مها حسن: «قريناتي» أسطورةٌ شخصية تعيش داخلي

قالت إن لديها هُويات مُتعددة تجعلها تتنقل بحُرية في الكتابة

مها حسن
مها حسن
TT

مها حسن: «قريناتي» أسطورةٌ شخصية تعيش داخلي

مها حسن
مها حسن

للكاتبة السورية الكُردية مها حسن صدرت قبل أيام رواية «قريناتي»، عن منشورات «المتوسط»، لتكون الثالثة عشرة في مشروعها الأدبي، وضمن محطاته: «حبل سرّي»، «الراويات»، «عِمت صباحاً أيتها الحرب» و«مترو حلب» و«حي الدهشة»، و«في بيت آن فرانك».
هنا حوار معها بمناسبة صدور روايتها الجديدة حول تجربتها الأدبية، ومساراتها السردية، وتقاطعاتها مع الذاكرة السورية، وخصوصاً مع «كنوز حلب»، كما تسميها، حيث ولدت الكاتبة:
> يشي عنوان روايتكِ الجديدة «قريناتي» بنزعة ذاتية... حدثينا عن ملامحها.
- كنت في صباي المبكر أعيش أسطورة شخصية، أن أحدنا يولد حاملاً روح شخص يموت في السنة ذاتها، فتحل روح الميت في جسد الوليد. وكانت أسطورتي الشخصية أنني أحمل روح أندريه بريتون، الذي مات سنة ولادتي، 1966، وولدت أنا في أواخر ذلك العام، فقط لتجمعنا السنة ذاتها، أي أنني لو تأخرت في الوصول إلى العالم بعد أيام، وولدت سنة 1967 لما حصلت على روح بريتون. كان صديق لي يؤمن بأنه يحمل روح ريلكه. من هذه اللعبة شعرت دائماً بأن هناك أشياء تحدث لي، ولأخريات في نفس الوقت... نشعر بالأمر نفسه، على بعد آلاف الكيلومترات بيننا، من هنا أحببتُ الاشتغال على فكرة القرينة الموجودة في التراث الشعبي المشرقي، لأوظّفها فنياً عبر تقنية تقاطع الحيوات بين عدة نساء.
> في روايتكِ «حي الدهشة» تتحدثين عن الأماكن الحلبية، وذاكرتها. حدثينا عن علاقتكِ بالحارة الشعبية، وتحديداً «حي الهلك» الذي بدأتِ الرواية باستهلال عن تاريخه. أيضاً يتحرك السرد في الرواية عبر عناوين فرعية تستعيد روايات عربية وأجنبية وحتى أفلاماً سينمائية، ما قصة هذا التكنيك السردي الذي خلقتِ به مساراً لحكايات أبطالك وحبكة الرواية؟
- أنا مفتونة بأجواء الحارة. لم أكن أعرف ذلك عن نفسي، واكتشفته في حياتي الأوروبية. ككثير من التفاصيل التي لا ندركها وهي متاحة لنا. للمرة الأولى أكتشف الأمر، حين كنت في بيروت، أقيم لدى صديقة في حي شعبي، يعرف الجميع فيه الجميع، ويتحدثون معاً، وكان قد مضى على وجودي في فرنسا آنذاك قرابة العشر سنوات، وكنت أفتقد كل التفاصيل الدافئة: اللغة العربية في الشارع، الأغاني العربية التي يضعها سائقو السيارات، صوت الأذان... ثم تكثّفت هذه الاكتشافات في القاهرة بعمق أكثر. ففي بيروت كان الحي محاطاً بأحياء حديثة، ولكن في القاهرة، يمكن العثور على حي كبير مليء بهذا الدفء والحميمية... من هنا كانت رحلاتي إلى القاهرة، بمثابة تحريك للذاكرة المنسية.
ومن هنا أيضاً، تعرفت على الكثير من تكويناتي النفسية المرتبطة بأجواء الحارة، التي لم تستطع الحياة الأوروبية اقتلاعها من داخلي: الرغبة في التعرف على الآخر، الحوار، تبادل المعلومات، وفتح الباب على الآخر المجهول، حيث برأيي أغلب أزمات الحضارة المعاصرة هي العزلة والخوف من الآخر وانتفاء لغة الحوار.
أما عن هذا التكنيك فهو نابع من هاجسي في عدم تصنيفي من قبل القارئ أو الناقد داخل شكل أدبي ثابت. أحرص في كل رواية لي، أن تكون مختلفة عن غيرها، كأنها كتابة جديدة. هكذا أحلم أن أكون في كل رواية أكتبها. من هنا جاءت لعبة العناوين غير المسبوقة في الرواية العربية من قبل، والغربية كما أظن... وفي نفس الوقت، حاولت أن أقول إلى أي حد أنا شغوفة بالرواية، هو أيضاً نوع من الولاء لفن الرواية التي وُلدت لأكتبها.
> ما «كنوز حلب» التي تحدثت عنها بطلة روايتك «حي الدهشة»، التي تجدين فيها منهلاً للكتابة رغم اغترابك الطويل عنها؟
- في رواية «مترو حلب»، توقفت طويلاً عند الحارات القديمة المحيطة بالقلعة: الأسواق، روائح البضائع، ملابس النساء، جلساتهن الخاصة وطقوسهن، هذا الفصل الحاد بين مجتمعي الرجال والنساء فيه الكثير من القضايا الشائكة، فيه الجمالي، وفيه المؤلم والمُهين للمرأة، المخيف، والكابوسي، حتى اليوم تنتابني بعض حالات الهلع، حين تقفز إلى ذاكرتي عذابات البنات المحرومات من الخروج من البيت، وسيناريوهات الكذب التي تؤلفها البنات، بالاتفاق مع مُقربات من العائلة، لزيارة صديقة أو جارة فقط، أو الذهاب إلى السوق. هناك عالم كبير محروم من التعبير والحرية، والكنز الذي تحدثت عنه بطلة روايتي في «حي الدهشة»، ليس دائماً هو تلك المنح الجمالية لتركيب الناس النفسي من الطيبة والشهامة والمساندة، بل هناك أيضاً كنوز مخفية من طاقات نساء مهمّشة وممنوعة من الظهور، وهذه بالنسبة لي كنوز أهم، تحتاج إلى الكثير من الطاقات لاستخراجها وتقديمها للعالم.
