وفاء عبد الرؤوف: خصوصية الثقافة الإيطالية لا تشعرني بالغربة عند الاقتراب منها

حصلت على وسام نجمة إيطاليا برتبة «فارس» تكريماً لدورها المؤثر في الترجمة

وفاء عبد الرؤوف لحظة تسلمها الوسام من سفير إيطاليا في القاهرة
وفاء عبد الرؤوف لحظة تسلمها الوسام من سفير إيطاليا في القاهرة
TT

وفاء عبد الرؤوف: خصوصية الثقافة الإيطالية لا تشعرني بالغربة عند الاقتراب منها

وفاء عبد الرؤوف لحظة تسلمها الوسام من سفير إيطاليا في القاهرة
وفاء عبد الرؤوف لحظة تسلمها الوسام من سفير إيطاليا في القاهرة

نالت المترجمة المصرية الدكتورة وفاء عبد الرؤوف البيه، أخيراً، وسام نجمة إيطاليا برتبة فارس، وهو الوسام الذي يمنحه رئيس الجمهورية الإيطالية سيرجيو ماتاريلا، لمن يقومون بدور مؤثر في نشر اللغة والثقافة الإيطالية في العالم.
وتجمع الدكتورة وفاء عبد الرؤوف بين العمل الأكاديمي كأستاذة للأدب الإيطالي الحديث والمعاصر بجامعة حلوان المصرية، وبين الترجمة الأدبية منذ سنوات، أنجزت خلالها عدداً من الأعمال المهمة، من أبرزها «أنطونيو الجميل» لفيتاليانو برانكاتي، و«الكتب الممنوعة» لماريو أنفليزي، و«المسيح توقف عند إيبولي» لكارلو ليفي، و«حُلم ماكينة الخياطة» لبيانكا بيتسورنو، و«الغرفة العائمة» لروبرتو باتسي.
هنا حوار معها حول ملامح خصوصية اللغة الإيطالية بالنسبة لها وارتباطها بالثقافة العربية، ورؤيتها لعلاقة القارئ العربي بالأدب الإيطالي، وأبرز محطاتها مع الترجمة الأدبية.

