وفاء عبد الرؤوف: خصوصية الثقافة الإيطالية لا تشعرني بالغربة عند الاقتراب منها

حصلت على وسام نجمة إيطاليا برتبة «فارس» تكريماً لدورها المؤثر في الترجمة

وفاء عبد الرؤوف لحظة تسلمها الوسام من سفير إيطاليا في القاهرة
وفاء عبد الرؤوف لحظة تسلمها الوسام من سفير إيطاليا في القاهرة
TT

وفاء عبد الرؤوف: خصوصية الثقافة الإيطالية لا تشعرني بالغربة عند الاقتراب منها

وفاء عبد الرؤوف لحظة تسلمها الوسام من سفير إيطاليا في القاهرة
وفاء عبد الرؤوف لحظة تسلمها الوسام من سفير إيطاليا في القاهرة

نالت المترجمة المصرية الدكتورة وفاء عبد الرؤوف البيه، أخيراً، وسام نجمة إيطاليا برتبة فارس، وهو الوسام الذي يمنحه رئيس الجمهورية الإيطالية سيرجيو ماتاريلا، لمن يقومون بدور مؤثر في نشر اللغة والثقافة الإيطالية في العالم.
وتجمع الدكتورة وفاء عبد الرؤوف بين العمل الأكاديمي كأستاذة للأدب الإيطالي الحديث والمعاصر بجامعة حلوان المصرية، وبين الترجمة الأدبية منذ سنوات، أنجزت خلالها عدداً من الأعمال المهمة، من أبرزها «أنطونيو الجميل» لفيتاليانو برانكاتي، و«الكتب الممنوعة» لماريو أنفليزي، و«المسيح توقف عند إيبولي» لكارلو ليفي، و«حُلم ماكينة الخياطة» لبيانكا بيتسورنو، و«الغرفة العائمة» لروبرتو باتسي.
هنا حوار معها حول ملامح خصوصية اللغة الإيطالية بالنسبة لها وارتباطها بالثقافة العربية، ورؤيتها لعلاقة القارئ العربي بالأدب الإيطالي، وأبرز محطاتها مع الترجمة الأدبية.

