وفاء عبد الرؤوف: خصوصية الثقافة الإيطالية لا تشعرني بالغربة عند الاقتراب منها

حصلت على وسام نجمة إيطاليا برتبة «فارس» تكريماً لدورها المؤثر في الترجمة

وفاء عبد الرؤوف لحظة تسلمها الوسام من سفير إيطاليا في القاهرة
وفاء عبد الرؤوف لحظة تسلمها الوسام من سفير إيطاليا في القاهرة
TT

وفاء عبد الرؤوف: خصوصية الثقافة الإيطالية لا تشعرني بالغربة عند الاقتراب منها

وفاء عبد الرؤوف لحظة تسلمها الوسام من سفير إيطاليا في القاهرة
وفاء عبد الرؤوف لحظة تسلمها الوسام من سفير إيطاليا في القاهرة

نالت المترجمة المصرية الدكتورة وفاء عبد الرؤوف البيه، أخيراً، وسام نجمة إيطاليا برتبة فارس، وهو الوسام الذي يمنحه رئيس الجمهورية الإيطالية سيرجيو ماتاريلا، لمن يقومون بدور مؤثر في نشر اللغة والثقافة الإيطالية في العالم.
وتجمع الدكتورة وفاء عبد الرؤوف بين العمل الأكاديمي كأستاذة للأدب الإيطالي الحديث والمعاصر بجامعة حلوان المصرية، وبين الترجمة الأدبية منذ سنوات، أنجزت خلالها عدداً من الأعمال المهمة، من أبرزها «أنطونيو الجميل» لفيتاليانو برانكاتي، و«الكتب الممنوعة» لماريو أنفليزي، و«المسيح توقف عند إيبولي» لكارلو ليفي، و«حُلم ماكينة الخياطة» لبيانكا بيتسورنو، و«الغرفة العائمة» لروبرتو باتسي.
هنا حوار معها حول ملامح خصوصية اللغة الإيطالية بالنسبة لها وارتباطها بالثقافة العربية، ورؤيتها لعلاقة القارئ العربي بالأدب الإيطالي، وأبرز محطاتها مع الترجمة الأدبية.

