النساء العربيات في «اليوم العالمي للمرأة» بين انتصارات حقوقية وانتكاسات اجتماعية

قوانين أفضل في كل من مصر وتونس ولبنان.. وأسعدهن في جزر القمر

فلسطينية تحتمي من الغاز المسيل للدموع الذي أطلقه جنود إسرائيليون خلال مسيرة عشية اليوم العالمي للمرأة عند معبر قلندية بين القدس المحتلة ورام الله أمس (أ.ب)
فلسطينية تحتمي من الغاز المسيل للدموع الذي أطلقه جنود إسرائيليون خلال مسيرة عشية اليوم العالمي للمرأة عند معبر قلندية بين القدس المحتلة ورام الله أمس (أ.ب)
TT

النساء العربيات في «اليوم العالمي للمرأة» بين انتصارات حقوقية وانتكاسات اجتماعية

فلسطينية تحتمي من الغاز المسيل للدموع الذي أطلقه جنود إسرائيليون خلال مسيرة عشية اليوم العالمي للمرأة عند معبر قلندية بين القدس المحتلة ورام الله أمس (أ.ب)
فلسطينية تحتمي من الغاز المسيل للدموع الذي أطلقه جنود إسرائيليون خلال مسيرة عشية اليوم العالمي للمرأة عند معبر قلندية بين القدس المحتلة ورام الله أمس (أ.ب)

