بن دايل: نعمل على أن يكون الاستثمار في الثقافة السعودية جاذباً ومربحاً

الرئيس التنفيذي لصندوق التنمية الثقافية يقول إن القطاع غني بالفرص الاستثمارية

محمد بن عبد الرحمن بن دايل
محمد بن عبد الرحمن بن دايل
TT

بن دايل: نعمل على أن يكون الاستثمار في الثقافة السعودية جاذباً ومربحاً

محمد بن عبد الرحمن بن دايل
محمد بن عبد الرحمن بن دايل

أكد محمد بن عبد الرحمن بن دايل، الرئيس التنفيذي لصندوق التنمية الثقافية في السعودية، أن الصندوق الذي تمّ تأسيسه برأسمال يبلغ نصف مليار ريال (نحو 133.32 مليون دولار) سيعمل على دعم التنمية الثقافية، واستدامتها عبر تخصيص تمويل مستدام من القطاعين العام والخاص بآليات تمويل مثلى لدعم المشاريع الثقافية وضمان نجاحها.
واعتبر بن دايل في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن «الصندوق هو دليل جاد على اهتمام الدولة بدعم القطاع الثقافي، لكنها أيضاً تسعى لأن يكون قطاعاً منتجاً ومساهماً في الاقتصاد دون اعتماد كلي على الدعم الحكومي»، وهنا نص الحوار...

> مع تأسيس الصندوق السعودي للتنمية الثقافية، ماذا يمكن أن يحقق في تنمية قطاع الثقافة السعودي مع ميزانية ضخمة تبلغ نصف مليار ريال؟
- يعمل الصندوق على دعم التنمية الثقافية والمجالات المتصلة بها، واستدامتها عبر تخصيص تمويل مستدام من القطاعين العام والخاص بآليات تمويل مثلى لدعم المشاريع الثقافية وضمان نجاحها؛ مجالات الدعم التي يقدمها الصندوق تتنوع بحسب حاجات القطاعات الثقافية التي تمت دراستها ضمن الاستراتيجية الوطنية للثقافة من التطوير والإنتاج حتى التوزيع والعوامل الممكنة.
> ما هي الموارد الإضافية لهذا الصندوق؟
- بالإضافة إلى رأس مال الصندوق الذي خصص له من الدولة، يحق للصندوق قبول الهبات والتبرعات والمنح والوصايا والأوقاف، ويسعى إلى تفعيل دور القطاع الخاص في تمويل مبادرات القطاع الثقافي، بالإضافة إلى إشراك المجتمع عبر آليات التمويل الجماعي.
> يستهدف الصندوق تحفيز الجهات العاملة في المجال الثقافي للمساهمة والاستثمار في القطاع، لكنكم تعلمون أن هذا القطاع نشأ ونما على الدعم الحكومي، هل يمكن فعلاً أن تصبح الثقافة جاذبة للاستثمار؟
- تأسيس الصندوق هو دليل جاد على اهتمام الدولة بدعم القطاع الثقافي، لكنها أيضاً تسعى لأن يكون قطاعاً منتجاً ومساهماً في الاقتصاد دون اعتماد كلي على الدعم الحكومي؛ سيكون للصندوق تدخلات مالية بآليات تمويل مدروسة تتناسب وحاجات القطاع الثقافي وتتفاوت بحسب طبيعة المشاريع المستفيدة، تتنوع الآليات ما بين قروض ميسرة، ضمانات بنكية، حزم تحفيز، واستثمارات مقابل حصص في بعض الشركات.
يعزز ذلك أن المملكة شهدت - بدعم موجه من الحكومة - حراكاً عالياً في السنوات القليلة الماضية في قطاعات لم تكن مفعلة بشكلٍ كافٍ في السابق (مثل قطاع السياحة، الترفيه، الرياضة والثقافة)؛ مما أثبت للجميع أن هناك طلباً متزايداً عليها من المواطن، وقوة استهلاكية عالية تعزز الثقة لدى المستثمر الذكي الذي يرى الفرص الواعدة في هذه القطاعات إذا نجح في تقديم مشاريع ومنتجات بجودة عالية تخدم المواطن وتحسن جودة الحياة.
> دعنا نفهم، هل سيقوم الصندوق بتقديم التمويل أو الإقراض، أم الاكتفاء بتقديم الاستشارات؟ هل من مهامه تقديم مشاريع استثمارية وتأسيس شراكات؟
- توجهنا في الصندوق تنموي بحت، ونسعى لتقديم الحلول التكاملية التي تضمن استمرارية ربحية القطاع ونجاحه؛ يقدم الصندوق خدماتٍ مالية كالقروض، والضمانات البنكية ويكملها بتقديم خدمات غير مالية أيضاً كالاستشارات الإدارية والقانونية وبعض البرامج التوعوية والتدريبية بهدف رفع مستوى المشاريع وتحسين ربحيتها وتعزيز فرص نجاحها واستفادتها من الخدمات المالية التي تقدم لها.
واستكمالاً لدوره في تقديم الخدمات المالية، يسعى الصندوق لتأسيس شراكات فعّالة مع القطاع الحكومي، الخاص والجهات غير الربحية لتساهم هذه الشراكات في تمويل المشاريع الثقافية وتقديم مشاريع استثمارية قد يستثمر فيها الصندوق استثماراً لا ينافس فيه القطاع الخاص ولكن يعزز الثقة في المشاريع الاستثمارية الكبرى.
> هل ثمة تصورات لمشاريع يمكن للصندوق البدء بها؟
- نعمل حالياً مع الهيئات الثقافية لحصر المشاريع الثقافية الجاهزة لتمويلها، ونتوقع أن تبدأ عمليات التمويل في القريب العاجل، وتتنوع المشاريع المحصورة ما بين إنتاج وتطوير المحتوى الثقافي، دعم تشغيل المرافق الثقافية، فرص التعليم والتدريب، النشر والأبحاث ودعم البني التحتية، كما سيقوم الصندوق بفتح الباب لعموم المستفيدين للتقدم بطلباتهم على برنامج تحفيز المشاريع الثقافية في شهر أغسطس (آب) المقبل.