> بداية أهنئك على هذا التكريم المستحق وأسألك: كيف تنظرين إلى هذه اللحظة المبهجة، وماذا يعنيه لكِ ولمسيرتكِ في الترجمة منحُكِ وسام نجمة إيطاليا برتبة فارس؟
- أنا سعيدة بهذا التكريم، وهو يعني أن العمل على إنشاء جسور بين الثقافتين الإيطالية والعربية وإقامة حوار مستمر بينهما هو جهد مُقدر، يُنظر له بعين الاعتبار والتكريم. وهو أيضاً دفعة كبيرة لي لأجل الاستمرار في العمل الجاد على عقد صلات أكاديمية وثقافية بين مصر وإيطاليا.
> حدثينا عن علاقتك باللغة والثقافة الإيطالية، وكيف تشكلت منذ البداية، ما هي ملامح خصوصيتها بالنسبة لكِ؟
- في الحقيقة مرت علاقتي باللغة والثقافة الإيطاليتين بمراحل مختلفة مُتدرجة، فقد بدأت دراسة اللغة الإيطالية منذ مرحلة التعليم ما قبل الجامعي، ثم التحقت بقسم اللغة الإيطالية بكلية الألسن، ثم تخرجت وبدأت الحياة الأكاديمية والدراسة بين مصر وإيطاليا. وهكذا كلما اتسع حقل الدراسة، وكلما اتسع نطاق المعرفة والاطلاع، زادت نقاط الاتصال بالثقافة والمجتمع الإيطالي.
الثقافة الإيطالية لها خصوصية كبيرة بالنسبة لي تنبع بالأساس من تقاربها الواضح مع الحضارة المصرية، في مراحل مختلفة، ومع الثقافة العربية بفعل الحضور العربي في صقلية لمدة قرنين، وأضيف إلى هذه الخصوصية التناغم الذي يجمع شعوب ضفتي البحر المتوسط، وكون الثقافة الإيطالية بوابة ذهبية في الوقت نفسه للثقافة الأوروبية في عمومها. وهذه كلها عناصر تنفي أي شعور بالغربة عند الاقتراب من الثقافة الإيطالية بمفرداتها المختلفة.
> كيف عزز جمعكِ بين المسارين الأكاديمي والترجمة الأدبية مشروعك المهني؟
- هما في الحقيقة مساران لا يفرض أي منهما على الآخر نفسه بالضرورة، فأستاذ الجامعة لا يكون بالضرورة مترجماً أدبياً، والعكس صحيح أيضاً، ولكن تجمع بينهما ضرورة الاطلاع الواسع، والمعرفة المتعمقة بالثقافتين العربية والإيطالية، والقدرة على إحداث التوازن بين واقعين يتميزان بخصوصية كبيرة؛ وأنا شخصيًا أعتبر نقطة الإدراك الواسع لأبعاد الثقافتين، والتعبير المتوازن عن كل منهما على الضفة المواجهة، نقطة مركزية في المسار الأكاديمي والعملي.
> اهتمام القارئ العربي بالآداب الإنجليزية واللاتينية أصيل وتقليدي، كيف يمكن وصف مدى اهتمامه بالأدب الإيطالي خلال السنوات الأخيرة؟
- أعتقد أنه لا يمكننا الحديث عن اهتمام القارئ العربي بالأدب الإيطالي دون الحديث عن حجم الإنتاج الذي يوجه له، وهو في الحقيقة - ورغم زيادة عدد الترجمات في السنوات الأخيرة - لا يزال بحاجة إلى تعزيز وتدعيم، ومواكبة لاتجاهات الإنتاج الأدبي المعاصر في إيطاليا. لا يمكن أن نلفت انتباه القارئ إلى مؤلف أو عمل إلا عبر خلق حالة أصيلة حول الكتابة، ولا يحدث هذا إلا بكثرة الأعمال المترجمة وتنوعها لكاتب بعينه، كما هو الحال مع ألبرتو مورافيا وإيتالو كالفينو، اللذين ترجم كل منهما لأكثر من عشرين مرة في أنحاء الوطن العربي، أو بوجود جدل حوله، كما هو الحال مع دانتى أليجييري، شاعر إيطاليا الكبير، وعمله الأعظم «الكوميديا الإلهية»، ومدى تماسه مع الثقافة العربية والإسلامية. وفي النهاية، تجد الأعمال المهمة طريقها إلى القارئ في أي زمن وأي مكان.
> في «الغرفة العائمة» للكاتب الإيطالي روبرتو باتسي، مزيج سردي مستوحى من حضارات قديمة؟ هل ألقت حُمولة التاريخ في الرواية على تحديات ترجمتكِ لها؟
- اختار باتسي لروايته «الغرفة العائمة» لحظة تاريخية للإمبراطورية الرومانية ولمصر، وهي لحظة سقوط آخر ملوك الأسرة المقدونية، بعد هزيمة جيش أنطونيوس وكليوباترا أمام جيش أوكتافوس، قيصر روما الجديد، واختار باتسي لروايته بطلاً، هو ثمرة من ثمار التقاء هاتين الحضارتين العظيمتين، ألا وهو قيصرون، ابن يوليوس قيصر وكليوباترا. يفرض السياق التاريخي على المترجم ضرورة الاطلاع على تفاصيل تلك اللحظات التاريخية المؤثرة وما تضمه من شخصيات، يغلب عليها الحضور اليوناني والروماني، ويضيف باتسي إلى هذه المهمة تحدياً مختلفاً، بأن يُجيد إخفاء الخط الفاصل بين الحقيقة التاريخية الموثقة، والخيال. فهو ينطلق من سياق تاريخي محدد، معروف للجميع، ويتجه إلى أفق يحتفي بالرؤية والخيال.
> ما أكثر ما جذبك في رواية «أنطونيو الجميل» التي تُعد واحدة من أشهر أعمال فيتالينو برانكاتي وإثارتها للجدل منذ نشرها؟
- «أنطونيـو الجميـل» هـي واسطة العقـد في ثلاثية فيتاليانو برانكاتي، التي تتألف أيضاً من روايتي «دون جوفاني (جوان) في صقلية»، و«باولو الساخن»، وهي تدور حول موضوع الزهو الذكوري الصقلي بطريقة تجمع بين العام والخاص، السياسي والشعبي، وتتماس فيها الإشارة إلى النظام الفاشي المزهو بنفسه دون فعالية حقيقية، والأعراف الصقلية الاجتماعية الذكورية. أكثر ما يجذب في هذه الرواية هو أنها تعكس المجتمع الإيطالي في خمسينيات القرن الماضي، على المسارين السياسي والاجتماعي، وعلى المسار الفني أيضاً. فقد صدرت الرواية في أوج حركة الواقعية الجديد، واهتمت بالتعبير عن الواقع المحلي في شتى مناحيه، وابتعدت عن مركزية العاصمة لتكشف لنا عادات وأعرافاً جنوبية أصيلة. ورغم أن روايات الواقعية الجديدة قد كرست لتجربة كتابها الشخصية ومعاناتهم تحت حكم النظام الفاشي، إلا أن رواية برانكاتي تُخضع الفاشية لنزعة الزهو الذكوري المحلية، فتنتقل نظرة المؤلف من الخاص إلى العام، ومن الرغبات الشخصية إلى التاريخ الإيطالي بين عامي 1930 و1943.
> برأيكِ ما الذي يجعل «المسيح توقف عند إيبولي» مُلهمة للترجمة وللقراءة حول العالم؟
- «المسيح توقف عند إيبولي» هي إحدى العلامات البارزة في تاريخ رواية الواقعية الجديدة في إيطاليا، وهي رواية سيرة ذاتية لمؤلفها كارلو ليفي، الطبيب والرسام والأديب الإيطالي الشهير، والمعارض للفاشية. لا يستعرض ليفي في الرواية حياته كلها، بل يقص الفترة التي قضاها منفياً في إحدى بلدات جنوب إيطاليا التي لم تصل إليها الحضارة المدنية بأي صورة. في هذه النقطة لا يوجد التاريخ في صيغته التي نعرفها، ولا يوجد الدين، ولا العلم، ولا التفكير المنطقي. هناك، في هذه البلدة التي تُسمى أليانو يوجد عالم مختلف، له مفردات مختلفة وقيم مغايرة. وهناك، في هذه البلدة، يلتقي عالمان، عالم فلاحي أليانو الذين يرددون مقولة أن «المسيح توقف عند إيبولي» في إشارة إلى ما يتلقونه هم من معاملة لا تمت للإنسانية بالصلة من جانب سادة روما، وعالم الطبيب الموضوعي، والفنان والأديب المثقف الذي تلقى تعليمه في تورينو. وحول التقاء هذين العالمين شديدي الاختلاف تدور رواية ليفي، ومن هذه النقطة تأتي عالميتها.
> «حُلم ماكينة خياطة» بما فيها من حكايا منسوجة وتحية لحكايا الجدات... كيف انعكست على ترجمتك لتلك الرواية، وكيف وجدت تقديم «بيانكا بيتزورنو» الذي ربطت فيه بين العالم المُتخيل لتلك الرواية وصلته بالواقع؟
- كل القصص التي تقدمها رواية «حلم ماكينة الخياطة» تدور خلف أبواب مغلقة، ولا سبيل لمعرفتها سوى أن تجتاز بنا آلة الخياطة تلك الأبواب. أما مدى واقعية تلك القصص فقد حددته لنا المؤلفة في مقدمتها حين قالت إن القصص والشخصيات الواردة في الكتاب خيالية، لكن كل حكاية تنطلق من حدث وقع بالفعل، وإنها قامت بإحكام الأحداث، واخترعت بعض التفاصيل وأضافت شخصيات ثانوية عليها. وبعيداً عن كلام بيتسورنو نفسه، تقدم الرواية بدقة البعد الطبقي للمجتمع الإيطالي في النصف الأول من القرن العشرين، والنظرة الذكورية المتحكمة فيه، ووضع المرأة بين طبقة عاملة كادحة تمثلها الراوية نفسها، وسيدات برجوازيات متفتحات وواثقات من أنفسهن، أو أخريات خاضعات خانعات.
> مهما بلغت احترافية المترجم، هل يمكن أن تكون كافية لعملية الترجمة دون تماهيه مع النص... كيف ترين ذلك؟
- لا أعتقد أن المترجم يجب أن يتماهى مع النص، لأن هذا سيأتي على حساب النص ذاته ومؤلفه وسماته الأسلوبية التي يجب أن تبقى واضحة حتى في النص المترجم، وهذا ما يميز المترجم المحترف، ألا وهو الفهم العميق للنص، ولسياقه، ولخصائص مؤلفه الأسلوبية واللغوية، ونقل كل هذا في إطار ما هو مكتوب أمامه، فيعبر عما هو جلي بوضوح ويترك ما هو رمزي على حاله.
> أخيراً... مع الزيادة الملحوظة لعدد الأعمال المُترجمة في الفترة الأخيرة، هل تعتقدين أن تلك ظاهرة إيجابية أم عشوائية فيما يتعلق بجودة الترجمة؟
- لا أرى، في الحقيقة، علاقة بين الكم والكيف هنا إلا إذا كنا نتكلم عنهما في إنتاج مترجم بعينه، أما إذا تحدثنا بشكل عام، فكثرة الترجمات ظاهرة إيجابية، ولكن المشكلة تكمن في غياب الاجتهاد الموازي لهذه الكثرة.