التشريعات المتعلقة بحقوق المرأة تتطور، في حين أن الممارسات على الأرض تتراجع بحدة، هذا على الأقل ما يمكن قوله بالنظر إلى وضع النساء العربيات، في السنة الأخيرة، تلك التي تلت ثورات وتقلبات ما سمي بـ«الربيع العربي»؛ فمن المغرب إلى اليمن، نساء غاضبات يطالبن بإنقاذهن من التمييز والعنف، فيما الوقائع على الأرض لا يبدو أنها تتحسن بسبب استمرار الاشتباكات والحروب، سواء في العراق أو سوريا أو اليمن وليبيا.
وباستثناء تونس التي نجت من انتكاسة كان يخشى منها لقانون الأحوال الشخصية الذي أعطى النساء ما لم تنله امرأة عربية، وإقرار قوانين في كل من مصر ولبنان، فإن بلدان الربيع العربي، التي كان نزول النساء فيها إلى المظاهرات والاحتجاجات كثيفا، وفاعلا، لم تشهد المرأة سوى انعكاسات العنف المتنامي، والتراجعات تلو الأخرى.
ومع اليوم العالمي للمرأة، الذي سعى فيه كل بلد إلى إعادة تقييم أحوال النساء، بدت أوضاع الدول العربية مخجلة، قياسا إلى دول أميركا اللاتينية أو حتى بعض البلدان الأفريقية، فقد أبرزت دراسة مغربية أن أكثر من 40 ألف حالة استخدام للعنف سجلت في المغرب خلال العام 2014. هذا علما بأن الدستور المغربي الذي أقر عام 2011 يعد متقدما في مجال الأحوال الشخصية عن سابقه، إلا أن المكتسبات القانونية التي كان يفترض أن تنتهز، لم يتم العمل بها على النحو الذي يحقق غاياتها. وتطالب الهيئات النسائية اليوم بتطبيق مبدأ المناصفة. وكانت وزير الأسرة المغربية، بسيمة الحقاوي، قد قالت منذ أيام، إن الحكومة تعتزم تبني مشروع قانون تنظيمي ينص على تشكيل هيئة وطنية للمناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز، بغية تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة. لكن إلى حينه، فإن حال المرأة المغربية يعد سيئا اجتماعيا لكثرة حالات الطلاق وما يترتب عليه من عواقب لغير صالحها، والإنجاب غير الشرعي الذي تتحمل أعباءه، وحالات الفقر التي غالبا ما تنعكس على النساء أكثر من الرجال.
وبالعودة إلى تونس التي تعد رائدة في مجال حقوق المرأة، فإن النساء سجلن انتصارا كبيرا عام 2014، بمحافظتهن على مكتسباتهن الحقوقية في الدستور الجديد، رغم الأخذ والرد الشديدين منذ عام 2011 مع اندلاع الثورة، والمخاوف من انتكاسات أثناء صياغة القوانين لدستور الجمهورية الثانية، إلا أن النقاشات أثمرت لصالح المرأة التونسية التي استطاعت أن تفوز بأفضل القوانين العربية؛ فقد أكد الدستور التونسي في الفصل 46 منه على أن «الدولة تلزم بحماية الحقوق المكتسبة للمرأة وتعمل على دعمها وتطويرها»، في حين نص الفصل 21 منه على الآتي: «المواطنون والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواء أمام القانون من غير تمييز». في حين أرسى الفصل 21 صراحة مبدأ المساواة بين الجنسين في الحقوق والحريات. ومع ذلك لا تزال الأمم المتحدة ترى أن القوانين التونسية تنطوي على بعض الأحكام التي تميز بين الرجل والمرأة، التي يفترض أن يعمل عليها لتعديلها.
وفي 23 أبريل (نيسان) الماضي، أكدت الأمم المتحدة، وفي خطوة متقدمة ومنتظرة منذ عام 2011 أن تونس أعلمتها بشكل رسمي برفع تحفظاتها على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو). وكانت تونس قد أبدت تحفظات على بعض الأحكام القانونية سابقا، ومنها حقوق المرأة في العائلة، رغم انضمامها إلى الاتفاقية.
ومن إنجازات النساء العربيات عام 2014 إقرار قانون العنف الأسري في لبنان، بعد طول كفاح، وبعد أن دفعت عشرات النساء ثمنا من حياتهن، أو عطبا في أجسادهن نتيجة اعتداءات الأزواج التي لم تكن تجد لها رادعا قانونيا. ورغم أن القانون أُقرّ مبتورا ومعدلا ولم ينل رضا الهيئات النسائية، فإن النضال متواصل لتحسين القوانين، وباتت مخافر الشرطة أكثر حساسية وإيجابية في التعامل مع النساء المعنفات.
ومن المفارقات فعلا، أن تكون أوضاع المرأة الفلسطينية، أفضل حالا، من أولئك اللواتي بتن ضحايا ثورات الربيع العربي. فرغم أن النساء الفلسطينيات، هن أول ضحايا الاحتلال، وهناك عشرات القصص عن تعذيب في السجون، واعتداءات جسدية، وحتى حالات إجهاض قسري، فإن السلطة الفلسطينية، وربما نتيجة ضغوط الهيئات الدولية الممولة، لا تزال تسعى لتحسين وضع المرأة. وتحدث الرئيس محمود عباس منذ أيام في كلمته أمام المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، عن احترامه للمرأة واعتبارها الجزء الفعال في المجتمع.
ولفت عباس إلى قيام السلطة بتوقيع الميثاق العالمي للحقوق السياسية للمرأة، الأمر الذي اعتبره في غاية الأهمية. وقال أبو مازن: «حريصون كل الحرص على أن تكون المرأة في الوزارة والمجلس التشريعي والمجلس الوطني والمجالس البلدية، وفي القضاء وفي النيابة العامة والقضاء الشرعي»، الأمر الذي أكد أنه غير موجود في كثير من الدول العربية. وأكمل أبو مازن ممازحا: «المرأة ليست عاجزة أن تفعل المهمة كما يفعلها الرجل، وباقي أن نعين المرأة مأذونة، وفي المستقبل القريب ستكون المرأة مأذونة، ولا ينقصها شيء»، وأضاف: «خطر في بالي لماذا لا تكون المرأة مأذونا شرعيا ورئيسا للسلطة؟!». لكن إلى حينه تبقى المرأة الفلسطينية كما بقية النساء العربيات ضحية الأفكار الاجتماعية التقليدية حول دونيتها، وضحية جرائم الشرف التي يعاني منها الأردن أيضا، بسبب عدم وجود روادع قانونية صارمة وكابحة.
كلما اقتربنا من المناطق الساخنة عسكريا وأمنيا تسوء أحوال النساء. لكن كان لافتا مثلا أن دولة مثل مصر، لم تشهد حروبا، صُنفت في دراسة أجرتها مؤسسة «تومسن رويترز» نهاية عام 2013، على أنها البلد الأسوأ عربيا بالنسبة للنساء. وجاءت الأرقام صادمة. ونشرت «يونيسيف» عام 2013 أن 27 مليون امرأة في مصر ضحايا لختان الإناث، وهو أكبر عدد يمكن أن يوجد في بلد واحد، كما نشرت الأمم المتحدة في العام نفسه أن 99.3 في المائة من المصريات تعرضن لتحرش جنسي. واعتبر عام 2014 من الأعوام التي شهدت نقلة نوعية في حقوق المرأة المصرية، حيث صدور دستور 2014 الذي بمقتضاه حصلت النساء المصريات على العديد من المكتسبات التي أقرها الدستور، لكن رغم ذلك تعد الهيئات النسائية، لا سيما المركز المصري لحقوق المرأة، أن وعودا كثيرة لم تتحقق، خاصة في مجال الحقوق المدنية والسياسية. إلا أنه خلال الأسابيع الماضية، تصاعدت الآمال بأخذ المرأة حقها في العاصمة العراقية بعد أن رشحت ذكرى علوش لتكون أول أمينة لبغداد منذ أكثر من 60 عاما.
وخلال العام الماضي، تظاهر عدد من الناشطات العراقيات احتجاجا على قانون يسمح بزواج القاصرات. وقالت الناشطة الحقوقية العراقية، هناء إدوار: «نعتقد أن هذا القانون جريمة ضد الإنسانية، وسيحرم الفتاة من حقها في طفولة طبيعية».
أما في استفتاء «تومسن رويترز»، فقد صنّف العراق «ثاني أسوأ بلد بالنسبة للمرأة العربية بعد مصر». فيما تشير أرقام البنك الدولي إلى أن 17.4 في المائة من العراقيات فقط يشغلن وظائف تدر عليهن مدخولا.
والنساء السوريات لسن أفضل حالا، فقد أبلغت الشبكة السورية عن 4000 حالة اغتصاب منذ بدء الثورة، كما أن النساء استخدمن للثأر، وكأداة من أدوات الحرب خلال الاشتباكات. وتتحدث تقارير حقوق الإنسان عن حالات زواج بقاصرات بأعداد كبيرة جدا بين اللاجئات السوريات. كما أن النساء الحوامل في سوريا وخارجها يعانين قلة أو حتى فقد العناية الصحية، نظرا لظروفهن الاجتماعية السيئة.
ولعل صور السبايا وأخبار النساء المعروضات للبيع مع تفاوت أسعارهن، تبعا لمواصفاتهن، في المناطق التي سيطر عليها «داعش» في كل من سوريا والعراق، كانت من أسوأ ما تعرضت له النساء العربيات على الإطلاق في العصر الحديث. وبقي المتحاربون يحاولون تجنيب النساء المعارك قدر الممكن، سواء خلال الحرب اللبنانية أو حتى خلال سنوات الاحتلال الأميركي للعراق، إلا أن ارتكابات «داعش» خرقت كل ما كان يتحاشاه المقاتلون، مهما بلغت درجة العنف في السنوات السابقة.
الصورة في اليمن قاتمة للغاية، إذ لا يتجاوز عدد الفتيات اللواتي أتممن تعليمهن الابتدائي نسبة 53 في المائة، بحسب البنك الدولي، ويعد زواج القاصرات والزواج السياحي، الذي تصاعدت نسبته في السنوات الأخيرة، أحد أسوأ صور الاتجار بالبشر، وبعض هذه الحالات أدت إلى الموت، ولا تسعف الأوضاع الأمنية المتردية في إعطاء الأولوية لأحوال النساء مهما بلغ سوؤها.
لعل أسعد النساء العربيات، وأفضلهن حقوقا على ما يبدو، هن اللواتي يعشن في «جزر القمر»؛ فهناك، بحسب دراسة «تومسن رويترز»، رغم أنهن ربات منزل في الغالب، إلا أن الزوجة عند الطلاق تحتفظ بالمنزل والأراضي العائدة للزوج، وثلثهن لهن وظائف دائمة، والقانون يمنع زواجهن قبل بلوغ سن الـ18. وبالتالي صنفت جزر القمر الدولة العربية الأفضل على الإطلاق، بالنسبة للنساء.



