وفاء عبد الرؤوف: خصوصية الثقافة الإيطالية لا تشعرني بالغربة عند الاقتراب منها

حصلت على وسام نجمة إيطاليا برتبة «فارس» تكريماً لدورها المؤثر في الترجمة

وفاء عبد الرؤوف لحظة تسلمها الوسام من سفير إيطاليا في القاهرة
وفاء عبد الرؤوف لحظة تسلمها الوسام من سفير إيطاليا في القاهرة
TT

وفاء عبد الرؤوف: خصوصية الثقافة الإيطالية لا تشعرني بالغربة عند الاقتراب منها

وفاء عبد الرؤوف لحظة تسلمها الوسام من سفير إيطاليا في القاهرة
وفاء عبد الرؤوف لحظة تسلمها الوسام من سفير إيطاليا في القاهرة

نالت المترجمة المصرية الدكتورة وفاء عبد الرؤوف البيه، أخيراً، وسام نجمة إيطاليا برتبة فارس، وهو الوسام الذي يمنحه رئيس الجمهورية الإيطالية سيرجيو ماتاريلا، لمن يقومون بدور مؤثر في نشر اللغة والثقافة الإيطالية في العالم.
وتجمع الدكتورة وفاء عبد الرؤوف بين العمل الأكاديمي كأستاذة للأدب الإيطالي الحديث والمعاصر بجامعة حلوان المصرية، وبين الترجمة الأدبية منذ سنوات، أنجزت خلالها عدداً من الأعمال المهمة، من أبرزها «أنطونيو الجميل» لفيتاليانو برانكاتي، و«الكتب الممنوعة» لماريو أنفليزي، و«المسيح توقف عند إيبولي» لكارلو ليفي، و«حُلم ماكينة الخياطة» لبيانكا بيتسورنو، و«الغرفة العائمة» لروبرتو باتسي.
هنا حوار معها حول ملامح خصوصية اللغة الإيطالية بالنسبة لها وارتباطها بالثقافة العربية، ورؤيتها لعلاقة القارئ العربي بالأدب الإيطالي، وأبرز محطاتها مع الترجمة الأدبية.