وثائق جمالية تستعيد ذاكرة الشرق

لوحة بريدجمان: " في قرية الأبيار، الجزائر".
لوحة بريدجمان: " في قرية الأبيار، الجزائر".
TT

وثائق جمالية تستعيد ذاكرة الشرق

لوحة بريدجمان: " في قرية الأبيار، الجزائر".
لوحة بريدجمان: " في قرية الأبيار، الجزائر".

بينما كانت أجراس فعاليات لندن الربيعية تعلن عن انطلاق أسبوع الفن في قلب مايفير، وفي ظل صخب شارع «نيو بوند ستريت» الذي لا يهدأ، هيأت دار «سوذبيز» العريقة ردهاتها لاستقبال نوع مختلف من الضوء؛ ضوء الشرق الذي أسَرَ مخيلة الرحالة الغربيين قبل قرنين من الزمان، ويعود اليوم ليأسر قلوب كبار المقتنين في مزاد «فن الاستشراق» لموسم ربيع 2026. لم يكن المعرض الذي افتتح أبوابه للجمهور قبل موعد المزاد مجرد عرض لمقتنيات فنية عابرة، بل كان أشبه باستعادة بصرية لذاكرة جغرافية وتاريخية تشكل وجدان المنطقة الممتدة من ضفاف النيل إلى أسوار القسطنطينية.

في هذه النسخة من المزاد، تبدو الأعمال المختارة، وكأنها تتجاوز الجدل التقليدي حول الاستشراق، بوصفه نظرة خارجية، لتتحول إلى وثائق جمالية بالغة الدقة. نحن أمام مشهد يتسم بنضج استثماري لافت؛ حيث لم يعد المقتني العربي أو العالمي يبحث عن الغرائبية فحسب، بل ينشد الأصالة والدقة التاريخية التي برع فيها فنانون من طراز جان ليون جيروم ولودفيك دويتشه. كما أن الأعمال المعروضة تؤكد أن فن الاستشراق لم يعد مجرد صنف منسيّ في تاريخ الفن، بل هو عملة ثقافية صعبة تزداد قيمتها كلما زاد الحنين إلى الجذور.

لوحة" المستعمون" لنصرالدين دينيه

عبقرية الظل والضوء

تتصدر مشهد المزاد لوحة الفنان الأميركي فريدريك آرثر بريدغمان (1847 - 1928) المعنونة بـ«في قرية الأبيار الجزائر» (In a Village at El Biar, Algiers)، والأبيار إحدى ضواحي الجزائر كانت ملاذاً للفنانين بسبب إطلالتها وهوائها العليل، وكان بريدغمان مفتوناً ببيوتها المترابطة. وهي عمل يجسد ذروة النضج في أسلوب بريدغمان الاستشراقي. في هذه اللوحة، لا يكتفي الفنان بنقل مشهد مكاني، بل يحبس أنفاس الزمن في لحظة جزائرية خالصة.

