الحراك الجزائري يتحدى السلطة!

بعد الامتناع القياسي عن التصويت في انتخابات البرلمان

الحراك الجزائري يتحدى السلطة!
TT

الحراك الجزائري يتحدى السلطة!

الحراك الجزائري يتحدى السلطة!

أكثر مشاهد انتخابات البرلمان الجزائرية التي يُحتفظ بها، حالة توتر رئيس «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» محمد شرفي، وهو يتابع إلحاح صحافي على أن ينطق هو بنفسه نسبة التصويت في الاقتراع. إذ رفض شرفي، الذي كان يلقي على وسائل الإعلام نتائج الانتخابات، بشكل صريح التفوه بالنسبة المئوية، وأحال صاحب السؤال على زميل له كان أنجز العملية الحسابية باجتهاد منه، مصرحاً بأنها 23 في المائة.
الحقيقة أن رئيس «سلطة الانتخابات» شعر بحرج بالغ بسبب حجم الامتناع الكبير للناخبين عن التصويت يوم 12 يونيو (حزيران) 2021، فقد ذكر أن عدد المصوّتين بلغ 5.6 مليون من لائحة انتخابية تضم 23 مليون. كما قال إن 1.6 مليون ورقة تصويت أسقطت من الحساب، وبذلك لم يتعد عدد الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم 4 ملايين، أي أقل من 20 في المائة. ومن ثم، عبّرت حالة الغضب التي بدت على شرفي، عن حالة السلطة السياسية وبخاصة الرئيس عبد المجيد تبون، الذي تأكد أن الاستشارة الشعبية الثانية التي تنظم منذ تسلمه الحكم نهاية 2019 جاءت فاشلة بعد فشل الاستفتاء على تعديل الدستور (23 في المائة من الأصوات) الذي أجري يوم 1 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. كما أنه هو نفسه، صوت عليه 4 ملايين فقط في الاقتراع الرئاسي.
وأما المشهد الثاني الذي شد الانتباه، فهو تصريح تبّون يوم الانتخاب أن أعداد المصوّتين لا تهمه هو شخصياً بقدر ما يهمه أن الانتخابات ستفرز برلمانيين. وفهم كلامه، أن انشغاله الأساسي هو تمرير «التشريعية» المبكرة بأي شكل، تعويضاً للبرلمان الذي حله في 21 مارس (آذار) الماضي بحجة أنه وليد التزوير. وستكون المحطة المقبلة، انتخابات البلدية والولاية قبل نهاية العام، وبها سيستكمل تبون «بناء الجزائر الجديدة»، على حد قوله. ولكن، مهما يكن، طوت السلطة «الحرج» الذي سببته لها نسبة التصويت الأضعف قياسا إلى كل الاستحقاقات التشريعية الماضية، وهي حالية ماضية نحو تأسيس كتلة نيابية تدعم مشاريع وسياسات الرئيس، تكون ضمانة لتأييد كل القوانين والنصوص التي تقترحها حكومته المتوقعة بعد أيام قليلة، بالبرلمان.

كان واضحاً بالنسبة لقطاع من متتبّعي الشأن السياسي في الجزائر، أن الرفض الشعبي للانتخابات سيخلف عودة الأحزاب التقليدية إلى البرلمان من جديد. ذلك أن الوعاء الانتخابي لهذه الأحزاب ثابت ويتصف بـ«الولاء» و«الوفاء» لها، وهو حاضر في كل المواعيد الانتخابية لدعمها. لهذا لم يكن مفاجئا رؤية «جبهة التحرير الوطني» وهي تعود إلى الريادة (98 مقعداً)، حتى لو أنها لم تحصل على الغالبية. كذلك لم يكن مفاجئا فوز «التجمع الوطني الديمقراطي» بـ58 مقعداً، علما بأن أهم قيادات الحزبين الموجودة في السجن بتهم فساد، مرتبطة بتوليهم مسؤوليات حكومية كبيرة إبّان فترة حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.
في المقابل، كرست الانتخابات «حركة مجتمع السلم» الإسلامية المعارضة، قوة لا يستهان بها (65 مقعدا)، ويتوقع أن تغازلها السلطة من جديد بمحاولة إدخالها إلى الحكومة التي كانت قد غادرتها عام 2012 في سياق ثورات «الربيع العربي»، ظنا منها أن النظام سيسقط كما كان الحال عند «الجارة» تونس. وقال قيادي في «مجتمع السلم»، رفض نشر اسمه لـ«الشرق الأوسط» إن الحزب «لن يشارك في الحكومة الجديدة إذا عرضت عليه المشاركة، لأن الطاقم الوزاري سينفذ خطط الرئيس الذي نعارض سياساته، ولأننا نرفض تسيير أزمة سياسية واقتصادية تسبب فيها غيرنا». وهذا، مع العلم، أن هذا الحزب الإسلامي يلام لأنه كان شريكاً في الحكم بعدة وزراء من صفوفه، طوال جل فترة حكم الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة (1999 - 2019).

