ليبيا سوق مفتوحة لتجارة السلاح.. والأميركي والتركي على رأس القائمة

مستشار بالجيش الليبي لـ «الشرق الأوسط»: المتطرفون يجلبون أسلحة من دارفور ويقومون بأول عملية التفافية للاقتراب من الحدود المصرية

ليبيا سوق مفتوحة لتجارة السلاح.. والأميركي والتركي على رأس القائمة
TT

ليبيا سوق مفتوحة لتجارة السلاح.. والأميركي والتركي على رأس القائمة

ليبيا سوق مفتوحة لتجارة السلاح.. والأميركي والتركي على رأس القائمة

تحولت ليبيا لسوق مفتوحة لتجارة السلاح. وتأتي أنواع الأسلحة الأميركية والتركية على رأس القائمة تليها الأسلحة الإيرانية والصربية، بينما يظل السلاح الروسي الذي نهبته الميليشيات من مخازن جيش معمر القذافي في 2011 الأرخص.
يأتي هذا في وقت كشف فيه المستشار القانوني للجيش الليبي، صلاح الدين عبد الكريم، لـ«الشرق الأوسط» عن بدء متطرفين ليبيين القيام بأول عملية التفافية، منذ فجر أمس، للاقتراب من الحدود المصرية، قادمين من «دارفور» الواقعة غرب السودان، بشحنات جديدة من الأسلحة والمقاتلين، وفي طريقهم للسيطرة على منطقة الكفرة شمال شرقي ليبيا.
تعكس إجابة مسؤول كبير في وزارة الدفاع المصرية عن الأسلحة الليبية المهربة إلى بلاده عبر الحدود الصحراوية، الكميات الضخمة من الأسلحة التي أصبحت تنتشر في ليبيا. ويقول إن الكميات التي دخلت إلى مصر في عامي 2012 و2013 تقدر بملايين الدولارات، لكن محافظ مطروح، اللواء علاء أبو زيد، وهو مدير سابق للمخابرات الحربية في محافظتي مطروح والإسكندرية، يقول لـ«الشرق الأوسط» إن الدولة اتخذت إجراءات مشددة لمنع التهريب، وحفظ الأمن القومي.
ويوضح ضابط في رئاسة أركان الجيش الليبي لـ«الشرق الأوسط» أنه يوجد تعاون قوي مع الجيش المصري وأن الطيران الحربي المصري حين وجه ضربات لنحو 13 موقعا من معاقل «داعش» في درنة بليبيا الشهر الماضي، سبقتها عمليات قام بها سلاح الجو الليبي لتنظيف المنطقة من المضادات الأرضية التي يملكها المتطرفون قبل وصول الطيران الحربي المصري بدقائق.
ووفقا لمعلومات من ضباط ليبيين ومصادر في الجيش الليبي فقد تقاسمت الميليشيات المتطرفة أسلحة جيش الدولة من الأنواع الثقيلة والمتوسطة والخفيفة، بما في ذلك عدد كبير من الصواريخ وعدد أقل من الطائرات الحربية من طراز سوخوي والتي تحتاج إلى قطع غيار وصيانة في الوقت الراهن، وكذا تملك طائرات تدريب أخرى قادرة على حمل قنابل صغيرة، مشيرة إلى أن هذا يضاف إلى الملايين من قطع الأسلحة التي كانت بحوزة الليبيين والتي حصلوا عليها أيام حكم القذافي حين أعلن عما كان يعرف في عهده بـ«الشعب المسلح».
ويقول تقرير غير حكومي جرى الكشف عنه أخيرا إن ليبيا ينتشر فيها نحو 28 مليون قطعة سلاح. وتحدث عن مقتطفات من التقرير الدكتور أحمد ميزاب، الخبير الأمني ورئيس اللجنة الجزائرية الأفريقية للسلم، ونقلت عنه صحيفة «الفجر» الجزائرية قوله إن التقرير قدر عدد قطع السلاح المنتشرة في ليبيا حاليا بما بين 22 إلى 28 مليونا، بزيادة 20 مليون قطعة سلاح عما تركه القذافي قبل 3 سنوات.
لكن المستشار عبد الكريم، يقول لـ«الشرق الأوسط» إن هذه الأرقام غير دقيقة وفيها تهويل لكي يتم إظهار الموضوع الليبي أمام العالم بأنه «ميؤوس منه» ومن فرص الحل له، وذلك حتى تصبح الكتل الكرتونية «المتطرفة» في الواجهة. ويضيف أن الهدف من تضخيم قوة الميليشيات وتسليحها أن تظل متحكمة في المدن الكبيرة مثل طرابلس وبنغازي ومصراتة وصبراتة، وهي المدن التي تتركز فيها الكتل البشرية، وهي كتل أساسية تضم أفرادا يمكن أن يسهموا في بناء الدولة ومؤسساتها بما فيها الجيش الوطني مستقبلا.
ويقول مصدر أمني ليبي إن مليارات الدولارات التي كانت تستخدم في تجارة المخدرات في شمال أفريقيا تحولت إلى الاتجار في الأسلحة وتهريبها عبر الحدود. ومن السهل أن تجد في شوارع طرابلس وبنغازي سماسرة بإعلانات عن طلبيات جديدة من الأسلحة. ويقول أحد التجار ممن كان يعرف عنه في الماضي الاتجار في المخدرات والسجائر المهربة إن آخر طلبية وصلته تخص شراء 7 مدرعات وأسلحة متوسطة من عيار 14.5 مم و23 مم و32 مم.
ونظرا لاختفاء مظاهر الدولة في عدد من ضواحي بنغازي، تمكن هذا التاجر ويحمل اسما مستعارا هو «الروقي»، من صف مجموعة من الآليات العسكرية، يزيد عددها على 18 آلية، قرب ضاحية «سيدي فرج» في المدينة التي يحاول الجيش منذ عدة أشهر السيطرة عليها، وهو يتحدث بفخر عن قدرته على إدارة تجارته، بغض النظر عن نوعية المشتري، وإن كان يتخوف بطبيعة الحال من أن يعلم المتطرفون المتحصنون في الضاحية بتعامله مع قوات الصحوات أو بيع أسلحة لها، وهي قوات من الشبان المتطوعين ممن يؤازرون الجيش في حربه ضد الإرهابيين.
ويقول الروقي إنه يتلقى الطلبيات عبر وسطاء محليين موثوق فيهم. ولديه عملاء من سرت وطرابلس ودرنة، لا يستطيع أن يرفض لهم طلبا لأن «ما يحتاجونه لا يتوقف.. يريدون كل الأنواع من السيارات العسكرية وبلا حدود.. المقصود بالسيارات العسكرية هي تلك التي تعرف باسم سيارات الدفع الرباعي تصلح لوضع مدافع 14.5 مم أو 23 مم فوقها».
وعما إذا كان يشعر بالخوف من أن يتهمه أحد طرفي النزاع بمساعدة الطرف الآخر، يوضح الروقي أنه يعتمد على حماية من أفراد من قبيلته ومن أنصاره، ليواصل عمله «نحن تجار.. نحن بيننا ثقة. تطلب ما تريد، وإذا كان مالك حاضرا، يصلك الطلب في موعده ومكانه أيا كانت الكمية أو نوعها، من أول المسدس (الخوصة) عيار 9 مم حتى صواريخ غراد».
ووفقا لمعلومات استقتها «الشرق الأوسط» من تجار ووسطاء فإن الميليشيات القريبة من طرابلس، وتلك الموجودة في ضاحيتي «سوق الجمعة» و«أبو سليم» في العاصمة تقبل على شراء نوع من السلاح يسمى «الدجكة» وهو من عيار 12.5 مم ويقول أحد السماسرة إن هذا الطراز كان يستخدمه القادة من الأفغان الليبيين في أفغانستان والشيشان في العقود الماضية. ويبلغ سعر الدجكة الواحدة 7 آلاف دولار. ويوجد تجار ووسطاء أصبحوا يحترفون بيع الأسلحة كسلعة داخلية، بينما هناك سماسرة كبار يجلبون الأسلحة من الخارج ولديهم إمكانات كبيرة وعلاقات مع سماسرة دوليين. ويبيع الروقي نوعا نادرا من المسدسات الأميركية عيار 8 مم مع 3 صناديق من الذخيرة بما يساوي 1500 دولار ولديه مسدسات بلجيكية الصنع مزودة بمقابض من العاج يبلغ ثمن الواحد نحو 3 آلاف دولار، ويقول إن الأنواع النادرة من الأسلحة الخفيفة مثل المسدسات تعد من الفئة الأغلى بسبب الإضافات التي تكون موجودة فيها وتحظى بإعجاب قادة الميليشيات الكبار والقيادات التابعة لهم.
المسدسات غير المشغولة التي لا توجد عليها زخرفة، وغالبيتها من عيار 9 مم، وهي تشبه مسدسات «برتا» الإيطالية، تعد من الأسلحة رخيصة الثمن لهذا السبب. ويتراوح سعر المسدس الواحد بين 500 و1000 دولار. ويزيد ثمن هذا النوع من المسدسات غير المشغولة بزيادة سعة مخزن الرصاص الذي يصل أحيانا إلى 17 طلقة مثل المسدس الصربي الذي يجري التحكم فيه لإخراج الطلقات على دفعات أو طلقة طلقة، والتركي من نوع «ماكاروف» سريع الطلقات. ويبلغ ثمن علبة الذخيرة 9 مم نحو 50 دولارا.
ومع زيادة حدة الاقتتال بين الليبيين ارتفع ثمن ذخيرة مدافع الهاون والهاوزر خاصة من عيار 107 مم و155 مم. وباستثناء المدافع وبنادق القنص تقل أسعار الأسلحة كلما زاد حجمها أو كانت من النوع الذي يستخدم لمرة واحدة مثل صواريخ غراد والقذائف الصاروخية الأخرى. ويرتفع سعر الأسلحة المتوسطة الخاصة بالقنص كلما كانت الأدوات الإضافية حديثة مثل وجود مناظير الرؤية الليلية الخاصة بالقنص. كما يوجد نوع من الأسلحة الحديثة التي استولى عليها المتطرفون من اللواء 32 المعزز الذي كان يقوده العقيد خميس نجل القذافي قبل مقتله في أحداث 2011، وكان يعد من ألوية النخبة المجهزة بالأسلحة الغربية المتقدمة.
ويتعامل التجار مع أسلحة اللواء 32 معاملة خاصة نظرا لسمعة هذا اللواء الذي ظل يرفض الاستسلام ويقاوم رغم الضربات التي تعرض لها من طيران وصواريخ حلف الناتو من الجو والبحر، ورغم مطاردة المسلحة المحليين له طيلة 8 أشهر. ومن أنواع القنابل اليدوية المرغوب فيها نوع يسمى «آر دي إكس» ويحتوي هذا النوع على مواد تجعل القنبلة تتشظى وتنتشر على مسافة كبيرة. ويبلغ سعر القنبلة الواحدة نحو 70 دولارا. وتقبل الميليشيات المتحصنة في بنغازي على شراء هذا النوع من القنابل في حربها ضد الجيش.
ويمكن أن تشتري من بنغازي السلاح الأميركي من نوع «إم 4» بنحو ألفي دولار. وتنتشر في بنغازي الصدريات الأميركية الخاصة بالقتال، ويقبل عليها المتطرفون بشدة، كما يقول الروقي، الذي لا يتحدث كثيرا عن مصدر هذه الأسلحة والمهمات التي يتاجر فيها. لكن تستطيع أن تفهم منه أنه يعمل ضمن شبكة واسعة تنتشر في عدة مدن خاصة تلك التي يسيطر عليها المتطرفون، ولديها القدرة على جلب الأسلحة عبر سفن وقوافل مهربة، أو الشراء مما يجري سلبه من قوات الجيش أو حتى قوات المتطرفين أثناء عمليات الكر والفر بين المتقاتلين.
ويضيف الروقي أن الصدرية العسكرية الأميركية هي الأغلى، ويصل سعر الواحدة إلى نحو 150 دولارا ويقول إنه أبرم صفقة مع وسطاء لمقاتلين يعتقد أنهم من درنة وسرت (منتمين لتنظيم داعش) قبل أسبوعين. وهناك نوع من الصدريات المزودة بقميص واق من الرصاص وهذه يزيد سعرها ويصل إلى نحو 300 دولار.