تتجلى عبقرية بريدغمان في تعامله مع «الضوء المتوسطي الساطع»؛ حيث تضرب أشعة الشمس الجدران البيضاء لقرية الأبيار، لتعكس وهجاً يكاد يشعر المشاهد بحرارته. لكن القيمة الحقيقية للعمل تكمن في التباين الدرامي بين هذا البياض الناصع وظلال الزقاق الضيق التي تمنح اللوحة عمقاً هندسياً مذهلاً.

بالنظر إلى التفاصيل الدقيقة، يبدو أن بريدغمان رسم الشخوص بلمسة إثنوغرافية غاية في الأمانة؛ من طيات الملابس التقليدية إلى حركة أيدي النساء وتموجات المياه في بركة الحوش، مما يمنح العمل قيمة توثيقية تتجاوز البعد الجمالي. إن اختيار «سوذبيز» لهذه القطعة تحديداً يعكس ذكاءً في تقدير ذائقة المقتني المعاصر، الذي يبحث عن أعمال بريدغمان ليس فقط لجماليتها، بل لقدرتها على نقل روح المكان وهدوء الحياة اليومية بعيداً عن التكلف أو المبالغة الدرامية. ومن المتوقع أن تشهد هذه اللوحة منافسة شرسة (القيمة التقديرية للوحة بين 150 - 200 ألف جنيه إسترليني)، نظراً لندرة أعمال بريدغمان التي تتميز بهذا المستوى من الحيوية في الألوان والتماسك في التكوين. هذا التقدير المرتفع لا يعكس فقط براعة بريدغمان التقنية، بل يشير إلى ندرة وجود أعمال بهذا الحجم والجودة في السوق حالياً. إن تجاوز حاجز الـ150 ألف باوند كقيمة افتتاحية يبعث برسالة واضحة للمقتنين: «نحن أمام قطعة ليست للعرض الجمالي فحسب، بل هي استثمار تاريخي رصين في أحد أكثر فصول الفن الاستشراقي صدقاً وعمقاً».

تبدو الأعمال المختارة وكأنها تتجاوز الجدل التقليدي حول الاستشراق بوصفه نظرة خارجية، لتتحول إلى وثائق جمالية بالغة الدقة

عمالقة الاستشراق والقيمة التجارية

لا يقتصر زخم مزاد «سوذبيز» لهذا الموسم على لوحة بعينها، بل يمتد ليشمل كوكبة من «أساطير الاستشراق» الذين جابوا الشرق بحثاً عن الضوء والحقيقة. يتصدر المشهد رواد المدرسة الفرنسية والنمساوية والأميركية، حيث تُعرض أعمال لأسماء لا تخطئها عين المقتني المحترف، مثل جان ليون جيروم ولودفيج دويتشه ورودولف إرنست ونصر الدين دينيه (اسمه الأصلي ألفونس). وتتراوح القيم التقديرية لهذه الأعمال في المزاد الحالي ما بين خمسين ألف جنيه إسترليني للتخطيطات والدراسات الزيتية الصغيرة، وصولاً إلى أرقام تتجاوز 300 ألف جنيه إسترليني للوحات الزيتية الكبيرة التي تتميز بتفاصيل معمارية معقدة. هذا التنوع في الأسعار والمستويات الفنية يعكس استراتيجية «سوذبيز» في استقطاب شريحتين من المقتنين: «المستثمر الجديد» الذي يبحث عن موطئ قدم في عالم الفن، و«المقتني النخبوي» الذي يطارد القطع المتحفية النادرة التي قلما تظهر في الأسواق، مما يجعل القيمة الإجمالية للمزاد تُقدر بملايين الجنيهات الإسترلينية.

استعادة الشرق بريشة الحداثة

يظل السؤال القائم في أروقة «سوذبيز» يتجاوز حدود الأرقام القياسية والمنافسات المالية؛ هل ما زال فن الاستشراق قادراً على محاورة إنسان القرن الحادي والعشرين؟ الإجابة تكمن في تلك التفاصيل التي خلدها فنانون مثل بريدغمان وإرنست؛ فهي ليست مجرد توثيق لزمن مضى، بل هي استعادة لجماليات كادت تمحوها الحداثة المتسارعة. إن الاهتمام المتزايد من قبل المقتنين والمؤسسات الثقافية في منطقة الخليج والعالم العربي بهذه الأعمال، يحولها من «نظرة غربية للشرق» إلى «إرث شرقي مستعاد» تُعاد قراءته اليوم بعيون أصحاب الأرض أنفسهم.

في نهاية المطاف، سيهدأ ضجيج المزايدات وتستقر لوحة «في قرية الأبيار» وغيرها في مجموعات خاصة أو متاحف عالمية، لكن القيمة الحقيقية لهذا المزاد تظل في قدرته على مد الجسور بين ضفتي المتوسط، وفي تذكيرنا بأن الفن هو اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة لتنقل سحر الضوء الجزائري أو روحانية جوامع القاهرة إلى قلب لندن. وبغض النظر عن أسعار المزاد، يبقى اليقين الوحيد هو أن الشرق بروعته وتفاصيله سيظل دائماً بوصلة الجمال التي لا تخطئ في سوق الفن العالمي.