> خلقتِ لأبطال حاراتك الأدبية سياقات تجمعهم بأبطال ماركيز ودوستويفسكي، مثل البطل الذي يُقارن نظرته للجريمة و«القتل بالنيّة» بنظرة «راسكولنكوف» بطل «الجريمة والعقاب»... ما الذي يجمع بين كل هذه الشخصيات؟
>هؤلاء الأبطال موجودون فعلاً حولنا. إن عظمة ديستويفسكي مثلاً تكمن في أن الخصائص النفسية لأبطاله تتقاطع مع الكثير من البشر في بلدان أخرى. من هنا فإن الأدب يسهم في تعريف الناس بأنفسهم وبغيرهم، وتوجد نقاط التقاء بينهم خارج حدود الجغرافيا والانتماءات الأخرى: اللغة، الدين، الثقافة... هناك قواسم مشتركة بين البشر، أكبر بكثير من نقاط الاختلاف بينهم، لهذا ربما، يكتب أحدنا، أو أكتب أنا، لخلق خريطة معرفية تسهم في تفسير الرموز والشيفرات الإنسانية التي تصلح لتكون دليلاً معرفياً للبشر في كل زمان ومكان.
> بطلتكِ في «مترو حلب» تستلبها ذكريات حلب وهي في باريس، وفي «حي الدهشة» تستدعي البطلة حكايات حلب وهي في شوارع لندن، كيف تُمررين هذا التقاطع الأدبي في مشاعر الحنين والتغريب؟
أعيش شخصياً الكثير من الاغتراب، وفي كل يوم، كسارة، بطلة مترو حلب، رغم مرور ثمانية عشر عاماً على إقامتي في فرنسا، فأنا أستمع في الصباح إلى أغانٍ كردية أو عربية. ولا تزال عاداتي مرتبطة ببلاد الشرق، وكيفما تحركت في فرنسا، وجدت شخوصي يمدون رؤوسهم من داخلي للمقارنة بين ما عاشوه في الحياة السابقة، وحيواتهم المصاحبة لي هنا.
> كتبتِ عدداً من أبرز أعمالك حول الحرب السورية وهي في أوجها، كيف وازنتِ بين توثيق الحرب والسرد الفني الروائي؟
- أعتقد أن الكتابة عن الحرب كانت نوعاً من الالتزام الأخلاقي والتماهي مع ضحاياها. انتصار الكتابة ربما هو سبب التنويع، ففي النهاية، يجب أن تنتصر ذاتي الكتابية على ذاتي العادية.
> ما هو دور سيدات الحكي أو «الراويات» في تاريخك الشخصي ممن فرضن حضورهن على مشروعك السردي. من هن؟
- كنتُ أقول دائماً إنني وُلدت في وسط حكّاء. ربما هذه سمة الوسط العربي عموماً، حيث الأمهات راويات ماهرات. تعلمت «الحكي» من أمي التي أصفها بمورّثتي للسرد.لاحظتُ أنها كانت تروي لأبي القصة ذاتها التي حصلت معها في اليوم ذاته، وكي تجلب اهتمامه كانت تنوّع في طريقة السرد. كذلك تعلمت الحكي من نساء العائلة، جدتي حليمة التي كانت تجذبني إلى ركنها الهادئ عبر الحكايات... نساء كُثر، أغلبهن أميات، كن يجدن الحكي، وكأن السرد لدى النساء الشرقيات يأتي بالفطرة... لهذا جاءت رواية «الراويات» كنوع من الولاء ورد الدين للراويات المجهولات.
> «في بيت آن فرانك» ثمة تقاطع بين ملامحك الذاتية وسيرة تلك الكاتبة الألمانية الشهيرة صاحبة البيت.
في إقامتي في بيت «آن فرانك» في أمستردام، وأثناء قراءتي لمذكراتها، كنت أجد الكثير من التقاطعات الشخصية بيننا، أهمها أننا امرأتان تعشقان الكتابة، وتتكئان عليها للتعرف على ذواتهما والعالم من حولهما. لكن الهدف الأساسي من الكتابة، كان لأعرّف آن فرانك عليَّ، فأنا قادمة من بلاد وثقافة مجهولتين بالنسبة لها، وأتحدث بلغة لا تفهمها... لذلك، وأنا مُحاطة بشبحها الذي لم يغادر البيت طيلة تلك السنوات، حتى بعد موتها، رحت أبني علاقة تعارف بيننا، لأطوّر تلك العلاقة إلى صداقة مهمة، أحقق فيها لآن فرانك أحلامها في التنقل عبر جسدي ومشاهدة العالم عبر عينيّ.
> طالما ارتبط اسمك بتصنيفات، ما بين «كاتبة كردية» و«كاتبة الحرب» و«كاتبة المنفى»... كيف تنظرين لمثل هذه التصنيفات؟
لا يمكن لأي عنصر خارجي أن يُفقدني ذاتي، ولا توقفني هذه التعريفات، فأنا أمتلك هُويات مُتعددة ومتنوعة وخصبة دائماً، أتنقل فيها للكتابة من دائرة لأخرى. المهم بالنسبة لي أنني أكتب، أما أين يضعني الآخر «الناقد أو القارئ» فهذا لا يؤثر في كتابتي.



اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي. وهو يخاطب العقل والوجدان والحواس صاهراً إياها في سبيكة واحدة محملة بالدلالات والإيحاءات.

لكن الكتاب الذي نتوقف عنده هنا يطرح سؤالاً؛ هل الشعر مقصور على الأفكار العالية والعواطف السامية واللغة الجليلة؟ ويجيب؛ إن فيه مكاناً للثقافة الشعبية والمصطلح العامي ضارباً أمثلة لذلك من الشعر الإنجليزي في مختلف عصوره.

إنه كتاب «مهنة سامية»، أو «رسالة سامية»، أو «من أين تحصل على أفكارك؟» (A High Calling? Or: where do you get your ideas from?) من تأليف جون غريننغ (John Greening) وقد صدرت منه طبعة ورقية الغلاف عن دار النشر «مطبعة رينارد» (Renard Pressing) في 224 صفحة.

نحن هنا نبحر مع المؤلف في عوالم شعرية شتى، قديماً وحديثاً، مع الإشارة إلى الروابط بين فن الشعر وفن الموسيقى. فقد كان المؤلف مولعاً بالموسيقى الكلاسيكية، خاصة أعمال المؤلف الموسيقي الفنلندي جان سيبليوس صاحب القصيد السيمفوني «فنلنديا» (1900). ويقول غريننغ عن سيبليوس: «لقد كان سعيداً بأن ينتج منمنمات شعبية (أعمالاً صغيرة) إلى جانب روائعه المتميزة بالقوة والحدة والكثافة». ويخصص نصف الفصل المعنون «العبقرية» للحديث عن موسيقيين.