- الاستثمار في الثقافة
> حين نتحدث عن الاستثمار في القطاع الثقافي، نتحدث عن القطاع الخاص، ونتحدث بالضرورة عن «الربحية»، هل يمكن أن يحقق الاستثمار الثقافي عائدات دون رفع القيود ومنحه الحرية اللازمة؟
- منذ تأسيس وزارة الثقافة في عام 1439هـ - 2018م وهي تسعى جاهدة لمنح الحرية الإبداعية للمثقفين والممارسين في القطاع الثقافي بما لا يتعارض مع توجهات وقيم الدولة؛ في ظل العرض الحالي، فرص ربحية القطاع عالية والمجتمع متعطش لخيارات ثقافية منوعة، والمستثمر الجيد يدرك ضخامة الفرص الموجودة حالياً ويعمل على الاستفادة منها، كما أن المنظومة الثقافية التي نعمل ضمنها بقيادة وزير الثقافة حريصة جداً على التجديد والابتكار، وتعمل بشكل مستمر لضمان نمو القطاع وتيسير أعماله ورفع أي قيود أو اشتراطات غير ضرورية أو معيقة.
> من يتحمل إنشاء البنية التحتية التي نفتقدها حتى الآن؛ نحن نفتقد دور المسارح وصالات العرض والمباني اللازمة، جنباً إلى جنب مع الطاقم المتفرغ للعمل الثقافي؟
- الاهتمام الذي توليه الحكومة للقطاع الثقافي غير مسبوق، وتأسيس الصندوق هو لتسريع التطور المرغوب في هذا الشأن؛ يعمل الصندوق من خلال برامجه التمويلية على تقديم الدعم للبنى التحتية الثقافية بالتكامل مع مبادرات برامج الرؤية التنفيذية والأجهزة الحكومية والشركات والمشاريع المملوكة للدولة ضمن خططها التطويرية، بالإضافة إلى سعي الصندوق لتفعيل دور القطاع الخاص وإسهامه في الاستثمار في هذه المشاريع؛ كما أوضحتم في سؤالكم، حاجتنا إلى البنى التحتية توازيها حاجتنا إلى الطاقم المؤهل والمتفرغ للعمل الثقافي الذي يبث الحياة في هذه البنى التحتية، سواء في إداراتها أو تزويدها بالمحتوى الذي يضمن استمراريتها؛ ولهذا نعمل في الصندوق على توفير برامج تمويلية تلبي كل هذه الحاجات وتعنى بتطوير العنصر البشري جنباً إلى جنب مع العنصر المادي.
> يُعد برنامج جودة الحياة، الذي أطلقه مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية السعودي أحد برامج تحقيق «رؤية المملكة 2030»، ومن بينها الأهداف بجعل المدن السعودية من بين أفضل المدن على مستوى العالم للعيش، ومن الوسائل إنشاء بنية تحتية للأنشطة الثقافية، ما هو دور الصندوق في هذا الجانب؟
- تأسيس صندوق التنمية الثقافي هو إحدى مبادرات برنامج جودة الحياة، حيث يعمل الصندوق تكاملياً مع باقي مبادرات البرنامج لتحقيق المستهدفات والمخرجات الثقافية للبرنامج مما يسهم في تحقيق أهداف البرنامج الرئيسية؛ هناك بنى تحتية كبرى تتبنى إنشاءها مبادرات شقيقة ومشاريع كبيرة في الدولة، وهناك بنى تحتية يساهم الصندوق في تمويلها ودعمها.
> تعلمون أن الطريق لتشجيع التبرعات والأوقاف لصالح التنمية الثقافية في حاجة إلى تعزيز التفاعل المجتمعي، وتحفيز الجانب القيمي للثقافة، هل لديكم خطة في هذا المجال؟
- منذ الدراسات الأولية لإنشاء الصندوق كان التمويل الجماعي بكل نماذجه، ومن ضمنها الهبات والمنح، أحد الخيارات التي نُعول أن تحدث حراكاً صحياً في القطاع الثقافي لسبب أساسي وهو ارتباط المخرج والفعل الثقافي بوجدان وهوية المواطن السعودي واهتمامه الشخصي بها؛ مما يعزز من فرصة مساهمته في تمويلها وازدهارها. ونعمل في الصندوق، ضمن المنظومة الثقافية، على مبادرات للتمويل الجماعي من شأنها تحفيز الجانب القيمي للثقافة وتحسين التفاعل المجتمعي معها، سترى هذه المبادرات النور قريباً بإذن الله، وإحدى هذه المبادرات تركز على تشجيع جانب المنح والهبات المجتمعية لصالح القطاع الثقافي.
> هل لديكم تصورات لعقد شراكات استراتيجية مع جهات في القطاع الخاص، ضمن مشاركتهم في المسؤولية الاجتماعية؟
- كما ذكرت سابقاً، توجه الصندوق منذ البداية قائم على تفعيل دور القطاع الخاص في دعم وتمويل القطاع الثقافي، وأحد قنوات التفعيل تكمن في إظهار الفرص الكامنة في القطاع الثقافي وتوجيه أنظار جهات القطاع الخاص لها كفرص جاذبة ذات تأثر عظيم على المجتمع وتستحق أن توجه لها جهودهم ومشاركتهم في المسؤولية الاجتماعية.
نعمل حالياً على تحديد هذه الفرص لعرضها على جهات القطاع الخاص، ومن منبركم نود أن ندعو جهات القطاع الخاص أيضاً بألا تنتظر دعوتنا وتبادر كبعض جهات القطاع الخاص الرائدة في خلق توجهها المميز في دعم القطاع الثقافي بمبادرات مختلفة وخلّاقة ضمن مسؤوليتها الاجتماعية، كما أننا نرحب بكل من يطرق باب الصندوق منهم باحثاً عن مشاريع ومبادرات ثقافية تستحق الدعم.
> ماذا يمكن أن يعمل الصندوق في دعم حركة الإبداع السعودي، من الكتابة والتأليف والنشر إلى صناعة الأفلام والمحتوى البصري؟
- مجالات الدعم التي يقدم من خلالها الصندوق برامجه التمويلية تركز على جميع الجوانب المذكورة، ويسعى إلى توفير الدعم المالي لمنشآت القطاع الخاص والجمعيات والمؤسسات الأهلية العاملة في المجالات الثقافية التي توفر الفرص من خلال مشاريعها للممارسين في القطاع الثقافي لتكثيف وتطوير ومشاركة إنتاجهم.