> بداية أهنئك على هذا التكريم المستحق وأسألك: كيف تنظرين إلى هذه اللحظة المبهجة، وماذا يعنيه لكِ ولمسيرتكِ في الترجمة منحُكِ وسام نجمة إيطاليا برتبة فارس؟
- أنا سعيدة بهذا التكريم، وهو يعني أن العمل على إنشاء جسور بين الثقافتين الإيطالية والعربية وإقامة حوار مستمر بينهما هو جهد مُقدر، يُنظر له بعين الاعتبار والتكريم. وهو أيضاً دفعة كبيرة لي لأجل الاستمرار في العمل الجاد على عقد صلات أكاديمية وثقافية بين مصر وإيطاليا.
> حدثينا عن علاقتك باللغة والثقافة الإيطالية، وكيف تشكلت منذ البداية، ما هي ملامح خصوصيتها بالنسبة لكِ؟
- في الحقيقة مرت علاقتي باللغة والثقافة الإيطاليتين بمراحل مختلفة مُتدرجة، فقد بدأت دراسة اللغة الإيطالية منذ مرحلة التعليم ما قبل الجامعي، ثم التحقت بقسم اللغة الإيطالية بكلية الألسن، ثم تخرجت وبدأت الحياة الأكاديمية والدراسة بين مصر وإيطاليا. وهكذا كلما اتسع حقل الدراسة، وكلما اتسع نطاق المعرفة والاطلاع، زادت نقاط الاتصال بالثقافة والمجتمع الإيطالي.
الثقافة الإيطالية لها خصوصية كبيرة بالنسبة لي تنبع بالأساس من تقاربها الواضح مع الحضارة المصرية، في مراحل مختلفة، ومع الثقافة العربية بفعل الحضور العربي في صقلية لمدة قرنين، وأضيف إلى هذه الخصوصية التناغم الذي يجمع شعوب ضفتي البحر المتوسط، وكون الثقافة الإيطالية بوابة ذهبية في الوقت نفسه للثقافة الأوروبية في عمومها. وهذه كلها عناصر تنفي أي شعور بالغربة عند الاقتراب من الثقافة الإيطالية بمفرداتها المختلفة.
> كيف عزز جمعكِ بين المسارين الأكاديمي والترجمة الأدبية مشروعك المهني؟
- هما في الحقيقة مساران لا يفرض أي منهما على الآخر نفسه بالضرورة، فأستاذ الجامعة لا يكون بالضرورة مترجماً أدبياً، والعكس صحيح أيضاً، ولكن تجمع بينهما ضرورة الاطلاع الواسع، والمعرفة المتعمقة بالثقافتين العربية والإيطالية، والقدرة على إحداث التوازن بين واقعين يتميزان بخصوصية كبيرة؛ وأنا شخصيًا أعتبر نقطة الإدراك الواسع لأبعاد الثقافتين، والتعبير المتوازن عن كل منهما على الضفة المواجهة، نقطة مركزية في المسار الأكاديمي والعملي.
> اهتمام القارئ العربي بالآداب الإنجليزية واللاتينية أصيل وتقليدي، كيف يمكن وصف مدى اهتمامه بالأدب الإيطالي خلال السنوات الأخيرة؟
- أعتقد أنه لا يمكننا الحديث عن اهتمام القارئ العربي بالأدب الإيطالي دون الحديث عن حجم الإنتاج الذي يوجه له، وهو في الحقيقة - ورغم زيادة عدد الترجمات في السنوات الأخيرة - لا يزال بحاجة إلى تعزيز وتدعيم، ومواكبة لاتجاهات الإنتاج الأدبي المعاصر في إيطاليا. لا يمكن أن نلفت انتباه القارئ إلى مؤلف أو عمل إلا عبر خلق حالة أصيلة حول الكتابة، ولا يحدث هذا إلا بكثرة الأعمال المترجمة وتنوعها لكاتب بعينه، كما هو الحال مع ألبرتو مورافيا وإيتالو كالفينو، اللذين ترجم كل منهما لأكثر من عشرين مرة في أنحاء الوطن العربي، أو بوجود جدل حوله، كما هو الحال مع دانتى أليجييري، شاعر إيطاليا الكبير، وعمله الأعظم «الكوميديا الإلهية»، ومدى تماسه مع الثقافة العربية والإسلامية. وفي النهاية، تجد الأعمال المهمة طريقها إلى القارئ في أي زمن وأي مكان.
> في «الغرفة العائمة» للكاتب الإيطالي روبرتو باتسي، مزيج سردي مستوحى من حضارات قديمة؟ هل ألقت حُمولة التاريخ في الرواية على تحديات ترجمتكِ لها؟
- اختار باتسي لروايته «الغرفة العائمة» لحظة تاريخية للإمبراطورية الرومانية ولمصر، وهي لحظة سقوط آخر ملوك الأسرة المقدونية، بعد هزيمة جيش أنطونيوس وكليوباترا أمام جيش أوكتافوس، قيصر روما الجديد، واختار باتسي لروايته بطلاً، هو ثمرة من ثمار التقاء هاتين الحضارتين العظيمتين، ألا وهو قيصرون، ابن يوليوس قيصر وكليوباترا. يفرض السياق التاريخي على المترجم ضرورة الاطلاع على تفاصيل تلك اللحظات التاريخية المؤثرة وما تضمه من شخصيات، يغلب عليها الحضور اليوناني والروماني، ويضيف باتسي إلى هذه المهمة تحدياً مختلفاً، بأن يُجيد إخفاء الخط الفاصل بين الحقيقة التاريخية الموثقة، والخيال. فهو ينطلق من سياق تاريخي محدد، معروف للجميع، ويتجه إلى أفق يحتفي بالرؤية والخيال.
> ما أكثر ما جذبك في رواية «أنطونيو الجميل» التي تُعد واحدة من أشهر أعمال فيتالينو برانكاتي وإثارتها للجدل منذ نشرها؟
- «أنطونيـو الجميـل» هـي واسطة العقـد في ثلاثية فيتاليانو برانكاتي، التي تتألف أيضاً من روايتي «دون جوفاني (جوان) في صقلية»، و«باولو الساخن»، وهي تدور حول موضوع الزهو الذكوري الصقلي بطريقة تجمع بين العام والخاص، السياسي والشعبي، وتتماس فيها الإشارة إلى النظام الفاشي المزهو بنفسه دون فعالية حقيقية، والأعراف الصقلية الاجتماعية الذكورية. أكثر ما يجذب في هذه الرواية هو أنها تعكس المجتمع الإيطالي في خمسينيات القرن الماضي، على المسارين السياسي والاجتماعي، وعلى المسار الفني أيضاً. فقد صدرت الرواية في أوج حركة الواقعية الجديد، واهتمت بالتعبير عن الواقع المحلي في شتى مناحيه، وابتعدت عن مركزية العاصمة لتكشف لنا عادات وأعرافاً جنوبية أصيلة. ورغم أن روايات الواقعية الجديدة قد كرست لتجربة كتابها الشخصية ومعاناتهم تحت حكم النظام الفاشي، إلا أن رواية برانكاتي تُخضع الفاشية لنزعة الزهو الذكوري المحلية، فتنتقل نظرة المؤلف من الخاص إلى العام، ومن الرغبات الشخصية إلى التاريخ الإيطالي بين عامي 1930 و1943.
> برأيكِ ما الذي يجعل «المسيح توقف عند إيبولي» مُلهمة للترجمة وللقراءة حول العالم؟
- «المسيح توقف عند إيبولي» هي إحدى العلامات البارزة في تاريخ رواية الواقعية الجديدة في إيطاليا، وهي رواية سيرة ذاتية لمؤلفها كارلو ليفي، الطبيب والرسام والأديب الإيطالي الشهير، والمعارض للفاشية. لا يستعرض ليفي في الرواية حياته كلها، بل يقص الفترة التي قضاها منفياً في إحدى بلدات جنوب إيطاليا التي لم تصل إليها الحضارة المدنية بأي صورة. في هذه النقطة لا يوجد التاريخ في صيغته التي نعرفها، ولا يوجد الدين، ولا العلم، ولا التفكير المنطقي. هناك، في هذه البلدة التي تُسمى أليانو يوجد عالم مختلف، له مفردات مختلفة وقيم مغايرة. وهناك، في هذه البلدة، يلتقي عالمان، عالم فلاحي أليانو الذين يرددون مقولة أن «المسيح توقف عند إيبولي» في إشارة إلى ما يتلقونه هم من معاملة لا تمت للإنسانية بالصلة من جانب سادة روما، وعالم الطبيب الموضوعي، والفنان والأديب المثقف الذي تلقى تعليمه في تورينو. وحول التقاء هذين العالمين شديدي الاختلاف تدور رواية ليفي، ومن هذه النقطة تأتي عالميتها.
> «حُلم ماكينة خياطة» بما فيها من حكايا منسوجة وتحية لحكايا الجدات... كيف انعكست على ترجمتك لتلك الرواية، وكيف وجدت تقديم «بيانكا بيتزورنو» الذي ربطت فيه بين العالم المُتخيل لتلك الرواية وصلته بالواقع؟
- كل القصص التي تقدمها رواية «حلم ماكينة الخياطة» تدور خلف أبواب مغلقة، ولا سبيل لمعرفتها سوى أن تجتاز بنا آلة الخياطة تلك الأبواب. أما مدى واقعية تلك القصص فقد حددته لنا المؤلفة في مقدمتها حين قالت إن القصص والشخصيات الواردة في الكتاب خيالية، لكن كل حكاية تنطلق من حدث وقع بالفعل، وإنها قامت بإحكام الأحداث، واخترعت بعض التفاصيل وأضافت شخصيات ثانوية عليها. وبعيداً عن كلام بيتسورنو نفسه، تقدم الرواية بدقة البعد الطبقي للمجتمع الإيطالي في النصف الأول من القرن العشرين، والنظرة الذكورية المتحكمة فيه، ووضع المرأة بين طبقة عاملة كادحة تمثلها الراوية نفسها، وسيدات برجوازيات متفتحات وواثقات من أنفسهن، أو أخريات خاضعات خانعات.
> مهما بلغت احترافية المترجم، هل يمكن أن تكون كافية لعملية الترجمة دون تماهيه مع النص... كيف ترين ذلك؟
- لا أعتقد أن المترجم يجب أن يتماهى مع النص، لأن هذا سيأتي على حساب النص ذاته ومؤلفه وسماته الأسلوبية التي يجب أن تبقى واضحة حتى في النص المترجم، وهذا ما يميز المترجم المحترف، ألا وهو الفهم العميق للنص، ولسياقه، ولخصائص مؤلفه الأسلوبية واللغوية، ونقل كل هذا في إطار ما هو مكتوب أمامه، فيعبر عما هو جلي بوضوح ويترك ما هو رمزي على حاله.
> أخيراً... مع الزيادة الملحوظة لعدد الأعمال المُترجمة في الفترة الأخيرة، هل تعتقدين أن تلك ظاهرة إيجابية أم عشوائية فيما يتعلق بجودة الترجمة؟
- لا أرى، في الحقيقة، علاقة بين الكم والكيف هنا إلا إذا كنا نتكلم عنهما في إنتاج مترجم بعينه، أما إذا تحدثنا بشكل عام، فكثرة الترجمات ظاهرة إيجابية، ولكن المشكلة تكمن في غياب الاجتهاد الموازي لهذه الكثرة.



ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

ليلى سليماني
ليلى سليماني
TT

ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

ليلى سليماني
ليلى سليماني

في كتاب لا يتجاوز ثمانين صفحة بعنوان «هجوم على الحدود»، من إصدار دار غاليمار مارس (آذار) 2026، تناقش الكاتبة ليلى سليماني مسألةَ الهوية المغاربية المتشظّية بين لغتين ومرجعيتين، من خلال علاقتها الملتبسة باللغة العربية. تفتح صاحبة «أغنية هادئة» و«بلد الآخرين» أدراجها الداخلية على آخرها، لتُنجز نصاً من نوع نادر في المشهد الأدبي الفرنكفوني، نصٌّ يتكلم بالفرنسية عن الخسارة الكبرى للعربية. وتشرح سليماني في حوار مع دار غاليمار العمقَ الشخصي لهذه الخسارة، إذ تكشف أن العربية كانت بالنسبة إليها «اللغة الأبوية» بالمعنى المزدوج، فتقول: «تخيّلتُ أنها ستكون اللغة الأبوية، وأن غيابها يوازي غياب أبي، لأنه مات، ولأنه كان يجد صعوبة بالغة في نقل ثقافته». هكذا يتداخل في الكتاب الحدادُ على شخص والحداد على لغة، في نسيج اعترافي نادر يمنح النص عمقاً شخصياً يتجاوز مجرد التأمل الثقافي.