ويوجد في كل صدرية جيوب متعددة منها جيبان للقنابل اليدوية و10 جيوب لمخازن رصاص البنادق من نوع إيه كيه 47. وجيوب أخرى لجهاز اللاسلكي ومصباح الإنارة وغيرها. ويمكن تعديل الصدرية، وهي من نوع «يو تي جي»، لتتناسب مع حجم الجسم حيث إنها مزودة بأحزمة تشد من الكتفين والخصر.
ويبلغ سعر سلاح القنص الإيراني الصنع من نوع «إف إن» ما يعادل ألفي دولار. ويجري تهريب هذه الأسلحة عبر معسكرات تقع ناحية دارفور. وغالبية الأسلحة الإيرانية من نوع «إف إن» موجودة من دون كماليات، حيث تباع هذه الكماليات بشكل منفرد، مثل المنظار وغطاء السلاح وأدوات تنظيفه. ويقول أحد المسؤولين الأمنيين في بنغازي إن معظم الأسلحة الإيرانية تهرب عن طريق حدود ليبيا مع السودان، بينما تأتي الأسلحة التركية والصربية وغيرها من البحر. ويبلغ ثمن المنظار وأدوات التنظيف نحو 170 دولارا.
ومن جانبه يضيف المستشار عبد الكريم موضحا أن السلاح في ليبيا منتشر بطريقة كبيرة بالفعل، لكن التهويل في قدرة الميليشيات وما تملكه من أسلحة يرمي لمحاولة تفريغ ليبيا من أي قوة مسلحة مركزية حتى تجد الدول الغربية ذريعة لدخول ليبيا بحجة حماية المنشآت النفطية الموجودة على مساحات شاسعة في الصحراء، خاصة مع استمرار الحظر الدولي على بيع الأسلحة للجيش.
ويتابع مستشار الجيش الليبي قائلا إن أغلب سلاح الجيش الليبي جرى تخزينه في مدينة مصراتة بواسطة خبراء إنجليز وأميركان وأتراك منذ بداية أحداث فبراير (شباط) 2011، مشيرا إلى أن ميليشيات مصراتة حصلت على أسلحة حديثة بطرق غير شرعية من مصادر مختلفة، خاصة بعد سيطرتها على عدد من الموانئ البحرية والجوية مثل مطار معيتيقة. ويكشف المستشار عبد الكريم النقاب أيضا عن أن الجيش الوطني الليبي تمكن من توقيف شحنة أسلحة قال إنها كانت قادمة للإرهابيين في بنغازي، ويضيف أن الشحنة عبارة عن «أسلحة تركية أحدث موديل.. أحدث ما في الترسانة التركية».
ووفقا للمصادر العسكرية الليبية، فإن مصراتة استولت على كميات ضخمة من الأسلحة من مخازن الجيش الليبي أثناء محاصرة القذافي في مدينة سرت. وتضيف أن المكان الذي كانت فيه مخازن أسلحة والقريب من سرت في ذلك الوقت، هو مقر قيادة الجيش الليبي في محافظة الجفرة.. «استولى مقاتلو مصراتة على مئات الدبابات والمدرعات وكميات مهولة من صواريخ غراد وغيرها، في الأيام الأخيرة لوجود القذاقي في سرت، وحين جرى قتله، نقلت ميليشيات مصراتة كل هذه المعدات الحربية التي كانت معها إلى المدينة، وبدأت في استخدامها بعد ذلك عن طريق قوات فجر ليبيا والدروع وغيرها.. ما تملكه مصراتة من دبابات أكثر مما يملكه الجيش الوطني».
إلا أن عدد الدبابات التي تملكها الميليشيات المتطرفة ربما لا يزيد على 100 دبابة ونحو 9 آلاف من صواريخ غراد، بحسب مصادر عسكرية ليبية، إلى جانب أعداد غير معروفة من القاذفات الصاروخية وسيارات الدفع الرباعي المجهزة كآليات عسكرية والمزودة بالمدافع.
وتوجد في مصراتة وحدها مخازن مهولة للسلاح وآلاف مؤلفة من صناديق الذخيرة، تخص 6 ميليشيات. وتمكنت عبر ترسانة الأسلحة من تدمير مطار طرابلس والسيطرة على العاصمة الصيف الماضي. ويقع مقر للكلية الحربية الليبية في مصراتة نفسها، وتضم المدينة مطارا حربيا أيضا. وتمتلك ميليشيات مصراتة وهي ميليشيات تقودها عناصر متشددة من جماعة الإخوان وعلى صلة بباقي التنظيمات المتطرفة، نحو 5 طائرات تدريب قادرة على حمل قنابل، و3 طائرات على الأقل من نوع سوخوي، استخدمت بعضها بالفعل ضد الجيش الوطني في الأسابيع الأخيرة.. مرة في منطقة الهلال النفطي في الشمال الأوسط، ومرة ضد مطار الزنتان في جنوب غربي طرابلس. ويقول أحد المسؤولين العسكريين إن مصراتة لديها أيضا ما لا يقل عن 5 مروحيات، وكلها من مخلفات الجيش الليبي. وتتنافس الكثير من الميليشيات التي ينخرط في صفوفها ألوف المقاتلين والمرتزقة واللصوص، على اقتناء الأسلحة. ويوضح أحد شهود العيان ممن كان يعمل بالقرب من معسكرات المتطرفين في درنة أن الميليشيات هناك تمتلك ترسانة من المضادات الأرضية والصواريخ والأسلحة المتوسطة والخفيفة.
وبالإضافة إلى مخزون جيش القذافي تقول المصادر العسكرية الليبية إن المتطرفين تمكنوا من الحصول على كميات ضخمة من الأسلحة من أطراف مختلفة تأتي عبر البحر والصحراء.. ويشير أحد هذه المصادر إلى أنه وخلال فترة حكم جماعة الإخوان المسلمين لليبيا، في 2012 و2013. فتحت مسارات لدخول السلاح من موانئ مصراتة وطرابلس وبنغازي ودرنة.. «هذا من طريق البحر، بينما أدخلت أسلحة ضخمة من طريق الصحراء الجنوبية عبر دارفور»، مشيرا إلى أن دارفور الواقعة في شمال غربي السودان، وتحاذي الحدود الليبية من الجنوب الغربي، تحولت إلى وكر يعضد المتطرفين في داخل ليبيا، سواء من خلال نقل الأسلحة أو المقاتلين.
وكشف المستشار عبد الكريم النقاب لـ«الشرق الأوسط» أمس عن رصد الجيش الليبي لتحرك رتل عسكري تابع لجماعة من المتطرفين الليبيين، قادم من السودان بالقرب من مثلث الحدود المصرية والليبية والسودانية.
ويضيف أن المعلومات تقول إن المتطرفين عبروا من دارفور إلى داخل ليبيا ومعهم 70 شاحنة محملة بالأسلحة إضافة إلى نحو 60 سيارة دفع رباعي تحمل مقاتلين من قوات تابعة لمدينة مصراتة وقوات الدروع و«هي مجموعات إرهابية تتحرك في الصحراء الكبرى جنوب ليبيا لمد العون للعمليات التي يقوم بها المتطرفون في باقي ليبيا».
ويتابع مستشار الجيش الليبي قائلا إن المعلومات المتوفرة حول هذه المجموعة تؤكد أن «رتلا محملا بالأسلحة والمقاتلين بدأ يتحرك منذ الفجر (يوم أمس) من دارفور تجاه ليبيا». ويضيف أن «وجهتهم ربما إلى واحة الكفرة للسيطرة عليها لأنها تحتوي على آبار للنفط ومخزون من المياه. وإذا سيطروا عليها سيكون هناك خطر على الأمن المصري».
مصادر أمنية مصرية أكدت من جانبها أنه لا توجد معلومات لديها حول تحرك هذه المجموعات القتالية المتطرفة تحديدا قرب الحدود مع ليبيا، لكن أحد المسؤولين العسكريين في محافظة مطروح المصرية الحدودية يقول إن بلاده لديها الجاهزية الكاملة «لمواجهة كل من تسول له نفسه أن يهدد حدودها».
وبالعودة إلى ما قاله رئيس اللجنة الجزائرية الأفريقية للسلم، الدكتور ميزاب، فإن نحو ألف تاجر سلاح ينتشرون في الأراضي الليبية، مشيرا إلى أن بنغازي هي نقطة لتمرير وتهريب السلاح لتنظيم داعش، لافتا إلى أنه تم تهريب 7983 قطعة سلاح إلى الأراضي المصرية. ويضيف عن التقرير الخاص بالأسلحة في ليبيا الذي أشرف على إعداده، أنه سجل حصول التنظيمات المسلحة على 35 صاروخا من طراز «غراد»، و120 صاروخا مضادا للطائرات، و329 صاروخ «جي 5 إم»، و54 صاروخ أرض عابر للمدن، و24 صاروخ «إم 9».
كما يشير إلى أن التنظيمات المسلحة حصلت أيضا على 262 رأسا مدمرا لصاروخ غراد، و3 رؤوس صواريخ، و144 منصة للصواريخ المضادة للطائرات وجهاز إطلاق صواريخ، و7 أجهزة لتحديد الأهداف، ومدافع هاون، و3 مدافع عيار نصف بوصة، و3 قذائف هاون عيار 32 مم، و127 عبوة دافعة لقذيفة آر بي جي، و232 شريطا لطلقات متعددة، و33 بندقية «إف إم» بلجيكية، و327 بندقية آلية، و432 مخزن بنادق آلية، ومليوني طلقة عيار «9 مم»، و72 خزنة سلاح.
ويقول ميزاب أيضا إن عدد العناصر الإرهابية التابعة لـ«داعش ليبيا» يقدر بين 4500 و5 آلاف مقاتل بينهم ألف من الليبيين والباقي أجانب وعرب، مضيفا أن المقاتلين يتدفقون يوميا من 10 دول عربية وأفريقية. وكشف عن استعداد 1500 مقاتل جديد للالتحاق خلال الأيام المقبلة بالتنظيم في ليبيا، موضحا أن العناصر الإرهابية القادمة من خارج ليبيا تتسلل عبر الحدود التونسية والمصرية والنيجرية، كما يتم نقل آخرين عبر الطائرات للالتحاق مباشرة بمعسكرات التدريب المنتشرة في مختلف مناطق ليبيا، محذرا من سعي حركات التمرد الأفريقية للالتحاق بـ«داعش». واستند التقرير الذي تحدث عنه الدكتور ميزاب وحدد أرقاما لعدد الأسلحة في ليبيا إلى ما قال إنها «تقارير دولية ومتابعته للوضع الأمني في ليبيا».
ولا توجد تقديرات رسمية عن حجم السلاح الذي في حوزة الميليشيات في ليبيا. ويقول حمد عيسى، هو ضابط ليبي سابق، لـ«الشرق الأوسط» إن السلاح المنتشر في البلاد «عدده مهول»، مشيرا إلى أن ما يثبت ضخامة الأسلحة التي تملكها الميليشيات هو عدم قدرة الجيش طوال أكثر من 8 أشهر على كسر شوكة المتطرفين.. «هذا مؤشر على أن ما لديهم كبير ومتنوع».
وعن انتشار السلاح في ليبيا خاصة في أيدي الميليشيات المتطرفة، واستمرار حظر توريد السلاح للجيش الوطني الليبي في حربه ضد الإرهابيين، يعود المستشار عبد الكريم للقول إن الهدف هو أن تكون الدولة عاجزة عن حماية المواقع النفطية في الصحراء، مثلما حدث قبل يومين في حقلي المبروك وباهي اللذين يقعان في عمق الصحراء، وبالتالي تظهر النظرية المعدة سلفا لدى أصحاب المصالح في الخارج للاعتماد على قوة خارجية لبسط الأمن في ليبيا.. أما الميليشيات فستكون كل واحدة منها مسيطرة بما لديها من سلاح على المدينة الموجودة فيها، وبالتالي لا تكون هناك فرصة لتقوية الجيش الوطني من أبناء هذه المدن مستقبلا.