«الدفاع» السورية إلى محاسبة المخالفين للضوابط المسلكية شمال شرقي سوريا

انتظار عائلات المحتجزين في سجن الأقطان الواقع على مشارف مدينة الرقة شمال شرقي سوريا خارج السجن في محاولة للحصول على أخبار عن ذويهم الأربعاء (أ.ف.ب)
انتظار عائلات المحتجزين في سجن الأقطان الواقع على مشارف مدينة الرقة شمال شرقي سوريا خارج السجن في محاولة للحصول على أخبار عن ذويهم الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

«الدفاع» السورية إلى محاسبة المخالفين للضوابط المسلكية شمال شرقي سوريا

انتظار عائلات المحتجزين في سجن الأقطان الواقع على مشارف مدينة الرقة شمال شرقي سوريا خارج السجن في محاولة للحصول على أخبار عن ذويهم الأربعاء (أ.ف.ب)
انتظار عائلات المحتجزين في سجن الأقطان الواقع على مشارف مدينة الرقة شمال شرقي سوريا خارج السجن في محاولة للحصول على أخبار عن ذويهم الأربعاء (أ.ف.ب)

باشرت قيادة الأمن والشرطة العسكرية في وزارة الدفاع اتخاذَ الإجراءات القانونية بحق المخالفين للقوانين والضوابط المسلكية خلال العمليات في شمال شرقي سوريا، مؤكدةً عدم التهاون مع أي تجاوز يمسّ الانضباط العسكري أو النظام العام.