 


نصب ملكي لهشام بن عبد الملك من قصر الحير الغربي

 نصب من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدره قصر الحير الغربي
نصب من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدره قصر الحير الغربي
TT

نصب ملكي لهشام بن عبد الملك من قصر الحير الغربي

 نصب من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدره قصر الحير الغربي
نصب من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدره قصر الحير الغربي

يشكل النقش التصويري ركناً أساسياً من مكوّنات الفن الأموي المدني، وتشهد لذلك مجموعات من اللقى الأثرية، عُثر عليها بين أطلال منشآت عمرانية تتوزّع على صحاري بلاد الشام، وتُعرف بـ«قصور البادية». تبرز في هذا الميدان مجموعة كبيرة تتميّز بثرائها وتنوّعها، خرجت من قصر يقع جنوب غرب تدمر، أطلق عليه علماء الآثار اسم «قصر الحير الغربي». تحوي هذه المجموعة قطعاً متعدّدة الأحجام، أكبرها قطعة على شكل نصب آدمي يحاكي ارتفاعه طول قامة الإنسان، تمثل صورة لصاحب القصر، الخليفة هشام بن عبد الملك.

وصلت هذه القامة المنحوتة مهشّمة ومجزّأة، وباتت ثلاث قطع منفصلة، منها قطعة تمثّل الرأس، وقطعة تمثّل الجزء الأعلى من الصدر، وقطعة تمثّل الساقين. تمّ وصل الرأس بأعلى الصدر من خلال عنق مضافة صُنعت من مادة مغايرة، وفقاً للطرق العلميّة المتبعة، وشكّل هذا الوصل تمثالاً نصفياً يمثّل الجزء الأعلى من هذه القامة. في المقابل، بقيت كتلة الساقين على حالها، نظراً لغياب القطعة التي تمثّل الجزء الأسفل من الصدر. هكذا يحضر هذا النصب في قطعتين متجاورتين عمودياً، ويُعرض ضمن جناح من المتحف الوطني في دمشق، خُصّص بأكمله لأهم القطع الأثرية التي خرجت من قصر الحير الغربي.

تبدو هذه القطعة المنحوتة للوهلة الأولى أشبه بتمثال ثلاثي الأبعاد، غير أن ظهرها أملس ومسطّح، ويخلو من أي نقش، ممّا يعني أنّها صُنعت لتُثبّت على جدار، وتعتمد طرازاً من طرز النقش الناتئ، يُقارب النحت بنتوئه الشديد. يعود موقع هذا المجسّم الضخم في الأصل إلى واجهة قصر الحير الغربي، حيث ثُبّت على سطح القوصرة المقوّسة التي تعلو باب مدخل القصر الكائن في وسط القسم الأسفل من هذه الواجهة، على ما افترض دانيال شلومبرجير، الخبير الذي قاد البعثة الفرنسية التي استكشفت هذا الموقع الأموي بين عام 1936 وعام 1938. حسب هذه القراءة، حظي هذا النصب بموقع رئيسي في الحلة الزخرفية التي كست هذه الواجهة، ويشير طرازه الملكي التقليدي إلى أنّه يمثّل صاحب البناء، وهو حسب نقش عُثر عليه في الموقع «عبد الله هشام أمير المؤمنين»، أي الخليفة هشام بن عبد الملك.

اعتُمدت هذه القراءة بشكل واسع في الأوساط العلميّة، غير أنّ تحديد هوّية صورتها فنياً بشكل جازم وقاطع ظلّ موضع بحث، وذلك بسبب انتهاجها أسلوباً يبتعد عن محاكاة المثال الشخصي الفردي، وتبنّيها مثالاً نموذجياً جامعاً. في الخلاصة، يشكّل هذا النصب صورة نموذجية مثالية للخليفة هشام بن عبد الملك، كما يشكّل صورة رمزية تختزل مقام هذه الخلافة فحسب. يحلّ رأس هذا المجسّم في كتلة بيضاوية سقط منها الجزء الأسفل للأسف، وما بقي منه يشير إلى لحية مستديرة تتّصل بشاربين طويلين. انمحت العين اليمنى، وسلمت العين اليسرى، وهي لوزية، ويعلوها حاجب مقوّس، وفي وسطها بؤبؤ طُلي باللون الأسود. الأنف عريض وناتئ. الأذن اليسرى ظاهرة، وتتميّز بحلق دائري يتدلّى من طرفها الأسفل. الشعر كثيف، وما بقي منه يشير إلى خصل تلتف حول الوجه، يعلوها تاج يحدّه إكليل مكوّن من شريطَين رفيعَين متلاصقَين. يكشف رداء الصدر عن ثوب فضفاض ذي ثنايا مقوّسة متجانسة، يفصل بينها في الوسط شريط عمودي عريض، زُيّن بسلسلة من الأقراص الدائرية الصغيرة.

تتّضح هوية هذا اللباس في الجزء الأسفل من المجسّم، وهو الجزء الخاص بالساقين. يظهر الملك في وضعيّة الجلوس، ويرتدي بزّة طويلة تلتف حول الركبتين المتباعدتين، تزيّنها كذلك ثنايا مقوّسة متجانسة، يفصل بينها في الوسط خيط عمودي، مستقيم وغائر. تحت هذه البزّة سروال فضفاض، يحدّ كلّ طرف من طرفيه شريط عمودي مزخرف، يماثل في زخرفته الشريط الذي يتوسط البزّة. تأخذ الساقان المتباعدتان والمتواجهتان شكل مثلث تدلّى منه طرف القدم اليسرى. يتبنّى هذا المجسّم الأموي في الواقع نموذجاً ملكياً تقليدياً خاصاً، عُرف به أكاسرة الفرس الساسانيون. دخل هذا النموذج العالم المتوسّطي بشكل واسع، وانتقل إلى العالم الأموي حيث تبنّته الخلافة التي ورثت مجد الأكاسرة، وفقاً لرؤية حضارية، اختزلها قول مأثور اشتهر به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان».