- محمد بن دايل... 20 عاماً في الاستثمار
> يمتلك محمد بن عبد الرحمن بن دايل، الذي تمّ تعيينه مؤخراً في منصب الرئيس التنفيذي لصندوق التنمية الثقافية في السعودية، خبرة مالية وإدارية وفي قطاع الاستثمار تزيد على 20 عاماً، شغل العديد من المناصب القيادية، كان آخرها المدير التنفيذي لعمليات الاستثمار في شركة رائدة للاستثمار. كما عمل في إدارة الخزينة في «أرامكو السعودية»، بالإضافة إلى عضويته في مجلس إدارة مصرف الإنماء. وهو حاصل على درجة الماجستير في إدارة الأعمال من الجامعة الأميركية بواشنطن ودرجة البكالوريوس في التمويل من جامعة جورج واشنطن، ولديه عدد من المؤهلات في إدارة الخزانة والاستثمار.



ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

ليلى سليماني
ليلى سليماني
TT

ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

ليلى سليماني
ليلى سليماني

في كتاب لا يتجاوز ثمانين صفحة بعنوان «هجوم على الحدود»، من إصدار دار غاليمار مارس (آذار) 2026، تناقش الكاتبة ليلى سليماني مسألةَ الهوية المغاربية المتشظّية بين لغتين ومرجعيتين، من خلال علاقتها الملتبسة باللغة العربية. تفتح صاحبة «أغنية هادئة» و«بلد الآخرين» أدراجها الداخلية على آخرها، لتُنجز نصاً من نوع نادر في المشهد الأدبي الفرنكفوني، نصٌّ يتكلم بالفرنسية عن الخسارة الكبرى للعربية. وتشرح سليماني في حوار مع دار غاليمار العمقَ الشخصي لهذه الخسارة، إذ تكشف أن العربية كانت بالنسبة إليها «اللغة الأبوية» بالمعنى المزدوج، فتقول: «تخيّلتُ أنها ستكون اللغة الأبوية، وأن غيابها يوازي غياب أبي، لأنه مات، ولأنه كان يجد صعوبة بالغة في نقل ثقافته». هكذا يتداخل في الكتاب الحدادُ على شخص والحداد على لغة، في نسيج اعترافي نادر يمنح النص عمقاً شخصياً يتجاوز مجرد التأمل الثقافي.