وأوضحت القيادة، في بيان نقلته الوكالة الرسمية «سانا»، الخميس، أن الشرطة العسكرية رصدت عدداً من التجاوزات المخالفة للقوانين والضوابط المسلكية المعتمدة، ولا سيما تلك التي سُجلت خلال فترة العمليات العسكرية في شمال شرقي سوريا، وذلك على الرغم من التوجيهات والتعليمات الواضحة التي جرى تعميمها على جميع الوحدات والجهات المعنية.

وأكدت قيادة الأمن والشرطة العسكرية، في تصريح نشرته وزارة الدفاع عبر معرفاتها الرسمية، أنها باشرت اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المخالفين، وفقاً للأنظمة النافذة، بما يضمن محاسبتهم، والحفاظ على الانضباط العسكري، ومنع تكرار أي تجاوزات من شأنها المساس بالنظام العام أو بسلامة سير العمل الميداني.

اجتماع وزير الدفاع اللواء مرهف أبو قصرة برئيس هيئة الأركان العامة اللواء علي النعسان ورئيس هيئة العمليات العميد حمزة الحميدي لتطبيق وقف إطلاق النار على جميع محاور القتال الأحد الماضي (الدفاع السورية - فيسبوك)

وشددت قيادة الأمن والشرطة العسكرية على مركزية الانضباط المسلكي والعسكري في أدائها، وعدم تهاونها مع أي تجاوزات أو مخالفات، مشيدةً في الوقت نفسه بمستوى الانضباط العالي الذي تحلّت به الوحدات العسكرية، باستثناء بعض الحالات الفردية التي ستتخذ بحق مرتكبيها الإجراءات اللازمة.

من جهة أخرى، قال وزير الدفاع مرهف أبو قصرة، في تصريح نشرته وزارة الدفاع، إن الاعتقالات التعسفية تقوّض الجهود الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار وإعادة الاستقرار إلى المنطقة، داعياً إلى وقفها فوراً والإفراج غير المشروط عن جميع الأهالي الذين جرى اعتقالهم، محمّلاً «قسد» كامل المسؤولية عن أي تداعيات قد تترتب على استمرار هذه الانتهاكات.

وقال إن «قسد» نفّذت يوم الأربعاء حملات اعتقال تعسفية طالت عشرات المدنيين في محافظة الحسكة، وذلك بعد أقل من 24 ساعة على دخول مهلة وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، معتبراً أن هذه الممارسات تمثل تهديداً مباشراً للتهدئة الجارية.

تجمع مجموعة من المعتقلين في مخيم الهول بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

في شأن آخر، أكدت هيئة العمليات في الجيش العربي السوري، الخميس، أن «ميليشيات (حزب العمال الكردستاني/ PKK) تقوم ببث إشاعات كاذبة وخطيرة بين أهلنا الكرد السوريين بهدف تخويفهم من الجيش».

وأوضحت الهيئة في تصريح لـ«الإخبارية»، أن هذه الميليشيات تحاول إرهاب الناس عبر فيديوهات مجتزأة ومفبركة وأكاذيب لا تمت للواقع بصلة، مضيفة: «إننا نطمئن أهلنا الكرد بأننا نسعى إلى حمايتهم، وأنهم جزء أصيل من مكونات الشعب السوري، ونواصل العمل لإعادة الاستقرار إلى جميع المناطق».

وتابعت هيئة العمليات: «نقول لأهلنا الكرد إن كل جغرافية سوريا هي بلدكم، ويمكنكم في أي وقت الخروج من مناطق التوتر إلى أي منطقة ترغبون فيها».


«تدقيقات مصرية» للحد من أعداد الوافدين المخالفين

مئات السودانيين في محطة رمسيس بالقاهرة ضمن مبادرة العودة الطوعية للسودان (وزارة النقل المصرية)
مئات السودانيين في محطة رمسيس بالقاهرة ضمن مبادرة العودة الطوعية للسودان (وزارة النقل المصرية)
TT

«تدقيقات مصرية» للحد من أعداد الوافدين المخالفين

مئات السودانيين في محطة رمسيس بالقاهرة ضمن مبادرة العودة الطوعية للسودان (وزارة النقل المصرية)
مئات السودانيين في محطة رمسيس بالقاهرة ضمن مبادرة العودة الطوعية للسودان (وزارة النقل المصرية)

أربعة أعوام قضاها السوري رائد عبد القادر في مصر، حيث عمل في مطعم بأحد مناطق العاصمة، واستقدم زوجته وابنه، فراراً من عدم استقرار الأوضاع في بلاده، قبل أن يتقرر ترحيله لانتهاء فترة إقامته بـ«الكارت الأصفر».