دخول لاعب جديد
من ناحية ثانية، شهدت الانتخابات دخول لاعب جديد إلى البرلمان هو حركة «البناء الوطني» الإسلامية التي خرجت من عباءة «حركة مجتمع السلم» (تيار إخواني)، وذلك على أثر تطاحن بين «الإخوة» ومعارك اشتدت منذ وفاة مؤسس «الحركة» الشيخ محفوظ نحناح في 2003. ولقد فازت حركة «البناء» بـ39 مقعدا، واحتجت بشدة على «التزوير» ومع ذلك خصم منها «المجلس الدستوري» مقعدا بعد دراسة الطعون، وكانت قد حازت على 40.
هذا، وبرز رئيس حركة «البناء»، الوزير السابق عبد القادر بن قرينة في الانتخابات بمواقف مثيرة، خاصة عندما خاض في أوصاف زوجته «النحيفة مثلي أنا» وبأنها «سليلة الأبطال والمجاهدين». كما برز بتصريحاته النارية ضد منطقة القبائل شرق العاصمة، التي اتهم سكانها بعرقلة العملية الانتخابية فيها التي لم تصل نسبة التصويت هناك في المائة.

أحزاب تؤدي دور الضحية
من جهته، يقول خالد عبد السلام، أستاذ علم النفس بجامعة سطيف (شرق) عن الأحزاب التي تشتكي من التزوير: «الغريب في الأمر أن هذه الأحزاب، تبشّر الناس في كل مناسبة انتخابية بالضمانات التي تتلقاها من المسؤولين حول النزاهة والشفافية وحرية الاختيار. وبعدها مباشرة، نجدها أول من يشتكي من التزوير والتجاوزات والادعاءات بسرقة أصوات منتخبيها، وغيرها من الاتهامات بلا خجل من نفسها، محاولة في ذلك تصوير نفسها كضحية لاستعطاف جماهيرها ومؤيديها».
وفي هذا السياق، أكدت نتائج الانتخابات، صعوداً قوياً في الساحة السياسية للمستقلين (84 مقعداً) ولحزب «جبهة المستقبل» (48 مقعداً) برئاسة مرشح انتخابات الرئاسة في 2014 و2019 بلعيد عبد العزيز، وهو قيادي سابق في حزب السلطة «جبهة التحرير الوطني». ومقابل ذلك، كانت الخيبة كبيرة في صفوف أحزاب ساد اعتقاد أنها ستحقّق نتائج كبيرة، أهمهما «جيل جديد» برئاسة جيلالي سفيان الذي اتهم الحراك الشعبي بالتأثير على توجهات الناخبين، ما أفسح المجال حسب كلامه «لعودة الأحزاب البوتفليقية» إلى الواجهة، بعدما أضعفها ملايين المتظاهرين ومحوها من المشهد منذ سنتين، أي منذ اندلاع الاحتجاجات الشعبية في 22 فبراير (شباط) ضد ترشح بوتفليقة لولاية خامسة.
في هذه الأثناء، تتصرف السلطة مع نتائج المواعيد الانتخابية التي نظمتها منذ 2019 بإنكار مريب للحقيقة. وهو ما زاد من عمق القطيعة بينها وبين الجزائريين، الذين يستميتون في رفض كل ما يأتي منها لقناعة لديهم أن الأجندة التي تمضي في تنفيذها، تحقق أهدافها لا طموحاتهم في التغيير وإشاعة الحريات والديمقراطية وتحرير القضاء من سيطرتها. ثم إن القمع المسلط على المتظاهرين، وسجن أكثر من 250 منهم بسبب التعبير عن مواقف معارضة، أفقد أي محاولة لترميم الثقة التي انهارت.