غلاف الكتاب

في قلب هذا النص يتصدّر سؤالٌ ظل يطارد ليلى سليماني منذ طفولتها: لماذا لا أتحدث العربية ولا أتقنها؟ والمعروف أن ليلى سليماني، الحائزة جائزة غونكور عام 2016، وُلدت في الرباط لعائلة بورجوازية مغربية تتحدث الفرنسية؛ والدها مصرفي رفيع المستوى، ووالدتها طبيبة من أصل ألزاسي. في هذا البيت الذي كانت الفرنسية لغةَ حياته اليومية، نشأت ليلى على تعدد لغوي مميز: الدارجة المغربية في الشارع والسوق، والألمانية في أغاني جدّتها الألزاسية وحكاياتها، والإسبانية في صيف المتوسط، والشلحة الأمازيغية على لسان عمّال الضيعة العائلية. بيد أن العربية الفصحى ظلّت في منطقة الحضور الغائب: مسموعةً، مألوفةَ الإيقاع، غير أنها لم تنمُ في فم الطفلة بصورة طبيعية، ولم تسكن مخيّلتها حتى تصير أداة تعبير.

تصف ليلى سليماني هذا الوضع بصورة جسدية قاسية: كمن يعيش مع عضو مبتور يُحسّ بوجوده رغم غيابه. وهذه الاستعارة ليست زينةً أسلوبية، بل هي الإطار الدقيق الذي تُنظّم فيه الكاتبة علاقتها بلغتها: حنينٌ لا يمكن إشباعه لأن موضوعه لم يُفقد فجأةً، بل لم يتشكّل أصلاً على النحو الكامل. وتستحضر في هذا السياق اسم الشاعرة والرسامة اللبنانية الراحلة إيتيل عدنان، تلك المبدعة التي كتبت بالفرنسية وعاشت تحت وطأة السؤال ذاته، والتي قالت ذات يوم إنها وجدت نفسها عند باب تلك اللغة فجعلتها أسطورة وجنةً مفقودة.

يبدأ النص من مكان شخصي للغاية: الطريقة التي تتحدث بها سليماني العربيةَ اليوم، وهي طريقة تشبه حديث الطفل أمام الكبار، المُحرج من نقصانه والخائف من الاستهزاء. وفي هذا الاعتراف ما يتجاوز مجرد الخجل الشخصي؛ إنه يكشف البنية الاجتماعية للغة. فالفرنسية في المغرب لم تكن مجرد إرث استعماري طارئ، بل أضحت في زمن الاستقلال وما بعده لغةَ الترقّي الاجتماعي ولغةَ النخب المدنية، في حين ظلّت العربية في بعض الأوساط محصورةً في دور الوجدان والدين والهوية الرمزية. وهكذا نشأ جيلٌ من الأبناء المغاربة يحمل اسماً عربياً ولساناً فرنسياً، وروحاً تُدرك حدودها دون أن تعرف كيف تتخطّاها.

غير أن هذا الخجل الذي تعترف به ليلى سليماني بصوت مرتفع لا يُعدّ استثناءً فردياً، بل هو الموروث السّرّي لجيل كامل من الكتّاب المغاربيين الذين شيّدوا مجدهم الأدبي بالفرنسية فيما ظلّت العربية تنتظر على العتبة. فمن كاتب ياسين الذي رأى في الفرنسية «غنيمة حرب» استردّها من المستعمِر، إلى آسيا جبّار التي عاشت طوال حياتها في المساحة الممزّقة بين الكتابة بالفرنسية والتفكير بالعربية والحلم بالأمازيغية، وصولاً إلى ألبير ميمّي الذي حلّل في «المُستعمِر والمُستعمَر» كيف تُصبح لغة المستعمِر أداةَ صعود اجتماعي لنخب المستعمَر وتُفضي إلى ما سماه «ازدراء الذات»، هذا الإرث الثقيل هو ما تتقاطع معه سليماني في نصّها، بوعي طبقي أكثر صراحةً مما أبداه أسلافها. فهي لا تتردّد في وصف نفسها بـ«كليشيه البورجوازية الفرنكفونية التي لا تتحدث لغتها»، وفي هذه الجملة القاسية إدانةٌ مزدوجة: إدانة لطبقة اجتماعية أفادت من الانقسام اللغوي وورثت منه امتيازاتها، وإدانة لنظام تعليمي خلّف على مدى أجيال نخباً مغاربة تتكلم لغةَ الآخر بطلاقة ولغتها الأولى بتعثّر. والفارق بين سليماني وكتّاب الجيل الأول أن الأوائل كانوا يكتبون بالفرنسية كأنها فعل مقاومة أو ضرورة تاريخية لا مهرب منها، أما هي فتكتب عنها وعن حدودها، أي أنها تفتح النافذة على الغرفة المغلقة التي لم يجرؤ كثيرون على النظر إليها.