ويلخص غريننغ وجهة نظره في قوله: «تستطيع العبقريات الحقة أن تتغنى علواً وسفلاً». ويضرب مثلاً لذلك شكسبير الذي جمع بين الجدّ والهزل، والفكر العميق والتهريج الرخيص: «لقد كانت عظمته تتجلى أكثر ما تتجلى حين بدأ؛ العالي والواطئ يندمجان لديه، كما في شخصية الملك لير ومهرجه».

ففي مأساة «الملك لير» (1605 - 1604) نجد أن الملك العجوز، وقد دبّ إليه الخرف، يرتكب غلطة مأسوية حين يتنازل عن عرشه وكل سلطاته لابنتيه جونريل وريجان، غافلاً عما تنطوي عليه نفساهما من شرّ وقسوة، ويحرم من الميراث ابنته الصغرى كورديليا، وهى البارة بأبيها حقاً، لأنها أبت أن تجامله بمعسول القول كما فعلت أختاها المنافقتان. وتنتهى المسرحية بمصرع كورديليا والبهلول (مضحك الملك أو مهرج البلاط) فينطق لير بهذه الكلمات:

«ومضحكي المسكين قد شنق. ليس، ليس، ليس من حياة؟

لِمَ تكون للكلاب والجواد والفأر حياة

وأنت بلا أنفاس البتة؟ لن تفيق مرة أخرى.

هيهات هيهات هيهات هيهات هيهات

أرجوكم حلّوا هذا الزر. شكراً يا سيدي».

ت. س. إليوت

إن اللغة في هذه الانفجارة الانفعالية لغة بسيطة تخلو من أي صور شعرية بعيدة المنال. فهي تعبير تلقائي، في لحظة صادمة، لا يلجأ إلى التفنن والإغراب. الحيوانات المذكورة هنا (الكلب والجواد والفأر) كلها حيوانات مألوفة وليست كالحيوانات الأسطورية (عنقاء مغرب أو طائر الرخ أو الجواد بجاسوس الذي يطير أو القنطور الذي يجمع بين رأس رجل وبدن جواد). ويتكرر حرف النفي ذو المقطع الواحد (no). كما تتكرر كلمة «هيهات» (never) 5 مرات وهى من أشيع الكلمات في الحديث اليومي.

مثل آخر يضربه المؤلف هو شعر ت. س. إليوت في قصيدته «الأرض الخراب» (1922)، خاصة الحركة الثانية المعنونة «مباراة شطرنج». فمسرح القصيدة هنا مشرب من المشارب الرخيصة (pubs) التي تعج بها مدينة لندن وغيرها من المدن والبلدات والقرى البريطانية. إن المتكلم يتحدث إلى امرأة تدعى ليل، سرّح زوجها من الجيش، وهو الآن بصدد العودة إلى بيته. وينصحها المتكلم بأن تعنى بمظهرها، وأن تركب «طقم أسنان» جديداً حتى تحلو في عيني زوجها الذي قضى 4 أعوام في الخدمة العسكرية، وهو الآن يتطلع إلى قضاء وقت ممتع. ويحذرها المتكلم أنها إن لم توفر لزوجها هذا الوقت فسيبحث عن امرأة غيرها تلبي حاجاته. والمصطلح اللفظي الذي يستخدمه إليوت هنا، بعكس سبحاته الشعرية العالية في مواضع أخرى من القصيدة، مصطلح عامي دارج يعكس بيئة متواضعة وحظاً ضئيلاً من التعليم. ونجد إشارات إلى ظواهر من الحياة المعاصرة كأقراص منع الحمل، وما يمكن أن يكون لها من أثر في صحة المرأة:

«قالت هي تلك الأقراص التي تناولتها لأجهض طفلي

(كانت أماً لخمسة أطفال وقد كادت تموت يوم ولادة جورج الصغير)

وقد زعم الصيدلي أني لن ألبث أن أعود إلى حالتي الطبيعية

ولكنى ما عدت قط كما كنت».

يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة وفكرة قويتين، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية

مثال ثالث للشعر الذي يدنو من لغة الحياة اليومية هو و. هـ. أودن، الذي يصفه المؤلف بأنه «يذكرنا بالمجال المتاح أمام شاعر ذي عبقرية». ففي قصيدته المسماة «سأحصل على وظيفة» (1932) نقرأ:

«سأحصل على وظيفة في مصنع

سأعيش مع الأولاد العمال

سألاعبهم لعبة لوحة السهام في المشرب العام

سأشاركهم أحزانهم وأفراحهم

ولن أعيش في عالم ولى زمنه».