وفي هذا الإطار كتب المحلل السياسي نصر الدين قاسم عن دروس الانتخابات ومآلاتها، فقال إن «تشجيع السلطة الحاكمة للوائح المستقلين (تحت غطاء المجتمع المدنيّ) في الانتخابات التشريعية، مؤشّر قوي على سعيها لتكسير الأحزاب السياسية الحقيقية المالكة لمشاريع سياسية بديلة للوضع القائم. وهو ما يعني أنه لن يكون هناك تداول على السلطة، لأن الغالبية التي ستصنع في مخابر السلطة باسم المجتمع المدني، تصبّ في خدمتها. والحقيقة أن مفهوم «المجتمع المدنيّ» في الثقافة الديمقراطية، هو قيمة من القيم العاملة على حفظ توازن الدولة واحترام حقوق الإنسان وتكريس حق الاختلاف والحوار كوسيلة لمعالجة الخلافات. ويُقصد بمفهوم المجتمع المدني تلك الجمعيات والنقابات والتنظيمات المتنوّعة التي يشكلها الأفراد والجماعات، للدفاع عن مصالح وقيم وأهداف مشتركة ولزرع أخلاق «الإيثار العام» في المجتمع، يتم ذلك خارج نفوذ الدولة والحكومة، ومن ثمّ فهو (أي المجتمع المدنيّ) لا ينتمي إلى المجتمع السياسي الذي تشكل فيه الأحزاب السياسية عموده الفقري.
ويذكر الكاتب الصحافي الجزائري المقيم بتونس، عثمان ليحاني أن الانتخابات النيابية المبكرة «يمكن اعتبارها من الناحية السياسية أن السلطة استكملت آخر حلقة لإعادة ترتيب البيت الداخلي، بشكل كامل بعد انتخابات الرئاسة وطرح دستور جديد. بهذا المعنى تصبح السلطة هي المهندس والمستفيد الوحيد من مجموع المسار الانتخابي، إذا أخذنا بعين الاعتبار أنه لم يحقق واقعيا مطلب التغيير السياسي الذي رفعه الحراك الشعبي. لكن السلطة مستفيدة برأيي، بالنظر للنتائج التي حملت حصراً عودة الكيانات السياسية وأحزاب محسوبة على النظام، وخاصة جبهة التحرير والتجمع الديمقراطي، وهي أحزاب وظيفية بالأساس، ولذلك الاتجاهات العامة لهذه الانتخابات ومخرجاتها، تعيد الجزائر إلى نفس حلقة الفراغ». ثم أشار إلى «التداعيات المرتقبة المرتبطة بالأساس بالدور الفعلي للبرلمان المقبل. إذ كل المؤشرات تؤكد أننا نتوجه إلى برلمان ذي الخط الواحد، مع وجود هامشي جداً للصوت المعترض. وبالتالي فإن النتائج السياسية للانتخابات قد تكون أسوأ من النتائج الفنية المرتبطة بتوزّع المقاعد».
ويدلي قوي بوحنية، أستاذ العلوم السياسية، بدلوه فيقول: «لا تزال فئات واسعة من الشعب الجزائري تؤمن بعدم جدوى العملية الانتخابية. ويبدو العمل السياسي والانتخابي في حاجة ماسَّة إلى حوكمة انتخابية حقيقية، تراعي امتلاك النظام القدرة على إرساء ثقافة سياسية ديمقراطية، وتبدأ بتغيير النظرة إلى العملية الانتخابية في معناها وآلياتها وأهدافها».

