صدر حديثاً عن «دار صفصافة» المصرية مجموعة قصصية للكاتب والروائي الصيني يوهوا بعنوان «صيف حار وقصص أخرى»، وتعد أول ترجمة عربية لأعماله في القصة القصيرة، وهي الجزء الأول من الأعمال القصصية المختارة ليوهوا والتي صدرت طبعتها الصينية عن «دار أدب الشعب» الصينية للنشر في يناير (كانون الثاني) 2017، وتضمنها مجلد يجمع بين دفتيه إحدى وعشرين قصة من أهم كتاباته.
الكتاب قدم نسخته العربية المترجم المصري الدكتور حسانين فهمي حسين، ويتضمن عشر قصص قصيرة، كتبها خلال الفترة 1986 - 1997، وتمثل جانباً مهماً من مشواره الحياتي والإبداعي، حيث يبرز اهتمامه بتصوير الواقع الحياتي وهموم المواطن الصيني وماسي الإنسان البسيط ومعاناته من أجل العيش، فيما تعد ثنائية الحياة والموت، وذكريات الطفولة، والعنف المجتمعي سمة من سمات قصصه.
سرقات متنوعة
تعبر عن هذا المناخ قصة «الصبي وحادث عند الغسق»، وتحكي عن شخص يدعى سونفو يعمل بائع فاكهة، وقد تحول بعد موت طفله غرقاً، وهرْب زوجته، إلى شخص شديد القسوة، والعنف، ووصل به الأمر إلى حد رفض منح طفل جائع حبة تفاح، وحين يضطر إلى خطف واحدة، يتعقبه ويقبض عليه، ويقوم بكسر إصبع يده، ثم يربطه في العربة، ويجعله يهتف أمام المارة «أنا لص». يفعل سونفو ذلك دون رحمة، ويظل على حاله حتى لا يبقى لدى الطفل قدرة على الكلام، ولا يحل وثاقه إلا بعد أن يظلم السوق، فيختفي في دروبه، ويغيب هو في غيابات سُكره لينسى مأساته الشخصية وفقدان ابنه وزوجته.
ومن سرقة صغيرة تتم تحت ضغط الجوع إلى سرقة منظمة تحكي عنها قصة «رحلة شاب في الثامنة عشرة»، وفيها تتم عملية السطو أمام عيني شاب دفعه والده للسفر للتعرف على العالم بعد أن بلغ الثامنة عشرة، وقد حمل الشاب حقيبته، وتحرك على قدميه في طريق طويلة لا يوجد بها مكان للمبيت، ولا مطعم يتناول فيه وجبة تسد رمقه، يستمر الشاب في السير حتى يبلغ به التعب مبلغه، يلقي بنفسه أمام سيارة نقل، ليجبر السائق على الوقوف، ثم يطلب منه أن يصحبه في طريقه، بعد أن يمتص غضبته، يطلب ذلك وهو لا يعرف أن السيارة بما عليها من محتويات مسروقة، وأن السائق في مهمة يقوم من خلالها بتوصيلها إلى مجموعة من اللصوص، يقومون بتحويلها إلى كومة من الحديد، عندها يجلس الشاب في كابينة السائق التي لم يستطع اللصوص فكها، ويفكر فيما دفعه والده للتعرف عليه، وكأن هذا هو العالم الذي كان يريده أن يدركه ويعرف أسراره القاسية.
صيف حار
وتكشف قصص «فوق الجسر» و«صيف حار»، والزائدة الدودية» و«من دون اسم»، و«الابن»، و«انتصار الزوجة»، و«الشيخ القعيد»، و«انفجار جوي»، عن رؤية يوهوا الإبداعية، والتي تضعه ضمن مجموعة من كتاب جيل الرواد في الأدب الصيني المعاصر الذي قدم تجارب سردية جديدة، ساروا فيها على نهج وخطوات رموز الأدب الصيني القديم والحديث، مع تأثرهم الواضح بقراءاتهم المنفتحة على الإبداع العالمي. وقد نشأ مثل غيره في ظروف صعبة في التاريخ الصيني الحديث، وعانى كثيراً للحصول على الكتاب والكتب المترجمة عن اللغات الأجنبية على وجه التحديد، وقد تحدث عن ذلك في مقال نشره في صحيفة «الشعب اليومية»، عام 1998 بعنوان «لماذا اخترت الكتابة»، وذكر أنه نشا في بيئة كانت تعاني من غياب الكتب، حيث تصادفت مرحلة نضجه الإبداعي مع فترة الحظر التي كانت تفرضها الصين على الكتب الأدبية.