> بداية أهنئك على هذا التكريم المستحق وأسألك: كيف تنظرين إلى هذه اللحظة المبهجة، وماذا يعنيه لكِ ولمسيرتكِ في الترجمة منحُكِ وسام نجمة إيطاليا برتبة فارس؟
- أنا سعيدة بهذا التكريم، وهو يعني أن العمل على إنشاء جسور بين الثقافتين الإيطالية والعربية وإقامة حوار مستمر بينهما هو جهد مُقدر، يُنظر له بعين الاعتبار والتكريم. وهو أيضاً دفعة كبيرة لي لأجل الاستمرار في العمل الجاد على عقد صلات أكاديمية وثقافية بين مصر وإيطاليا.
> حدثينا عن علاقتك باللغة والثقافة الإيطالية، وكيف تشكلت منذ البداية، ما هي ملامح خصوصيتها بالنسبة لكِ؟
- في الحقيقة مرت علاقتي باللغة والثقافة الإيطاليتين بمراحل مختلفة مُتدرجة، فقد بدأت دراسة اللغة الإيطالية منذ مرحلة التعليم ما قبل الجامعي، ثم التحقت بقسم اللغة الإيطالية بكلية الألسن، ثم تخرجت وبدأت الحياة الأكاديمية والدراسة بين مصر وإيطاليا. وهكذا كلما اتسع حقل الدراسة، وكلما اتسع نطاق المعرفة والاطلاع، زادت نقاط الاتصال بالثقافة والمجتمع الإيطالي.
الثقافة الإيطالية لها خصوصية كبيرة بالنسبة لي تنبع بالأساس من تقاربها الواضح مع الحضارة المصرية، في مراحل مختلفة، ومع الثقافة العربية بفعل الحضور العربي في صقلية لمدة قرنين، وأضيف إلى هذه الخصوصية التناغم الذي يجمع شعوب ضفتي البحر المتوسط، وكون الثقافة الإيطالية بوابة ذهبية في الوقت نفسه للثقافة الأوروبية في عمومها. وهذه كلها عناصر تنفي أي شعور بالغربة عند الاقتراب من الثقافة الإيطالية بمفرداتها المختلفة.
> كيف عزز جمعكِ بين المسارين الأكاديمي والترجمة الأدبية مشروعك المهني؟
- هما في الحقيقة مساران لا يفرض أي منهما على الآخر نفسه بالضرورة، فأستاذ الجامعة لا يكون بالضرورة مترجماً أدبياً، والعكس صحيح أيضاً، ولكن تجمع بينهما ضرورة الاطلاع الواسع، والمعرفة المتعمقة بالثقافتين العربية والإيطالية، والقدرة على إحداث التوازن بين واقعين يتميزان بخصوصية كبيرة؛ وأنا شخصيًا أعتبر نقطة الإدراك الواسع لأبعاد الثقافتين، والتعبير المتوازن عن كل منهما على الضفة المواجهة، نقطة مركزية في المسار الأكاديمي والعملي.
> اهتمام القارئ العربي بالآداب الإنجليزية واللاتينية أصيل وتقليدي، كيف يمكن وصف مدى اهتمامه بالأدب الإيطالي خلال السنوات الأخيرة؟
- أعتقد أنه لا يمكننا الحديث عن اهتمام القارئ العربي بالأدب الإيطالي دون الحديث عن حجم الإنتاج الذي يوجه له، وهو في الحقيقة - ورغم زيادة عدد الترجمات في السنوات الأخيرة - لا يزال بحاجة إلى تعزيز وتدعيم، ومواكبة لاتجاهات الإنتاج الأدبي المعاصر في إيطاليا. لا يمكن أن نلفت انتباه القارئ إلى مؤلف أو عمل إلا عبر خلق حالة أصيلة حول الكتابة، ولا يحدث هذا إلا بكثرة الأعمال المترجمة وتنوعها لكاتب بعينه، كما هو الحال مع ألبرتو مورافيا وإيتالو كالفينو، اللذين ترجم كل منهما لأكثر من عشرين مرة في أنحاء الوطن العربي، أو بوجود جدل حوله، كما هو الحال مع دانتى أليجييري، شاعر إيطاليا الكبير، وعمله الأعظم «الكوميديا الإلهية»، ومدى تماسه مع الثقافة العربية والإسلامية. وفي النهاية، تجد الأعمال المهمة طريقها إلى القارئ في أي زمن وأي مكان.
> في «الغرفة العائمة» للكاتب الإيطالي روبرتو باتسي، مزيج سردي مستوحى من حضارات قديمة؟ هل ألقت حُمولة التاريخ في الرواية على تحديات ترجمتكِ لها؟
- اختار باتسي لروايته «الغرفة العائمة» لحظة تاريخية للإمبراطورية الرومانية ولمصر، وهي لحظة سقوط آخر ملوك الأسرة المقدونية، بعد هزيمة جيش أنطونيوس وكليوباترا أمام جيش أوكتافوس، قيصر روما الجديد، واختار باتسي لروايته بطلاً، هو ثمرة من ثمار التقاء هاتين الحضارتين العظيمتين، ألا وهو قيصرون، ابن يوليوس قيصر وكليوباترا. يفرض السياق التاريخي على المترجم ضرورة الاطلاع على تفاصيل تلك اللحظات التاريخية المؤثرة وما تضمه من شخصيات، يغلب عليها الحضور اليوناني والروماني، ويضيف باتسي إلى هذه المهمة تحدياً مختلفاً، بأن يُجيد إخفاء الخط الفاصل بين الحقيقة التاريخية الموثقة، والخيال. فهو ينطلق من سياق تاريخي محدد، معروف للجميع، ويتجه إلى أفق يحتفي بالرؤية والخيال.
> ما أكثر ما جذبك في رواية «أنطونيو الجميل» التي تُعد واحدة من أشهر أعمال فيتالينو برانكاتي وإثارتها للجدل منذ نشرها؟
