هل اعتذر إدوارد سعيد؟

اتهمه ألبرت حوراني بأنه أهمل قيمة الدراسات والمؤلفات التي قدمها مستشرقون كبار

ألبرت حوراني - إدوارد سعيد - مكسيم رودنسون
ألبرت حوراني - إدوارد سعيد - مكسيم رودنسون
TT

هل اعتذر إدوارد سعيد؟

ألبرت حوراني - إدوارد سعيد - مكسيم رودنسون
ألبرت حوراني - إدوارد سعيد - مكسيم رودنسون

كنت قد ذكرت في مقالة سابقة أن إدوارد سعيد ندم بعد أن استشعر خطر استغلال الأصوليين لأطروحات كتابه الشهير التي فسروها على أساس أنها ليست معادية للاستشراق فقط وإنما معادية أيضاً للحضارة الغربية ككل. ولكي يستدرك هذا الخطر ويتحاشاه فإنه كتب «مؤخرة» مطولة بعد 15 سنة من صدور الكتاب. قلت مؤخرة لأنه وضعها في آخر الطبعة الجديدة. وفيها يقول ما نصه: «اسمحوا لي بدايةً أن أعبّر عن أكبر أسف لي وهو أن كتابي هذا فُهم على أساس أنه معادٍ للغرب بأكمله. فما إلى هذا قصدت. لقد اعتقد أصحاب هذا التفسير الخاطئ أني أعتبر الاستشراق صورة مصغرة عن الغرب كله. وانطلاقاً من ذلك استنتج هؤلاء أني أعتبر الغرب في كلّيته بمثابة عدو للعرب والمسلمين، إلخ... وأخيراً استنتج هؤلاء ما يلي: أن نقدي للاستشراق يعني دعم الإسلاموية أو الأصولية الإسلامية».
ماذا يعني هذا الاعتراف الواضح الصريح؟ ألا يعني أنه ندم على أن كتابه فُهم على هذا النحو؟ ألا يعني أنه يتبرأ من هذا التفسير الخاطئ الذي يجعل منه صديقاً للأصولية الظلامية وعدواً للحضارة التنويرية؟ وبالتالي فلا ينبغي أن نقوّله ما لم يقله أو أن نقدم صورة مغلوطة عنه.
بل لم يكتفِ إدوارد سعيد بذلك في مراجعاته وتصحيحاته وإنما انتقد الأصولية التي تحتمي به وتتخذ كتابه الشهير سلاحاً فعالاً ضد الغرب، حيث قال ما معناه: إن الخطأ الإبستمولوجي، أي المعرفي العميق، الذي ارتكبته الأصولية هو أنها اعتقدت أن الأصول عبارة عن مقولات لا تاريخية أو فوق تاريخية تعلو على كل تفحص نقدي.
نضيف من طرفنا قائلين: ولكن مَن الذي قام بهذا التفحص النقدي للأصول التراثية إن لم يكن الاستشراقي الأكاديمي الرفيع؟ مَن الذي حرَّر التراث من الصورة الغيبية القديمة التي صدئت وعلاها الغبار؟ مَن الذي كشف عن الصورة التاريخية –أي الحقيقية- للتراث؟ ثم أوغل إدوارد سعيد في نقده للأصولية في مقدمة هذه الطبعة الجديدة المذكورة. وهي مقدمة مدبّجة عام ،2003 أي قبيل رحيله، وهذا يعني أنها تشبه وصيته الأخيرة. وكان قد نشرها في مجلة «اللوموند ديبلوماتيك» أيضاً تحت عنوان: «النزعة الإنسانية كآخر متراس لنا ضد البربرية». وهنا يقول ما معناه: «إن الاختفاء التدريجي للاجتهاد من ساحة التراث الإسلامي كان إحدى الكوارث الثقافية العظمى لعصرنا. لماذا؟ لأن ذلك أدى إلى اختفاء كل فكر نقدي من ساحة الفكر العربي الإسلامي». هذا هو كلام إدوارد سعيد. هذا هو مضمون فكره العميق. وبالتالي فلنكفّ عن استخدام فكر إدوارد سعيد كسلاح فتاك ضد الحضارة، والأنوار، والنزعة الإنسانية. فقد كان على العكس من ذلك تماماً. بل كان يرى أن العداء بين الشرق والغرب شيء خاطئ وغير مرغوب فيه على الإطلاق. إنه مع النزعة الإنسانية الكونية التي تشمل الجميع. إنه ضد نظرية صدام الحضارات الخاطئة وقد أعلن ذلك مراراً وتكراراً. فالناس الأشرار موجودون في كلتا الجهتين، وكذلك الأخيار. ويمكن أن نضيف بأن الصدام واقع داخل الحضارة الواحدة قبل أن يكون واقعاً بين حضارتين مختلفتين. انظروا إلى الصراعات الدائرة داخل عالم الإسلام بين التقدميين والرجعيين، أو بين التنويريين والظلاميين. الصراع مع «داعش» أكثر خطورة من أي صراع آخر. إنه صراع الحضارة ضد البربرية. وانظروا أيضاً إلى الصراع الدائر داخل الحضارة الغربية بين الاتجاهات اليمينية واليسارية، أو بين التيارات العنصرية والتيارات التنويرية الإنسانية.
بل وصل الأمر بإدوارد سعيد إلى حد القول:
«طيلة السنوات الخمس والثلاثين الأخيرة من عمري أمضيت قسماً كبيراً من حياتي في الدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير. ولكني حاولت دائماً أن أفعل ذلك مع الأخذ الكامل بعين الاعتبار للشعب اليهودي وعذاباته على مدار التاريخ بدءاً من الاضطهادات السابقة حتى مجزرة الإبادة الكبرى على يد النازيين. وقد كان الشيء الأهم في نظري هو أن إقامة المساواة بين إسرائيل وفلسطين لا ينبغي أن يكون لها إلا هدف واحد هو الهدف الإنساني: أي التعايش السلمي المشترك وليس مواصلة الاستئصال والرفض المتبادل».