يظهر الخليفة الأموي في هذا المجسمّ الضخم مرتدياً حلّة كسرى الفرس، ويظهر كما يبدو مرتدياً حلّة قيصر الروم في قطعة أخرى من قطع قصر الحير الغربي، ضاع منها النصف الأعلى للأسف. دخلت هذه القطعة متحف دمشق الوطني، وتشكّل في الأصل جزءاً من زينة البهو الداخلي للقصر. تتبع هذه القطعة تقنية النقش الناتئ التقليدية، ويبلغ طول ما تبقّى منها نحو متر، ممّا يوحي بأنها كانت تحاكي في الأصل حجم الإنسان. يمثّل هذا النقش شخصاً يجلس على عرش ملكي، مرتدياً معطفاً يعلو رداءً طويلاً ينسدل حتى أسفل القدمين، كاشفاً عن قدمين تستقران فوق قاعدة فخمة تحدّها سلسلة من العواميد المرصوصة.

شاع هذا النموذج في العالم الروماني، وعُرف باسم «العرش الإمبراطوري»، وهو العرش الذي جعل منه الفن البيزنطي عرشاً للمسيح. ودخل هذا العرش قاموس الفن الأموي، كما يشهد هذا النقش بشكل جليّ. تقابل هذه الصورة المنحوتة لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن، تحضر في الركن المعروف بـ«ركن العرش»، وفيها يظهر «ولي عهد المسلمين والمسلمات» متربّعاً على مقعده الوثير، كما تقول الكتابة المرافقة. وهذا الولي هو الوليد بن يزيد، كما تؤكد كتابة ترافق جدارية أخرى من جداريات هذا القصير.


العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة
TT

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

قد يبدو السؤال عن سرديات الاقتصاد مفارقاً، ومثيراً، وباعثاً على الجدل حول علاقته بتسويق فرضية تقويض الأنماط المهيمنة للاقتصاد، والسياسات الساندة لها، وبطبيعة تغيراتها في التعاطي مع مفاهيم السوق والاستهلاك والإعلان، فضلاً عن علاقتها بمظاهر القوة والسيطرة المصرفية والمعلوماتية، فما حدث بعد الصدمة الأميركية عام 2001 أفقد العالم كثيراً من مألوفيته واطمئنانه، وجعله مكشوفاً على صراعات معقدة، انهارت معها الاقتصادات التقليدية، وبرزت الشركات العابرة للقارات كتمثيل استحواذي لـ«الزمن الأميركي» وتداعياتها على مستوى اختلاط التاريخ بالآيديولوجيا، والسياسة بالأمن، على نحوٍ جعلهما مهيئين للدخول إلى صياغة «تاريخ جديد»، بدا وكأنه معادل ثقافي وآيديولوجي لتمثلات الليبرالية الجديدة.

هذا التمثيل كان أكثر وضوحاً من التعبير عن نشوء تشكلات ثقافية معقدة، وتناقضات جيوسياسية صادمة، أثارت أسئلة فارقة حول توصيف الثنائيات القديمة لـ«الغرب والشرق» أو «الشمال والجنوب»، إذ كشفت هذه المفارقات عن معطيات بدا بعضها مصنوعاً، وبعضها الآخر مُصمَّماً في مختبرات سرية، تتعامل مع الأفكار مثلما تتعامل مع الفئران، لكن غاياتها تكمن بالخروج بنتائج تتوخى تحويل القوة إلى أدوات قاهرة، مقبولة وخادعة، وإلى أسواق غاوية للاستهلاك، وإلى انقلابات أو حركات أو أدلجات يمكن استعمالها في تكريس مفهوم الهيمنة في السوق والجغرافيا والآيديولوجيا، فضلاً عن توظيفها على طريقة «فوكوياما» في الترويج لإشاعة «الإنسان الأخير» بوصفه تمثيلاً آيديولوجياً لفكرة هيمنة المشروع العالمي للمركزية الأميركية.

ما حدث في العراق بعد عام 2003 ليس بعيداً عن ذلك، فسرديات الدولة الكبرى قد تقوضت، واقتصاد «القطاع العام» فقد قاعدته الإنتاجية، مثلما تعرضت سرديات آيديولوجيا المعسكر والحزب والقائد الرمز إلى انهيار كبير، لتصعد عبرها «سرديات صغيرة» وأدلجات غائمة ومضللة للجماعة والطائفة والهوية، على نحوٍ أعطاها زخماً وعنفاً ضاغطين، لم تعد فيهما توصيفات اليسار واليمين، والاشتراكية والقومية فاعلة، وما برز فيها تبدى عبر صعود سريع وحادّ لقوى لا وضوح طبقي لها، ولا تاريخ لها مع السلطة، فانشغلت بنزعات شعبوية، استغرقها كثير من مظاهر العنف والامتلاك والاستحواذ، لتصعد معها رساميل صغيرة عشوائية، تغذت عبر واقع اقتصادي وسياسي طفيلي وملتبس، لم تصنع منه «الدولة الجديدة» قوة فاعلة، لها برامجها ومشاريعها، ونظرتها لمفاهيم الحرية والديمقراطية والعدل الاجتماعي. فرغم فشل تلك الرساميل في أن تتحول إلى رساميل كبرى، أو إلى شركات عابرة للقارات، فإن هامشيتها جعلت منها قوة عنيفة، تسلل كثير منها إلى منظومات السلطة الرسمية، لتدخل في نظامها الاقتصادي والأمني، وفي أدلجتها، ولتكوّن وجودها عبر فاعليات ضاغطة، أسهمت في تغيير كثير من سياسات الدولة، ومسارات اقتصادها الرخو. وهذا ما جعلها تلعب دوراً في صناعة الاقتصادات الطارئة، وفي تعطيل عجلة برامج التنمية البشرية والثقافية والمستدامة، وفي فشل نظامها المؤسسي، فضلاً عن تعرّض جهازها الإداري إلى التضخم والترهل والتشوه البنيوي.