ويؤكد غريننغ أن الشعر يمكن أن يجد جمهوراً مهما جاء مخالفاً للتصورات التقليدية بما يجب أن يكون عليه من سمو وجلال: «يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة إنسانية قوية أو يعبر عن فكرة مستحوذة على الأذهان، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية».

ومسيرة الشعر منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى يومنا هذا (عندنا كما عند غيرنا) تشهد بصواب نظرة غريننغ (وهو ذاته شاعر إلى جوار كونه ناقداً). فنحن حين نقرأ قصائد شاعر معاصر كالشاعر اليوناني يانيس رتسوس مثلاً (ترجم رفعت سلام قصائده إلى العربية) نجده يستوحي مفردات الحياة اليومية وينأى عن أي إغراب. وكذلك الشأن مع محمد الماغوط في قصائد نثره، كما أوضح دانيل بيهار في كتابه «الشعراء السوريون وحداثة اللغة المحكية»، أو صلاح عبد الصبور الذي يحدثنا أنه رتق نعله وشرب شاياً في الطريق ولعب دور نرد أو دورين، أو أحمد عبد المعطي حجازي الذي يتحدث بصوت بائع ليمون: «العشرون بقرش - بالقرش الواحد عشرون». ويبلغ هذا الاستخدام للغة الحياة اليومية أبعد نقطة له في شعر العامية المنحدر من ابن عروس إلى فؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، مروراً ببيرم التونسي. إن البساطة ليست نقيض العمق. وفي الشعر مكان لكل تنوعات الخبرة الإنسانية من أعلاها إلى أدناها.


«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور
TT

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023» والملقب بـ«شيخ المترجمين العرب» نظراً لإسهاماته التي تجاوزت 130 كتاباً في هذا السياق.

يشير عناني في مقدمته النقدية التي يستهل بها ترجمته الكاملة، والمزودة بهوامش وشروحات مع ذكر القائمة التفصيلية للمراجع والمصادر، إلى أن العمل ينتمي إلى المسرح الشعري، وطابع الشعر هنا لا يقتصر على ظاهرة النظم، بل يتعداها إلى صلب الرؤية الفنية التي تستمد قوتها من طاقة الاستعارة بأشكالها التي تتراوح ما بين الصور الجمالية بشتى أنواعها والرمزية، إلى جانب ما يتمتع به فن الشعر من تكثيف في الصياغة والضغط في التعبير، وهو ما تؤكده خصوصية البناء المسرحي الفريد في «عطيل».

ويجمع الدراسون على أن شكسبير قد استقى الحبكة من قصة وردت في مجموعة من مائة قصة طويلة مقسمة إلى عشرات تحمل عنوان «القصص المائة»، ومؤلفها هو جوفاني باتستا جيرالدي تشنثيو، وتقع في العشرة الثالثة، وقد نشرها في البندقية باللغة الإيطالية عام 1566، كما نُشرت في باريس باللغة الفرنسية عام 1584 من ترجمة جابريل شائوي. ولم يستطع الباحثون أن يعثروا على ترجمة إنجليزية لها قبل عام 1753، وربما يكون أحد المترجمين قد أصدر لها ترجمة معاصرة لشكسبير فاطلع عليها قبل نفاد نسخها، وربما يكون قد أطلع عليها بالإيطالية بدليل وجود أصداء لفظية مباشرة في النص لتلك اللغة، وهو ما بينه الكثيرون، أو أن يكون قد قرأها بالفرنسية.

تتحدث القصة عن قائد مغربي يتخذ لنفسه زوجة من بنات مدينة البندقية، رغم معارضة والديها واسمها «دزدمونة» ويعيشان معاً زمناً طويلاً في سعادة، ثم يقرر مجلس الحكم في البندقية تغيير نظام حامية قبرص وإرسال المغربي «عطيل» قائداً لها، دون تحديد أسباب لتغيير القديمة. وبعد معارضة طفيفة يقبل المغربي أن تصحبه زوجته؛ فالرحلة يسيرة، والسفينة مأمونة ومتينة البناء.