- «أنطونيـو الجميـل» هـي واسطة العقـد في ثلاثية فيتاليانو برانكاتي، التي تتألف أيضاً من روايتي «دون جوفاني (جوان) في صقلية»، و«باولو الساخن»، وهي تدور حول موضوع الزهو الذكوري الصقلي بطريقة تجمع بين العام والخاص، السياسي والشعبي، وتتماس فيها الإشارة إلى النظام الفاشي المزهو بنفسه دون فعالية حقيقية، والأعراف الصقلية الاجتماعية الذكورية. أكثر ما يجذب في هذه الرواية هو أنها تعكس المجتمع الإيطالي في خمسينيات القرن الماضي، على المسارين السياسي والاجتماعي، وعلى المسار الفني أيضاً. فقد صدرت الرواية في أوج حركة الواقعية الجديد، واهتمت بالتعبير عن الواقع المحلي في شتى مناحيه، وابتعدت عن مركزية العاصمة لتكشف لنا عادات وأعرافاً جنوبية أصيلة. ورغم أن روايات الواقعية الجديدة قد كرست لتجربة كتابها الشخصية ومعاناتهم تحت حكم النظام الفاشي، إلا أن رواية برانكاتي تُخضع الفاشية لنزعة الزهو الذكوري المحلية، فتنتقل نظرة المؤلف من الخاص إلى العام، ومن الرغبات الشخصية إلى التاريخ الإيطالي بين عامي 1930 و1943.
> برأيكِ ما الذي يجعل «المسيح توقف عند إيبولي» مُلهمة للترجمة وللقراءة حول العالم؟
- «المسيح توقف عند إيبولي» هي إحدى العلامات البارزة في تاريخ رواية الواقعية الجديدة في إيطاليا، وهي رواية سيرة ذاتية لمؤلفها كارلو ليفي، الطبيب والرسام والأديب الإيطالي الشهير، والمعارض للفاشية. لا يستعرض ليفي في الرواية حياته كلها، بل يقص الفترة التي قضاها منفياً في إحدى بلدات جنوب إيطاليا التي لم تصل إليها الحضارة المدنية بأي صورة. في هذه النقطة لا يوجد التاريخ في صيغته التي نعرفها، ولا يوجد الدين، ولا العلم، ولا التفكير المنطقي. هناك، في هذه البلدة التي تُسمى أليانو يوجد عالم مختلف، له مفردات مختلفة وقيم مغايرة. وهناك، في هذه البلدة، يلتقي عالمان، عالم فلاحي أليانو الذين يرددون مقولة أن «المسيح توقف عند إيبولي» في إشارة إلى ما يتلقونه هم من معاملة لا تمت للإنسانية بالصلة من جانب سادة روما، وعالم الطبيب الموضوعي، والفنان والأديب المثقف الذي تلقى تعليمه في تورينو. وحول التقاء هذين العالمين شديدي الاختلاف تدور رواية ليفي، ومن هذه النقطة تأتي عالميتها.
> «حُلم ماكينة خياطة» بما فيها من حكايا منسوجة وتحية لحكايا الجدات... كيف انعكست على ترجمتك لتلك الرواية، وكيف وجدت تقديم «بيانكا بيتزورنو» الذي ربطت فيه بين العالم المُتخيل لتلك الرواية وصلته بالواقع؟
- كل القصص التي تقدمها رواية «حلم ماكينة الخياطة» تدور خلف أبواب مغلقة، ولا سبيل لمعرفتها سوى أن تجتاز بنا آلة الخياطة تلك الأبواب. أما مدى واقعية تلك القصص فقد حددته لنا المؤلفة في مقدمتها حين قالت إن القصص والشخصيات الواردة في الكتاب خيالية، لكن كل حكاية تنطلق من حدث وقع بالفعل، وإنها قامت بإحكام الأحداث، واخترعت بعض التفاصيل وأضافت شخصيات ثانوية عليها. وبعيداً عن كلام بيتسورنو نفسه، تقدم الرواية بدقة البعد الطبقي للمجتمع الإيطالي في النصف الأول من القرن العشرين، والنظرة الذكورية المتحكمة فيه، ووضع المرأة بين طبقة عاملة كادحة تمثلها الراوية نفسها، وسيدات برجوازيات متفتحات وواثقات من أنفسهن، أو أخريات خاضعات خانعات.
> مهما بلغت احترافية المترجم، هل يمكن أن تكون كافية لعملية الترجمة دون تماهيه مع النص... كيف ترين ذلك؟
- لا أعتقد أن المترجم يجب أن يتماهى مع النص، لأن هذا سيأتي على حساب النص ذاته ومؤلفه وسماته الأسلوبية التي يجب أن تبقى واضحة حتى في النص المترجم، وهذا ما يميز المترجم المحترف، ألا وهو الفهم العميق للنص، ولسياقه، ولخصائص مؤلفه الأسلوبية واللغوية، ونقل كل هذا في إطار ما هو مكتوب أمامه، فيعبر عما هو جلي بوضوح ويترك ما هو رمزي على حاله.
> أخيراً... مع الزيادة الملحوظة لعدد الأعمال المُترجمة في الفترة الأخيرة، هل تعتقدين أن تلك ظاهرة إيجابية أم عشوائية فيما يتعلق بجودة الترجمة؟
- لا أرى، في الحقيقة، علاقة بين الكم والكيف هنا إلا إذا كنا نتكلم عنهما في إنتاج مترجم بعينه، أما إذا تحدثنا بشكل عام، فكثرة الترجمات ظاهرة إيجابية، ولكن المشكلة تكمن في غياب الاجتهاد الموازي لهذه الكثرة.