> بداية أهنئك على هذا التكريم المستحق وأسألك: كيف تنظرين إلى هذه اللحظة المبهجة، وماذا يعنيه لكِ ولمسيرتكِ في الترجمة منحُكِ وسام نجمة إيطاليا برتبة فارس؟
- أنا سعيدة بهذا التكريم، وهو يعني أن العمل على إنشاء جسور بين الثقافتين الإيطالية والعربية وإقامة حوار مستمر بينهما هو جهد مُقدر، يُنظر له بعين الاعتبار والتكريم. وهو أيضاً دفعة كبيرة لي لأجل الاستمرار في العمل الجاد على عقد صلات أكاديمية وثقافية بين مصر وإيطاليا.
> حدثينا عن علاقتك باللغة والثقافة الإيطالية، وكيف تشكلت منذ البداية، ما هي ملامح خصوصيتها بالنسبة لكِ؟
- في الحقيقة مرت علاقتي باللغة والثقافة الإيطاليتين بمراحل مختلفة مُتدرجة، فقد بدأت دراسة اللغة الإيطالية منذ مرحلة التعليم ما قبل الجامعي، ثم التحقت بقسم اللغة الإيطالية بكلية الألسن، ثم تخرجت وبدأت الحياة الأكاديمية والدراسة بين مصر وإيطاليا. وهكذا كلما اتسع حقل الدراسة، وكلما اتسع نطاق المعرفة والاطلاع، زادت نقاط الاتصال بالثقافة والمجتمع الإيطالي.
الثقافة الإيطالية لها خصوصية كبيرة بالنسبة لي تنبع بالأساس من تقاربها الواضح مع الحضارة المصرية، في مراحل مختلفة، ومع الثقافة العربية بفعل الحضور العربي في صقلية لمدة قرنين، وأضيف إلى هذه الخصوصية التناغم الذي يجمع شعوب ضفتي البحر المتوسط، وكون الثقافة الإيطالية بوابة ذهبية في الوقت نفسه للثقافة الأوروبية في عمومها. وهذه كلها عناصر تنفي أي شعور بالغربة عند الاقتراب من الثقافة الإيطالية بمفرداتها المختلفة.
> كيف عزز جمعكِ بين المسارين الأكاديمي والترجمة الأدبية مشروعك المهني؟
- هما في الحقيقة مساران لا يفرض أي منهما على الآخر نفسه بالضرورة، فأستاذ الجامعة لا يكون بالضرورة مترجماً أدبياً، والعكس صحيح أيضاً، ولكن تجمع بينهما ضرورة الاطلاع الواسع، والمعرفة المتعمقة بالثقافتين العربية والإيطالية، والقدرة على إحداث التوازن بين واقعين يتميزان بخصوصية كبيرة؛ وأنا شخصيًا أعتبر نقطة الإدراك الواسع لأبعاد الثقافتين، والتعبير المتوازن عن كل منهما على الضفة المواجهة، نقطة مركزية في المسار الأكاديمي والعملي.
> اهتمام القارئ العربي بالآداب الإنجليزية واللاتينية أصيل وتقليدي، كيف يمكن وصف مدى اهتمامه بالأدب الإيطالي خلال السنوات الأخيرة؟
- أعتقد أنه لا يمكننا الحديث عن اهتمام القارئ العربي بالأدب الإيطالي دون الحديث عن حجم الإنتاج الذي يوجه له، وهو في الحقيقة - ورغم زيادة عدد الترجمات في السنوات الأخيرة - لا يزال بحاجة إلى تعزيز وتدعيم، ومواكبة لاتجاهات الإنتاج الأدبي المعاصر في إيطاليا. لا يمكن أن نلفت انتباه القارئ إلى مؤلف أو عمل إلا عبر خلق حالة أصيلة حول الكتابة، ولا يحدث هذا إلا بكثرة الأعمال المترجمة وتنوعها لكاتب بعينه، كما هو الحال مع ألبرتو مورافيا وإيتالو كالفينو، اللذين ترجم كل منهما لأكثر من عشرين مرة في أنحاء الوطن العربي، أو بوجود جدل حوله، كما هو الحال مع دانتى أليجييري، شاعر إيطاليا الكبير، وعمله الأعظم «الكوميديا الإلهية»، ومدى تماسه مع الثقافة العربية والإسلامية. وفي النهاية، تجد الأعمال المهمة طريقها إلى القارئ في أي زمن وأي مكان.
> في «الغرفة العائمة» للكاتب الإيطالي روبرتو باتسي، مزيج سردي مستوحى من حضارات قديمة؟ هل ألقت حُمولة التاريخ في الرواية على تحديات ترجمتكِ لها؟
- اختار باتسي لروايته «الغرفة العائمة» لحظة تاريخية للإمبراطورية الرومانية ولمصر، وهي لحظة سقوط آخر ملوك الأسرة المقدونية، بعد هزيمة جيش أنطونيوس وكليوباترا أمام جيش أوكتافوس، قيصر روما الجديد، واختار باتسي لروايته بطلاً، هو ثمرة من ثمار التقاء هاتين الحضارتين العظيمتين، ألا وهو قيصرون، ابن يوليوس قيصر وكليوباترا. يفرض السياق التاريخي على المترجم ضرورة الاطلاع على تفاصيل تلك اللحظات التاريخية المؤثرة وما تضمه من شخصيات، يغلب عليها الحضور اليوناني والروماني، ويضيف باتسي إلى هذه المهمة تحدياً مختلفاً، بأن يُجيد إخفاء الخط الفاصل بين الحقيقة التاريخية الموثقة، والخيال. فهو ينطلق من سياق تاريخي محدد، معروف للجميع، ويتجه إلى أفق يحتفي بالرؤية والخيال.
> ما أكثر ما جذبك في رواية «أنطونيو الجميل» التي تُعد واحدة من أشهر أعمال فيتالينو برانكاتي وإثارتها للجدل منذ نشرها؟