أمضى السوري الأربعيني عشرة أيام في أحد أقسام شرطة القاهرة بعد توقيفه بصحبة سبعة آخرين، ضمن واحدة من حملات مكثفة في الشوارع والكمائن على الطرقات وداخل المحال والمنشآت التجارية لتدقيق الإقامات. وخلال تنقله بين عدة جهات حتى ترحيله، صادف عشرات الموقوفين من جنسيات مختلفة حسبما قال لـ«الشرق الأوسط».

ويوم الثلاثاء الماضي، وصل عبد القادر إلى سوريا، تاركاً زوجته وابنه بالقاهرة.

ويقول المحامي المتخصص في شؤون اللاجئين، أمير فاضل، الذي وكَّله أفراد عائلات عدة لمتابعة الإجراءات مع ذويهم الموقوفين في الحملات المستمرة منذ نهاية الشهر الماضي، إن حملات التدقيق تُسفر عن توقيف «المئات» يومياً؛ مُقدراً في حديث لـ«الشرق الأوسط» أعداد المُرحلين بـ«الآلاف» خلال الشهرين الماضيين.

خيار الترحيل

تستضيف مصر أكثر من 10 ملايين من المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء، من 62 جنسية مختلفة، وهو ما يكلّف الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

لاجئون سوريون في مصر (مفوضية اللاجئين)

وسبق أن اتخذت الحكومة المصرية إجراءات لتشجيع الوافدين على العودة لبلادهم، بداية من توفير قطارات تتجه أسبوعياً من القاهرة إلى أسوان لنقل آلاف السودانيين الراغبين في العودة الطوعية، مروراً بإعفاء أقرانهم السوريين من غرامات الإقامة خلال الفترة من يوليو (تموز) حتى سبتمبر (أيلول) من العام الماضي؛ كما توجهت للسودانيين المغادرين بقرار مماثل ما زال ممتداً حتى مارس (آذار) المقبل.

لكن هذه الإجراءات لم تنجح في تقليص أعداد الوافدين بصورة كبيرة. وقال مصدر أمني، طلب عدم ذكر اسمه، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن السلطات تتتبع الوافدين المقيمين بصورة غير مشروعة من خلال عدة طرق، سواء من قاعدة البيانات المتوفرة لديها عنهم، حيث يُلزم القانون أصحاب العقارات بإعلام قسم الشرطة بجنسيات المقيمين بوحداتهم المؤجرة، أو من خلال حملات أمنية في مناطق تجمعاتهم.

وأضاف: «بعد توقيفهم يتم ترحيلهم وفق عدة إجراءات»، موضحاً: «المقيم بشكل غير مشروع تُخيره السلطات بين العودة أو المضي في الإجراءات القانونية، وأغلبهم يختار العودة»، مؤكداً أن قرارات الترحيل تكون «تقديرية»، لذا قد يتم ترحيل سوريين أكثر من السودانيين نظراً لاستقرار الأوضاع في سوريا مقارنة بالسودان.

العودة الطوعية

تُعد مصر من أكثر الدول استقبالاً للوافدين، حتى تجاوزت أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء لدى مفوضية اللاجئين مليوناً و98 ألف شخص من 60 جنسية مختلفة بنهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي، تصدرهم السودانيون بواقع 834 ألفاً و201 طلب، ثم السوريون بواقع 123 ألفاً و383 طلباً.

لاجئون من جنسيات مختلفة في مصر (مفوضية اللاجئين)

ولا تُعبر هذه الأرقام عن مجمل أعداد الوافدين، إذ تشير تقديرات رسمية إلى أن أكثر من 1.5 مليون سوداني دخلوا مصر عقب اندلاع الحرب في بلادهم في أبريل (نيسان) 2023. كما قدَّر رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية في مصر، أحمد الوكيل، أعداد السوريين المقيمين بالبلاد بنحو 1.5 مليون سوري، وذلك خلال الملتقى المصري - السوري بدمشق.

ونفت السفارة السورية في القاهرة استهداف السوريين تحديداً من حملات تدقيق الإقامات، قائلة في بيان يوم 17 يناير (كانون الثاني) الحالي إن هذه الحملات «تهدف إلى تنظيم وضبط الأوضاع القانونية ومعالجة الحالات غير النظامية، دون استهداف أي جنسية أو فئة بعينها».