وبعد الوصول يقدم تشنثيو ثلاث شخصيات أخرى أهمها «ياجو» الشرير الذي يشغل منصب حامل العلم، ويقع في حب «دزدمونة»، ويتمنى الظفر بها، ويحاول بشتى الوسائل إغواءها فلا يجد أذناً مصغية، فهي تحب المغربي حباً جارفاً ولا تتصور خيانته مطلقاً، وهنا يتساءل الشرير عن ذلك ويوحى إليه ذهنه الفاسد بأنها لم تتمنع عليه إلا لأنها تحب ضابطاً آخر هو «كاسيو»، ومن ثم يتحول الحب الذي يكنه لها إلى كراهية مرة.

يُقنع ياجو «عطيل» بأن زوجته خائنة، فيصر الأخير على طلب دليل عيني، ويرد «ياجو» قائلاً إنه كان يمكنه تحقيق مطلبه لولا أن الرجل قد فقد منصبه ولم يعد يأتي إلى منزل «عطيل»، ومع ذلك فهو يعده بتلبية طلبه بأن يأتي بدليل حاسم. ويتذكر «ياجو» أمر المنديل المغربي النادر الذي أهداه «عطيل» إلى زوجته ويسرقه ياجو بنفسه في أثناء زيارته مع زوجته وابنته الصغيرة لـ«دزدمونة»، ويرميه في منزل «كاسيو»؛ تمهيداً لاتهام الزوجة الغافلة البريئة بأنها أهدته ذلك المنديل.

يناقش «عطيل» مع «ياجو» أمر قتل زوجته والرجل الذي يتهمه بالخيانة معها، ويقرر من ثم تكليف الشرير بقتل الرجل وفعلاً يفاجئه «ياجو» ذات ليلة وهو خارج من منزل فتاة ليل، ويعاجله بضربة تكسر ساقه ولكن «كاسيو» يتحامل بشجاعة على نفسه وينهض للدفاع شاهراً سيفه فيفر «ياجو» في ظلام الليل، ويصيح «كاسيو» طالباً للنجدة، ويهتف قائلاً: «لقد قُتلت»، ثم يعود «ياجو» وسط الظلام ويواجه بالشرطة التي هرعت إلى مكان الحادث.

تعلم «دزدمونة» بما حل بـ« كاسيو» فتحزن حزناً عميقاً، ويرى «عطيل» أن ذلك دليل لا يقبل الشك على خيانتها، ويدبر له حامل العلم أمر قتلها، بحيث لا يتهم أحد بارتكاب الجريمة، ويتفقان على أن يضرباها حتى الموت بجورب مملوء بالرمال، وأن يسقطا سقف الغرفة الخشبي المتهالك عليها؛ حتى يبدو الحادث كأنه قضاء وقدر، وينجحان في تحقيق ذلك، ويعتري المغربي حزن شديد على زوجته، وكراهية عميقة لحامل العلم، لكنه لا يجرؤ على قتله فيفصله من منصبه.

هنا يدبر «ياجو» خطة لقتل المغربي فيقنع «كاسيو» بالعودة معه إلى البندقية ويقول له إن «عطيل» هو الذي ضربه بالسيف فكسر ساقه بدافع الغيرة، ثم قتل زوجته، ويتقدم «كاسيو» بالشكوى إلى مجلس الحكم، ويُستدعي «ياجو» شاهداً، ويؤيد كل ما ذهب إليه في دعواه، وتلقي الشرطة القبض على المغربي وتعيده إلى البندقية، حيث يتعرض للتعذيب حتى يعترف، لكنه يصر على الإنكار، فيصدر المجلس الحكم بالنفي المؤبد عليه، ولكن أسرة «دزدمونة» تقتله، ويواصل حامل العلم «ياجو» حياة الشر فيكون له المزيد من الضحايا، لكن يُقبض عليه في نهاية الأمر، ويعذّب حتى الموت.

ويشير الدكتور عناني إلى أن الانهيار السريع الذي يتسبب في النهاية المفجعة لا تبرره على المستوى الواقعي المحض نظرتنا إلى المسرحية بوصفها مأساة زوج يغار أو يشك في زوجته أو حتى مأساة بطل جندي مغوار وشاعر يمثل صورة «العاشق المحارب» التي ورثتها أوروبا من العصور الوسطى.