السرد المضاد في حكاية سنمّار

سعيد الغانمي
سعيد الغانمي
TT

السرد المضاد في حكاية سنمّار

سعيد الغانمي
سعيد الغانمي

تُعد مدينة الحِيرَة الواقعة جنوبي الكوفة في صورتها السردية التاريخية المتخيلة، عتبة تخطٍّ ومستودعاً مستقبلياً زاخراً لحفظ وصيانة الثقافة العربية، فهي إحدى النقاط الزمنية الأخيرة والفارقة منذ القرنين الرابع والخامس الميلادي حتى السابع التي استعادت فيها وجددت ثقافة العرب بنيانها وحفظت لهجات لغتها من مظاهر التعدد والتشتت والعزلة في عمق التاريخ وأنحاء المكان، وحالت دون التزاحم والاندماج مع الثقافات الأخرى، فكانت بحق الحقبة الثقافية التأسيسية الأولى الممهدة لليقظة القومية والثقافية والدينية، كما يصفها الدكتور سعيد الغانمي في كتابه «ينابيع اللغة الأولى».

مستودع سردي

كان ذلك المستودع اللغوي والسردي الحِيري الزاخر، قد انتقل إلى أطوار زمنية لاحقة مزدهرة نحو مدن جديدة، في الوقت الذي كانت تتطوح فيه اللهجات العربية مع مسار هجرات التنقل والرعي، وتغرب مع أفول الممالك والدول ونهاية الملوك وتتغرب في الشتات مع حملات الجيوش والغزاة غير أن هذا المستودع -العتبة- مضى يحمل هامشه اللغوي لصيانة اللغة العابرة للممالك والدول والملوك والمستقرة في الحواضر، وصار بناءً سردياً خالصاً، ينضوي على نسق تأويلي حر بين السرد التوكيدي لصالح الحاكم والسرد المضاد لصالح اللغة.

ولعل تلك العتبة السردية والتاريخية ما كانت لتتشكل لولا الوقائع السياسية الداعمة التي رافقت نشوء دولة وملوك المناذرة اللخميين العرب ودورهما في تأصيل وتكوين موقع مدينة الحيرة ووجودها الجغرافي والسياسي شبه المستقل وضبط إيقاعها المتناغم نسبياً مع القوى الإمبراطورية المهيمنة والسائدة في ذلك الوقت.

رسم توضيحي لقصر الخورنق

التوكيدي والمضاد

وإذا كان السرد التاريخي بنوعه التوكيدي الأول، يؤكد سعة وتركز الوقائع السياسية والثقافية واللغوية المستودعة في الأدب والسيرة والحكايات والشعر برفقة الصورة التاريخية للمدينة وإطارها الملكي والإمبراطوري فإن نوعه الثاني «السرد المضاد» يغدو في نسيج النصوص الأدبية قلقاً وتوتراً لغوياً، يجعل النص مفكراً ومعبراً في عمقه السردي عن معنى عميق خارج الإطار السياسي بما ينبئ عن كمون المواجهة النقدية على نحو معين وبيان الصورة الإنسانية المغيبة كما في نص «حكاية سنمّار»، موضوع القراءة في هذه السطور.

إن نص سنمّار يخفي في محتواه السردي، الطبيعة السياسية البارعة لشخصية المهندس الذي يستكمل بناء القصر الملكي الفخم فيخبئ آجرّة حتى إذا ما سُحبت، سوف يتقوض البناء عن آخره ويتهشم كأثر بعد عين، ولم يستطع الراوي تضليل براعة الفكرة أو إقناع المتلقي بإهمالها فيحاول عبثاً أن يجعل من سنمّار غفلاً سياسياً ليخبر الملك «بالقنبلة والشيفرة» التي ستفجر كل شيء، فمن غير المعقول أن مهندساً يقيم مخططين هندسيين فائقين للبناء والتقويض معاً ثم يفشي سرهما الذي سيؤدي إلى هلاكه حتماً.

في مقابل ذلك لا يمكن أن نعدّ الراوي غفلاً أو ساذجاً على مستوى بناء نصه أو يقدم تنازله الفني الفاضح لصالح خدمة الحاكم حسب، فقد حفل النص بتوتر لغوي وبترقب على مدى مفتوح في أن يُبقي سر الآجرّة محفوظاً دون أن يطلع عليه الملك أيضاً، وظلت فكرة التقويض قائمة ومرعبة مثل حكاية غير رسمية مخبأة، لم تروَ بعد، يحتفظ بكتمها المؤجل، الراوي «العليم» للحكاية أو يتوارى لغوياً بصرف انتباه الملك عنها.