غلاف الكتاب

في قلب هذا النص يتصدّر سؤالٌ ظل يطارد ليلى سليماني منذ طفولتها: لماذا لا أتحدث العربية ولا أتقنها؟ والمعروف أن ليلى سليماني، الحائزة جائزة غونكور عام 2016، وُلدت في الرباط لعائلة بورجوازية مغربية تتحدث الفرنسية؛ والدها مصرفي رفيع المستوى، ووالدتها طبيبة من أصل ألزاسي. في هذا البيت الذي كانت الفرنسية لغةَ حياته اليومية، نشأت ليلى على تعدد لغوي مميز: الدارجة المغربية في الشارع والسوق، والألمانية في أغاني جدّتها الألزاسية وحكاياتها، والإسبانية في صيف المتوسط، والشلحة الأمازيغية على لسان عمّال الضيعة العائلية. بيد أن العربية الفصحى ظلّت في منطقة الحضور الغائب: مسموعةً، مألوفةَ الإيقاع، غير أنها لم تنمُ في فم الطفلة بصورة طبيعية، ولم تسكن مخيّلتها حتى تصير أداة تعبير.

تصف ليلى سليماني هذا الوضع بصورة جسدية قاسية: كمن يعيش مع عضو مبتور يُحسّ بوجوده رغم غيابه. وهذه الاستعارة ليست زينةً أسلوبية، بل هي الإطار الدقيق الذي تُنظّم فيه الكاتبة علاقتها بلغتها: حنينٌ لا يمكن إشباعه لأن موضوعه لم يُفقد فجأةً، بل لم يتشكّل أصلاً على النحو الكامل. وتستحضر في هذا السياق اسم الشاعرة والرسامة اللبنانية الراحلة إيتيل عدنان، تلك المبدعة التي كتبت بالفرنسية وعاشت تحت وطأة السؤال ذاته، والتي قالت ذات يوم إنها وجدت نفسها عند باب تلك اللغة فجعلتها أسطورة وجنةً مفقودة.

يبدأ النص من مكان شخصي للغاية: الطريقة التي تتحدث بها سليماني العربيةَ اليوم، وهي طريقة تشبه حديث الطفل أمام الكبار، المُحرج من نقصانه والخائف من الاستهزاء. وفي هذا الاعتراف ما يتجاوز مجرد الخجل الشخصي؛ إنه يكشف البنية الاجتماعية للغة. فالفرنسية في المغرب لم تكن مجرد إرث استعماري طارئ، بل أضحت في زمن الاستقلال وما بعده لغةَ الترقّي الاجتماعي ولغةَ النخب المدنية، في حين ظلّت العربية في بعض الأوساط محصورةً في دور الوجدان والدين والهوية الرمزية. وهكذا نشأ جيلٌ من الأبناء المغاربة يحمل اسماً عربياً ولساناً فرنسياً، وروحاً تُدرك حدودها دون أن تعرف كيف تتخطّاها.

غير أن هذا الخجل الذي تعترف به ليلى سليماني بصوت مرتفع لا يُعدّ استثناءً فردياً، بل هو الموروث السّرّي لجيل كامل من الكتّاب المغاربيين الذين شيّدوا مجدهم الأدبي بالفرنسية فيما ظلّت العربية تنتظر على العتبة. فمن كاتب ياسين الذي رأى في الفرنسية «غنيمة حرب» استردّها من المستعمِر، إلى آسيا جبّار التي عاشت طوال حياتها في المساحة الممزّقة بين الكتابة بالفرنسية والتفكير بالعربية والحلم بالأمازيغية، وصولاً إلى ألبير ميمّي الذي حلّل في «المُستعمِر والمُستعمَر» كيف تُصبح لغة المستعمِر أداةَ صعود اجتماعي لنخب المستعمَر وتُفضي إلى ما سماه «ازدراء الذات»، هذا الإرث الثقيل هو ما تتقاطع معه سليماني في نصّها، بوعي طبقي أكثر صراحةً مما أبداه أسلافها. فهي لا تتردّد في وصف نفسها بـ«كليشيه البورجوازية الفرنكفونية التي لا تتحدث لغتها»، وفي هذه الجملة القاسية إدانةٌ مزدوجة: إدانة لطبقة اجتماعية أفادت من الانقسام اللغوي وورثت منه امتيازاتها، وإدانة لنظام تعليمي خلّف على مدى أجيال نخباً مغاربة تتكلم لغةَ الآخر بطلاقة ولغتها الأولى بتعثّر. والفارق بين سليماني وكتّاب الجيل الأول أن الأوائل كانوا يكتبون بالفرنسية كأنها فعل مقاومة أو ضرورة تاريخية لا مهرب منها، أما هي فتكتب عنها وعن حدودها، أي أنها تفتح النافذة على الغرفة المغلقة التي لم يجرؤ كثيرون على النظر إليها.