وقدَّر القنصل السوداني في أسوان، عبد القادر عبد الله، حالات المرحلين أسبوعياً من السودانيين «ممن ليس لديهم جوازات سفر» بأقل من 20 شخصاً، مشيراً إلى أنهم لا يملكون إحصائية كاملة بعدد المرحلين، نظراً لأن من لديهم جوازات سفر يتم ترحيلهم مباشرة دون حضورهم إلى القنصلية.

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «أعداد المرحلين قلَّت خصوصاً مع زيادة العودة الطوعية». وسبق أن قدرت القنصلية السودانية أعداد العائدين طوعاً بأكثر من 428 ألفاً حتى نهاية 2025.

مفوضية اللاجئين

يُحمّل سليم سبع الليل، أحد أبناء الجالية السورية في مصر، مفوضية اللاجئين مسؤولية ما يتعرض له الوافدون من حملات التدقيق؛ نظراً لقلة أعداد موظفيها، وعدم قدرتها على تجديد كل الكروت الصفراء.

لاجئات سودانيات في أسوان جنوب مصر (مفوضية اللاجئين)

و«الكارت الأصفر» هو وثيقة تسجيل مؤقتة تصدرها المفوضية للاجئين وطالبي اللجوء لحمايتهم من الترحيل القسري، وتمنحهم حق الاستفادة من خدمات أساسية مثل الصحة والتعليم، والحصول عليه تُعد خطوة نحو الحصول على إقامة قانونية رسمية عبر الجهات المصرية المختصة، مما ينظم وضعهم القانوني.

وعلى مجموعة التواصل الاجتماعي «اللمَّة السورية في مصر»، طُرحت تساؤلات عن الموقف القانوني لمن لديه إقامة منتهية، وموعد من المفوضية بعد أشهر لتجديد الكارت الأصفر.

وقال المصدر الأمني: «بمجرد انتهاء مدة الإقامة المؤقتة التي يمنحها كارت المفوضية، يكون اللاجئ مقيماً بصفة غير شرعية، حتى لو حصل على موعد لتجديدها».

ورصدت «الشرق الأوسط» شكاوى من أصحاب إقامات عائلية يواجهون رفضاً في تجديد إقامات الزوجة أو الأبناء.

وأوضح المحامي فاضل: «بعض أنواع الإقامات التي كان مسموحاً بها من قبل، مثل الإقامة على الزواج، تم تعليقها حالياً».

ولم يتلق المجلس المصري لحقوق الإنسان أي شكاوى من وافدين على استهدافهم أو ترحيلهم قسراً، حسب عضو المجلس أيمن زهري الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن أي قرار ترحيل سيكون «إجراءً محدوداً يرتبط بأسباب أمنية، وليس حملات استهداف موسعة»، مؤكداً أن مصر ما زالت ملتزمة بدورها تجاه اللاجئين.

فعاليات ترفيهية تقيمها «مؤسسة سوريا الغد» للإغاثة للاجئين في مصر (مؤسسة سوريا الغد للإغاثة)

وقال السوري سبع الليل: «من يُقبض عليه يخرج بعد 10 أيام، ومن يُرحَّلون يكون ذلك لأسباب أخرى، ليس فقط لأن إقامتهم منتهية». ويتفق معه سوري صاحب مطعم في منطقة التجمع الأول بالقاهرة، قائلاً إن السلطات أوقفت الأسبوع الماضي أربعة من العاملين معه لانتهاء إقامتهم على الكارت الأصفر، ثم خرجوا بعد بضعة أيام.

أما السوداني إسماعيل سمير (اسم مستعار)، وهو مخرج أفلام قصيرة، فقال إن مصر احتضنت السودانيين لسنوات، لكنه بدأ يشعر بقلق من حملات التدقيق على الوافدين.

ولدى سمير إقامة سارية بحكم زواجه من مصرية، لكنه لا يخفي قلقه من موعد انتهائها الوشيك.