- «أنطونيـو الجميـل» هـي واسطة العقـد في ثلاثية فيتاليانو برانكاتي، التي تتألف أيضاً من روايتي «دون جوفاني (جوان) في صقلية»، و«باولو الساخن»، وهي تدور حول موضوع الزهو الذكوري الصقلي بطريقة تجمع بين العام والخاص، السياسي والشعبي، وتتماس فيها الإشارة إلى النظام الفاشي المزهو بنفسه دون فعالية حقيقية، والأعراف الصقلية الاجتماعية الذكورية. أكثر ما يجذب في هذه الرواية هو أنها تعكس المجتمع الإيطالي في خمسينيات القرن الماضي، على المسارين السياسي والاجتماعي، وعلى المسار الفني أيضاً. فقد صدرت الرواية في أوج حركة الواقعية الجديد، واهتمت بالتعبير عن الواقع المحلي في شتى مناحيه، وابتعدت عن مركزية العاصمة لتكشف لنا عادات وأعرافاً جنوبية أصيلة. ورغم أن روايات الواقعية الجديدة قد كرست لتجربة كتابها الشخصية ومعاناتهم تحت حكم النظام الفاشي، إلا أن رواية برانكاتي تُخضع الفاشية لنزعة الزهو الذكوري المحلية، فتنتقل نظرة المؤلف من الخاص إلى العام، ومن الرغبات الشخصية إلى التاريخ الإيطالي بين عامي 1930 و1943.
> برأيكِ ما الذي يجعل «المسيح توقف عند إيبولي» مُلهمة للترجمة وللقراءة حول العالم؟
- «المسيح توقف عند إيبولي» هي إحدى العلامات البارزة في تاريخ رواية الواقعية الجديدة في إيطاليا، وهي رواية سيرة ذاتية لمؤلفها كارلو ليفي، الطبيب والرسام والأديب الإيطالي الشهير، والمعارض للفاشية. لا يستعرض ليفي في الرواية حياته كلها، بل يقص الفترة التي قضاها منفياً في إحدى بلدات جنوب إيطاليا التي لم تصل إليها الحضارة المدنية بأي صورة. في هذه النقطة لا يوجد التاريخ في صيغته التي نعرفها، ولا يوجد الدين، ولا العلم، ولا التفكير المنطقي. هناك، في هذه البلدة التي تُسمى أليانو يوجد عالم مختلف، له مفردات مختلفة وقيم مغايرة. وهناك، في هذه البلدة، يلتقي عالمان، عالم فلاحي أليانو الذين يرددون مقولة أن «المسيح توقف عند إيبولي» في إشارة إلى ما يتلقونه هم من معاملة لا تمت للإنسانية بالصلة من جانب سادة روما، وعالم الطبيب الموضوعي، والفنان والأديب المثقف الذي تلقى تعليمه في تورينو. وحول التقاء هذين العالمين شديدي الاختلاف تدور رواية ليفي، ومن هذه النقطة تأتي عالميتها.
> «حُلم ماكينة خياطة» بما فيها من حكايا منسوجة وتحية لحكايا الجدات... كيف انعكست على ترجمتك لتلك الرواية، وكيف وجدت تقديم «بيانكا بيتزورنو» الذي ربطت فيه بين العالم المُتخيل لتلك الرواية وصلته بالواقع؟
- كل القصص التي تقدمها رواية «حلم ماكينة الخياطة» تدور خلف أبواب مغلقة، ولا سبيل لمعرفتها سوى أن تجتاز بنا آلة الخياطة تلك الأبواب. أما مدى واقعية تلك القصص فقد حددته لنا المؤلفة في مقدمتها حين قالت إن القصص والشخصيات الواردة في الكتاب خيالية، لكن كل حكاية تنطلق من حدث وقع بالفعل، وإنها قامت بإحكام الأحداث، واخترعت بعض التفاصيل وأضافت شخصيات ثانوية عليها. وبعيداً عن كلام بيتسورنو نفسه، تقدم الرواية بدقة البعد الطبقي للمجتمع الإيطالي في النصف الأول من القرن العشرين، والنظرة الذكورية المتحكمة فيه، ووضع المرأة بين طبقة عاملة كادحة تمثلها الراوية نفسها، وسيدات برجوازيات متفتحات وواثقات من أنفسهن، أو أخريات خاضعات خانعات.
> مهما بلغت احترافية المترجم، هل يمكن أن تكون كافية لعملية الترجمة دون تماهيه مع النص... كيف ترين ذلك؟
- لا أعتقد أن المترجم يجب أن يتماهى مع النص، لأن هذا سيأتي على حساب النص ذاته ومؤلفه وسماته الأسلوبية التي يجب أن تبقى واضحة حتى في النص المترجم، وهذا ما يميز المترجم المحترف، ألا وهو الفهم العميق للنص، ولسياقه، ولخصائص مؤلفه الأسلوبية واللغوية، ونقل كل هذا في إطار ما هو مكتوب أمامه، فيعبر عما هو جلي بوضوح ويترك ما هو رمزي على حاله.
> أخيراً... مع الزيادة الملحوظة لعدد الأعمال المُترجمة في الفترة الأخيرة، هل تعتقدين أن تلك ظاهرة إيجابية أم عشوائية فيما يتعلق بجودة الترجمة؟
- لا أرى، في الحقيقة، علاقة بين الكم والكيف هنا إلا إذا كنا نتكلم عنهما في إنتاج مترجم بعينه، أما إذا تحدثنا بشكل عام، فكثرة الترجمات ظاهرة إيجابية، ولكن المشكلة تكمن في غياب الاجتهاد الموازي لهذه الكثرة.



الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»
TT

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»

يسلّم العاهل الإسباني فيليبي السادس اليوم الجائزة الأهمّ للآداب الإسبانية، «سرفانتيس»، إلى الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو الذي نال جائزة هذا العام عن أعماله التي وصفتها اللجنة التحكيمية بأنها «تجمع صفاء الفكر النقدي إلى الغوص في الهوية العاطفية والفقدان». وكما جرت العادة منذ عام 1976 عندما منحت الجائزة لأول مرة إلى الشاعر خورخي غيّين، يجري حفل تسليم الجائزة في جامعة Alcala de Henares «قلعة النهر» القريبة من مدريد، حيث شهد النور ميغيل دي سرفانتيس صاحب «دون كيخوتي». جاء في بيان هيئة التحكيم أنها قررت منح سيلوريو الجائزة التي تبلغ قيمتها النقدية 125 ألف يورو «عن نتاجه الأدبي الاستثنائي والعميق الذي أثرى اللغة الإسبانية... وعن نظرته الكئيبة التي يرميها على الذاكرة». ورأى البعض في هذا القرار لفتة من وزارة الثقافة الإسبانية ترمي من ورائها إلى تنقية الأجواء السياسية المتعكرة بين إسبانيا والمكسيك منذ بداية عهد الرئيس المكسيكي السابق لوبيز أوبرادور الذي طالب الحكومة الإسبانية باعتذار تاريخي عن تجاوزات الفاتحين الإسبان خلال «اكتشاف» القارة الأميركية أواخر القرن الخامس عشر. وكانت إسبانيا قد منحت قبل أشهر جائزة «الوئام» لمتحف الأنثروبولوجيا الوطني في مكسيكو، وجائزة الفنون التصويرية للمكسيكية غراسيلا ايتوربيدي. يعدّ سيلوريو من أبرز الروائيين والباحثين والأكاديميين المكسيكيين المعاصرين، وتتميّز أعماله بشغف عميق باللغة، وتدور معظم رواياته حول التاريخ العائلي، وحياة الروائيين الذين تواصل معهم ونتاجهم. في كتابه الأخير الذي صدر مطلع العام الماضي بعنوان «هذه الكومة من المرايا المتكسرة» قرر أن يتناول حياته فيما يشبه المذكرات التي تتعمق في «الدعوة الأدبية» التي جاءته في سن مبكرة، وفي تكوينه الفكري وأنشطته الأكاديمية. ويقول سيلوريو إن العنوان مقتبس من إحدى قصائد بورخيس الذي يعدّه أفضل الذين عرّفوا الذاكرة، ويضيف: «يراكم هذا الكتاب ذكريات مبعثرة تعكس بعض مراحل حياتي. لكنها مجرد انعكاسات؛ لأن اللغة تحرّف ما تسعى إلى اختزانه في الذاكرة. وهو ليس سيرة ذاتية على الإطلاق، بل عبور على بعض الجوانب الأثيرة في حياتي»، ويستشهد بما كتبه الفيلسوف الفرنسي Montaigne على أعمدة بيته الخشبي في القرن السادس عشر «تمتّع بالحاضر، وما عداه لا يعنيك». يُعرَف عن سيلوريو أنه يملك واحدة من أكبر المكتبات الخاصة في أميركا اللاتينية، ويقول إن مطالعاته المفضلة كانت دوماً تدور حول أعمال الشاعرين غارسيا لوركا وميغيل هرنانديز، وحول روايات بلزاك وخوان رولفو وخوليو كورتازار، والأعمال الكاملة لمغيل دي سرفانتيس. ويقول عنه زملاؤه في أكاديمية اللغة المكسيكية إنه مثال «الكاتب الكلّي والنهضوي» الذي لم يقتصر إنتاجه على الدراسات الأدبية والروايات، بل شمل الدراسات اللغوية وكرّس حياته للتعليم والبحث الأكاديمي. في دردشة طويلة مع سيلوريو جمعته بعدد من وسائل الإعلام، بينها «الشرق الأوسط»، في المركز الثقافي المكسيكي بمدريد، اعترف سيلوريو بأنه منذ سنوات يعيش هاجس الوقت بعد أن تبدّلت العلاقة بين الماضي والحاضر «في الماضي كان رصيدي كبيراً من المستقبل، أما اليوم فصار رصيدي الأكبر من الماضي، وهذا ما دفعني إلى كتابة هذه المذكرات»، ويقول: «الذاكرة هي الخزّان الأول لكتاباتي، فيها أستعيد التاريخ والحكايات، وقصص الأسرة والأصدقاء والرفاق الذين رحلوا، وأيضاً الأحداث التي مررت بها ولم أدرك في حينه أهميتها ومدى تأثيرها على حياتي الأدبية... لا يمكن أن نعرف من نحن إذا لم نعرف من كنّا ومن أين جئنا ومن هم أجدادنا وما هي محدداتنا التاريخية. والهدف من كل هذا البحث ليس فحسب لمجرد