وتشي القصص التي تتضمنها المجموعة بتأثر يوهوا الواضح بواقعية لوشون النقدية، الذي ترك دراسة الطب ليدرس الأدب، إيماناً منه بأن الإنسان الصيني في عصره «مطلع القرن العشرين» كان في حاجة إلى العلاج النفسي والروحي أكثر من حاجته إلى علاج الجسد، وقد سار يوهوا على نهج أستاذه لوشون، وترك مهنته طبيب أسنان، بعد أن مارسها خمس سنوات، ولم يتوقف تأثر يوهوا عند حدود الأدب الصيني الواقعي، بل يمكن ملاحظة تأثره الكبير بما قرأه من أعمال الأديب التشيكي فرانز كافكا، والياباني ياسوناري كاواباتا، الذي يقول عنه يوهوا إنه تتلمذ على أعماله، تعلمت منها كتابة التفاصيل وكيفية التعبير عنها في العمل الأدبي.
رحلة خصبة
ولد يوهوا في 3 أبريل (نيسان) 1960 بمدينة خانغجوو جنوبي الصين، وانتقل بعدها مع والديه إلى مدينة خاي يان بمقاطعة جه جيانغ، عمل لفترة طبيب أسنان قبل أن ينتقل للعمل في إحدى الهيئات الثقافية بالمدينة التي كان يقيم بها، وتشير دراسات خاصة بانتشار الأدب الصيني المعاصر وترجماته خارج الصين، إلى أن أعمال يوهوا تأتي على رأس الإبداعات القصصية والروائية التي ترجمت إلى لغات أجنبية، فقد تمت ترجمة رواية ذائعة الصيت «على قيد الحياة» والتي ظهرت طبعتها الأولى عام 1992، إلى اللغة الألمانية في العام نفسه، عن دار «كليت كوتا» للنشر شتوتغارت، ثم توالت بعدها الترجمات إلى لغات أجنبية عديدة كان آخرها اللغة العربية «2015».
وقدم يوهوا خلال مشواره الإبداعي الذي بدأه عام 1983 خمس روايات طويلة ترجمت جميعها إلى لغات أجنبية عديدة، وترجمت ثلاث منها «على قيد الحياة»، «اليوم السابع» و«مذكرات بائع الدماء» إلى اللغة العربية عن الصينية مباشرة. كما قدم ست مجموعات قصصية تجمع بين القصة والرواية القصيرة، ترجم عدد كبير منها إلى اللغات الأجنبية، وتعد «صيف حار وقصص أخرى» أول ترجمة عربية لأعمال يوهوا القصصية.
نشر يوهوا أول قصة قصيرة بعنوان «النجوم» في 1984 بمجلة «أدب بكين»، قبل أن يلتحق بعدها للدراسة بمعهد لوشون للأدب بجامعة المعلمين ببكين، وهو المعهد الذي تخرج منه أديب الصين العالمي مويان وعدد كبير من رواد الأدب الصيني المعاصر. وقد حازت أعماله شهرة كبيرة داخل الصين وخارجها، وترجمت إلى أكثر من عشرين لغة. حصل على «جائزة جرينزان كافور» الإيطالية 1998، و«وسام الفنون والآداب بدرجة فارس» من فرنسا 2004، و«جائزة الإسهام المتميز في الكتاب الصيني» 2005 وغيرها من الجوائز المحلية والعالمية.