ترقب التحاق «أحزاب بوتفليقة» بالحكومة
على صعيد آخر، تتجه الأنظار هذه الأيام إلى الشكل الذي ستتخذه الحكومة الجديدة. إذ يرتقب أن تتكون من الأحزاب الفائزة في الانتخابات، وعلى رأسها «جبهة التحرير» الذي أنكر عبد المجيد تبّون انتماءه لها بعد وصوله إلى الحكم، وهذا مع العلم أنه أصبح عضوا في «لجنتها المركزية» عندما عينه بوتفليقة رئيسا للوزراء في صيف 2017. هذا، وسعى أبو الفضل بعجي، أمين عام الحزب، لإظهار ولائه للرئيس الجديد، لكن الأخير استمات في رفض كل الإشارات الإيجابية التي جاءته من حزبه الذي بات مسيئاً له في نظره، بسبب شبهات الفساد التي تلاحق قادته.
وأيضاً يرتقب حصول «التجمع الوطني» و«البناء» و«المستقبل» حقائب وزارية، إلى جانب المستقلين. بيد أن الشائع أن «وزارات السيادة»، مثل المالية والعدل والداخلية، ستُعطى لأشخاص من خارج الأحزاب يُختارون عادة بالتوافق بين رئيس الجمهورية وقيادة الجيش. أما منصب وزير الدفاع فيحتفظ به الرئيس بنصّ الدستور.
وبغض النظر عمّن سيكون في الحكومة أو الشخصية التي ستترأسها، سيكون التخفيف من حدة الأزمة الاقتصادية الرهان الكبير الذي ينتظر الرئيس تبّون. ونشر الوزير الأول عبد العزيز جراد، الأحد الماضي، «مخطط الإنعاش الاقتصادي»، وقال في مقدمته إن «تراكمات الماضي وتحديات الحاضر والمستقبل تتطلب منا الخروج من هذه الوضعية، بالشروع الفوري في تنفيذ المخطط الطموح للإنعاش الاقتصادي، وفق برنامج السيد رئيس الجمهورية، والذي يمتد على المدى القصير جدا إلى غاية عام 2020 وعلى المدى القصير حتى عام 2021 وعلى المدى المتوسط حتى نهاية عام 2024». وقال أيضا، إن الجزائر «تمكنت بفضل مواردها من المحروقات والنفط والغاز الطبيعي، من ضمان مستوى معين من التنمية الاقتصادية، ولا سيما من خلال تطوير العديد من البنى التحتية، وتكريس دولة اجتماعية تضمن خصوصا مجانية التعليم والرعاية الصحية للجميع».
وبحسب جراد، فإن قطاع المحروقات «يحتل مكانة مركزية في اقتصادنا، فهو يوفر أكثر من 90 في المائة من الصادرات ويمثل ما يقارب 40 في المائة من إيرادات الدولة. ومع ذلك، فإن ما يشكل قوته شكل أيضاً أكبر نقاط ضعفه. فالاقتصاد الجزائري لا يزال في الواقع يعتمد بشكل كبير على الأسعار الدولية للنفط والغاز، التي شهدت اتجاهاً تنازلياً منذ صدمة 2014، وقد أدى صندوق ضبط الإيرادات دوره بالفعل من خلال التخفيف جزئياً من انخفاض الاحتياطيات حيث تم استهلاكه بالكامل ابتداء من عام 2017».
من ناحية ثانية، أظهر جراد تشاؤماً بخصوص حالة الاقتصاد، عندما قال إن «اقتصادنا يشهد بشكل عام، إنتاجية منخفضة لوسائل الإنتاج ويعاني بشكل خاص من البطء الإداري، وكذا نقائص في مجال التسيير، وصعوبات في الحصول على التمويل، بل وحتى غياب رؤية قطاعية مشتركة متناسقة طويلة المدى، والتي يمكن أن توجه وتشرف على تنفيذ السياسات العمومية. وعلى صعيد آخر، تعرض الاقتصاد الجزائري لاختبار قاس خلال السنتين الماضيتين: في سنة 2019 بسبب الأزمة السياسية التي مرت بها البلاد، وفي سنة 2020 بسبب أزمة (كوفيد - 19)». وأضاف «سيتعين على الجزائر مواجهة العديد من التحديات المهمة، بما في ذلك التنويع الاقتصادي وتحسين مناخ الاستثمار، والتفكير في السبل والوسائل للقيام، في أحسن الآجال، بوضع عملية التنمية الاقتصادية الوطنية المرنة والشاملة والموحدة، في المسار الصحيح. وفي هذا السياق، باتت إشكالية تعبئة الموارد المالية اللازمة لتطوير البنى التحتية العمومية واستثمارات المؤسسات الاقتصادية تزيد حدتها أكثر فأكثر بسبب استمرار الانخفاض الحاد لموارد الـمحروقات وتداعيات الأزمة الصحية على الأنشطة الاقتصادية».