تحديد الهوية واستعادة الماضي وقراءة الحاضر، بل أيضاً، وقبل أي شيء آخر، لاستشراف المستقبل الذي يتكشّف أمامنا يوماً بعد يوم». لكنه سرعان ما يستدرك ليقول إنه هو أيضاً ضحية التناقضات: لأني أكتب أيضاً كي أنسى؛ لأن الحياة لم تنته بعد، وثمة أمل في أن ننسى، كما يقول خوان كارلوس أونيتي». على أعتاب الثمانين من عمره يبدو سيلوريو هزيلاً في صحته التي يقول إنها تدهورت بسرعة خلال جائحة «كوفيد» التي أعادت إليه أمراضاً كان يظنّ أنه تعافى منها، وهو يتحدث بصوت خشن وغليظ بسبب تقطّع في حباله الصوتية: «هذا الانهيار الصحي والجسدي حرمني من لذّة السفر والتنقّل، لكني أعوّض عن ذلك بالحيوية التي أجدها بشكل أساسي في الكتابة». وعندما نسأله أين يضع الحدود في رواياته بين ما عاشه وما تخيّله يجيب: «في الواقع لا توجد حدود؛ لأن كل ما نتذكّره ويعشعش في ذاكرة ما عشناه في حياتنا، يخضع لعوامل الزمن واللغة. فاللغة ليست هي الواقع، بل هي الوسيلة التي تدلّنا على الواقع، وأعتقد أن كل أدب تاريخي هو خيالي؛ لأن اللغة في أساسها ليست سوى خيال، كالأدب الذي هو دائماً، بشكل أو بآخر، ضروب مختلفة من السير الذاتية». ويضيف: «عندما ننقل التجارب الشخصية إلى عالم الأدب، يولد واقع جديد أكثر واقعية من تلك التجارب، وهنا يكمن سحر الأدب، وقوة الإبداع الذي نبني به عالماً أكثر حيوية وواقعية من الذي كان نقطة الانطلاق». عن أسلوبه الكتابي الذي وصفه كارلوس فونتيس بأنه «فعل إرادة صلبة ومثابرة أكاديمية نادرة» يقول: «الأسلوب هو الحد الفاصل بين الكلمة والواقع المتجسّد في الكتابة. هو الذي يحدد هويتنا، ويمثّلنا، ويميّزنا عن غيرنا؛ لأن الأسلوب لا يقبل الاستنساخ. قد يكون أسلوب الكاتب خاضعاً لتأثيرات عدّة لأن الكاتب هو أيضاً قارئ، لكن أسلوبه يبقى فريداً. أما أسلوبي فهو على صلة وثيقة بمفاقمة الإمكانات اللغوية بأخصب الطرق المتاحة؛ لأني أكره القيود على اللغة، ولا أحب معاقبتها وتعذيبها وقمع براعمها». يعود سيلوريو في هذه الدردشة الطويلة إلى الاستشهاد بكارلوس فونتيس ليقول: «إن الكتّاب قوم أشرار وخبثاء والسذاجة ليست من خصائلهم. الرواية فيها الكثير من القذارة، لو استثنينا منها الروايات الغنائية؛ لأنها تنهل من كل جوانب الحياة، الجميل منها والقبيح والمشين. ولذلك؛ فإن الرواية لا تنتهي، بل إن الكاتب هو الذي يقرر التخلّي عنها ويغادرها بعد أن يدرك أنه قطع المسافة التي كان عليها أن يقطعها. الرواية عمل شاق؛ لأنها تقتضي الكثير من المثابرة والانضباط، وهذا ما يشكّل الفارق الكبير بين القصة والرواية. القصة درّة، والرواية هي حكاية البحث عن هذه الدرّة». ويضيف: «في العادة لا أضع شروطاً مسبقة عندما أباشر كتابة الرواية، كمن يرمي نفسه في البحر ويصغي إلى ما تهمس به الحواري. إنها مغامرة رائعة لا نعرف ماذا ينتظرنا فيها أو كيف ستكون نهايتها». ويكشف لنا سيلوريو عن أن الأبحاث الأخيرة التي أجراها بيّنت أن أول رواية ظهرت في القارة الأميركية كانت تلك التي وضعها المفكر المكسيكي خوسيه خواكين فرنانديز دي ليزاردي مطالع القرن التاسع عشر بعنوان «محطة الأحلام»، (وكان دي ليزاردي صحافياً مشهوراً قضى فترات في السجن بسبب آرائه المؤيدة للحركات الاستقلالية). وعندما نسأله عن الأدباء المكسيكيين المتحدرين من أصول عربية، يحيلنا فوراً إلى الكتاب المرجع الذي وضعته مؤخراً الروائية والناشرة روز ماري سلّوم، المتحدرة من أصول لبنانية، والذي يستعرض أعمال عدد من الروائيين والشعراء المتحدرين من أصول عربية، مثل سلّوم، وكارلوس مارتينيز أسعد، ونايف يحيى، وبابلو مخلوف، وليون رودريغيز زهّار وأنور خليفة، الذين، كما يقول: «رصّعوا الإنتاج الأدبي المكسيكي بأعمال قيّمة جداً». وينهي سيلوريو باسماً: «من حسن طالعي أني كرّست حياتي للأدب الذي لا يرجى منه نفع، لكني تمتعت به طيلة حياتي».