وستغدو فكرة التقويض المغيبة عن الملك معادلة لتغييب الذكاء السياسي لدى شخصية المهندس، ومن خلال هذه المعادلة، يضطلع المحتوى السردي بالحكاية الأخرى المخبأة التي قد يتسلمها راوٍ آخر، يُشبه إلى حد بعيد تناوب الرواة في سرد حكاية واحدة على مدى الأزمان كما تناوله القاص محمد خضير في كتابه «بصرياثا» وقصة «رؤيا البرج» بشأن «الحكاية التي لم تنتهِ أو تمُتْ ليتسلم الحكاية نفسها حكَّاء آخر، يواصل الحكي بعد موت الأول».

إذن يتحرك زمن الرواة وتستمر الحكاية نفسها، والمفقود في حكاية سنمّار من تغييب لطبيعة شخصية المهندس وذكائه السياسي، تبيّنه الصورة الملكية والتاريخية العامة المعلنة أو تستعيض عنه في توكيد السرد لصالحها، وتُكسبه المواجهة النقدية والتوتر اللغوي في السرد المضاد، إذ أُخفيت آجرّة التقويض كحبكة تفجير في ثنايا النص ولغة الراوي «العليم» قبل البحث عنها وكشفها في جدران قصر الخورنق.

ما السرد المضاد؟

استند جون دوكر مؤلف كتاب «أصول العنف» إلى مفهوم التعدد الصوتي في السرد لدى باختين، فاستعار مصطلح «السرد والسرد المضاد» ليعبّر فيه مباشرةً عن حقله الاختصاصي في علم الضحية والظاهرة العنفية والإبادة الجماعية في التاريخ البشري، ويخلص بتهكم إلى صورة الإمبريالي النبيل الروماني الأصل سليل الطرواديين، والغربي الحديث سليل الرومان، ويتقفى سطح وعمق النصوص السيرية في السرد التوكيدي مبيناً الحملات التاريخية لشن العنف والقتل البربري فيما يتحدث عن النسق الضامر في السرد النقدي المضاد في مواجهة تاريخ الإبادات البشرية.

ولا يستخدم دوكر السرد المضاد في النصوص لغاية أدبية - نقدية قدر ما يعده ذخيرة بحثية ليقدم شيئاً جديداً في حقل دراسات السلام ونبذ العنف.

في هذا السياق فإن السرد المضاد هو محمول ضامر في النص، وهامش حر جرى التعتيم عليه وصرف الانتباه عنه لأسباب سياسية سائدة كثيراً ما يلجأ إليها الكاتب أو الراوي في سبك حكايته، ولكن سرعان ما يُكشف عنها في وقت آخر وتعد فخاً فنياً ولغوياً مؤجلاً باستمرار ومرمماً في رواية أخرى مخبأة.

سنمّار وصورة الحِيرَة السردية

في حكاية سنمّار، لا يتخطى الحكّاء إطارية الحكاية وصورتها العامة عبر وجود الحاكم وسلطته المطلقة على شعبه على الرغم من أن هذه السلطة في صورتها السردية التاريخية المضطربة، تابعة لأخرى خارجية، وتأتمر بأوامرها وينعكس وجودها من خلال التحالف معها، وبواسطة ذلك، جهَّز الحكّاء استهلاله التوكيدي عشية استعداد ملك الحيرة، النعمان بن المنذر، لاستقبال ملك الفرس ابن سابور، وكيف يُحسن ضيافته ويُرضيه، وعدا ذلك كانت الحكاية، تغض النظر عن «غاية الفخامة للمستعمر» وتصرف الانتباه عن ذكاء المهندس السياسي، وترتكز إلى امتياز شامل للنعمان بتشييد قصر فخم لا تضاهيه عمارة ولا يفوقه بناء.

وبذلك فإن الصورة السردية والتاريخية التي ترافق السرد، وتعبّر عنها الحكاية، هي أن موقع ووجود مدينة الحيرة يمثل النسق التوكيدي للغاية المضللة لدى المستعمر الفارسي والبيزنطي وتطلُّع الحيرة الحقيقي إلى الاستقلال، فيما يُظهر السرد المضاد النسق البربري لتاريخ العنف وحملات الغزو والإبادات البشرية الشاملة في المنطقة، مثلما تُخبأ الآجرَّة كفكرة تقويض وهدم مستمرة.