يبلغ النص ذروته الدرامية في مشهد كابوسي تعود إليه سليماني مراراً: «أحلم دائماً بالكابوس ذاته. أجدني في قاعة محكمة، وحولي رجال لا غير. أعلم أنني على وشك أن أُدعى إلى الكلام، وحلقي جافٌّ وكفّاي مرتجفتان. أشعر بخجل لا أعرف له سبباً. قاضٍ يدعوني إلى التحدث فأبدأ بتبرير نفسي، أتكلم بسرعة واضطراب، أتكلم بالفرنسية. يقاطعني القاضي بقسوة: «لسنا في فرنسا هنا. تكلّمي بالعربية». تملأ الدموع عينيّ ويُشلّني القلق. أبحث عن كلماتي. لا شيء يأتي. وأدرك حينها أنني خسرتُ، وأنني لن أستطيع إثبات براءتي أبداً». هذا الكابوس لا يصف عجزاً لغوياً فحسب، بل يُشخّص أزمة هوية بكاملها: براءةٌ لا يمكن إثباتها إلا بلغة افتُقدت. ولعل هذه العبارة الاخرى للكاتبة التي تقول فيها: «الكتابة ربما تعني التصالح مع هذه الهزيمة، أو على الأقل البحث عن لغتي الخاصة، لغة لا تخضع لأي تصنيف»، هي التي تكشف كيف صار الكابوسُ نفسُه مادةَ الكتابة وسببَها في آنٍ واحد.

على أن الكتاب لا يقف عند حدود الاعتراف الشخصي، بل يتمدّد ليصير بياناً سياسياً صريحاً. تُعلن سليماني رفضاً مزدوجاً وحاداً: رفض الخطاب المغربي المحافظ الذي يرى في أحادية اللغة العربية درعاً ضد الإمبريالية الثقافية، ورفض الخطاب الفرنسي الرسمي المتشبّث بلغة نقية لا تقبل التحوّل. وبين هذين الرفضين ترسي موقفها: اللغات كائناتٌ حية تتطور وتتشرب من بعضها، ولا يُلجمها إلا الآيديولوجيا. في هذا تلتقي مع كاتب ياسين والشاعر المغربي محمد بنيس وسواه من المفكرين الذين رأوا في التعددية اللغوية ثروةً بدل أن تكون وصمة.

الخجل الذي تعترف به ليلى سليماني هو موروث جيل كامل من الكتّاب المغاربيين الذين شيّدوا مجدهم الأدبي بالفرنسية فيما ظلّت العربية تنتظر على العتبة

أما أسلوب الكتاب فيستحق وقفة خاصة. سليماني معروفة بنثر يقوم على الجملة القصيرة والإيقاع المحكم، غير أن جمل هذا النّص تتسع قليلاً ويصبح الصوت أكثر مباشرةً، كأنها تكتب تحت وطأة الاعتراف الواجب لا تحت إكراه الخيال الروائي. هذا الأسلوب يُذكّر في لحظات بما فعله طه حسين في «الأيام» حين حوّل السيرة إلى نص أدبي يتخطّى التوثيق الشخصي، وبما صنعه محمد شكري في «الخبز الحافي» حين رأى في الاعتراف الجريء تحريراً لا كشفاً للعار.

يكتسب الكتاب راهنيةً مضاعفة في سياق زمني يشهد صعوداً لخطابات الهوية المغلقة في أوروبا وخارجها: حدود تُضيَّق، وثقافات تُصنَّف، ولغات تُوظَّف في خدمة السياسة. في هذا المناخ، يُذكّر نص سليماني بأن الانغلاق على لغة واحدة ليس احتماءً بل إفقار، وأن الجرح الأعمق ليس في الحدود الجغرافية، بل في تلك الهوّة التي تفصل الإنسان عن لغته وذاكرته الأولى. وإذا كان العالم العربي يعيش صراعاً خفياً بين أنماط الانتماء اللغوي والثقافي، وهو صراع تغذّيه جراح الاستعمار وسياسات التعليم والتحوّل الاجتماعي العميق، فإن سليماني تعيد فتح هذا الملف من زاوية إنسانية لا شعاراتية: اللغة ليست ساحة امتحان للولاء، بل فضاءٌ لتكوين الذات. وسؤال الهوية عندها ليس مسألة تمثيل ثقافي فحسب، بل هو سؤال في صميم الكتابة ذاتها: هل يمكن للكاتب أن يكون صادقاً مع نفسه وهو يكتب داخل لغة لا يعيشها بالكامل؟ والجواب، كما يوحي النص، ليس نعم أو لا، بل كتابةٌ مستمرة في البحث عن صيغة أوسع من الصدق.