استحق سيلوريو الجائزة لنتاجه الأدبي الاستثنائي والعميق الذي أثرى اللغة الإسبانية… وعن نظرته الكئيبة التي يرميها على الذاكرة

هيئة التحكيم


روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة
TT

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت ونقص المحتوى، امتلأت بالإعلانات ووجدت مساحة فارغة لملئها. نفدت مواضيع كتّاب المقالات - «ممثلون مدمنون على الكحول، وأفراد من العائلة المالكة فاشلون، وكوميديون مكتئبون، ونجوم روك مسجونون» - فلجأوا بيأس إلى الكتّاب. أدى التدفق المفاجئ للمقالات المطولة في أقسام الثقافة وفضائح الصحف الشعبية إلى ظهور الروائيين، ولأول مرة منذ مدة، بمظهرٍ جذاب وذي علاقات واسعة بدلاً من مظهرهم الباهت والمنعزل.

في إنجلترا، استأثر آميس وأصدقاؤه (جوليان بارنز، كريستوفر هيتشنز، وإيان ماكوان) بمعظم هذا الاهتمام. أما في أميركا، فقد سلطت أضواء الكاميرات على وجوه جي ماكينيرني، وتاما جانويتز، وبريت إيستون إليس - ما يُعرف بـ«مجموعة برات»، أبناء فجر سوهو - وعلى المحررين والوكلاء الذين رافقوهم حتى ساعات متأخرة من الليل. كان للبريطانيين تأثيرٌ أكبر على المدى الطويل.

ظهرت على غلاف رواية ماكينيرني الأولى الأكثر مبيعاً، «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» (1984)، لافتة النيون الحمراء الشهيرة خارج مطعم «أوديون»، المطعم الواقع في وسط مانهاتن: كانت تتوهج وكأنها إشارة الخفافيش الخاصة بذلك الجيل الأدبي. لذا، ربما ليس من المستغرب أن تبدأ رواية ماكينيرني الجديدة، «أراك على الجانب الآخر»، وهي روايته التاسعة، التي تتسم بطابعها الرثائي وشبه السيري، بحفل زفاف بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين في المطعم.

هذه هي الرواية الرابعة والأخيرة في «رباعية كالواي» لماكينيرني، وشخصياتها، مثل مسرح «أوديون» نفسه، ناجون من مانهاتن، متمرسون في الحياة. تحمل السلسلة اسم راسل كالواي، شخصيتها المحورية، وهو ناشر مستقل مرموق يملك مكتباً في وسط المدينة في منزل من الطوب يعود للقرن التاسع عشر. وإذا كانت لديه طموحات أدبية في يوم من الأيام، فقد تخلى عنها. وكما قال الشاعر فيليب لاركين: «إذا لم تستطع التغلب عليهم، فقم بتعديلهم».

راسل متزوج، لكنه يشارك أحياناً وجبات البرغر السيئة، والقبلات الحارة، مع كاتبات شابات معجبات به. ويبدو أن شخصيته مستوحاة بشكل أساسي من ماكينيرني نفسه، ولكن نظراً لطبيعة عمله، فهو مستوحى أيضاً إلى حد ما من مورغان إنتركن، رئيس دار نشر «غروف/أتلانتيك» وأحد رفاق ماكينيرني المقربين في ثمانينات القرن الماضي. يبلغ كل منهما الآن 71 عاماً. أما الروايات السابقة في السلسلة، التي تحمل عناوينها اسم «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة»، فهي «سقوط السطوع» (1992)، و«الحياة الطيبة» (2006)، و«أيام مشرقة ثمينة» (2016). إذا كنت تنوي قراءتها، فابدأ من البداية، لأنها مع تقدمها تفقد متعتها وتتحول إلى روايات سطحية ونمطية. أما هذه الرواية الجديدة، فقد فقدت بريقها تماماً.

لقد مررنا بالكثير (علاقات غرامية، وفيات، اعتقالات، تخصيب في المختبر، أحداث 11 سبتمبر، ارتفاع الإيجارات، عمليات تجميل الحواجب، طلاق) مع الرجال والنساء المدللين ذوي الطابع البوهيمي في هذه الرواية. اجتمعوا الآن في «سينما أوديون»، حيث يشعر راسل بتدفق الماضي: المكان «يعج بالذكريات، طبقات من التاريخ الشخصي، أشباح الماضي». تشمل هذه الذكريات الكوكايين وعارضات الأزياء في الثمانينات، ووجبات غداء هادئة مع كتّاب ومحرري «كوندي ناست» الذين انتقلوا إلى مركز التجارة العالمي المُعاد بناؤه.