يبلغ النص ذروته الدرامية في مشهد كابوسي تعود إليه سليماني مراراً: «أحلم دائماً بالكابوس ذاته. أجدني في قاعة محكمة، وحولي رجال لا غير. أعلم أنني على وشك أن أُدعى إلى الكلام، وحلقي جافٌّ وكفّاي مرتجفتان. أشعر بخجل لا أعرف له سبباً. قاضٍ يدعوني إلى التحدث فأبدأ بتبرير نفسي، أتكلم بسرعة واضطراب، أتكلم بالفرنسية. يقاطعني القاضي بقسوة: «لسنا في فرنسا هنا. تكلّمي بالعربية». تملأ الدموع عينيّ ويُشلّني القلق. أبحث عن كلماتي. لا شيء يأتي. وأدرك حينها أنني خسرتُ، وأنني لن أستطيع إثبات براءتي أبداً». هذا الكابوس لا يصف عجزاً لغوياً فحسب، بل يُشخّص أزمة هوية بكاملها: براءةٌ لا يمكن إثباتها إلا بلغة افتُقدت. ولعل هذه العبارة الاخرى للكاتبة التي تقول فيها: «الكتابة ربما تعني التصالح مع هذه الهزيمة، أو على الأقل البحث عن لغتي الخاصة، لغة لا تخضع لأي تصنيف»، هي التي تكشف كيف صار الكابوسُ نفسُه مادةَ الكتابة وسببَها في آنٍ واحد.

على أن الكتاب لا يقف عند حدود الاعتراف الشخصي، بل يتمدّد ليصير بياناً سياسياً صريحاً. تُعلن سليماني رفضاً مزدوجاً وحاداً: رفض الخطاب المغربي المحافظ الذي يرى في أحادية اللغة العربية درعاً ضد الإمبريالية الثقافية، ورفض الخطاب الفرنسي الرسمي المتشبّث بلغة نقية لا تقبل التحوّل. وبين هذين الرفضين ترسي موقفها: اللغات كائناتٌ حية تتطور وتتشرب من بعضها، ولا يُلجمها إلا الآيديولوجيا. في هذا تلتقي مع كاتب ياسين والشاعر المغربي محمد بنيس وسواه من المفكرين الذين رأوا في التعددية اللغوية ثروةً بدل أن تكون وصمة.

الخجل الذي تعترف به ليلى سليماني هو موروث جيل كامل من الكتّاب المغاربيين الذين شيّدوا مجدهم الأدبي بالفرنسية فيما ظلّت العربية تنتظر على العتبة

أما أسلوب الكتاب فيستحق وقفة خاصة. سليماني معروفة بنثر يقوم على الجملة القصيرة والإيقاع المحكم، غير أن جمل هذا النّص تتسع قليلاً ويصبح الصوت أكثر مباشرةً، كأنها تكتب تحت وطأة الاعتراف الواجب لا تحت إكراه الخيال الروائي. هذا الأسلوب يُذكّر في لحظات بما فعله طه حسين في «الأيام» حين حوّل السيرة إلى نص أدبي يتخطّى التوثيق الشخصي، وبما صنعه محمد شكري في «الخبز الحافي» حين رأى في الاعتراف الجريء تحريراً لا كشفاً للعار.

يكتسب الكتاب راهنيةً مضاعفة في سياق زمني يشهد صعوداً لخطابات الهوية المغلقة في أوروبا وخارجها: حدود تُضيَّق، وثقافات تُصنَّف، ولغات تُوظَّف في خدمة السياسة. في هذا المناخ، يُذكّر نص سليماني بأن الانغلاق على لغة واحدة ليس احتماءً بل إفقار، وأن الجرح الأعمق ليس في الحدود الجغرافية، بل في تلك الهوّة التي تفصل الإنسان عن لغته وذاكرته الأولى. وإذا كان العالم العربي يعيش صراعاً خفياً بين أنماط الانتماء اللغوي والثقافي، وهو صراع تغذّيه جراح الاستعمار وسياسات التعليم والتحوّل الاجتماعي العميق، فإن سليماني تعيد فتح هذا الملف من زاوية إنسانية لا شعاراتية: اللغة ليست ساحة امتحان للولاء، بل فضاءٌ لتكوين الذات. وسؤال الهوية عندها ليس مسألة تمثيل ثقافي فحسب، بل هو سؤال في صميم الكتابة ذاتها: هل يمكن للكاتب أن يكون صادقاً مع نفسه وهو يكتب داخل لغة لا يعيشها بالكامل؟ والجواب، كما يوحي النص، ليس نعم أو لا، بل كتابةٌ مستمرة في البحث عن صيغة أوسع من الصدق.