طريقة جديدة لفرز اللوائح واحتساب أصوات طبقاً للقانون الجديد

*اعتمدت الانتخابات التشريعية لسنة 2021 طريقة جديدة لفرز اللوائح واحتساب أصوات الناخبين، تطبيقا للقانون الجديد للانتخاب. وسارت العملية وفق هذه الخطوات:
1 بلوغ العتبة: وهي نسبة 5 في المائة من الأصوات ويتحصل عليها عبر إخراج المعامل الانتخابي، بقسمة عدد المصوّتين على عدد المقاعد.
2 اعتماد مرحلتين في الفرز مراعاة للاقتراع النسبي في القوائم المفتوحة.
- المرحلة الأولى للفرز تخص القوائم.
- المرحلة الثانية تتعلق بعدد المترشحين والمترشح الفائز من يحصل على أكبر عدد من الأصوات.
3 يجري إقصاء القوائم التي لم تحصل على 5 في المائة من أصوات الناخبين، وداخل اللائحة الواحدة يتم ترتيب المترشحين حسب الأصوات.
4 في حال تساوي مرشحين من نفس اللائحة فإن الأفضلية تؤول إلى من هو أصغر سناً.
5 إذا تساوى رجل وامرأة تكون الأفضلية للمرأة.
6 إذا حدث تساوٍ في لائحتين مختلفتين تعطى الأفضلية للأصغر سناً.
7 إعداد محضر أولي يصادق عليه من طرف كامل أعضاء المكتب وتسلم نسخ منه إلى مراقبي الأحزاب.
وجرى تكييف قانون الانتخابات مع اعتماد الاقتراع النسبي للائحة المفتوحة، بحيث يتيح حضور 5 ممثلين عن القوائم سواء حزبية أو مستقلة لعملية الفرز من أجل إضفاء المصداقية على العملية.

اللوائح والتشكيلات المشاركة في الانتخابات
> اللوائح والتشكيلات السياسية المشاركة في الانتخابات التشريعية التي نظمت 12 يونيو 2021، شملت قبول 1483 لائحة حزبية ومستقلة بشكل كلي.
اللوائح المقبولة دون تحفُّظ تشمل 646 قائمة حزبية و837 قائمة حرَّة.
2490 لائحة أودعت الاستمارات منها 1237 حزبية و1253 قائمة حرَّة.
898 لائحة مقبولة تضم مترشحاً مرفوضاً.
297 لائحة بصفة كلية منها 223 حزبية و47 قائمة حرَّة.
1199 لائحة مرفوضة بسبب الصلة بأوساط المال والأعمال المشبوهة.
تعداد الهيئة الناخبة: 24 مليونا و425 ألف ناخب
23 مليون ناخب داخل الوطن
900 ألف ناخب خارج الوطن
113 ألف مراقب يمثلون مختلف القوائم
5 ملايين و600 ألف ناخب أدلى بصوته (23 في المائة)
5 ملايين ناخب مصوت داخل الوطن
42 ألف مصوت خارج الوطن
عدد الأوراق الملغاة أكثر من مليون ورقة
نتائج التصويت بعد دراسة الطعون
من طرف «المجلس الدستوري».
حزب جبهة التحرير الوطني 98 مقعداً
المستقلون 84
حزب حركة مجتمع السلم 65
حزب التجمع الوطني الديمقراطي 58
حزب جبهة المستقبل 48
حزب حركة البناء الوطني 39
حزب جبهة الحكم الراشد 03
حزب صوت الشعب 03
حزب جبهة العدالة والتنمية 02
حزب الحرية والعدالة 02
حزب الفجر الجديد 02
حزب جبهة الجزائر الجديدة 01
حزب الكرامة 01
حزب جيل جديد 01