تكمن أهمية «هجوم على الحدود» في أنه يُقدّم تصوراً مغايراً: الهوية ليست جداراً بل مفترق طرق، واللغة ليست ملكيةً نهائية بل علاقة تاريخية حية ومفتوحة على التحوّل. وما يمنح هذا النص مداه الأبعد هو أن خجل سليماني من عربيتها المفقودة ليس استثناءً بورجوازياً بل مرآة لتشوّه موروث، وأن الجرأة على تسميته علناً هي في حد ذاتها فعلٌ من أفعال المقاومة.


«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة
TT

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

تتمحور رواية «منام القيلولة»، للروائي والأكاديمي الجزائري أمين الزاوي، حول أسرة ريفية بسيطة، تنتمي لمناضل سابق ضد الاحتلال، وتتبع مصائر وتحولات أبناء وزوجة هذا المناضل القديم، وما ستؤول إليه حيواتهم؛ إذ يتخبطون بين الجنون والفقد والوحدة، بل التصفية الجسدية، رغم أن الأبناء جميعاً كانوا منذورين لنبوغ ما، لكن تبدلات الأحوال الاجتماعية والاقتصادية والسياسية تسحقهم، وتغدو هذه الأسرة تمثيلاً لطبقة اجتماعية عانت في سبيل تحرير البلاد من الاستعمار، دون أن تجني ثمار الاستقلال، فسرعان ما دخلوا في نفق مظلم، ولم يشعر أحد بتضحيات الأب، ومعاناة الأم التي تشبه الوتد، وصارت أسرتهما في مهب ريح عاتية تعصف بهم من كل الاتجاهات.

الرواية صدرت عن «دار العين» في القاهرة، ووصلت للقائمة القصيرة في جائزة البوكر، وصدرت طبعتها الرابعة منذ أيام. يرتكز العنوان على فترة نوم القيلولة التي كانت جزءاً ثابتاً من عادات القرية، وكانت تحدث فيها معظم الأحداث المفصلية المروعة، لكن هذا النوم يبدو، وبشكل أكثر جذرية، كناية عن نوم مجتمع وثقافة بأكملها، وعدم اليقظة لما يحاك لهما؛ إذ يدخل المجتمع كله في «نوم قيلولة»، بالمعنى السياسي والاجتماعي والثقافي، ليستيقظ على كوارث مروعة، أخطرها كارثة تمدد تيار الإسلام السياسي الراديكالي، بكل ما ينطوي عليه من عنف، ورغبة مجنونة لإعادة هندسة الواقع حسب رؤيته المتطرفة، في غفوة من السلطة الحاكمة.

وإذا كان نوم القيلولة يتخذ معاني ودلالات أكبر من مجرد عادة قروية، فإن الجنون - كذلك - يبدو كناية عمّا يصيب المجتمع بأسره، وليس أفراد هذه الأسرة وحدها، فالجنون هنا يبدو معنى سياسياً وآيديولوجياً؛ إذ يتغول جنون الجماعات الراديكالية، وتجتاح المجتمع حالة من العنف، بمعنييه السياسي والمادي، تنتهي بمقتل «عبد القادر المخ»، ابن المناضل السابق ضد الاحتلال. عبد القادر الذي كان يحلم وهو طفل أن يكون رئيساً للجمهورية، فانتهى به الحال على يد زملائه السابقين في مدرسة المعلمين وزوج شقيقته، بعد أن تحولوا إلى آيديولوجيا الإسلام السياسي المتطرف؛ حتى لا ينافسهم في الانتخابات البلدية، التي كان مرشحاً قوياً للفوز بها؛ كي تخلو الساحة لتيارهم الذي يسعى للسيطرة على المجتمع عنوة. ما يؤكد أن الجنون هنا ليس مقصوداً به فقط هذه العائلة، بل أشبه بحالة اجتماعية، وهو ما يصفه في حواره الأخير مع أمه قبل مقتله مباشرة يقوله: «ها هي البلاد أضحت أرخبيلاً للجنون، غابة وحوش، لا أحد يدري أين سيترك روحه بعد أن يغادر بيته صباحاً».

تدور الرواية حول مسعودة القارح، وأبنائها الثلاثة: إدريس، وحليمة، وعبد القادر. ونتتبع مسارات كل منهم، واتجاه هؤلاء الأبناء للجنون والهذيان بدرجات متفاوتة، بدءاً من الابن الأكبر إدريس الغول، الذي كان أول الواقعين في فخ المرض العقلي، وحاول الاعتداء على شقيقته، وانطلق في الشوارع واختفى من القرية، وأودعته السلطات بمستشفى للأمراض العقلية في مدينة وهران، وسرعان ما طردته المستشفى بعد سلوكه العنيف مع بقية المرضى والمريضات؛ ليتحول مشرداً في الشوارع، ولا يعرف له أهله مكاناً، بل يتحول شبحاً يخيف أخته حليمة، التي يصيبها الرعب من أن يجدها ويكرر تحرشه الجسدي بها أو محاولة قتلها، ويتحول هذا الرعب مرضاً نفسياً وهذيانات متتالية، خصوصاً بعد فشل زيجتها من مدرس الألعاب «سليم بوعزة»، الذي يختفي، ويلتحق بالجماعات الدينية المسلحة عقب اكتشاف عبثه بأجساد طلابه الأطفال. وأخيراً، عبد القادر المخ، صاحب الطموحات السياسية الجامحة، والذي كان على شفا الجنون أثناء دراسته، ودخل فترة في مستشفى الأمراض العقلية.

