باسيل يقلق من الاحتضان الدولي والداخلي للمؤسسة العسكرية

TT

باسيل يقلق من الاحتضان الدولي والداخلي للمؤسسة العسكرية

لم يكن رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل مرتاحاً لقرار المجتمع الدولي باحتضان المؤسسة العسكرية والقوى الأمنية الأخرى بتوفيره شروط الصمود لها لتمكينها من الحفاظ على الاستقرار في لبنان والذي تجلى في الاجتماع الدولي الذي عُقد أخيراً في باريس والذي فتح الباب أمام الوقوف على احتياجات الجيش اللبناني التي طرحها قائده العماد جوزف عون وتتلخّص بتأمين قطع الغيار والعتاد وبدعم الطبابة العسكرية وبتوفير احتياجاته لسد النقص الذي يعاني منه البرنامج الغذائي في ظل تراجع القدرة الشرائية للعملة الوطنية وخلو الأسواق من معظم المشتقات الغذائية.
فباسيل لم يتردد في تنظيم هجوم مضاد باتهام الأجهزة الأمنية ونواب وسياسيين بالوقوف وراء التهريب لأنه يتوجس من الاحتضان الدولي للمؤسسة العسكرية التي يُنظر إليها على أنها الوحيدة الباقية إلى جانب القوى الأمنية من معالم الدولة بعد أن انهارت جميع إداراتها ومؤسساتها وأصبحت مشلولة في ظل غياب الحكومة المستقيلة عن السمع بعد أن أوكل رئيسها حسان دياب أمره إلى المجلس الأعلى للدفاع.
ومع أن باسيل استهدف الأجهزة الأمنية بقصف عشوائي في محاولة لتحميلها مسؤولية استمرار التهريب، فإنه توخّى من اتهاماته التحريض عليها لدى السواد الأعظم من اللبنانيين الذين يفتقرون إلى لقمة العيش ويشكون من الجوع بعد أن استنزف الدعم مليارات الدولارات من احتياطي المصرف المركزي أُنفقت لتغطية ارتفاع منسوب التهريب إلى سوريا.
كما أن باسيل حاول أن يضع الأجهزة الأمنية في قفص الاتهام لإقحام اللبنانيين في مواجهة مفتوحة معها، وتحاشى تسليط الأضواء على دور بعض المؤسسات الرسمية في منح التراخيص للصهاريج المحمّلة بالمشتقّات النفطية أو الشاحنات المخصصة لنقل البضائع المفقودة في الأسواق السورية في ضوء العقوبات المفروضة على النظام في سوريا.
وعلمت «الشرق الأوسط» أن التحقيقات تجري بعيداً عن الأضواء للتأكد من عدم التلاعب في إعطاء التراخيص بذريعة أن أصحاب الصهاريج والشاحنات قد استُوفيت منهم الرسوم الجمركية المتوجبة عليهم، علماً بأن معظم هذه التراخيص جاهزة ولا ينقصها سوى ملء القسيمة التي تُجيز لأصحابها نقل البضائع، وهذا ما يذكّرنا بشهادات المنشأ الذي استُخدمت لتهريب المخدرات وتبين لاحقاً أنها مزوّرة.
وفي هذا السياق كشفت مصادر أمنية بارزة أن التحقيقات تتواصل لتبيان الحقيقة، خصوصاً أن الأجهزة الأمنية توقف الصهاريج والشاحنات للتدقيق في حمولتها ويتبين لها أن بحوزة أصحابها تراخيص، ما يضطرها إلى الإفراج عنها، وهذا ما أثير في الاجتماع الأخير لمجلس الدفاع الأعلى برئاسة رئيس الجمهورية ميشال عون.
ولفتت إلى أن بعض الأطراف التي تتصدى للتهريب إعلامياً تقف وراء تسهيل دخول الشاحنات والآليات إلى داخل الأراضي السورية وقد تضطر إلى التدخّل للإفراج عنها، وهذا ما ينطبق أيضاً على توقيف المطلوبين بموجب مذكرات قضائية صادرة بحقهم، وسألت: هل الأجهزة الأمنية مسؤولة عن عشرات محطات بيع الوقود التي تعمل من دون حصولها على تراخيص من الجهات الرسمية المعنية؟
بدورها عدّت مصادر سياسية أن من حق باسيل أن يقلق حيال الاحتضان الدولي للجيش بوصفه يبقى بالتعاون مع الأجهزة الأمنية صمّام الأمان للحفاظ على الاستقرار ومنع لبنان من السقوط في الانهيار في ظل استمرار الفراغ المترتّب على تعذّر تشكيل الحكومة، وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن مؤتمر باريس لم يشكّل منصّة دولية لإعلان التضامن مع المؤسسة العسكرية فقط من دون أن يُستكمل بخطوات عملية لدعم الأجهزة الأمنية وإنما لا يزال يتابع مع قيادة الجيش لترجمة ما رسمه إلى خطوات ملموسة.