وبين هذين

السردين -سواء ما ترويه الحكايات، أو تعبّر عنه صورة المدينة السردية في التاريخ- تمكنت الثقافة العربية من أن تجد جسرها الصياني نحو ضفة ثانية لتجميع وتوحيد لهجاتها في فصحى الحيرة كونها آخر اللهجات الجامعة في اللغة العربية، كما يؤكد الغانمي، فها هي صورة الآرامي النبيل سليل التشتت والعزلة الشرقية، والعربي الحديث في القرن الخامس الميلادي سليل الآرامية، تستجمع سردها الملكي في حِيرَة الكوفة وتعقد بيانها لتغدو مهاداً ليقظة إنسانية وطوراً آخر للتجدد والبناء الملكيين في مكة وبغداد والأندلس، والأهم من ذلك كله ظل السرد المضاد في النصوص المفكرة، يبحث عن فكرته الجوهرية في آجرّة التقويض ونبذ العنف.

* كاتب عراقي


«حاملة الأزهار»... تمثال حجري من قصر هشام بن عبد الملك

تمثال أموي من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدره قصر هشام نواحي شمال أريحا
تمثال أموي من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدره قصر هشام نواحي شمال أريحا
TT

«حاملة الأزهار»... تمثال حجري من قصر هشام بن عبد الملك

تمثال أموي من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدره قصر هشام نواحي شمال أريحا
تمثال أموي من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدره قصر هشام نواحي شمال أريحا

ازدهر فن النحت والنقش ازدهاراً كبيراً خلال الحقبة الأموية، حيث ارتبط عضوياً بالعمارة المدنية، وشكّل ركناً أساسياً من أركان حللها الزينية. تجلّت معالم هذا الفن في مجموعة من التماثيل خرجت من قصر شيّده الخليفة هشام بن عبد الملك في البادية الفلسطينية، شمال أريحا، منها تمثال يمثّل امرأة تقف منتصبة، رافعة بيدها اليمنى باقة من الأزهار. يعكس هذا المجسّم أثر التقاليد الساسانية، ويشهد لاستمرارية الأطرزة الفنية المحلية التي عُرفت بها مدن بوادي الشام في القرون التي سبقت ظهور الإسلام. من جهة أخرى، يتميّز هذا الأثر بقالب مبتكر يظهر في عناصر عديدة من تكوينه، ويختزل جمالية أنثوية خاصة، اختمرت خلال العهد الأموي، وطبعت العديد من آثاره الفنية.

يبلغ طول هذا المجسّم نحو 1.5 متر؛ ما يعني أنه يحاكي تقريباً حجم القامة البشرية الطبيعية، وهو مكوَّن من كتلة منحوتة بأبعادها المختلفة؛ ما يجعله تمثالاً كاملاً، وفقاً للمصطلحات المكرّسة في القواميس الفنية. يخرج الأسلوب الفني المعتمد عن الأسس الكلاسيكية، ويتبنّى طرازاً محلياً تبقى شواهده الحية في ميراث تدمر الفني، حيث الحركة الحية غائبة، والسكون هو السيّد، ووضعية المواجهة تسيطر على التأليف، ومعها تبدو الوجوه شاخصة والعيون واسعة محدقة، والأيدي تنحني أو ترتفع وتنبسط، وفقاً لحركات ثابتة. يتكرّر هذا التكوين الجامع في هذا التمثال الأموي الأنثوي. يستقر الرأس على كتفين عريضتين، ويبدو مستقيماً في وضعية المواجهة. كذلك، يظهر الجسد في وضعيّة تسيطر عليها حالة من الجمود، وتقتصر الحركة الحية على ارتفاع الذراعين نحو الأعلى. سقطت اليد اليسرى وضاع أثرها، وبقيت اليد اليمنى، وظهرت بتكوينها الكامل، وتمثّلت بقبضة تمسك بأصابعها باقة من الأزهار.

الصدر ممتلئ، والبطن مكتنز، وكذلك الفخذان. الساقان متلاصقتان، ويلفّهما إزار طويل ينسدل حتى حدود القدمين. تزيّن هذا اللباس البسيط شبكة من الثنايا الأفقية المتوازية، ويعلوه حزام عريض ومعقود حول الخصر، ويحدّه شريط يمتد عمودياً بين الساقين، ويتواصل أفقياً، متّخذاً شكل بطانة عريضة. تزيّن الحزام العريض سلسلة من الثنايا المتلاصقة المجدولة، وتزّين البطانة سلسلة من الخانات المستطيلة المتساوية، في صياغة أنيقة، تصهر بين النقش والنحت والزخرفة. تتجلّى هذه الصياغة كذلك في سلسلة مجدولة معقودة حول الكتفين، تتدلّى من وسطها حلية نصف دائرية عريضة، تعلوها شبكة من النقوش تحاكي الأحجار المرصّعة. يقابل هذا العقد الجميل سواران عريضان مجرّدان، يلتفّان حول مفاصل الكتفين. يحضر هذا الأسلوب في تكوين باقة الأزهار التي ترفعها المرأة بيدها اليمنى، وهي هنا على شكل كوز مرصوص، يحوي كتلة من الأزهار، حُدّدت بتلات كلّ منها بدقة.