استبدال السرديات القديمة بإعادة صياغة مفهومية لمركزيات الأمة والقومية والتاريخية أفرز أشكالاً هجينة لتلك السرديات الصغيرة، ولمظاهر عنفها واضطرابها في تمثيل المجال التداولي للمفاهيم المجاورة التي تخص الدولة والديمقراطية والحرية والعدالة والهوية والقانون، باتجاهٍ جعل من الاجتماع السياسي مخترقاً من خلال انتهاكات عميقة، فقد معه تمثيله «الوطني» مقابل تحول بعض الجماعات إلى قوى فاعلة وضاغطة، لا تجمعها سوى مصالح الاستملاك، ونزعات الاستهلاك الكبيرة، أي أن وجودها ظل رهيناً بنزعات تشييد مظاهر إدامة هذا الاستهلاك، من خلال تشييد مؤسسات أهلية عائمة، غير خاضعة إلى رقابة الدولة، ولا علاقة لها بالحاجات التنموية، بقدر ارتباطها بهيمنة الأنماط؛ مستشفيات أهلية، جامعات أهلية، مدارس أهلية، مولات، الشركات، نوادٍ، مقاولات، غيرها. وهذا ما أسهم في تمهيد الطريق إلى تضخم قوة هذه المؤسسات، وتحويل علاماتها التجارية إلى علامات رمزية في صناعة «المجتمع الظل» الذي يتغذى من خلال جماعات الفساد الكبير، والتمثلات الإيهامية للإشباع الرمزي، حتى من خلال التلويح بفرضية العنف الاقتصادي. تلك التي تكرست عبرها نزعات الانفلات عن النظام العام، وتغولت مظاهر التفرد بالاستهلاك، مقابل تعطيل فاعلية أدوات تشكيل الدول الناجحة، عبر ربطها بالسياسات الناجحة والإدارة المهنية الناجحة، وببرامج وخطط التنمية والأمن الاقتصاديين.

تضخم مظاهر الاستهلاك كشف عن كثير من مظاهر رثاثة التأسيس، وترسيم حدود التقدم والبناء الدولتي، فرغم أنها ارتبطت بنشوءات طارئة، وبتشوهات صنعها الاقتصاد الطفيلي، فإن تغولها ارتهن إلى ثقافات هشة، على نحو أسهم بجعل المجتمع العراقي أكثر استعداداً للانقسام الطبقي الداخلي، بين قوى نفعية تتمترس بمظاهر الاقتصاد الزائف، وحيازة رساميل غامضة، وعبر تشكلات طبقية غائمة، وسياسات مكرسة لحمايتها، حتى عبر أدلجات جعلت من العنف جزءاً من أنساقها الحاكمة، فبدت وكأنها طاردة ومتعالية على جماعات تعيش التهوين الطبقي والضآلة الاجتماعية، لكنها غارقة في صراعاتها وفي أوهامها النخبوية والشعبوية، ما أسهم في تحوير موضوع الاستهلاك ليبدو مضللاً، بعشوائية حيازة الثروة ونزعات الاستملاك.

سرديات الاستهلاك

تاريخ العراق مع الاقتصاد الريعي يرتبط بتاريخ التشوهات الآيديولوجية للدولة العراقية منذ قرار تأميم «الصناعة العراقية» عام 1964. فمع صعود الدولة القومية، وأنموذج حكمها الديكتاتوري، تحول هذا الاقتصاد إلى مظاهر للهيمنة، وإلى الخضوع لسياسات الدولة المركزية، وإدارتها المركزية، ليسهم في صناعة وتكريس دولة الاقتصاد، عبر تسميات زائفة، مثل «الاقتصاد الاشتراكي» أو «القطاع العام» فتعطلت معها أي ممارسات للاقتصاد الحر، ولفاعليات الاستثمار.

التلازم ما بين الدولة القومية المركزية وبين الاستحواذ المركزي على الإنتاج أسهم في تأطير أشكال معقدة للهيمنة، وصناعة نوع من رأسمالية الدولة، المحكومة بمركزية الأنموذج الآيديولوجي المتعالي للخطاب القومي، الذي يتغذى عبر شعار «الثروة ملك الشعب والأمة»، حيث القطاع العام أو «الاشتراكي» يكون هو المجال الناظم لمصالح القوى النافذة في الحكومة والحزب والمعسكر، بما فيها قطاعات التعليم والصحة والتجارة والثقافة.

مع تقويض هذه المركزية الديكتاتورية بعد الاحتلال الأميركي تقوض كثير من تلك المفاهيم، وكذلك تعثرت معها السياسات الناظمة، و«القوانين» التي فرضتها لتيسير أعمال القطاعات الاقتصادية والتجارية والتعليمية والصحية، ما أسهم في تحويل البيئة السياسية والاقتصادية العراقية إلى مجال للتشظي، وخلخلة موازين وسياقات العمل، إذ تحولت الدولة الى «مصرف» بعد أن انهارت القطاعات التقليدية الأهلية والعامة، ليبرز «الاقتصاد الاستيرادي» السهل، بوصفه مجالاً تعويضياً، لكنه كان من أكثر مظاهر الاقتصاد تشوهاً، على مستوى رثاثته، واغترابه عن استحقاقات التنمية والبناء، وعلى مستوى إدارته من قبل جماعات هامشية، لها علاقة بالجهاز السياسي، لا بالجهاز الاقتصادي، ولا بفكرة الدولة واستحقاقاتها.