واشنطن تشدد شروطها على الجيش اللبناني: انتهى زمن الإنقاذ غير المشروط

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
TT

واشنطن تشدد شروطها على الجيش اللبناني: انتهى زمن الإنقاذ غير المشروط

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)

بالتزامن مع مسار المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن برعاية أميركية، شهد الكونغرس تحركاً مختلفاً من نوعه؛ إذ صعّد من الضغوطات على الجيش اللبناني لتنفيذ وعوده بنزع سلاح «حزب الله» تحت طائلة تجميد المساعدات الأميركية المقدمة للجيش، والتي يوافق عليها المجلس التشريعي سنوياً.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر خاصة رفيعة المستوى داخل الكونغرس، أن الحزب الجمهوري «سئم من سماع وعود صادرة عن الجيش اللبناني بنزع سلاح (حزب الله) من دون القيام بالمجهود لتحقيق ذلك».

وتابعت المصادر، التي رفضت الكشف عن اسمها لعدم التأثير على المداولات الداخلية الجارية في الكونغرس، بالقول: «حان الوقت الآن للقيام بعملٍ جاد. وعلى الجيش اللبناني أن يبرهن على جديته».

وذكّرت المصادر بأن تمويل الجيش الذي يقره الكونغرس يصرف من أموال دافع الضرائب الأميركي، مؤكدة أنه وفي ظل تزايد التدقيق في كيفية إنفاق أموال دافعي الضرائب الأميركيين في عهد ترمب، يريد المشرعون التأكد من أن «كل دولار يُصرف يجب أن يخصص لغايةٍ مجدية».

ترمب خلال خطاب «حالة الاتحاد» في الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

ضغوطات متزايدة على الجيش

جاء ذلك بعدما كانت مواقف مشابهة صدرت على لسان شخصيتين نافدتين في مجلس الشيوخ، هما رئيس لجنة القوات المسلحة، الجمهوري روجر ويكر، الذي قال في منشور على منصة (إكس): «على الكونغرس ألا يدعم الجيش اللبناني ما لم يتحرّك لنزع سلاح (حزب الله) بالكامل وعلى الفور».

واعتبر ويكر أن «مقتل عنصرٍ فرنسي على يد (حزب الله) في جنوب لبنان بعد أيام من موافقة إسرائيل على وقف إطلاق النار، يشكل اختباراً حاسماً للجيش اللبناني»

وبعد يوم من تصريح ويكر، انضم إليه رئيس لجنة العلاقات الخارجية الجمهوري جيم ريش الذي قال: «لقد آن الأوان كي يتخذ الجيش اللبناني خطوات ملموسة لنزع سلاح (حزب الله) بالكامل». ولم يتوقف ريش عند هذا الحد بل تطرق إلى ملف الإصلاحات، مطالباً الحكومة اللبنانية بالإيفاء بوعودها «المؤجلة منذ سنوات بشأن الإصلاح الاقتصادي». وختم بلهجة حاسمة: «لقد انتهى عهد التراخي وخطط الإنقاذ غير المشروط». كلمات واضحة وقاسية، تدل على نفاد صبر المشرعين من الوعود التي قطعتها الدولة اللبنانية بنزع سلاح «حزب الله» من جهة، وفرض إصلاحات اقتصادية من جهة أخرى.

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يتفقّد موقع تفجير منشأة لـ«حزب الله» في الجنوب (أرشيفية - مديرية التوجيه)

موقف قائد الجيش

إلى ذلك، تتزايد الشكوك في واشنطن حول أداء قائد الجيش رودولف هيكل في ملف نزع سلاح الحزب. وفيما تتحفظ غالبية المسؤولين الأميركيين عن الدعوة لإقالته علناً، حرصاً على عدم التدخل في الشؤون الداخلية، فإن السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام ليس من هؤلاء المتحفظين. فقد أعلنها بوضوح هذا الأسبوع في مقابلة مع «فوكس نيوز»؛ إذ قال: «لا أثق بالجيش اللبناني في نزع سلاح (حزب الله). يجب استبدال قائد الجيش الجنرال هيكل قبل أن تكون هناك خطة موثوقة لنزع سلاح الحزب».

وشدد غراهام على أن أي اتفاق سلام في لبنان لن يحصل «ما لم يكن هناك مسار موثوق لنزع سلاح الحزب». وكان هيكل أثار بلبلة في أروقة الكونغرس خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن في فبراير (شباط) الماضي، بعد إلغاء زيارته الأولى إثر تصريحات مثيرة للجدل عن إسرائيل، ولقائه بغراهام. حينها خرج السيناتور الجمهوري المقرب من ترمب غاضباً بسبب رفض هيكل، على حد قوله، الاعتراف بأن «حزب الله» منظمة إرهابية. وقال غراهام: «التقيتُ للتو بشكلٍ مقتضب جداً بقائد الجيش اللبناني، الجنرال رودولف هيكل. سألته بشكلٍ مباشر ما إذا كان يعتبر (حزب الله) منظمة إرهابية. فأجاب: لا، ليس في السياق اللبناني. وعلى إثر ذلك، أنهيتُ الاجتماع».