ملامح الوجه تدمرية بامتياز. العينان لوزتان ضخمتان شاخصتان، يتوسط كلاً منهما بؤبؤ غائر. الحاجبان قوسان محفوران، ينسدل من وسطهما خيط الأنف المستقيم. سقطت كتلة هذا الأنف الناتئة وتهشّمت، غير أن تكوينها الأصلي لا يزال ظاهراً. الثغر صغير، ويتكون من شفتين مطبقتين، يفصل بينهما شق غائر. الذقن عريضة، وكذلك العنق. تعلو الرأس كتلة من الشعر الكثيف، تحوّلت خصلها شبكةً من النقوش المزخرفة. تأتي الغرة على شكل إكليل يتألف من سلسلة من الحلقات الدائرية المتشابكة. وتتدلّى من طرفي هذه الغرة خصلتان متوازنتان تستقران عمودياً على الوجنتين. تلتف خصل الشعر في ثلاث طبقات متعاقبة ومتساوية تستقر فوق الهامة، مشكّلةً تسريحة خاصة تميّزت بها كما يبدو القطع الأنثوية الأموية، على اختلاف أنواعها، منها على سبيل المثل لوحة جدارية من محفوظات متحف الفن الإسلامي ببرلين، مصدرها موقع أموي في بادية الأردن يُعرف باسم قصير عمرة، وتمثّل امرأة مكتنزة تقف في وضعية نصف جانبية.

تحني هذه المرأة رأسها انحناءة طفيفة، وتبدو ملامح وجهها جليّة. العينان ضخمتان، وهما لوزيتان، ويعلوهما حاجبان عريضان، اتخذا شكل قوسين منفصلين. الأنف طويل، ومنخراه محدّدان بدقة. الثغر محدّد بشكل مماثل، مع شق في الوسط يفصل بين شفتيه. يستقر الرأس فوق صدر ممتلئ، يعلوه عقد من الحجارة الدائرية المنمنمة الحمراء، تتدلّى منه في الوسط قلادة عريضة تزيّنها ثلاثة فصوص بيضاء. تظهر الذراعان، وتظهر الحلل التي تزينهما. يزيّن كلّا من الذراعين سوار مزدوج خطّ باللون الأسود، ويزين كلّاً من اليدين سوار خُطّ بأسلوب مماثل. وتظهر عند أعلى الحوض سلسلة تنعقد حول الوسط على شكل حزام رفيع. الساقان مكتنزتان وملتصقتان، وتكشف القدم اليمنى عن سوار إضافي يأخذ هنا شكل خلخال بسيط. يعلو الرأس شعر أسود كثيف يأخذ شكل كتلة مرصوصة ضخمة، تكلّلها كتلة بيضاوية سوداء. وتعلو الشعر شبكة مكوّنة من سلاسل من الحجارة اللؤلؤية البيضاء.

يتكرّر هذا المثال الأنثوي تشكيلياً في جداريات قصير عمرة، كما يتكرّر تشكيلياً في منحوتات قصر هشام، ونقع على قطع متفرّقة يحضر فيها هذا النموذج، مصدرها مواقع أموية أخرى.

في الخلاصة، تشكّل هذه القطع المتنوعة مجموعة تشهد لنشوء مثال أنثوي خاص، ظهر خلال الحقبة الأموية، وارتبط بها بشكل خلّاق.


السيرة السورية بالأسود والأبيض وقليل من الأحمر

السيرة السورية بالأسود والأبيض وقليل من الأحمر
TT

السيرة السورية بالأسود والأبيض وقليل من الأحمر

السيرة السورية بالأسود والأبيض وقليل من الأحمر

في أول حضور لها في العاصمة السورية دمشق، عرضت الفنانة التشكيلية ديمة نشاوي ثلاثين لوحة توثق فنياً محطات مفصلية في سيرة المدن السورية خلال سنوات الثورة والحرب، ضمن معرضها الفردي الأول (المبتدأ... الأرض لنا) الذي استضافته صالة «منزول» أخيراً.