هذا ما قاله إدوارد سعيد حرفياً. أتحدى أي مثقف عربي أن يتجرأ على لفظ مثل هذه الكلمات وإلا فسوف يُتهم فوراً بالخيانة العظمى! ولا أعرف لماذا يشتمون الإمارات والبحرين ولا يقولون كلمة واحدة عن تصريح إدوارد سعيد هذا الأكثر من تطبيعي؟ مجرد تساؤلات...
ثم يتوقف سعيد مطولاً عند ردود الفعل على الكتاب في العالم العربي لأنه المعنيّ الأول بالموضوع ويقول لنا ما معناه: لقد بدا لهم الكتاب كأول رد فعل جاد على الغرب الذي لم يستمع أبداً إلى صوت الإنسان الشرقي بل والذي لم يغفر له أنه شرقي. لا أزال أتذكر أحد أوائل العروض لكتابي في اللغة العربية. وهو عرض يصفني كأني بطل العروبة، إنه يصوّرني كمدافع عن الضعفاء والمظلومين أو المقموعين. وبالتالي فقد أصبحت طبقاً لهذا التصور بطلاً يخوض المعركة وجهاً لوجه ضد الغرب والسلطات الغربية بطريقة ملحمية ورومانطيقية. ثم يضيف سعيد: على الرغم من كل هذه المبالغات والشطحات فإن هذا العرض يعكس جزئياً مشاعر العرب الذين يعتقدون أن الغرب يعاديهم ويكرههم. وبدا أيضاً أن جزءاً كبيراً من النخب العربية تعتبر الكتاب رداً مناسباً على غطرسة الغرب. ونضيف من عندنا ولهذا السبب نجح الكتاب نجاحاً هائلاً، وأكاد أقول أسطورياً في العالم العربي.
ولكن بالطبع الشيء الذي كان يهمّ إدوارد سعيد هو رد المستشرقين عليه لأنه وضعهم في قفص الاتهام ما عدا قلة منهم. في الواقع، إن معظم المستشرقين عدّوا الكتاب ديماغوجياً غوغائياً يلعب على وتر الغرائز والعواطف لإلهاب مشاعر العرب والمسلمين ضد الاستشراق والغرب. وبالتالي فلا قيمة له من الناحية العلمية ولا يستحق حتى مجرد الرد. ولكن بعضهم رأوا أنه يحتوي على وجهة نظر تستحق الاهتمام الشديد حتى ولو كانت صادرة عن شخص غير مختص بالدراسات العربية والإسلامية. من بين هؤلاء مكسيم رودنسون وآخرون. نقول ذلك على الرغم من أن رودنسون انتقده بحدة وحذّر من مخاطر أطروحاته على البحث العلمي الاستكشافي الحر بعد أن أثنى على الجوانب الإيجابية لديه. وكذلك فعل المؤرخ الكبير ألبرت حوراني الذي عاب عليه أنه هاجم مصطلح الاستشراق إلى درجة أن الكلمة لم تعد حيادية وإنما أصبحت عاراً أو شتيمة. بل لم تعد قابلة للاستخدام. وبالتالي فعلى الرغم من مزايا الكتاب وقوة محاجّته إلا أنه ترك آثاراً سلبية وراءه. فالاستشراق طبقاً لألبرت حوراني ليس كله إمبريالية واستعماراً وغطرسة وإنما هو بالدرجة الأولى علم متخصص بدراسة موضوع محدد: هو الدراسات العربية الإسلامية. وهذا العلم حقق نجاحات لا يستهان بها. وبالتالي فيعيب عليه ألبرت حوراني أنه أهمل هذا الجانب من الدراسات الاستشراقية. وهذا ظلم للاستشراق. فلا يمكن إهمال قيمة الدراسات والمؤلفات التي قدمها مستشرقون كبار من أمثال مارشال هودغسون، وكلود كاهين، وأندريه ريمون، وكذلك إنجازات المستشرقين الألمان الكبار. فهذه البحوث قدمت مساهمات كبيرة من أجل المعرفة والنزعة الإنسانية والعلم. ولا ينبغي احتقارها أو مهاجمتها بحجة أنها استشراق!
كيف يرد إدوارد سعيد على هذا النقد المهم الذي وجهه إليه عالم كبير مثل ألبرت حوراني؟ إنه يقول ما فحواه: في أي مكان من كتابي هذا لم أقل إن الاستشراق شرير أو سيئ النية أو سطحي أو متماثل لدى جميع المستشرقين، ولكني قلت إن معظم الاستشراق كان متواطئاً مع السلطات الإمبراطورية، وقد انعكس ذلك على أعمال المستشرقين ومؤلفاتهم.
أخيراً ينبغي الاعتراف بأن الاستشراق أنتج بحوثاً علمية استكشافية ضخمة عن التراث العربي الإسلامي. وقد أصبح استيعابها أو هضمها أمراً ضرورياً جداً لتغذية الثقافة العربية وإخراجها من مستنقع التكرار والاجترار. وينبغي تأسيس مركز ترجمة كبير في المشرق أو المغرب فقط لترجمتها ومناقشتها. أتحدى أي مثقف عربي أن يعرف ما هو التراث بالضبط إن لم يكن مطلعاً على أمهات الكتب الاستشراقية الكبرى. أضيف أن المثقفين العرب عاجزون، بإمكانياتهم الخاصة وحدها، عن حل المشكلة التراثية. القصة أكبر مما نتصور وأشد عمقاً وخطورة.



70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.