والفكرة هنا أن «ياجو» يشارك «عطيل» عدم انتمائه طبقياً إلى البندقية بوصفها دولة غنية تعتمد على التجارة وثراء الأعيان من ذوي الحسب والنسب، فضلاً عن امتياز البحارة المقاتلين أو الأفذاذ في صنعة الحرب من القادة والأعلام. و«ياجو» لا يتمتع بالثراء ولا الحسب والنسب، ولا هو من السادة، ولا يأمل حقاً في أن ينافس ابن المجتمع الراقي «كاسيو» الذي تلقى التعليم، ويتمتع بمزايا الأعيان من ذوي الشعر المهدل، ويحظى بإعجاب بنات الطبقة الراقية، ويعرف موقعه في السلم الاجتماعي فهو يغار غيرة حقد وحسد من «كاسيو» أولاً، ومن «عطيل» ثانياً.


سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا
TT

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا بعدّها رمزاً تاريخياً فريداً من نوعه، لكنه لم ينل ما يستحق من الشهرة أو الذيوع رغم عمق المعاني التي يتضمنها.

كانت فاتنة الجمال، راجحة العقل، جامحة الخيال، نهلت من الفكر المصري ونزعته الصوفية وكانت من أكثر المعبرين عنه، كما قال عنها المؤرخ الأميركي الشهير ول ديورانت، إنها بزت جميع فلاسفة زمانها، ولما عُينت أستاذة للفلسفة هرع لسماعها عدد كبير من الناس من شتى الأقطار.

وقد بلغ من حبها للفلسفة أنها كانت تقف في الشوارع تشرح لكل من يسألها عن النقاط الصعبة في كتب أفلاطون وأرسطو ما أكسبها احترام الناس.

ولدت عام 370م وكان أبوها «ثينون» فيلسوفاً عمل بالفلسفة والجبر والهندسة، ثم مديراً لمكتبة الإسكندرية، أخذت عنه حب التفكير والفلك والرياضيات كما دربها على الخطابة والتدريس، وعندما كتب شرحاً لكتاب بطليموس اعترف بالدور الذي قامت به في تأليفه، كما كانت أبحاثها تشمل الفلك والرياضة وصنعت أجهزة لتقطير المياه وقياس منسوبها، كما صنعت «إسطرلاب» وجهازاً لقياس كثافة السوائل.

وفى الثلاثين من عمرها صدر الأمر الإمبراطوري بتعيينها أستاذة بالمكتبة، وغدت فيلسوفة من أتباع أفلاطون وتزعمت مدرسة «الأفلاطونية الجديدة» ذات النزعة الصوفية، وكانت بعثاً للفكر المصري القديم، تميزت به مدرسة الإسكندرية منذ القرن الثالث قبل الميلاد، وازدهر على يد أفلوطين كآخر المدارس اليونانية الفلسفية الكبرى.

كانت تقول إن «من يقدر على خلع بدنه وتكسير حواسه ووساوسه وحركاته، يستطع الرجوع إلى ذاته والصعود إلى العالم العقلي، كما أن الامتناع عن الشهوات وعدم أكل اللحوم عوامل مساعدة لصفاء النفس، وعلى الإنسان أن يمارس العبادات لتطهير النفس والزهد، فقيمة الإنسان ليست في جمال ملامحه ولكن في جمال أخلاقه».

عدّها المتعصبون دينياً واحدة من ألد أعدائهم بسبب جمالها وروعة منطقها وحداثة أفكارها، فهجموا عليها في أثناء عودتها من إلقاء إحدى المحاضرات وأنزلوها من عربتها وجروها إلى منطقة نائية. وهناك جردوها من ملابسها، وأخذوا يرجمونها بقطع القرميد حتى قتلوها، بل أكثر من ذلك قطعوا جسدها إرباً، وحرقوا بعضه، كانوا يفعلون كل ذلك بمرح وحشي شنيع لتذهب أسطورة هيباتيا ضحية للصراع بين الفكر والعلم من ناحية، والتعصب الديني من ناحية أخرى وعمرها 45 سنة.

لم يعاقب الجناة على فعلتهم البشعة واكتفى الإمبراطور بتقييد حرية المتطرفين في الظهور أمام الجماهير، مع حرمان الوثنيين من المناصب العامة، وأغلق المعابد والمدارس لتنطفئ شعلة العلم في الإسكندرية وينطفئ دورها الحضاري، ويرحل أساتذتها إلى أثينا خوفاً من مصير هيباتيا.