تكمن أهمية «هجوم على الحدود» في أنه يُقدّم تصوراً مغايراً: الهوية ليست جداراً بل مفترق طرق، واللغة ليست ملكيةً نهائية بل علاقة تاريخية حية ومفتوحة على التحوّل. وما يمنح هذا النص مداه الأبعد هو أن خجل سليماني من عربيتها المفقودة ليس استثناءً بورجوازياً بل مرآة لتشوّه موروث، وأن الجرأة على تسميته علناً هي في حد ذاتها فعلٌ من أفعال المقاومة.


«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة
TT

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

تتمحور رواية «منام القيلولة»، للروائي والأكاديمي الجزائري أمين الزاوي، حول أسرة ريفية بسيطة، تنتمي لمناضل سابق ضد الاحتلال، وتتبع مصائر وتحولات أبناء وزوجة هذا المناضل القديم، وما ستؤول إليه حيواتهم؛ إذ يتخبطون بين الجنون والفقد والوحدة، بل التصفية الجسدية، رغم أن الأبناء جميعاً كانوا منذورين لنبوغ ما، لكن تبدلات الأحوال الاجتماعية والاقتصادية والسياسية تسحقهم، وتغدو هذه الأسرة تمثيلاً لطبقة اجتماعية عانت في سبيل تحرير البلاد من الاستعمار، دون أن تجني ثمار الاستقلال، فسرعان ما دخلوا في نفق مظلم، ولم يشعر أحد بتضحيات الأب، ومعاناة الأم التي تشبه الوتد، وصارت أسرتهما في مهب ريح عاتية تعصف بهم من كل الاتجاهات.

الرواية صدرت عن «دار العين» في القاهرة، ووصلت للقائمة القصيرة في جائزة البوكر، وصدرت طبعتها الرابعة منذ أيام. يرتكز العنوان على فترة نوم القيلولة التي كانت جزءاً ثابتاً من عادات القرية، وكانت تحدث فيها معظم الأحداث المفصلية المروعة، لكن هذا النوم يبدو، وبشكل أكثر جذرية، كناية عن نوم مجتمع وثقافة بأكملها، وعدم اليقظة لما يحاك لهما؛ إذ يدخل المجتمع كله في «نوم قيلولة»، بالمعنى السياسي والاجتماعي والثقافي، ليستيقظ على كوارث مروعة، أخطرها كارثة تمدد تيار الإسلام السياسي الراديكالي، بكل ما ينطوي عليه من عنف، ورغبة مجنونة لإعادة هندسة الواقع حسب رؤيته المتطرفة، في غفوة من السلطة الحاكمة.

وإذا كان نوم القيلولة يتخذ معاني ودلالات أكبر من مجرد عادة قروية، فإن الجنون - كذلك - يبدو كناية عمّا يصيب المجتمع بأسره، وليس أفراد هذه الأسرة وحدها، فالجنون هنا يبدو معنى سياسياً وآيديولوجياً؛ إذ يتغول جنون الجماعات الراديكالية، وتجتاح المجتمع حالة من العنف، بمعنييه السياسي والمادي، تنتهي بمقتل «عبد القادر المخ»، ابن المناضل السابق ضد الاحتلال. عبد القادر الذي كان يحلم وهو طفل أن يكون رئيساً للجمهورية، فانتهى به الحال على يد زملائه السابقين في مدرسة المعلمين وزوج شقيقته، بعد أن تحولوا إلى آيديولوجيا الإسلام السياسي المتطرف؛ حتى لا ينافسهم في الانتخابات البلدية، التي كان مرشحاً قوياً للفوز بها؛ كي تخلو الساحة لتيارهم الذي يسعى للسيطرة على المجتمع عنوة. ما يؤكد أن الجنون هنا ليس مقصوداً به فقط هذه العائلة، بل أشبه بحالة اجتماعية، وهو ما يصفه في حواره الأخير مع أمه قبل مقتله مباشرة يقوله: «ها هي البلاد أضحت أرخبيلاً للجنون، غابة وحوش، لا أحد يدري أين سيترك روحه بعد أن يغادر بيته صباحاً».

تدور الرواية حول مسعودة القارح، وأبنائها الثلاثة: إدريس، وحليمة، وعبد القادر. ونتتبع مسارات كل منهم، واتجاه هؤلاء الأبناء للجنون والهذيان بدرجات متفاوتة، بدءاً من الابن الأكبر إدريس الغول، الذي كان أول الواقعين في فخ المرض العقلي، وحاول الاعتداء على شقيقته، وانطلق في الشوارع واختفى من القرية، وأودعته السلطات بمستشفى للأمراض العقلية في مدينة وهران، وسرعان ما طردته المستشفى بعد سلوكه العنيف مع بقية المرضى والمريضات؛ ليتحول مشرداً في الشوارع، ولا يعرف له أهله مكاناً، بل يتحول شبحاً يخيف أخته حليمة، التي يصيبها الرعب من أن يجدها ويكرر تحرشه الجسدي بها أو محاولة قتلها، ويتحول هذا الرعب مرضاً نفسياً وهذيانات متتالية، خصوصاً بعد فشل زيجتها من مدرس الألعاب «سليم بوعزة»، الذي يختفي، ويلتحق بالجماعات الدينية المسلحة عقب اكتشاف عبثه بأجساد طلابه الأطفال. وأخيراً، عبد القادر المخ، صاحب الطموحات السياسية الجامحة، والذي كان على شفا الجنون أثناء دراسته، ودخل فترة في مستشفى الأمراض العقلية.