وأكدت أن قيادة الجيش تتواصل مع الملحقين العسكريين للدول التي شاركت في مؤتمر باريس أو لتلك التي لم تشارك، مبديةً استعدادها للمساهمة في رفع المعاناة عن المؤسسة العسكرية للوقوف على احتياجاتها تمهيداً لتلبيتها، وقالت إن العسكريين يبدون كل إيجابية للتقشّف من خلال الوجبات الغذائية التي تقدّم إليهم ويمكنهم أن يأكلوا «مجدرة أو برغل مع بندورة» ولكنهم لا يستطيعون الصمود أمام تراجع الخدمات الطبية وهذا ما تلحظه القيادة كبند أساسي يتصدر لائحة احتياجاتها.
ورأت أن الاحتضان الدولي للمؤسسة العسكرية لم يكن معزولاً عن الاحتضان الشعبي المدعوم من القوى الرئيسة في الموالاة والمعارضة التي تنظر إليها على أنها خشبة الخلاص لمنع الانهيار ليعاد تركيب البلد سياسياً، وقالت إن باسيل بموقفه منها يغرّد خارج سرب الإجماع اللبناني الذي يحتضن القوى الأمنية وأولها المؤسسة العسكرية التي تشكّل رأس حربة لمنع تدحرج البلد نحو الفوضى، ولذلك لم يكن موفّقاً في تحميلها مسؤولية حيال استمرار التهريب.
ولفتت إلى أن شهادة حسن السلوك التي منحها المجتمع الدولي للمؤسسة العسكرية ليست في منأى عن الشهادة الأخرى الممنوحة لها من الأكثرية الساحقة من اللبنانيين، وقالت إن باسيل أخطأ في العنوان في استهدافه الأجهزة الأمنية التي رفضت استخدام القوة أو العنف في مواجهة الحركات الاحتجاجية كما كان يحلو للفريق السياسي المحسوب على رئيس الجمهورية وتياره، مع أن البعض سعى لاستغلالها باستخدامها منصة لتمرير الرسائل السياسية.
لذلك يحق لباسيل أن يقلق على مستقبله السياسي -كما تقول المصادر السياسية- بعد أن عجز عن تعويم نفسه وبات همه الهجوم بطريقة أو بأخرى على الأجهزة الأمنية غامزاً من قناة قائد الجيش من دون أن يسميه، رغم أن الأخير لا يعمل ليكون في عداد المنافسين وهمه هو تحييد المؤسسة العسكرية عن الصراع السياسي، وهذا ما حققه في حفاظه على الاستقرار رغم أن المنظومة الحاكمة بعنادها ومكابرتها تصر على أن يكون الحل الأمني بالتصدي للمحتجين بديلاً عن الحل السياسي لأن الأزمة سياسية بامتياز.
وعليه فإن استحضار باسيل لعمليات التهريب واستخدامها مادة مشتعلة في حملته على الأجهزة الأمنية لن تبدّل من واقع الحال السياسي حتى لو اعتمد على «فائض القوة» الذي يستمده عون من خلال ترؤسه اجتماعات المجلس الأعلى للدفاع، لأنه يدرك أن هذا الفائض لن يُصرف في مكان لأن القوى الأمنية لن تكون أداة بيد أي طرف لتصفية حساباته أو أن تنصاع للأوامر بضرب الاحتجاجات الشعبية، لأن دور المؤسسة العسكرية يكمن في حماية الوفاق، وبالتالي توفير الحصانة للحل السياسي.
فالمؤسسة العسكرية ليست مَن يصنع الحل أو يؤمّن الوفاق كبديل عن الطبقة السياسية، مع الإشارة إلى أن إلصاق القرارات بمجلس الدفاع ليس في محله لأن صلاحيته تبقى في رفع التوصيات إلى مجلس الوزراء.
وهكذا فإن الخروج عن دور مجلس الدفاع يشكّل خرقاً للدستور، خصوصاً إذا أُريد من الأجهزة الأمنية الدخول في مواجهة مع الاحتجاجات الشعبية، إضافةً إلى أنه لا مبرر لانعقاده ويمكن أن ينوب عنه مجلس الأمن المركزي برئاسة وزير الداخلية أو اجتماعات مجالس الأمن الفرعية برئاسة المحافظين، إلا إذا أراد عون أن يتصرف على أنه «الحاكم بأمره» وصولاً إلى تمريره رسالة بأنه البديل عن تفعيل حكومة تصريف الأعمال، علماً بأن قادة الأجهزة الأمنية ليسوا أعضاء دائمين في مجلس الدفاع، وإنما هم بمثابة «ضيوف» يشاركون في اجتماعاته إذا اقتضت الضرورة.



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».