وتابع غراهام بلهجة غاضبة: «ما دام هذا الموقف قائماً لدى الجيش اللبناني، فلا أعتقد أننا نملك شريكاً موثوقاً به». كلام يتردد وراء أبواب مغلقة في الكونغرس، حيث علمت «الشرق الأوسط» من بعض المشرعين، أن «ما يهم الآن هو نزع سلاح (حزب الله)».

الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل (رئاسة الجمهورية)

المفاوضات المباشرة «إيجابية»

فيما يحذر البعض من هذه الضغوط والدعوات لغياب بدائل للجيش اللبناني، تقول المصادر في الكونغرس لـ«الشرق الأوسط»: «صحيح أنه لا يوجد بديل رائع. لكن هذا لا يعني أنه ينبغي علينا الاستمرار في تقديم المساعدات بشكل أعمى». وتشدد المصادر على ضرورة وضع شروط قاسية للإفراج عن المساعدات.

وبتزامن هذه التحركات التشريعية مع المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، يراقب الكونغرس هذا المسار الإيجابي، على حد تعبير المشرعين الذين أعرب عدد منهم عن تأييدهم الشديد لما يسعى البيت الأبيض لتحقيقه من خلال هذا المسار. ويعترف أعضاء الكونغرس بأن الملف اللبناني معقد، لكن مع التشديد على أن المسار الذي اعتمدته الإدارات السابقة لم ينجح في تحقيق أهدافه، ومن هنا ضرورة النظر في تغيير النهج المعتمد سابقاً.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة افتتاح الجولة الأولى من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل (غيتي)

دور للقيادة المركزية

ومما يسترعي الاهتمام، أن إعلان الرئيس الأميركي عن عودة لبنان إلى أجندة الاستراتيجيات الأميركية ونيته «جعل لبنان عظيماً مجدداً»، ترافق مع تكليف وزير الخارجية ماركو روبيو ونائبه جي دي فانس وقائد القيادة الوسطى دان كاين بالعمل مع إسرائيل ولبنان معاً على «تحقيق سلام مستدام». ولعلّ أهم نقطة في هذا التصريح هي تكليف كاين، فيما اعتبره البعض دليلاً على أن القيادة العسكرية الأميركية سوف تكون منخرطة بشكل مختلف هذه المرة في دعم الجيش اللبناني.

وهذا ما تحدث عنه السفير الأميركي السابق إلى لبنان دايفيد هايل الذي قال إن «أحد الدروس التي تعلمتها أميركا من العام الماضي هو أن دور القيادة المركزية الأميركية في مجموعة المراقبة كان محدوداً؛ إذ كانت القوات تراقب فقط».

وأضاف، في ندوة عقدها معهد الشرق الأوسط في واشنطن وحضرتها «الشرق الأوسط»: «نحن بحاجة إلى ما هو أكثر من المراقبة، وهذا لا يعني أننا سنقوم بفرض السيادة اللبنانية، فهذا تناقض بحد ذاته. يجب أن يكون الجيش اللبناني هو الجهة المنفذة، لكن يمكننا أن نكون أكثر انخراطاً، ليس فقط من خلال التجهيز وتقديم المساعدات، بل أيضاً عبر تقديم المشورة وتوفير المعلومات الاستخباراتية بشكل أكثر نشاطاً». وأعطى هايل مثالاً على ذلك فقال: «لو كان هناك ضابط أميركي برتبة رائد أو نقيب داخل المكاتب، فإن أصدقاء لبنان داخل الجيش الذين لا ينتمون إلى ما يُعرف بـ(الدولة العميقة) سيشعرون بالتمكين، وسيشعرون بأن لديهم دعماً حقيقياً؛ لأن العلاقة على مستوى الأفراد بين الجيش الأميركي والجيش اللبناني ممتازة. وهذا النوع من الحضور يمكن أن يمنح اللبنانيين الثقة والدافع للقيام بمهامهم».

إصلاحات وعقوبات

ليست مسألة الجيش اللبناني القضية الوحيدة على رادار المشرعين الأميركيين؛ فضرورة فرض الإصلاحات الاقتصادية تتصدر المطالب في واشنطن، وهذا ما أشار إليه السيناتور ريش بوضوح عندما دعا الدولة اللبنانية إلى الإيفاء بوعودها المؤجلة منذ سنوات بشأن الإصلاح الاقتصادي.

وعن ذلك فسرت المصادر خلفية التصريحات لـ«الشرق الأوسط»، فاعتبرت أن «فشل الدولة اللبنانية في إحراز تقدم فعلي في الإصلاحات المصرفية يخلق منفذاً كبيراً يسمح لـ(حزب الله) بالحفاظ على نفوذه»، وتشدد على ضرورة أن تمضي الدولة قدماً «في الإصلاحات التي لا يبدو أنهم مستعدون لتنفيذها». وتضيف: «نحن أمام حلقة مفرغة. وإذا كانت الطبقة السياسية اللبنانية غير مستعدة لتحمّل المسؤولية وترجمة أقوالها إلى أفعال، فلماذا نستمر في إنقاذها؟ أعتقد أنهم يعرفون تماماً ما المطلوب منهم، لكنهم ببساطة لا يبدون استعداداً للقيام به».

وعلمت «الشرق الأوسط» أن تركيز أعضاء الكونغرس البارزين ينصبّ على دور رئيس مجلس النواب نبيه بري، فهم يراقبون خطواته لمعرفة مدى تجاوبه مع المطالب الأميركية. وأكدت المصادر أن برّي «يدرك موقف الحكومة الأميركية»، مضيفة إن كان هناك الكثير من الحديث على مرّ السنوات عن فرض عقوبات على الذين يعرقلون الإصلاحات. لذلك، «لن نستغرب رؤية خطوات في هذا الاتجاه في حال عدم التجاوب».

جنود من الجيش اللبناني ينتشرون في موقع غارة جوية إسرائيلية في بيروت (أ.ب)

تمويل الجيش زمنياً

فيما تعمل لجان الكونغرس بشكل حثيث على تحديد أولويات التمويل في موازنات الدفاع، يعمل بعض المشرعين على تجسيد مواقفهم في تعديلات تتم إضافتها على مشاريع القوانين النهائية التي سيقرها المجلس التشريعي.

ومنذ عام 2006، قدّمت الولايات المتحدة أكثر من 2.5 مليار دولار من المساعدات العسكرية إلى الجيش اللبناني، بهدف تعزيز أمن الحدود، ومكافحة الإرهاب، ودعم الجيش بوصفه مؤسسة تابعة للدولة. وتشمل المساعدات في عهد ترمب الثاني أكثر من 117 مليون دولار أُعلن عنها في يناير (كانون الثاني) 2025، تهدف إلى دعم الجيش اللبناني في الحفاظ على وقف إطلاق النار مع إسرائيل وتنفيذ قرار مجلس الأمن 1701.

كذلك وافقت الإدارة في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 على تقديم 230 مليون دولار لقوات الأمن اللبنانية، منها 190 مليون دولار للجيش اللبناني، و40 مليون دولار لقوى الأمن الداخلي. وذلك بعد حزمة أمنية منفصلة بقيمة 14.2 مليون دولار أعلنت عنها وزارة الحرب الأميركية في 10 سبتمبر (أيلول)، وشملت معدات تهدف إلى «تعزيز قدرات الجيش اللبناني على تفكيك مخازن الأسلحة والبنى التحتية العسكرية للجماعات غير الحكومية، بما في ذلك وكيل إيران الإرهابي (حزب الله)»، بحسب بيان صادر عن الوزارة.


«داعش» يغيّر أولوياته ويسعى لرفع «تكلفة الحكم» في سوريا

TT

«داعش» يغيّر أولوياته ويسعى لرفع «تكلفة الحكم» في سوريا

صورة مقاتل من «داعش» وزعتها وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم، في الباغوز السورية في 2019 (أ.ب)
صورة مقاتل من «داعش» وزعتها وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم، في الباغوز السورية في 2019 (أ.ب)

انتقلت سوريا منذ مطلع العام الحالي من مرحلة الاضطرابات الداخلية، سواء في الشمال الشرقي أو مناطق الساحل والجنوب، إلى مرحلة هدوء نسبي ومحاولات فرض هيكلية أمنية وسياسية جديدة تجسدت ملامحها بشكل أساسي في الملف الأمني والاتفاق مع تنظيم «قسد». لكن هذه التحولات وضعتها أمام سباق غير معلن مع تنظيم «داعش» في أكثر من حاضنة اجتماعية وبقعة جغرافية على امتداد سوريا. فقد برز تنظيم «داعش» أخيراً كعامل عدم استقرار يسعى لاستعادة موطئ قدم له عبر استغلال حالة عدم السيطرة الأمنية بشكل كامل، كما أنه لا يزال يجد بيئة آيديولوجية وميدانية يسعى لاستغلالها عبر خطاب هجومي وعمليات أمنية مركزة زادت حدتها منذ منتصف فبراير (شباط) الماضي، وتراجعت إلى حد ما في الأسبوع الأول من مارس (آذار)، ثم عادت ونشطت أخيراً.