اعتمدت الرواية على تعدد الرواة والأصوات، فرغم استخدام ضمير الراوي العليم في معظم البناء السردي بشكل رئيس، لكنه يتحول أحياناً راوياً مشاركاً حيناً، ومراقباً حيناً آخر، خاصة في مفتتح الرواية ومنتهاها، وتحديداً في مشهد السيارة التي تأخذ مسعودة القارح، إلى مستشفى المجانين، وهو نفسه مشهد البدء ومشهد الختام؛ إذ يبدأ الراوي بهذا المشهد، ثم يعود عبر تقنية الاسترجاع إلى بدايات الحكاية ومساراتها وتحولات شخوصها، حتى نصل في الختام إلى المشهد نفسه، بعد أن يكون القارئ قد عرف المقدمات التي أدت لهذه النتيجة، فيسرده الراوي مرة أخرى، بعين المراقب والمشارك والمتسائل عن سر اختطافها بهذه الطريقة. ورغم سيطرة الراوي العليم على السرد، فإن ثمة فصولاً كثيرة متروكة لأصوات أبطالها كي يحكوا بأنفسهم، مثل حليمة وعبد القادر المخ، فكلاهما كثيراً ما يروي حكايته وتخوفاته وهواجسه بنفسه، ليتراجع الراوي العليم مُفسحاً المجال لأصواتهم وخطاباتهم لتحتل الصدارة.

زمنياً، تمتد الرواية على مدار عقود عدة، منذ مرحلة ثورة التحرير، التي انضم لها حميد النوري، مروراً بمرحلة الاستقلال، التي شهدت جنون أولاده ومعاناة زوجته، وكذا انتشار الفساد، فضلاً عن أن «كثيراً من أرامل الشهداء وجدن أنفسهن يشتغلن عاملات تنظيف في بيوت الأغنياء أو في المؤسسات التعليمية والإدارية»، وصولاً إلى تغلغل الإسلاميين الراديكاليين، واكتساحهم لانتخابات البلديات، ومقتل عبد القادر على أيديهم، بما يمثله من رمزية الطموح المدني للوصول للرئاسة، حلمه القديم منذ طفولته، والذي بدأه بانتخابات البلدية مرشحاً مستقلاً. هذا الامتداد الزمني يجعل الرواية أشبه بجدارية كبرى لصيرورة المجتمع المروي عنه.

على المستوى المكاني، تدور معظم الأحداث بين قريتي «أعنان» و«ينبو»، ومدينة وهران، ونرى تحول التركيبة السكانية لهذه الأمكنة، بخاصة تركيبة المدينة، فعقب الاستقلال، وبعد أن كانت وهران تتسع لجنسيات مختلفة، خشيت المرأة الفرنسية صاحبة المخبز على نفسها من حملات الكراهية ضد الأجانب، فرحلت إلى فرنسا على أمل العودة يوماً بعد صلاح الأحوال، وتركت مخبزها لحبيبها الجزائري بنعلال الرومي، لكن الأحوال تزداد سوءاً، لدرجة أن بنعلال نفسه يهاجر مع انتشار سطوة الإسلاميين وعصفهم بكل مختلف، في إشارة إلى أن المجتمع كله لا يتقدم، بل يسقط من أعلى منحدر شاهق. ثمة أماكن أخرى لها رمزيتها وحمولاتها الدلالية، بما يجعلها أكثر من مجرد فضاء مكاني، وأقرب إلى تمثيل سوسيوسياسي، مثل الجبل الذي كان يعتصم به الثوار المجاهدون ضد الاحتلال في زمن الثورة، وأضحى هو المكان نفسه الذي يأوي «الجماعة» التي تستقوي على المجتمع من أبناء جلدتهم، فالمكان واحد، لكن ثمة تباعداً بين الشخوص والغايات. أيضاً حديقة الاستقلال، التي كانت تنظر إليها حليمة من نافذة المطبخ، فتشاهد العشاق يجلسون فيها ويختلسون متعاً صغيرة عابرة، وما آلت إليه هذه الحديقة من خراب مع سطوة الإسلاميين، بل ربما ما آل إليه الاستقلال ذاته.