كما أن صعود نوع من «الزبائنية» المتمردة على النظام، كرّس بنية الاقتصاد العراقي الهشّ، وأفقد الموازنات العامة قيمتها الإجرائية، فأكثر من ثلثي هذه الموازنة يذهب إلى «الموازنة التشغيلية»، أي يسهم في تغطية المعاشات، وتغذية الطفيلية العائمة في القطاع العام، فضلاً عن تعطيل واضح في «الموازنة الاستثمارية» التي تكرست عبرها مظاهر غير فاعلة في التنمية، وفي توسيع الإنتاج المحلي، ولا سيما مجال الاستثمارات التكنولوجية والبشرية والمعرفية، فكانت السياسة الاقتصادية مؤسَّسة على أساس برامج محدودة التأثير، في مجال القروض المصرفية، ودعم المشاريع الصغيرة، مع غياب أي دعم واضح لمشاريع الاستثمار الثقافي، ولا سيما مجالي السينما والمسرح، وفي دعم اقتصاديات المعرفة والبحث العلمي.

لقد كرست هذه المظاهر كثيراً من سرديات النمط الاستهلاكي للاقتصاد العراقي، فتتحول المخيلة الشعبية إلى أداة لتبرير وهم التقوّض الطبقي، ولإشباع غرائز الامتلاك، ليكون دافعاً عشوائياً لتوسيع الثروة، عبر العمل الطفيلي، وعبر الفساد غير المُراقب، وعبر صناعة الجماعة السياسية وتمثلاتها فيما سمّي بـ«المكاتب الاقتصادية». بالمقابل، فإن الاقتصاد الريعي تحول إلى مجال لتغذية ذلك الفساد والضآلة الاقتصادية، ما يعني تحجيم البحث عن أي تعظيم لموارد الدولة، لتنمية سياقات عمل الإدارة الناجحة، والسعي إلى توظيف التدفقات المالية في إطار بنية الاقتصاد العام، بما يجعل الطبقة السياسية أكثر انهماماً بتطوير فاعلية الدولة وخطابها من خلال النجاعة الاقتصادية، ليكون الاقتصاد هو الوجه التمثيلي للسياسة، والتقليل من المديونية، على نحوٍ تتقوض معه مركزية الاقتصاد الريعي المشوه.

التوصيف الثقافي للاقتصاد

ليس الاقتصاد الحرّ والسوق الحرة بدعتين، بعيدتين عن التخطيط وعلم الإدارة، وثقافات النظم الاجتماعية والتعليمية، فغياب الوعي بأهمية هذا التخطيط، وبجعل الاقتصادات خاضعة إلى سياسات الدولة، وإلى حرية الاستثمار، والجدية العلمية بتوظيف الثروات، وبمصادرها، وبقواها الفاعلة، تفقد الدولة كثيراً من مشروعيتها، ومن أهليتها في إدارة الشأن العام، وفي تطبيق العدالة الاجتماعية، وفي تنمية ذلك الاستثمار وتوسيع حلقاته، ليكون جزءاً من فاعليات التنمية المستدامة، ومن هوية الدولة الحديثة، فتوصيف الدولة الناجحة يكمن في قدرتها على التنمية، وفي صيانة مشاريعها الاستراتيجية، بما فيها المشروع الاقتصادي، وتطبيق السياسات التي من شأنها أن تمنح الاقتصاد قوة خلاقة، تربط تنمية الاقتصاد بمراكز متخصصة في الأكاديمية العراقية، وبمؤسسات الرقابة الوطنية، وبالجهازين المالي والمصرفي، لأن صياغة التوصيف الثقافي للاقتصاد يسهم في توطيد أركان بناء الدولة الحديثة، ويُعطي لاقتصاديات الثقافة أدواراً مهمة في تثبيت «القيم السيادية» للاستقرار والأمن والإشباع، ولمواجهة الأزمات والتحديات التي يواجهها العالم في ظل التحولات الكبرى، حتى الجاهزية إزاء التحديات الإقليمية ذات الأبعاد الجيوسياسية المعقدة.

لا تعني اقتصاديات الثقافة الاهتمام بصناعتها فقط، بقدر ما تعني الاهتمام العميق بعلاقة هذه الصناعة، وبفاعليتها الإجرائية، وبالأطر العملياتية والاستراتيجية التي تجعل من الثقافة عنصراً بارزاً وفاعلاً في الأمن الثقافي، وفي برامج التنمية، وفي مجال دعم برامج الموازنات العامة الخاصة بالمشاريع الثقافية، بوصفها مصدراً فاعلاً لإسناد مشروع الدولة الناجحة، وتوسع مساحات إنتاج مصادر المعرفة، وبالاتجاه الذي يجعلها تكتسب قوة الفعل من خلال إدامة فاعليات الاجتماع والثقافة والاقتصاد، عبر أطر تشريعية وقانونية تكفل التوصيف الثقافي وديمومته، من خلال ضمان الحقوق، بما فيها حقوق الملكية، وإنشاء الصناديق السيادية لدعم العمل الثقافي، وإدماج الثقافة بالنظام التعليمي والتنموي، على مستوى الموازنات العامة، أو على مستوى عمل الوزارات، وباتجاهات يعضدها القانون، بعيداً عن مزاج السلطة وفهمها للثقافة ومرجعياتها الآيديولوجية والفقهية.