اعتمدت الرواية على تعدد الرواة والأصوات، فرغم استخدام ضمير الراوي العليم في معظم البناء السردي بشكل رئيس، لكنه يتحول أحياناً راوياً مشاركاً حيناً، ومراقباً حيناً آخر، خاصة في مفتتح الرواية ومنتهاها، وتحديداً في مشهد السيارة التي تأخذ مسعودة القارح، إلى مستشفى المجانين، وهو نفسه مشهد البدء ومشهد الختام؛ إذ يبدأ الراوي بهذا المشهد، ثم يعود عبر تقنية الاسترجاع إلى بدايات الحكاية ومساراتها وتحولات شخوصها، حتى نصل في الختام إلى المشهد نفسه، بعد أن يكون القارئ قد عرف المقدمات التي أدت لهذه النتيجة، فيسرده الراوي مرة أخرى، بعين المراقب والمشارك والمتسائل عن سر اختطافها بهذه الطريقة. ورغم سيطرة الراوي العليم على السرد، فإن ثمة فصولاً كثيرة متروكة لأصوات أبطالها كي يحكوا بأنفسهم، مثل حليمة وعبد القادر المخ، فكلاهما كثيراً ما يروي حكايته وتخوفاته وهواجسه بنفسه، ليتراجع الراوي العليم مُفسحاً المجال لأصواتهم وخطاباتهم لتحتل الصدارة.

زمنياً، تمتد الرواية على مدار عقود عدة، منذ مرحلة ثورة التحرير، التي انضم لها حميد النوري، مروراً بمرحلة الاستقلال، التي شهدت جنون أولاده ومعاناة زوجته، وكذا انتشار الفساد، فضلاً عن أن «كثيراً من أرامل الشهداء وجدن أنفسهن يشتغلن عاملات تنظيف في بيوت الأغنياء أو في المؤسسات التعليمية والإدارية»، وصولاً إلى تغلغل الإسلاميين الراديكاليين، واكتساحهم لانتخابات البلديات، ومقتل عبد القادر على أيديهم، بما يمثله من رمزية الطموح المدني للوصول للرئاسة، حلمه القديم منذ طفولته، والذي بدأه بانتخابات البلدية مرشحاً مستقلاً. هذا الامتداد الزمني يجعل الرواية أشبه بجدارية كبرى لصيرورة المجتمع المروي عنه.

على المستوى المكاني، تدور معظم الأحداث بين قريتي «أعنان» و«ينبو»، ومدينة وهران، ونرى تحول التركيبة السكانية لهذه الأمكنة، بخاصة تركيبة المدينة، فعقب الاستقلال، وبعد أن كانت وهران تتسع لجنسيات مختلفة، خشيت المرأة الفرنسية صاحبة المخبز على نفسها من حملات الكراهية ضد الأجانب، فرحلت إلى فرنسا على أمل العودة يوماً بعد صلاح الأحوال، وتركت مخبزها لحبيبها الجزائري بنعلال الرومي، لكن الأحوال تزداد سوءاً، لدرجة أن بنعلال نفسه يهاجر مع انتشار سطوة الإسلاميين وعصفهم بكل مختلف، في إشارة إلى أن المجتمع كله لا يتقدم، بل يسقط من أعلى منحدر شاهق. ثمة أماكن أخرى لها رمزيتها وحمولاتها الدلالية، بما يجعلها أكثر من مجرد فضاء مكاني، وأقرب إلى تمثيل سوسيوسياسي، مثل الجبل الذي كان يعتصم به الثوار المجاهدون ضد الاحتلال في زمن الثورة، وأضحى هو المكان نفسه الذي يأوي «الجماعة» التي تستقوي على المجتمع من أبناء جلدتهم، فالمكان واحد، لكن ثمة تباعداً بين الشخوص والغايات. أيضاً حديقة الاستقلال، التي كانت تنظر إليها حليمة من نافذة المطبخ، فتشاهد العشاق يجلسون فيها ويختلسون متعاً صغيرة عابرة، وما آلت إليه هذه الحديقة من خراب مع سطوة الإسلاميين، بل ربما ما آل إليه الاستقلال ذاته.