انفتاح السرد الروائي على الجنون، جنون الشخوص أو جنون الواقع، منح السارد مساحة كبيرة لإضفاء مسحة من الغرابة والسريالية على الأحداث، سواء في هذيانات حليمة ورؤاها لأشياء غير منطقية، أو ما كان يحدث في شقة جارتها التي تحولت من مكان للسكن إلى حديقة حيوان مصغرة، ترى فيها أنواعاً غريبة من الحيوانات والطعام غير المعتاد. وعلى هذا المنوال، يحفل السرد بمساحات كبرى من الهذيان تنتاب الشخوص، في مقابل الهذيان الذي يتفشى اجتماعياً وسياسياً، في مجتمع أصبح وكأنه مسرح عبثي مفعم بتحولات تنتمي إلى اللامعقول.


«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية

«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية
TT

«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية

«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية

صدر عن دار «منشورات الربيع»، في القاهرة، الترجمة العربية لرواية «شجر الدر... امرأة متفردة»، للكاتبة والمناضلة النسوية المصرية درية شفيق، التي كتبت الرواية بالفرنسية في عام 1952، وظلت غائبة عن المكتبة العربية طوال هذه العقود، حتى صدرت الطبعة العربية أخيراً بترجمة الدكتورة فاطمة خليل.

في هذه الرواية، تعود المؤلفة إلى القرن الثالث عشر، لحظة أفول الدولة الأيوبية وصعود دولة المماليك، لتضع في قلب هذا التحول امرأة استثنائية، خرجت من الهامش إلى قلب التاريخ، وانتقلت من موقع الجارية إلى مقام السلطانة. طوال السرد، تلتزم الكاتبة بصرامة تاريخية، فجميع الأحداث والوقائع موثقة، وكأنها تعلن أنها ليست مجرد رواية تاريخية، ولكنها مشروع معرفي يطرح تساؤلات حول: ما التاريخ؟ ولماذا تُهمّش بعض شخصياته، وخصوصاً النساء؟

تكتسب الرواية أهميتها أولاً من اسم مؤلفتها، درية شفيق، ذات التاريخ النضالي والنسوي الكبير، والتي لها منجز إبداعي وفكري، فقد كتبت الشعر والرواية، وفي أدب الرحلات، فضلاً عن الكتابات الفكرية والسياسية. وثانياً من البطلة المروي عنها، شجر الدر، والتي تمثل - بالنسبة لكثيرات الآن - رمزاً نسوياً لامرأة صعدت إلى سدة الحكم في مصر، متحدية كل الظروف الصعبة في مسيرتها، فضلاً عن أهمية الرواية في مسيرة المدونة الروائية المنشغلة بإعادة سرد وكتابة التاريخ، وكذا الأعمال الأدبية التي كتبها أدباء عرب بلغات أجنبية في منتصف القرن العشرين.

ولدت درية شفيق في مدينة طنطا، شمالي القاهرة، في عام 1908، ونالت درجة الدكتوراه في الفلسفة الحديثة من جامعة السوربون في عام 1940، ورغم تفوقها، رفضت الجامعة المصرية تعيينها ضمن هيئة التدريس؛ لأنها امرأة. وأصدرت الراحلة مجلة «بنت النيل»، كأول مجلة نسائية معنية بتثقيف النساء المصريات. وتطور دورها بعد ذلك لتقود حراكاً سياسياً نسوياً باسم «اتحاد بنت النيل» في الأربعينات، ثم استمر نضالها ورفيقاتها حتى بداية الخمسينات، ليقتحمن البرلمان المصري (مجلس النواب) في 1951، بمظاهرة قوامها 1500 امرأة، للمطالبة بحق المرأة المصرية في المشاركة في الحياة السياسية، وألا يكون العمل السياسي حكراً على الرجال.

وانتهت قصة نضال درية شفيق بسقوطها من الطابق السادس في عام 1975، عقب 18 عاماً من الإقامة الجبرية، تاركة إرثاً كبيراً من النضال والعمل النسوي، والكثير من الانتصارات في مجال حقوق المرأة، فضلاً عن مزيد من الحيرة والتساؤلات حول حقيقة نهايتها المفجعة.

من أجواء الرواية نقرأ: «لم تكن فترة المراهقة بالنسبة لشجر الدر أمراً يبعث السعادة عليها، كانت الهوة بينها وبين المحيطين بها تتسع يوماً بعد يوم، وبكل ما في داخلها من طموحات، كانت تنتمي إلى عالم آخر، أي عالم؟ لا تدري، لكنها كانت مقتنعة بأن موقعها في مكان آخر. كل ما يحيط بها كان يشعرها بالغثيان؛ المكان القذر الذي كانت تعيش فيه، ونافذته الوحيدة تطل على شارع يكسوه اللون الرمادي، ولا تدخله الشمس؛ الثوب السمل الذي كانت ترتديه؛ الخبز الأسود في وجباتها، ثم الفظاظة وبلادة الذهن التي كانت يتميز بها البشر الذين كانت تعيش بينهم».