وتُعد منطقة الجزيرة السورية، الممتدة بين دير الزور والرقة والحسكة، الساحة الرئيسية لاختبار قدرات التنظيم في 2026. إن سيطرة دمشق على مناطق شرق الفرات، في نهاية يناير (كانون الثاني) عقب إعادة تموضع القوات الأميركية ثم انسحابها كلياً، وقبلها انسحاب قوات «قسد» إلى مناطق أخرى، خلقت واقعاً أمنياً جديداً يحاول التنظيم توظيفه لصالحه.

سيدة تعبر بمنطقة مدمرة وسط مدينة الرقة التي كانت تحت سلطة تنظيم «داعش» (أرشيفية- أ.ف.ب)

وأدى الانسحاب الأميركي أو إعادة التموضع في بعض القواعد بشرق سوريا في قاعدتي خراب الجير ورميلان إلى حالة من «الارتباك العملياتي» المؤقت في خطوط السيطرة.

وأشارت تقارير نُشرت في مجلة «النبأ» الأسبوعية الصادرة عن التنظيم، إلى تصعيد في الهجمات التي استهدفت نقاطاً وحواجز أمنية حكومية، حيث تنوعت بين العبوات الناسفة والهجمات المسلحة المباشرة. وكان التنظيم نفّذ نحو 22 هجوماً في مختلف مناطق سوريا خلال شهر مارس 2026 وحده، مستهدفاً مواقع عسكرية ومدنيين.

قدرة الوصول لأهداف نوعية

يُعد الهجوم على عناصر الفرقة 86 التابعة لوزارة الدفاع في دير الزور وعلى نقاط تمركز وتحصينات للفرقة بالقرب من منطقة البانوراما عند المدخل الجنوبي للمدينة، مؤشراً على قدرة التنظيم على الوصول إلى أهداف عسكرية نوعية في عمق مناطق السيطرة الحكومية أو مهاجمة البنية التحتية. فقد تحول التنظيم بالكامل إلى أسلوب حرب العصابات، حيث تعمل مجموعات صغيرة متنقلة في المناطق الصحراوية الممتدة، مستغلة الطبيعة الجغرافية التي لا تزال توفر ملاذاً آمناً نسبياً لعناصر وقيادات التنظيم رغم كثافة الغارات الأميركية على مواقع في تلك المناطق.

قطيع من الماشية أمام قافلة من الآليات العسكرية الأميركية التي المنسحبة من سوريا على طريق دمشق- عمّان في 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ويمثل الخطاب الإعلامي لتنظيم «داعش» الذي بثته مؤسسة «الفرقان» لـ«أبو حذيفة الأنصاري»، يوم الخميس 5 فبراير 2026، محاولته لإعادة تعريف نفسه كقوة «مقاومة شرعية وحيدة» في مواجهة النظام السياسي الجديد. ومن خلال تصريحات الأنصاري وما نشرته مجلة «النبأ»، في العدد 531 الصادر يوم الخميس 12 فبراير، يظهر أن التنظيم انتقل من سياسة «الترقب والمراقبة» إلى «الهجوم الفكري الشامل» من خلال توظيف الخطاب الديني.

وكان المتحدث باسم التنظيم أعلن عن بدء «مرحلة جديدة من العمليات» تستهدف بشكل مباشر بنية الحكم في دمشق، ما يوحي بتحول التنظيم من حرب الدفاع عن الجيوب الصحراوية إلى حرب استنزاف في جغرافية المدن والمراكز السيادية. وركزت مجلة «النبأ» في أعدادها الأخيرة على مهاجمة حكومة دمشق الجديدة، واصفة إياها بأنها «نسخة محدثة من الردة»، مع تركيز خاص على شخص الرئيس السوري أحمد الشرع الذي لا تزال المجلة تعرّفه باسمه الحركي السابق أبو محمد الجولاني.

التشكيك في الكفاءة العسكرية

يرى التنظيم في تحول الشرع من قائد فصيل جهادي إلى رجل دولة في دمشق «الخيانة العظمى» للمشروع «الجهادي» العالمي. في محاولة لاستقطاب العناصر التي لا تزال تلتزم منهج «السلفية الجهادية» داخل «هيئة تحرير الشام» والفصائل الأخرى التي تشعر بالإحباط من سياسات الاحتواء والدمج في «الجيش السوري الجديد»، أو «التساهل» مع ضباط ومسؤولي النظام السابق المسؤولين عن انتهاكات طالت السوريين خلال فترة الحرب الداخلية، إلى جانب ما يتعلق بـ«المسوغات الشرعية» لانضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة.

عنصر أمن سوري يقف أمام قافلة من الآليات العسكرية الأميركية التي المنسحبة من سوريا على طريق دمشق- عمّان في 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ومن خلال تكثيف عملياته أخيراً، ومنذ النصف الأول من فبراير ثم بدرجة أقل في أوائل مارس، يبدو أن التنظيم يسعى إلى «التشكيك في قدرة الحكومة على فرض الأمن والاستقرار؛ وتجاوز البعد العقائدي إلى التشكيك في الكفاءة العسكرية للقوات الحكومية الحديثة التشكيل»، محاولاً فرض رؤية جديدة تفيد بأن «وجود الشرع في الحكومة حاجة أميركية لاستمرار الحرب على التنظيم»، زاعماً أنه يمكن أن يكون بديلاً مقبولاً لا يساوم على القيم الإسلامية، مقابل مكاسب سياسية أو رفعه من لائحة التنظيمات الإرهابية أو السعي للاعتراف الدولي مقابل تنازلات في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية.

الرهان على التناقضات

يراهن التنظيم على «التناقضات الاجتماعية» التي قد تنتج عن عودة سلطة دمشق إلى مناطق كانت لسنوات تحت إدارة ذاتية أو نفوذ دولي كما كان الحال في شمال شرق سوريا تحت حكم «قسد»، وعموم الشمال السوري الذي خضع لسنوات لسيطرة فصائل الجيش الوطني الحليف لتركيا. ويستغل «داعش» المخاوف العشائرية من السياسات المركزية، محاولاً تقديم نفسه كـ«ملاذ» أو «حليف سري» ضد التجاوزات الأمنية المفترضة. كما أن انشغال الدولة السورية بتتبع «فلول النظام البائد» والميليشيات المعارضة في الساحل والسويداء يمنح التنظيم مساحة أكبر للحركة في الشرق. ورغم انحسار سيطرته الجغرافية، لا يزال «داعش» يمتلك القدرة على «البقاء» التي تعتمد على المرونة الهيكلية والقدرة على التجنيد رغم تراجع مستوياتها، إلى جانب أن التنظيم لا يزال يملك ما يكفي من القدرات المالية لإدامة زخم استمراريته.

عناصر من قوات الأمن السورية عند بوابة مخيم «الهول» الذي يضم عائلات عناصر من «داعش» شمال شرقي سوريا يوم 21 يناير 2026 (إ.ب.أ)

وتتمثل نقاط قوة التنظيم في اللامركزية المطلقة حيث مُنحت للولايات الفرعية بعد انكفاء دور القيادة المركزية المتمثلة في اللجنة المفوضة وإدارة الولايات البعيدة بعد مقتل «خليفة» التنظيم الرابع أبو الحسين الحسيني الهاشمي، ما يسمح لها بالتجنيد والتنفيذ دون الحاجة لانتظار أوامر مركزية قد تتعرض للاعتراض الاستخباراتي. كذلك نجح التنظيم في إعادة إنشاء «مضافات مصغرة» وقواعد دعم في مناطق وعرة في صحراء حمص تعرض عدد منها لغارات أميركية خلال هذا العام؛ أبرزها سلسلة الغارات على جبل العمور شمال غرب تدمر أواخر يناير، ما يجعل تطهيرها بالكامل يتطلب جهداً عسكرياً يفوق قدرات الدوريات العادية.

وأعلنت الولايات المتحدة تنفيذ 10 غارات جوية بين 3 و12 فبراير، استهدفت أكثر من 30 هدفاً في أنحاء سوريا، كان لمحافظة حمص نصيب كبير منها، خاصة في بادية السخنة ومحيط حقول الغاز بريف حمص الشرقي، وهو ما يعيد طرح تساؤلات ومخاوف الآن بعد الانسحاب الأميركي الأخير.

التجنيد في المخيمات

يركز «داعش» حالياً على استقطاب «الجيل الجديد» من المراهقين والشباب الذين نشأوا في مخيمات النزوح أو في ظروف اقتصادية منهارة. يعتمد هذا التجنيد على استخدام منصات مشفرة وتطبيقات حديثة للوصول إلى الشباب بعيداً عن أعين الرقابة الأمنية. إضافة إلى استغلال الخطاب الطائفي والسياسي لتعزيز شعور المجتمعات «السنية» بالتهميش في ظل التوازنات الجديدة بدمشق.

في المقابل، يواجه التنظيم تحديات وجودية تتمثل في التنسيق العسكري غير المسبوق بين الحكومة السورية والتحالف الدولي. إن انضمام دمشق لجهود مكافحة الإرهاب الدولية قد حرم التنظيم من ميزة «اللعب على التناقضات» بين القوى الدولية. كما أن الجغرافيا الصحراوية لم تعد عامل دعم كما في السابق بسبب التطور الهائل في تقنيات الرصد الحراري والطائرات المسيّرة التي تتبعها القوات الحكومية والتحالف.

لكن التنظيم يراهن على فشل الحكومة في تحقيق الاستقرار الاقتصادي أو نيل الاعتراف الشعبي الكامل في المناطق التي كانت تسيطر عليها فصائل أخرى. واجتماعياً، يحاول «داعش» العبث بالنسيج العشائري في دير الزور، مستغلاً حوادث مثل اعتقال قادة محليين مرتبطين بالنظام السابق أو النزاعات على الموارد النفطية في محافظة دير الزور لتعزيز حالة الفوضى التي تسمح له بالتمدد.

نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)

تغير ميزان «المبادرة الميدانية»

منذ حملة «التطهير الأمني» التي أعلنتها وزارة الداخلية السورية أواخر فبراير بالتنسيق مع وحدات من الجيش السوري، تغيّر ميزان المبادرة الميدانية بشكل ملحوظ. شملت الحملة عمليات تمشيط واسعة في ريف حماة الشرقي والبادية الوسطى، إضافة إلى مداهمات في محيط حلب والساحل السوري. خلال الأسبوع الأول من مارس، أعلنت الأجهزة الأمنية إحباط عملية كبرى كانت تستهدف مواقع عسكرية داخل مدينة حلب، وتفكيك ثلاث خلايا نائمة في مناطق الساحل وريف حمص. هذه الضربات أضعفت شبكة الدعم الداخلي للتنظيم وأربكت قنوات الاتصال بين مراكزه الميدانية والقيادات العليا.

ومع حلول منتصف مارس، بدأت تظهر مؤشرات «الانحسار العملياتي» بوضوح؛ إذ تراجعت الهجمات إلى مستويات لم تُسجّل منذ أواخر عام 2024. في تلك المرحلة، رصدت المصادر الميدانية انتقال بعض المجموعات الصغيرة نحو المناطق الريفية على أطراف الرقة ودير الزور، في محاولة لإعادة التموضع بعيداً عن الضغط الأمني المتصاعد. في المقابل، تكشف تقارير محلية عن لجوء عدد من عناصر التنظيم إلى طلب «تسويات» مع السلطات السورية تحت ضغط نقص التمويل وشح الموارد الغذائية والطبية داخل الجيوب المتبقية.

الأمن السوري يقتحم منزل أحد المتورطين في خلية «داعش» في قرية السفيرة شرق حلب (الداخلية السورية)

البحث عن «بيئة حاضنة»

ويشير الباحث زين العابدين العكيدي، وهو من أبناء مناطق شرق الفرات، إلى أن «(داعش) كان يستغل سابقاً تذمّر العشائر العربية من (قسد)، لكن اليوم المناطق التي بقيت تحت سيطرة (قسد) بعد الاتفاق الأخير هي مناطق كردية بالكامل تقريباً، وبالتالي لن تكون أرضية مناسبة لنشاط التنظيم»، وهو ما يفسر انتقاله للعمل في مواقع أخرى.

ويؤكد العكيدي أن هناك إقبالاً ملحوظاً على الانضمام إلى صفوف التنظيم، واصفاً ذلك بالأمر الخطير، رغم امتلاك الحكومة السورية خبرة سابقة في تتبع خلايا «داعش».

ويضيف أن «إقفال ملف مخيم الهول، الذي يضم عائلات التنظيم، إلى جانب سيطرة الحكومة على شرق الفرات، قد يعيق تأثير دعاية (داعش) في التحريض على قتال الدولة لتجنيد المتعاطفين معه».

لكنه يشدّد على أن وضع الجزيرة السورية «صعب جداً من الناحية الأمنية، مع صعوبة العيش، وسوء الخدمات، وانتشار تجارة المخدرات، وكلها هوامش يلعب عليها التنظيم».

ويكشف العكيدي أن جهات مقرّبة من «داعش» ذكرت أن إنهاء ملف مخيم الهول «مشروط بتوقف هجمات التنظيم ضد الحكومة السورية».

أما العقيد في الجيش السوري محمد العامر، فقال لـ«الشرق الأوسط» إن هناك «واجهات عشائرية» في شرق سوريا لديها صلات مع التنظيم، وعملت «كوسيط بين القوات السورية وبعض العناصر لإقناعهم بترك التنظيم بعد إخضاعهم لمراجعات فكرية».

وأوضح أن بعض هؤلاء وُضعوا في السجون، فيما يخضع آخرون للمراقبة، وقال: «نستخدم كل الطرق لإنهاء وجود (داعش) في سوريا، ولا سيما عبر العمل الأمني والاستخباراتي، وضرب خلايا التنظيم وتفكيكها».

قدرة إزعاج ورفع تكلفة الحكم

ويبدو أنه مهما بذلت السلطات من جهود فإن قدرة «داعش» على «إزعاج» دمشق، ولو بالحد الأدنى، ستظل قائمة. ولا يطمح التنظيم حالياً للسيطرة على الأرض كما في السابق، بقدر ما يطمح لجعل تكلفة الحكم باهظة سياسياً وأمنياً. وقد يكون التنظيم في واقعه غير قادر على فرض السيطرة على قرى أو مدن أو حتى الدخول في اشتباكات واسعة مع القوات الأمنية.

اعتقال عنصر من «داعش» من قوى الأمن في البوكمال شرق دير الزور (أرشيفية - الداخلية السورية)

واللافت أن الهجمات المحدودة التي نُفّذت خلال الأسبوع الأخير من مارس، جاءت أقرب إلى الأسلوب الدفاعي أكثر من الهجومي؛ إذ تميزت باستهداف دوريات صغيرة أو نقاط مهجورة في أطراف البادية، ما يعكس تراجع القدرة التنظيمية على التخطيط المتماسك. هذا التحول يشير إلى أن التنظيم بات يركّز على الحفاظ على الوجود الرمزي أكثر من السعي وراء مكاسب ميدانية ملموسة.

الاختباء وإعادة البناء

وحتى الخامس من أبريل (نيسان) الحالي، تشير المعطيات إلى أن التنظيم دخل في مرحلة «الكمون»، المتمثلة في الانسحاب الجزئي من خطوط المواجهة، وإعادة ترتيب القيادة وتقييم الخيارات المستقبلية. ويُحتمل أن تكون هذه المرحلة تمهيداً لسياسة يمكن تسميتها «الاختباء وإعادة البناء»، ويعتمدها التنظيم عادةً عقب خسائر كبيرة، كما في العراق عام 2007، ريثما يجد ثغرات جديدة في المنظومة الأمنية.

ويرى مراقبون أن استمرار تراجع المستوى المعيشي وارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية والخدمات الأساسية، قد يعزز من إمكانية استغلال التنظيم هذا الواقع لمزيد من التجنيد في صفوفه. لكن نجاح حكومة دمشق في بناء «جيش وطني» موحد ودمج الفصائل وحصر السلاح بيد الدولة والسيطرة عليه قد يسحب البساط من تحت أقدام التنظيم، خاصة إذا ترافق ذلك مع استقرار معيشي في مناطق شرق الفرات والجزيرة. فلا شك أن تنظيم «داعش» فقد في 2026 «هالة التمكين» لكنه لم يفقد «إرادة القتال»، وليس هجومه على الرئيس السوري وحكومة دمشق إلا اعترافاً ضمنياً بخطر الدولة الجديدة على وجوده.

اختبار مزدوج

وفي المحصلة، يبدو أن الانخفاض النسبي في نشاط التنظيم لا يمكن تفسيره بعامل واحد فقط، بل هو نتاج تراكمي لجملة من المتغيرات الأمنية والميدانية والاقتصادية التي تقاطعت لترسم ملامح مرحلة جديدة من الصراع. فالحملة المكثفة التي شنتها القوى الأمنية السورية أحدثت خللاً أكيداً في بنية التنظيم الداخلية، وأجبرته على الانسحاب الجزئي من بعض مناطق نفوذه، لكن هذا الانسحاب لا يُقاس فقط بضعف القدرة الهجومية، بل أيضاً بظهور مؤشرات على إعادة الترتيب الداخلي، وتراجع الاعتماد على أسلوب الهجمات التقليدية المباشرة.

في المقابل، تشير بعض المؤشرات الميدانية إلى أن التنظيم لم يفقد تماماً قدرته على التكيّف؛ إذ لا تزال خلاياه الصغيرة نشطة في أطراف البادية ومناطق التماس بين دير الزور والرقة. مثل هذه المؤشرات قد توحي بأن المرحلة الحالية تمثل انتقالاً مؤقتاً يعيد من خلاله تقييم خياراته وتوجيه جهوده لإعادة بناء شبكاته الداخلية بعيداً عن الملاحقة المباشرة.

عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب - أرشيفية)

فالتجارب السابقة تُظهر أن «داعش» اعتاد استغلال فترات الانكماش لإعادة التموضع والاستفادة من أي اضطرابات أمنية أو سياسية، كما أن الظروف الإقليمية المحيطة قد تتيح له إعادة فتح خطوط الإمداد أو التواصل مع مجموعات فرعية تسهّل استعادة النشاط تدريجياً.

ضمن هذا الإطار، تبدو المرحلة المقبلة اختباراً حقيقياً لقدرة الأجهزة الأمنية السورية على الحفاظ على المكاسب الميدانية التي حققتها منذ فبراير الماضي، ومن جهة أخرى اختباراً لقدرة التنظيم نفسه على الصمود أمام الضغوط المتعددة التي يتعرض لها. فإمّا أن يواصل حالة الكمون ويتحول تدريجياً إلى كيان هامشي محدود التأثير، أو أن يُعيد الظهور بشكل متقطع عبر عمليات نوعية صغيرة تهدف لإعادة إثبات الحضور دون الدخول في مواجهة مفتوحة.

وفي كلتا الحالتين، تشير المعطيات الحالية إلى أن الأشهر القادمة ستشكّل مرحلة مفصلية في رسم طبيعة التهديد الأمني في شمال ووسط سوريا، بما يحدد ملامح المواجهة القادمة بين الدولة والتنظيم.