ترقب يمني لحكومة إصلاحات تنهي عهود الفساد والمحسوبية

ثقة مجتمعية متزايدة بإجراءات مجلس القيادة الرئاسي والحكومة المنتظر تشكيلها (سبأ)
ثقة مجتمعية متزايدة بإجراءات مجلس القيادة الرئاسي والحكومة المنتظر تشكيلها (سبأ)
TT

ترقب يمني لحكومة إصلاحات تنهي عهود الفساد والمحسوبية

ثقة مجتمعية متزايدة بإجراءات مجلس القيادة الرئاسي والحكومة المنتظر تشكيلها (سبأ)
ثقة مجتمعية متزايدة بإجراءات مجلس القيادة الرئاسي والحكومة المنتظر تشكيلها (سبأ)

يترقب اليمنيون تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة شائع الزنداني، وسط تطلعاتهم لوقف الاختلالات الاقتصادية، والخدمية، وإنهاء النزيف الأمني، والعسكري بعد سنوات طويلة من الحرب، والمعاناة التي أثقلت كاهل السكان، وتحقيق استقرار معيشي، وتحسين أوضاع الحياة، بوضع ملفات المعيشة اليومية، والإغاثة الأساسية في صدارة اهتمامها.

ويرتكز الأمل الشعبي على التطورات الأخيرة التي أظهر فيها مجلس القيادة الرئاسي حزماً في التعامل مع الملفين العسكري، والأمني، وأظهر جدية في تصحيح كافة الأوضاع، إذ ينتظر الجميع أن تعيد الحكومة الجديدة الخدمات الأساسية، وتخفف من التدهور الاقتصادي، والاجتماعي، وتعمل على تحسين الرواتب، والكهرباء، والغذاء، والصحة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتوحيد هيبتها.

وترتفع مطالب مكافحة الفساد في الشارع، مع توقّع أن تكون الحكومة أكثر شفافية، ومحاسبة، مقارنة بالفترات السابقة، ليلمس السكان تغييراً في أداء المؤسسات، وتراجعاً للقوى النافذة التي استنزفت الكثير من موارد الدولة، ومقدرات المجتمع.

الأمن والاستقرار في مقدمة التحديات التي تنتظر الحكومة اليمنية الجديدة (إ.ب.أ)

ويرى الكاتب والمحلل اليمني باسم منصور أن تشكيل الحكومة الجديدة ينبغي أن يضع في الاعتبار قدرتها على إحداث فرق حقيقي في حياة الناس، بغض النظر عن عدد الوزارات، أو تغيير الأسماء القديمة واستبدال أسماء جديدة بها.

وبحسب رأيه الذي أفاد به لـ«الشرق الأوسط»، فإن ما يجري تسريبه حول التنافس على بعض المناصب الحكومية، ورغبات بعض الأطراف والقوى السياسية بتعيين عناصرها على حساب التطلعات الشعبية بإحداث تغيير جذري، يهدد ثقة المجتمع بإجراءات مجلس القيادة الرئاسي، ومساعيه الجادة لاستعادة مؤسسات الدولة، وتمكينها من أداء مهامها، وواجباتها.

ويأمل منصور أن تكون الحكومة الوشيكة حكومة كفاءة، ولديها برامج تركز على وقف التدهور الاقتصادي، وصرف المرتبات، وتحسين الخدمات، وتعمل ضمن رؤية واضحة تستعيد مفهوم الدولة، بعيداً عن المحاصصة التي حدّت من قدرات الحكومات السابقة على التأثير، معبراً عن أمله في أن يكون للدعم السعودي اللامحدود أثر كبير في تحقيق الاستقرار.

لا لتدوير الفاسدين

وتتراوح التوقعات حول إمكانية أن يجري تشكيل حكومة تمثيلية متوازنة بين المحافظات، والمكونات السياسية، أو حكومة كفاءات تركّز على قدرة أعضائها على إحداث تنمية حقيقة أكثر من الاعتماد على الولاءات الحزبية، إلى جانب احتمالية أن يجري الإعلان عن حكومة طوارئ صغيرة من الخبرات، والكفاءات.

عدن ستكون في صدارة المناطق التي ينتظر تعزيز الأمن والخدمات فيها (سبأ)

ويؤكد الناشط السياسي بشير عزوز أن الحكومة المتوقع الكشف عنها خلال الساعات المقبلة ستستفيد من دعم نوعي من السعودية، مما سيكون له تأثير إيجابي على الملفات الاقتصادية، والخدمية، والتنموية، وستحظى بصلاحيات واسعة من مجلس القيادة لتمكينها من العمل بفاعلية من العاصمة المؤقتة عدن، إلى جانب أنها ستضم قيادات نسائية في إطار تعزيز المشاركة المجتمعية.

وبحسب ما أدلى به عزوز لـ«الشرق الأوسط»، فإن اليمنيين يترقبون الإعلان عن التشكيلة الحكومية الجديدة على أمل أن تكون من الكفاءات الوطنية، بعيداً عن تدوير الشخصيات ذات المواقف المتقلبة، أو الشخصيات التي عُرفت بفسادها، وانتهازيتها.

