عدم محاسبة المسؤولين سابقاً؛ ما أدى إلى تكرار المأساة بحادثتي الطفلين أيلول ومجاهد، مطالباً الجهات المسؤولة بالقيام بدورها وإقالة ومحاسبة المسؤولين المعنيين والفاشلين والمقصرين.

وحسب إحصائيات رسمية، فإن الفيضانات التي شهدتها محافظة تعز منذ أواخر مارس (آذار) الماضي، أودت بحياة 24 شخصاً وتأثرت بها أكثر من 31 ألف عائلة، مع خسائر تجاوزت 15 مليون دولار.

ويكشف بشير العليمي، مدير مكتب الأشغال والطرق في تعز، لـ«الشرق الأوسط» عن عدد من أسباب تكرار الكوارث كل عام، مثل توقف المرحلة الثالثة من مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، وتهالك السواتر والعبَّارات وعدم صيانتها منذ إنشائها، مع غياب الإمكانات الكافية من معدات وآليات، لدى المكتب، والتي تمّ الاستيلاء عليها من قبل الجماعة الحوثية بداية الحرب.

ويشير إلى غياب الإمكانات المادية لدى مصلحة الدفاع المدني في المحافظة، وعدم كفاية المعدات لدى صندوق النظافة والتحسين ليتمكن من إزالة كل مخلفات البناء والقمامة التي يؤدي تراكمها إلى إغلاق فتحات وقنوات تصريف السيول.

المناخ المتطرف باليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأكّد المسؤول المحلي أن فترة الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة شهدت توسعاً كبيراً في البناء العشوائي في الأودية ومجاري السيول ومقابل فتحات وقنوات التصريف؛ ما أدى إلى تغيير مجرى المياه ومفاقمة الكوارث الناجمة عنها.

ويتزامن كل ذلك مع عدم التزام الجهات الرسمية بإجراء الدراسات البيئية عند تنفيذ مشاريع الأحياء السكنية والطرق.

ويعدّ حيّ الكوثر، الذي شهد جرف الطفل أيلول، وحيّ وادي الدحي الذي سقط فيه الطفل مجاهد ووالدته، من أكثر أحياء المدينة عرضة لحوادث الغرق والجرف.

عبث بلا مساءلة

تصنف أحياء البعرارة ووادي القاضي وصينة، وهي ذات كثافة سكانية في تعز، بأنها مناطق خطرة في مواسم الأمطار بسبب مجاري السيول المفتوحة والتي تسببت في المواسم الماضية، بهدم الكثير من المنازل، في حين يعاني سكان حارات في حي صالة من تدفق السيول التي تباغت السكان داخل منازلهم.

أطنان من مخلفات البناء والقمامة تسحبها السيول في قناة تصريف المياه (فيسبوك)

وينبه الناشط السياسي رامز الشارحي إلى مساهمة التوسع العمراني العشوائي وغير المخطط من قِبل النافذين في مفاقمة تأثير السيول التي تتضاعف قوتها نتيجة التغيرات المناخية، خصوصاً في مديرية مشرعة وحدنان التي تقع في جبل صَبِر المطل على المدينة، وما يتبع ذلك من تغيير لمسارات المياه.

ويتفاقم الوضع، وفقاً لما قاله الشارحي لـ«الشرق الأوسط»، بسبب بقاء مخلفات البناء المتراكمة دون إزالة؛ ما يجعل السيل يكتسب طاقة تدميرية مضاعفة وهو يتجه نحو المدينة، إلى جانب أنه يسحب أطناناً من تلك المخلفات تؤدي إلى توسع انتشار المياه داخل المدينة التي تتحول بسببها بركة كبيرة.

وخلال العقود الماضية أُنْفِق ما يقارب 76 مليون دولار، لإنشاء قنوات وشبكات صرف صحي، وأحواض ترسيب، وممرات مشاة على مرحلتين ضمن مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، إلا أن المرحلة الثالثة لم تستكمل.

الأمطار الموسمية تتسبب بأضرار كبيرة في غالبية مناطق محافظة تعز (غيتي)

وعقب غرق ابنه بأيام، أطلق الناشط السياسي عيبان محمد، مبادرة حملت اسم الطفل «أيلول»، لإغلاق فتحات السيول وإنقاذ الغرقى في المدينة، داعياً السلطة المحلية، والبيوت التجارية، والمنظمات إلى وضع معالجات جذرية، وحلول جادة لتفادي الأضرار.

وتضمنت «مبادرة أيلول» التي تبنتها إحدى المنظمات المحلية ومؤسسة «برجهوف» الألمانية المستقلة، المطالبة بتشكيل فرق طوارئ وإنقاذ مجهزة بجميع معدات الإنقاذ، ونشرها أثناء هطول الأمطار في مناطق مجاري السيول لتولى مهام الإنقاذ، وإصلاح العبَّارات، والحفاظ على ما تم إنجازه سابقاً من مشروع حماية المدينة.


مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.