«أراك على الجانب الآخر» رواية تدور أحداثها خلال جائحة «كوفيد - 19». وقد استوحت عنوانها من لافتة وضعها أحد المطاعم على نافذته، معلناً إغلاقه طوال فترة الجائحة. الأزمة لا تزال حديثة العهد. يتجنب أبطال الرواية القبلات والأحضان؛ بل إنهم غير متأكدين من ضرورة خروجهم من منازلهم أصلاً.

إنها أيضاً رواية من عصر حركة «#MeToo» النسائية. يدخل كارلو، صديق قديم، إلى أحد المطاعم، وقد دُعي بالصدفة إلى ليلة افتتاح مطعم. إنه طاهٍ فاشل، من الواضح أنه متأثر بماريو باتالي. كان كارلو في السابق ممتلئ الجسم كدمية بينياتا، لكنه الآن يبدو ذابلاً وهزيلاً، وكأنه بحاجة إلى كرسي. بالنسبة لراسل، رؤية كارلو أشبه برؤية ماكبث لشبح بانكو.

أي شخص قرأ رواية «الحياة الطيبة»، الكتاب الثاني في هذه السلسلة، كان بإمكانه التنبؤ بسقوط باتالي الحقيقي. في تلك الرواية، شبهت زوجة راسل، كورين، كارلو بالأخطبوط، «يمد يده ليأخذ الخبز واللحم، ويدخن باليد الأخرى، ويشرب باليد الثالثة، بينما يتحسس في الوقت نفسه أقرب النساء إليه، جاذباً كل شيء نحو فمه».

يستغرق الأمر لحظة أو اثنتين حتى تظهر لمسة أخرى من لمسات ماكينيرني المميزة. عندما يحدث ذلك، يُخلّ بتوازن هذه الرواية بشكلٍ أكبر من الحوارات الركيكة والمليئة بالشرح، والملاحظات السطحية المبتذلة حول مدينة نيويورك، ومنطقة هامبتونز، والزواج (أدرك أنه مهما شعرنا بقربٍ من الآخر، فإننا لا نعرف أبداً أسرار قلبه).

«أراك على الجانب الآخر» عبارة عن سيلٍ جارف من الاستهلاك التفاخري غير الساخر. نرى ظهور رموز ضوئية مع دخول الشخصيات إلى الغرف: «دخلت كورين وخرجت مرتديةً رداء فريت الذي اشتراه لها»؛ «فتح مينغوس محفظته من بيرلوتي سكريتو»؛ «حقيبته من لويس فويتون»؛ «بدلته السوداء المميزة من برادا»؛ «فستان بالمان ضيق بلا أكمام بسحاب أمامي مثير». هذه الشخصيات لا تملك شخصياتٍ حقيقية؛ بل مجرد نماذج استهلاكية.

بالنسبة للكاتب، يمكن لأسماء العلامات التجارية أن تُضفي عمقاً على روايته. وقد استخدمها دون ديليلو في روايته «الضوضاء البيضاء» لاستكشاف ثقافتنا الاستهلاكية المُفرطة. أما قراءة رواية ماكينيرني فلا تُذكّرك إلا بالتعليق الساخر الذي أطلقه المحقق الضخم آندي سيبوفيتش في مسلسل الشرطة «NYPD Blue» في التسعينات: «هذا الرجل يتحدث كثيراً، ولا يتحدث عن الأمور المهمة».

كتبت كلير لودون في ملحق «التايمز» الأدبي قبل سنوات: «إن أكبر جريمة يرتكبها كاتب من الطبقة المتوسطة هي الإكثار من ذكر النبيذ». (أشارت لودون إلى أن إيان ماكيوان مذنب في فعل ذلك). ربما يُمكن التماس العذر لماكينيرني، الذي كان كاتب عمود عن النبيذ في صحيفة «وول ستريت جورنال»، لاهتمامه الشديد بالزجاجات التي يفتحها راسل. فهناك العديد من الجمل من قبيل: «أعتقد أننا سنبدأ بزجاجة (باتارد مونتراشيه) كطبق أول»، وهناك الكثير من الضحكات والصداقات الرجولية حول زجاجات النبيذ الثمينة في غرفة خاصة في مطعم «بير سي».