إعادة هيكلة القطاع الوظيفي في سوريا تدفع عائلات تحت خط الفقر

سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
TT

إعادة هيكلة القطاع الوظيفي في سوريا تدفع عائلات تحت خط الفقر

سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)

منذ تغيّر النظام في سوريا قبل أقل من عامين تقريباً والسلطات الجديدة تعمل على إعادة هيكلة تركة «القطاع الوظيفي» الثقيلة، التي ورثتها من النظام السابق، لكن يبدو أنها لا تمتلك حتى الآن خطة واضحة لذلك.

وتجد الحكومة الحالية نفسها في مواجهة تركيبة معقدة من «فائض موظفين» كبير، يتكون من شريحتين؛ الأولى «هشة فقيرة» شكلت الوظيفة الحكومية بالنسبة إليها ضماناً لمصدر العيش، واستغلها النظام السابق لكسب الولاء، والثانية فرضتها رؤوس الفساد لاعتبارات متعددة سياسية وطائفية وأمنية، إضافة إلى الكسب المادي بطبيعة الحال.

وفي سياق محاولات الحكومة الحالية لإصلاح القطاع الوظيفي، أصدرت الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية في أغسطس (آب) 2025 القرار رقم «2533» بعدم تجديد العقود السنوية للموظفين «المؤقتين»، في حال انتهاء مدتها أياً كان نوعها إلا في ضوء الحاجة الماسّة، وبموافقتها حصراً، وذلك بعد أن كانت تُجدد تلقائياً.

من تظاهرة "القانون والكرامة" المطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)

مع البدء بتنفيذ القرار مطلع عام 2026، وجد عشرات آلاف العاملين أنفسهم خارج الوظيفة، وبالتالي من دون أي دخل. ويتنوع هؤلاء بين أشخاص عاديين باحثين عن عمل وأُجبروا على دفع رشى لمسؤولين وأصحاب نفوذ لتوظيفهم، بحكم أن ذلك كان الوسيلة شبه الوحيدة المتاحة لتأمين الرزق، وبين عشرات الآلاف من الموالين للنظام السابق الذين تم توظيفهم خدمة له، يضاف إليهم أعداد بالآلاف أيضاً خلال سنوات الحرب نتيجة توظيف ذوي من قضوا في القتال إلى جانب النظام كمكافأة لهم.

وتشير تقديرات رسمية إلى أن عدد العاملين في القطاع العام يتراوح حالياً بين 1.2 و1.4 مليون موظف، من دون أن تذكر أعداداً واضحة لمن يعملون بعقود سنوية والدائمين، لكن مصادر غير رسمية تتحدث عن أن عددهم يقدر بعشرات الآلاف ليس أكثر.

استياء وترقب

منذ تطبيق القرار «2533» بات يسود في المحافظات موقف شعبي يمكن وصفه بـ«الهجين»؛ إذ يجمع بين استمرار «التأييد» للقيادة والسلطات الجديدة، وبين حالة «استياء» تم التعبير عنها باحتجاجات واعتصامات وإضرابات عن العمل، بسبب إنهاء تجديد عقود موظفين، وتدني الرواتب عموماً وسط أزمة اقتصادية خانقة.

وزاد من حالة الاستياء العام استمرار الارتفاع الهستيري لعموم الأسعار، وأجور الخدمات الأساسية من كهرباء، وإنترنت، ومواصلات، ووصول الحال بأعداد كثيرة من الأسر إلى انعدام القدرة على التحمل، إضافة إلى تزايد نسبة البطالة، في حين حذرت تقارير أممية من أن أكثر من 90 في المائة من سكان سوريا يعيشون تحت خط الفقر.

سكان مناطق مدمرة تنتظر الإعمار في دير الزور السورية (أ.ب)

وفي ما اعتُبر خطوة إسعافية، ومحاولة لامتصاص حالة الاستياء في الأوساط الشعبية التي طالما تطلعت إلى تحسين أوضاعها المعيشية بعد التغيير، عمّمت الحكومة منذ فترة، بحسب مصادر حكومية لـ«الشرق الأوسط»، قراراً على هيئات ومؤسسات عامة ينص على «تمديد عقود عمل الموظفين السنوية ثلاثة أشهر»، من بينها «الهيئة العامة للبحوث العلمية والزراعية في سوريا».

وجاء القرار بعدما تبلّغ قبل نحو شهرين «846 موظفاً وموظفة في (الهيئة) يعملون بعقود سنوية (مؤقتة)، بالتوقف عن العمل»، بموجب القرار «2533».

ووفق معلومات «الشرق الأوسط»، يتوزع هؤلاء على 308 من العاملين والعاملات في مركز «الهيئة» بمحافظة اللاذقية (غرباً)، و185 في طرطوس (غرباً)، و204 في الغاب (ريف حماة)، و60 في حمص (وسطاً)، و65 في مركز القنيطرة (جنوباً)، و13 في ريف دمشق، و8 في «إدارة بحوث القطن»، إضافة إلى 6 في حماة.

مستقبل غامض

تحدثت «الشرق الأوسط» مع موظفة تبلّغت قرار طردها من «الهيئة العامة للبحوث» حيث تعمل منذ خمس سنوات، فقالت: «لم يبدد قرار التمديد حالة القلق اليومي بسبب عدم وضوح الأفق، والخوف من فقدان مصدر العيش».

وتتساءل السيدة التي فضّلت عدم الكشف عن اسمها، والتي تعيش مع ابنة وحيدة لها، خلال حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «ماذا سيحدث بعد انتهاء فترة التمديد؟ هل سينهون عملنا أو سيثبتوننا؟ هل سنُمنح تعويضات؟ للأسف لا أحد يجيبنا، ونحن أمام مستقبل غامض!».

طفلان يلهوان في حي تين ترما المدمّر والمحاذي لدمشق مطلع أبريل (أ.ب)

ومع ظهور علامات توتر عليها تقول السيدة: «رغم الاحتجاجات والاعتصامات، ومشهد المشاركين وهم يتحدثون عن مصابهم وكأنهم طيور مذبوحة، مددوا ثلاثة أشهر فقط!»، مشددة على أنه لو «كان هناك حكومة يهمها المواطنون، لوجب تثبيتنا».

ومع ارتفاع الأسعار أخيراً باتت أسرة سورية مؤلفة من ثلاثة أشخاص تحتاج لنحو 500 دولار أميركي شهرياً، في حين لا يتجاوز متوسط راتب الموظف في القطاع العام 170 دولاراً بعد مرسوم الزيادة الأخير.

وعلى الرغم من ذلك، تتمسك أعداد كبيرة من هؤلاء بالوظيفة انطلاقاً من أن «الرمد أفضل من العمى»، على ما يقول المثل الشائع.

وفي مشهد يعكس الحاجة الملحّة وندرة فرص العمل، يظهر على بعد أمتار من لقائنا بالسيدة مخبز تجمع حوله العشرات وهم يحملون كميات من الخبز لإعادة بيعها. وتقول السيدة: «نصف الشعب تحول إلى بائعي خبز، وقسم كبير يعمل في جمع البلاستيك من حاويات القمامة، وبعضهم يبحث فيها عن بقايا طعام».

سوريون في المصرف المركزي بدمشق في ظل التفاؤل برفع الاتحاد الأوروبي جميع عقوباته الاقتصادية المتبقية على سوريا في 2025 (أ.ف.ب)

«فائض موظفين»

يوضح معاون المدير العام لـ«الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية في سوريا»، ملحم العبدالله، أن ما يجري للعاملين المؤقتين في «الهيئة» سببه تركة «فائض الموظفين» التي خلفها النظام السابق، والحكومة الحالية تتحمل تبعاتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، يؤكد العبدالله أن «الهيئة» لديها فائض حقيقي وواضح في مراكز محافظتَي اللاذقية وطرطوس، والغاب، وبعضهم موظف منذ 15 عاماً، وكان يُفترض تثبيتهم بعد مضي خمس سنوات بموجب قانون أصدره النظام السابق.

ويبدي العبدالله تعاطفاً مع هؤلاء الموظفين، ويقول: «للأسف الغالبية العظمى من الطبقة الهشة، ومنهم من ذوي الاحتياجات الخاصة، جرى تعيينهم عن طريق وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل!».

وخلال اعتصامات ووقفات احتجاجية نفذوها ولقاءاتهم مع المسؤولين، تساءل العاملون عن المعايير التي اعتُمدت لاستمرار عدد من الموظفين في عملهم وإنهاء عقود آخرين، وكذلك عن أسباب صدور تعميم قبل قرار التمديد لثلاثة أشهر لمراكز اللاذقية وطرطوس والغاب، نصّ على استمرار كافة العاملين في تلك المراكز في عملهم.

وفي هذا الصدد، غمز عاملون في مراكز أخرى بأن من ضمن أسباب صدور التعميم لمراكز اللاذقية وطرطوس والغاب ربما «تحسّب السلطات» من ضغوط قد تمارسها دول تطالب بـ«حماية الأقليات».

بيد أن العبدالله يؤكد أن ذلك التعميم «ليس له تلك الأبعاد»، وأن المعايير التي تم اعتمادها هي «دراسات أجرتها لجان تم تشكيلها من اختصاصيين في المراكز، واستندت على (التقييم) الخاص بكل عامل، وحاجة كل مركز».

«حكم إعدام للعائلات»

في ظل مخاوف العاملين على مصيرهم، يتحدث العبدالله عن «احتمال إعادة تدوير لهم في ظل النقص في عدد العمال والخبراء والاختصاصيين في كثير من مراكز (الهيئة) الواقعة في المحافظات الشمالية والشرقية».