ديمة نشاوي التي درست علم الاجتماع في جامعة دمشق؛ لأنها لم تفلح في تأمين واسطة تدخلها إلى كلية الفنون الجميلة زمن النظام السابق؛ إذ كانت من الناشطين الذين ناهضوا نظام الأسد، واضطرت إلى مغادرة البلاد.

وخارج سوريا، كرَّست اهتماماتها الفنية لدعم الأطفال في مناطق النزاعات، مع التركيز على الأطفال السوريين في مخيمات النزوح في لبنان. ومن خلال انضمامها إلى فرقة Clown Me In المسرحية، استخدمت شخصيتها الكوميدية المهرجة «نسيت» لتقديم الدعم النفسي والإغاثي للأطفال، والعمل على إدخال البهجة والضحك إلى حياتهم. وتم اختيارها ضمن قائمة «بي بي سي» لأكثر 100 امرأة إلهاماً وتأثيراً حول العالم لعام 2018؛ تقديراً لجهودها المتميزة في دعم الأطفال.

بالتوازي مع النشاط الميداني، كانت ديمة توثّق الوجع السوري، وترسم الأحلام والآمال بالعودة والبناء والعمران، لتكون الحصيلة معرضاً تحمله إلى دمشق في عودتها الأولى، في رسالة فنية وإنسانية تؤكد حضورها كفنانة تشكيلية، وكامرأة سورية كانت وما زالت حاضرة في قلب الحدث السوري بدءاً من المظاهرات الأولى عام 2011 ولغاية سقوط النظام 2024، وحتى المرحلة الانتقالية وما تحمله من آمال بناء الدولة.

اعتمدت ديمة نشاوي على اللونين الضدين الأسود والأبيض مع حضور نادر للأحمر - كأن الواقع والحلم لا يحتملان التلوين - مقدّمة رؤيتها لأبرز المحطات المفصلية في سيرة شعب انتفض على كامل الجغرافية السورية، ضد الدكتاتورية والظلم، من انطلاق الشرارة في درعا واعتصام الساعة في حمص، وتدمير الجسر المعلق في دير الزور، واستباحة تنظيم «داعش» للرقة ومناطق الجزيرة السورية، مروراً بحماة وسيرة عذاباتها، وحتى مجازر الكيماوي والتهجير القسري وحصار الغوطة 2018، وصولاً إلى محافظة إدلب التي احتضنت النازحين والمهجّرين قسراً وغيرها من محافظات، حتى سقوط بشار الأسد، إضافة إلى الأحداث الكبرى والاعتداءات الإسرائيلية وحرب غزة.

والمفارقة في أعمال ديمة نشاوي، تقديم عناوين القضايا والأحداث بتقشف لوني وبذخ ترميزي، من خلال خطوط كثيفة دقيقة أقرب إلى فن الحفر على المعدن، مشحونة بفيض عاطفي منحها ليونة وحيوية فائقة، تكاد أن تلامس فن المنمنمات والزخارف الشرقية وروح اللوحات التي جسَّدت قصص ألف ليلة وليلة، دون أن يغيب عنها بعضٌ من سمات رسوم الأطفال (الكارتون) في خلطة تشكيلية نهلت أيضاً من مفردات الحلي والأزياء التراثية في المنطقة، كلوحة «سوريا العظيمة»، ولوحة «دير الزور» التي أرفقتها بأغنية تراثية «لشيل همي وهمك وأخطي الليل بعنيني»، ولوحة «الرقة والموصل» مع الإشارة إلى أغنية المغنية السورية ديمة أوشو «أولئك المنسيون على ضفاف الفرات». وتقول الفنانة إنها رسمتها حين اقتحم تنظيم «داعش» الرقة والموصل في العراق لتكون أحد ابرز الأعمال من حيث غنى التفاصيل المتخمة بالدلالات الرمزية.

وربما حاولت ديمة نشاوي تدوين مشاعرها التفاعلية، ببيان مواقفها كامرأة سورية وكناشطة اجتماعية، تعنى بقضايا المرأة والإنسان والانتماء، أكثر من تقديم مقترح تشكيلي يحجز لها موقعاً ضمن الساحة الفنية، فجاءت أعمالها تعبيراً عن انعكاسات الفقد والرعب والموت والنزوح والتهجير على النفس البشرية وما توّلده من تحدٍ ورغبة في المقاومة والعودة إلى الوطن والاهتمام بالعمران والبيئة. إنها أعمال تجنح إلى إعادة الجدل حول العلاقة بين الفن والالتزام.