ويشير إلى أن هناك ثقة متزايدة برشاد العليمي رئيس مجلس القيادة الرئاسي، ورئيس الحكومة شائع الزنداني، وقدرتهما على اختيار شخصيات فاعلة، وأن يجري تعويض القيادات الوطنية والنزيهة التي تعرضت للإقصاء في الفترات السابقة من خلال منحها فرصة في الحكومة، تقديراً لمواقفها الوطنية، ولقدرتها على بذل جهود حقيقية، ومخلصة من أجل المجتمع.

إخلاء المدن من المظاهر العسكرية يعزز من ثقة اليمنيين بالحكومة المرتقبة (إعلام حكومي)

ومن المتوقع أن يجري الإعلان عن التشكيلة الحكومية الجديدة، حيث كلف رئيس مجلس القيادة الرئاسي لجنة خاصة بتقييم ملفات المرشحين وفق معايير محددة تشمل الانتماء الوطني للجمهورية، والكفاءة العلمية والمهنية، والتوزيع الإداري للمحافظات.

الاستقرار وتحسين الإغاثة

وتقع على عاتق الحكومة الجديدة إدارة الأزمة الاقتصادية الحادة، ومحاولة استعادة الثقة مع المانحين الدوليين، والعمل على مسارات استعادة مؤسسات الدولة، إما من خلال السياسة باعتبار أنها طريق للسلام مع الانقلابيين الحوثيين بشكل جدي، أو بالحسم العسكري والأمني، وتضييق الخناق عليهم استغلالاً للمواقف الدولية الحازمة ضدهم.

من أولويات الحكومة المرتقبة تعزيز الأمن والاستقرار في عدن والمحافظات المحررة (إعلام حكومي)

من جهته يذهب جمال بلفقيه، وهو المنسق العام للجنة اليمنية العليا للإغاثة (لجنة حكومية) إلى أن الحكومة الجديدة ستواجه تحدي الإغاثة، والعمل مع المنظمات الدولية بشفافية مطلقة، خصوصاً أن المانحين والداعمين بدأوا يعزفون عن تقديم الدعم بسبب ما رافق الفترة الماضية من خلل، وقصور في هذا الجانب.

وحذر بلفقيه أثناء حديثه لـ«الشرق الأوسط» من أن اليمن بات في الدرجة الثالثة التي تعرف بمرحلة «إنقاذ الحياة»، وكان بالإمكان تخصيص ولو مبلغ بسيط منها لإعادة تأهيل المصانع التي دمرت، ودعم وتشجيع الزراعة، والثروة السمكية، وتوفير فرص عمل عديدة للمواطنين.

وتابع المسؤول الإغاثي الحكومي: «نتمنى من أي خطة استجابة قادمة أن تنتقل إلى مرحلة الاستدامة، وأن تقوم الحكومة، من خلال لجنة الإغاثة، والجهات المختصة، بالإشراف المباشر، والرقابة، والمتابعة المستمرة، ورفع التقارير الدورية لأعمال المنظمات، وأوجه الدعم في القطاعات المختلفة، وتقوم بتلبية الاحتياجات ذات الأولوية القصوى في عموم المحافظات».

من المنتظر أن تعمل الحكومة اليمنية الجديدة بجدية على تحسين الاستقرار المعيشي (إ.ب.أ)

ويشدد محمود عبد الدائم، وهو اسم مستعار لباحث في مجال السياسة والإعلام يقيم في العاصمة المختطفة صنعاء، على أن الحكومة الجديدة لن تستطيع النجاح بمعزل عن دعم دولي، وإقليمي، خصوصاً من السعودية، ودول الخليج، لإعادة إعمار اليمن، واستعادة الوظيفة الاقتصادية للدولة.

ويشير عبد الدائم خلال إفادته لـ«الشرق الأوسط» إلى أن استمرار التوترات العسكرية مع الجماعة الحوثية، رغم الهدنة المعلنة برعاية أممية منذ قرابة 4 أعوام، تهدّد أي استقرار سريع، في حين يقتضي الوضع أن يكون تركيزها في المرحلة الأولى على استعادة الأمن، واستقرار الاقتصاد، وتطبيع العلاقات مع الشركاء الدوليين لدعم الإغاثة، والتنمية.

وتواجه الحكومة الجديدة عدداً من التحديات المتمثلة باستقرار العملة، وانتظام رواتب الموظفين العموميين، وتحسين خدمات الكهرباء، والنقل، والصحة، والتعليم في المحافظات المحررة.