بالنسبة لموظفة أخرى في «الهيئة» جرى إبلاغها بالالتحاق بالعمل بعد قرار التمديد، فإن «عملية التدوير» هي «أمر ممكن» إذا كان النقل إلى مراكز قريبة، كأن يُنقل الموظف من مركز دمشق إلى مركز بريفها أو إلى القنيطرة، مع توفير وسائل نقل من قبل «الهيئة». ولكن التدوير يكون بمنزلة «تعجيز» إن جرى نقل الموظف من مركز في جنوب البلاد إلى أقصى الشمال أو الشرق؛ لأن «الراتب لن يكفي لإيجار منزل حتى».

حركة المارة في ساحة المرجة وسط دمشق (رويترز)

واللافت أن قرارَي التوقيف والتمديد لم يشملا كافة المتعاقدين؛ فإحدى الموظفات بعقد سنوي في «الإدارة العامة للشؤون المدنية» التابعة لوزارة الداخلية، فُصلت هي و479 آخرون من عملهم في أبريل (نيسان) 2025 بقرار فجائي صادر عن معاون وزير الشؤون المدنية، ولم تتبلّغ الموظفة بتمديد عقدها ثلاثة أشهر. وما زاد من مصيبتها أن قرارات إنهاء العمل شملت زوجها أيضاً العامل في المؤسسة العامة للكهرباء، ما أدى إلى فقدان العائلة كافة مصادر العيش.

«حكم بالإعدام على العائلة»، تصف السيدة ما جرى معها ومع زوجها، لافتة إلى أن زوجها أُصيب على أثر ذلك بـ«جلطة دماغية»، ولا يزال يعاني من تداعياتها الخطيرة.

تحديات الهيكلة الإدارية

تكشف تحديات إعادة الهيكلة التي واجهها الاقتصاد السوري مفارقات جوهرية تهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والنمو المستدام، وفق المستشار الاقتصادي زياد عربش.

ويوضح عربش لـ«الشرق الأوسط» أن «أولى المفارقات تكمن في أن عودة المهجّرين تفترض زيادة الطلب على الخدمات العامة إلى نحو الضعف، خاصة في مجالات التعليم والصحة، الأمر الذي يتطلب توظيف المزيد من الكفاءات رغم وجود (فائض وظيفي) موروث. فهذا يتطلب إعادة تأهيل عوضاً عن الصرف». ويوضح عربش أنه «مع وجود (موظفين أشباح) وقع العبء على الموظفين الحقيقيين الذين استمروا في تقديم الخدمات لأعداد أكبر من المستفيدين، كتأمين التعليم لخمسة ملايين طالب، في حين عمدت وزارات عديدة إلى رفد المؤسسات بعشرات آلاف الموظفين».

المفارقة الثانية، بحسب عربش، أن القطاع العام ليس وحده الذي يحتاج إلى إعادة تأهيل، بل القطاع الخاص أيضاً، ويقول: «بدلاً من التركيز على مزيد من الكفاءة في كلا القطاعين، يتم بيع أصول المؤسسات العامة قبل هيكلتها، لا بل إن تفكيك مؤسسات الدولة ينتهك المبادئ العامة ودور الدولة كضامن للعقد الاجتماعي».

أما المفارقة الثالثة، فهي وجود بطالة مقنّعة، مقابل نقص حاد في الكفاءات الرقمية المطلوبة لآلاف فرص العمل في قطاعات تعتمد بشكل أساسي على التحول الرقمي، و«خصوصاً مع الحديث عن الاستثمارات في السياحة والاتصالات، وبناء المرافق لجذب الرأسمال العربي المهاجر، وهذا كله يتطلب استراتيجية انتقالية تجمع بين الشفافية والتدريب لتحويل المفارقات إلى محركات نمو»، بحسب عربش.

أنيت شماس من الوزارة الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية تزور أحد المراكز الثمانية المنتشرة في أنحاء سوريا للتدريب على المهارات ودعم سبل العيش (الأمم المتحدة)

ويستبعد عربش أن تتخلى الحكومة تماماً عن هؤلاء الموظفين المتعاقدين، لكنها تواجه تحدياً حقيقياً. ويقول: «صحيح أن النظام السابق ترك إرثاً مشيناً بعد عقود مما يسمى إصلاح القطاع العام (والذي لم يكن إلا غطاء لنهبه)، وواجهت السلطة الجديدة اليوم (موظفين أشباحاً) مسجلين على سجلات الرواتب دون وجودهم، لا بل إن البعض كان له عدة رواتب في عدة مؤسسات للدولة... لكن التعميم غير مبرر، ففي اليوم التالي للتحرير استمرت المؤسسات في تقديم الخدمات دون انقطاع للمياه أو الكهرباء، وتابع ملايين الطلاب دراستهم».

تباينات الرواتب

المعاناة والقلق لا يقتصران على الموظفين الحكوميين المتعاقدين، بل يطولان «المثبتين» الذين استمروا في أداء عملهم في الوزارات والمؤسسات الحكومية خلال السنوات الماضية.

وتتمثل معاناة هؤلاء، وفق عدد منهم، في وجود فروقات كبيرة بين رواتبهم الشهرية، ورواتب موظفين قدموا من الشمال السوري والمهاجر.

موظف في مؤسسة حكومية بدمشق، مضى على عمله أكثر من 20 عاماً، لا يتجاوز راتبه الشهري حالياً 170 دولاراً، يؤكد أن زملاء جدداً له في نفس المكتب قدموا من الشمال حيث عملوا في «حكومة الإنقاذ» التي كانت تتبع «هيئة تحرير الشام»، يتقاضون نحو 500 دولار، في حين تصل مرتبات رؤساء أقسام لنحو 1000 دولار، والمديرون الجدد الذين قدموا من تركيا يتقاضون أكثر من 3000 دولار.

ويقول الموظف الذي فضّل عدم ذكر اسمه واسم المؤسسة، إن الأمر يتسبب في «غصة كبيرة له وللآلاف من زملائه، ويشعرهم باستمرار فقدان العدالة».

ويوضح مصدر حكومي حالي في دمشق، كان موظفاً لدى «حكومة الإنقاذ» في الشمال السوري قبل التحرير، أن الأخيرة كان لديها سلم رواتب وفق قانون العاملين رقم «53»، وهو مماثل لقانون العاملين رقم «50» المعمول به في مناطق سيطرة النظام السابق.

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويذكر المصدر لـ«الشرق الأوسط» أن «رواتب (الإنقاذ) في تلك الفترة كانت تبدأ من 125 دولاراً وتصل إلى 500 دولار، كما كان يوجد رواتب أعلى، وهذا التفاوت موجود حتى وفق القانون رقم (50)».

ويرى المصدر أن هذا التفاوت في الرواتب أمر طبيعي في هذه المرحلة الانتقالية، وسيتم معالجته تدريجياً مع صدور «قانون الخدمة المدنية الجديد» بعد انطلاق عمل مجلس الشعب.

ووفقاً للمصدر، فإن «عملية الدمج بين الكيانات الموجودة في الدولة معقدة، وقد تستغرق وقتاً طويلاً؛ لأن حكومة النظام السابق كانت تعمل وفق القانون (50)، و(الإنقاذ) وفق القانون (53)، و(الإدارة الذاتية) الكردية وفق قانون خاص بها».

حلول عملية

المستشار الاقتصادي عربش، وخلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، قال إن مسألة وجود فارق في رواتب موظفين في مرتبة واحدة «تهدد العقد الاجتماعي وتفاقم المفارقات الثلاث السابقة».

ويوضح أن «وجود رواتب منخفضة (مثل 200-300 دولار) مقابل 500-700 دولار لبعض الموظفين الجدد يولّد توتراً، ويقوّض الاستمرارية المؤسساتية؛ ولذلك يُفترض أن تجعل الحكومة هذه القضية أولوية لتعزيز الوحدة الوطنية، مدعومة بضغط دولي واستثمارات».

وفي رأيه، فإن معالجة مشكلة الفارق في رواتب الموظفين تتطلب «نهجاً تدريجياً، مع التركيز على الشفافية والكفاءة».

ويذكر عربش أن النهج التدريجي للمعالجة يتضمن عدة طرق، هي «توحيد جداول الرواتب بصيغة موحدة بناءً على الخبرة والموقع، مع زيادة تدريجية للمثبتين (20 في المائة سنوياً لثلاث سنوات مثلاً)، ممولة بإيرادات الاستثمارات في قطاعات الطاقة والفوسفات والسياحة».

قوات الأمن في مواجهة محتجين يطالبون بتحسين الأوضاع المعيشية في دمشق في 17 أبريل (أ.ب)

ويمكن معالجة الأمر من خلال حوافز أداء، كربط نسبة من الراتب بمؤشرات واضحة، ما يحفز الكفاءة، وكذلك من خلال تعويض انتقالي بتقديم منح للمثبتين في أكثر المناطق فقراً لسد الفجوة، وبرامج تدريب مشتركة لتبادل الخبرات.

وأيضاً «يمكن معالجة الأمر من خلال رصد رقمي، كاعتماد تطبيق (حقيبة الراتب الشفاف) لمراقبة الفوارق، وهو مستوحى من نموذج نفذته السعودية سابقاً».

وهذه الطرق، بحسب عربش، تحوّل الفائض الوظيفي قوة في الموارد البشرية، مع تقاطع هيكلة القطاع الخاص باعتماد مسارات النهوض التكنولوجي والمؤسساتي؛ بمعنى أن تتحول عدة موارد إلى كفاءات رقمية للاستثمارات. لكن إلى أن تتم هذه العملية وغيرها، أو أن توضع خطط بديلة للتعامل مع تحديات الإدارة العامة والأعباء الاقتصادية للأسر السورية، يبقى أن عدداً لا يستهان به من المعيلين والمعيلات فقدوا مصدر دخلهم الوحيد، وزادوا هوامش الفقر الممتدة كل يوم.