انفتاح السرد الروائي على الجنون، جنون الشخوص أو جنون الواقع، منح السارد مساحة كبيرة لإضفاء مسحة من الغرابة والسريالية على الأحداث، سواء في هذيانات حليمة ورؤاها لأشياء غير منطقية، أو ما كان يحدث في شقة جارتها التي تحولت من مكان للسكن إلى حديقة حيوان مصغرة، ترى فيها أنواعاً غريبة من الحيوانات والطعام غير المعتاد. وعلى هذا المنوال، يحفل السرد بمساحات كبرى من الهذيان تنتاب الشخوص، في مقابل الهذيان الذي يتفشى اجتماعياً وسياسياً، في مجتمع أصبح وكأنه مسرح عبثي مفعم بتحولات تنتمي إلى اللامعقول.


«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية

«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية
TT

«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية

«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية

صدر عن دار «منشورات الربيع»، في القاهرة، الترجمة العربية لرواية «شجر الدر... امرأة متفردة»، للكاتبة والمناضلة النسوية المصرية درية شفيق، التي كتبت الرواية بالفرنسية في عام 1952، وظلت غائبة عن المكتبة العربية طوال هذه العقود، حتى صدرت الطبعة العربية أخيراً بترجمة الدكتورة فاطمة خليل.

في هذه الرواية، تعود المؤلفة إلى القرن الثالث عشر، لحظة أفول الدولة الأيوبية وصعود دولة المماليك، لتضع في قلب هذا التحول امرأة استثنائية، خرجت من الهامش إلى قلب التاريخ، وانتقلت من موقع الجارية إلى مقام السلطانة. طوال السرد، تلتزم الكاتبة بصرامة تاريخية، فجميع الأحداث والوقائع موثقة، وكأنها تعلن أنها ليست مجرد رواية تاريخية، ولكنها مشروع معرفي يطرح تساؤلات حول: ما التاريخ؟ ولماذا تُهمّش بعض شخصياته، وخصوصاً النساء؟

تكتسب الرواية أهميتها أولاً من اسم مؤلفتها، درية شفيق، ذات التاريخ النضالي والنسوي الكبير، والتي لها منجز إبداعي وفكري، فقد كتبت الشعر والرواية، وفي أدب الرحلات، فضلاً عن الكتابات الفكرية والسياسية. وثانياً من البطلة المروي عنها، شجر الدر، والتي تمثل - بالنسبة لكثيرات الآن - رمزاً نسوياً لامرأة صعدت إلى سدة الحكم في مصر، متحدية كل الظروف الصعبة في مسيرتها، فضلاً عن أهمية الرواية في مسيرة المدونة الروائية المنشغلة بإعادة سرد وكتابة التاريخ، وكذا الأعمال الأدبية التي كتبها أدباء عرب بلغات أجنبية في منتصف القرن العشرين.

ولدت درية شفيق في مدينة طنطا، شمالي القاهرة، في عام 1908، ونالت درجة الدكتوراه في الفلسفة الحديثة من جامعة السوربون في عام 1940، ورغم تفوقها، رفضت الجامعة المصرية تعيينها ضمن هيئة التدريس؛ لأنها امرأة. وأصدرت الراحلة مجلة «بنت النيل»، كأول مجلة نسائية معنية بتثقيف النساء المصريات. وتطور دورها بعد ذلك لتقود حراكاً سياسياً نسوياً باسم «اتحاد بنت النيل» في الأربعينات، ثم استمر نضالها ورفيقاتها حتى بداية الخمسينات، ليقتحمن البرلمان المصري (مجلس النواب) في 1951، بمظاهرة قوامها 1500 امرأة، للمطالبة بحق المرأة المصرية في المشاركة في الحياة السياسية، وألا يكون العمل السياسي حكراً على الرجال.

وانتهت قصة نضال درية شفيق بسقوطها من الطابق السادس في عام 1975، عقب 18 عاماً من الإقامة الجبرية، تاركة إرثاً كبيراً من النضال والعمل النسوي، والكثير من الانتصارات في مجال حقوق المرأة، فضلاً عن مزيد من الحيرة والتساؤلات حول حقيقة نهايتها المفجعة.

من أجواء الرواية نقرأ: «لم تكن فترة المراهقة بالنسبة لشجر الدر أمراً يبعث السعادة عليها، كانت الهوة بينها وبين المحيطين بها تتسع يوماً بعد يوم، وبكل ما في داخلها من طموحات، كانت تنتمي إلى عالم آخر، أي عالم؟ لا تدري، لكنها كانت مقتنعة بأن موقعها في مكان آخر. كل ما يحيط بها كان يشعرها بالغثيان؛ المكان القذر الذي كانت تعيش فيه، ونافذته الوحيدة تطل على شارع يكسوه اللون الرمادي، ولا تدخله الشمس؛ الثوب السمل الذي كانت ترتديه؛ الخبز الأسود في وجباتها، ثم الفظاظة وبلادة الذهن التي كانت يتميز بها البشر الذين كانت تعيش بينهم».