لقد أحزنني بشدة امتعاضي من هذه الرواية. مثل راسل، لطالما كان ماكينيرني شخصيةً آسرةً في حياة مدينة نيويورك. ولا أريد المبالغة في المقارنة، لكنه في بعض النواحي يُشبه أليك بالدوين الأدبي - لا يزال وسيماً كصبي، حاضراً في كل مكان، موهوباً بما يكفي، ومستعداً أحياناً لإثارة الجدل. (الفضيحة، في نهاية المطاف، نوع من خدمة المجتمع»، كما كتب سول بيلو في «هرتسوغ». يتمتع كلا الرجلين بوجوهٍ وردية، ويشبهان شخصيات «باري بليت» الكرتونية.

لم تفقد رواية «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» وبعض رواياته المبكرة الأخرى طاقتها المتوترة والمليئة بالشكوك. إذا أردتَ أن تتذكر مدى دقة ملاحظة ماكينيرني كصحافي، فأعد قراءة مقالته في مجلة «نيويوركر» عام 1994 عن الممثلة كلوي سيفيني.

تتجاوز رواية «أراك على الجانب الآخر» الأزمات الوجودية التي يعاني منها سكان نيويورك المرفهون، لكن القليل منها يترسخ في الذاكرة.

*خدمة «نيويورك تايمز»


«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية
TT

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

وجاء في تقديمه: «في عمق التاريخ الإنساني، حيث تتقاطع الأسطورة مع العقل، وحيث تتشكَّل صورة الآخر في مرآة الذات، يطرح هذا الكتاب سؤالاً مقلقاً وبسيطاً في آنٍ واحد: هل نحن مختلفون حقاً عمّن نُسميهم (بدائيين)، أم أن هذا الاختلاف وهمٌ صنعته أدواتنا قبل عقولنا؟».

منذ الصفحات الأولى، يأخذنا المؤلف في رحلة فكرية تقوِّض واحدة من أقدم المسلَّمات في العلوم الاجتماعية: «القسمة الكبرى» بين «نحن» و«هم». تلك القسمة التي جعلت من بعض المجتمعات نموذجاً للتقدم، ومن أخرى رمزاً للتخلُّف أو «التوحُّش»، لكن سرعان ما يكشف أن هذه الثنائية ليست سوى بناء ذهني هش، إذ يقول: إن القسمة الثنائية بين المجتمعات البدائية والمجتمعات المتحضرة... تُرسي التعارض بين «نحن» و«هم»، بين العقلاني وغير العقلاني.

هنا يبدأ التشويق الحقيقي: إذا لم يكن الاختلاف في العقول، فأين يكمن إذن؟

يقدِّم الكتاب إجابته المحورية عبر فكرة مدهشة: إن ما يغيِّر التفكير ليس العقل ذاته، بل الوسائط التي يستخدمها - وأهمها الكتابة. فالإنسان، قبل الكتابة، كان يعيش في عالم شفهي، حيث المعرفة عابرة، متدفقة، مرتبطة بالسياق والذاكرة. أما بعد الكتابة، فقد تحوَّلت اللغة إلى شيء «مرئي»، يمكن تحليله وتفكيكه وإعادة ترتيبه. وكما يوضح النص: «إنَّ تدوين الكلام هو الذي سمح بالفصل بين الكلمات بكل وضوح، وتقليب ترتيبها، وبالتالي بتطوير الأشكال القياسية للاستدلال والتفكير».

بهذا التحول، لم يتغير ما يفكر فيه الإنسان فقط، بل كيف يفكر. ظهرت القوائم، والجداول، والتصنيفات، والرياضيات المعقدة. صار بالإمكان تخزين المعرفة ونقلها عبر الأجيال بدقة غير مسبوقة. وهنا، يتحول «تدجين الفكر» من استعارة إلى حقيقة: فالعقل لم يعد برياً أو «متوحشاً»، بل أصبح منظماً، مُهندساً بواسطة أدواته.

لكن المؤلف لا يسقط في فخ التبسيط. فهو لا يقول إن الكتابة خلقت العقل، بل يحذر من التفسير الأحادي، مؤكداً: «هناك طريق وسطي بين اختيار سبب وحيد ورفض كل تفسير سببي... بين إغراق كل شيء في السببية البنيوية أو عزل عامل مادي وحيد. فالتغير في الفكر هو نتيجة تفاعل معقد بين التكنولوجيا، المجتمع، السلطة، والثقافة».

ومن أكثر لحظات الكتاب إثارة، حين يواجه القارئ بحقيقة مزعجة: أن ما نسميه «تفكيراً بدائياً» ليس أقل منطقية، بل فقط مختلف في تجلياته. ففي المجتمعات الشفهية، نجد أنظمة تصنيف دقيقة، وقدرات حسابية مذهلة، لكنها مرتبطة بالسياق الحي، لا بالرموز المجردة. وهنا يكتب: «أنماط التفكير تتشابه من مجتمع إلى آخر من عدة أوجه... إن وجود نشاط فكري فردي حقيقة واقعة كما هي الحال في الثقافات الغربية».