«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء وإعادة الإعمار ودعم النازحين. وفي حين أكد الحزب أنه «يعمل على برنامج خاص بهذا الملف متى توافرت الإمكانات المالية»، برزت في المقابل مواقف نيابية معارضة رأت في هذا الطرح إقراراً بعجز الحزب عن تحمّل الأعباء، وربطت أي معالجة مستدامة بإعادة الملف كاملاً إلى الدولة وحصر السلاح بيدها. يأتي هذا السجال في ظل استمرار معاناة متضررين ونازحين من الحرب، وفي وقت لم تتبلور فيه بعد آلية شاملة لتمويل إعادة الإعمار، وسط نقاش سياسي يتجاوز مسألة تأمين الأموال إلى تحديد المسؤوليات وشروط مساهمة الدولة والجهات المانحة.

النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله يغادر البرلمان اللبناني وسط بيروت 14 يونيو 2023 (رويترز)

تكشف أرقام جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» عن أن ملف إعادة الإعمار والإيواء في لبنان لا يرتبط بأضرار حرب 2026 وحدها، بل يأتي فوق خسائر حرب 2024 التي لم يكن لبنان قد انتهى من معالجتها. ففي عام 2024، بلغت الأضرار المادية المباشرة نحو 6.8 مليار دولار أميركي، بينها 4.6 مليار دولار في قطاع السكن، في حين قُدِّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، قبل أن تضيف الحرب الجديدة أضراراً واسعة إلى المباني والمساكن والبنى التحتية.

في الواقع، لا تتوافر حتى الآن حصيلة وطنية نهائية لتكلفة أضرار حرب 2026 أو احتياجات إعادة الإعمار، في ظل استمرار العمليات وتأخر اكتمال التقييمات. غير أن الأرقام المرحلية التي جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» تُظهِر أن الأضرار المباشرة في المباني تجاوزت، حتى شهر أبريل (نيسان) 2026، نحو 1.745 مليار دولار في جنوب لبنان وبيروت وجبل لبنان، بينها أكثر من 1.38 مليار دولار في الجنوب وحده، وأكثر من 365 مليون دولار في بيروت وجبل لبنان. وهذه أرقام جزئية لا تمثل التكلفة النهائية للحرب، ومن ثم، لا يمكن مقارنتها مباشرة بالتقييم الوطني الشامل لأضرار 2024.

أكثر من 21 ألف وحدة سكنية مُدمَّرة

تتبيّن خطورة الأزمة بصورة أوضح في القطاع السكني. إذ بلغ عدد المباني المدمّرة بالكامل 11 ألفاً و95 مبنى في المنطقة جنوبي نهر الليطاني، إضافة إلى 146 مبنى في بيروت وجبل لبنان. كذلك أظهرت التقييمات تدمير 17 ألفاً و891 وحدة سكنية بالكامل في جنوب لبنان، و3168 وحدة في بيروت وجبل لبنان، بما يزيد على 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن المناطق التي شملتها التقييمات حتى تلك المرحلة.

وتترافق هذه الخسائر مع كمّيات ضخمة من الرّكام، بلغت نحو 3.1 مليون متر مكعب في جنوب لبنان ونحو 649 ألف متر مكعب في بيروت وجبل لبنان. ويعني ذلك أن العودة لا ترتبط بإعادة بناء المنازل فحسب؛ إذ ستحتاج مناطق واسعة أولاً إلى إزالة الركام وتأهيل الطرق وشبكات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية، قبل أن يصبح من الممكن إعادة السكان إليها بصورة مستقرة.

النزوح يوسّع أزمة الإيواء

ويتقاطع الدمار السكني هذا مع أزمة إيواء ونزوح واسعة. إذ وفق البيانات الدولية، نزح نحو مليون شخص داخلياً في بداية التصعيد، في حين عبر نحو 100 ألف شخص إلى سوريا. وحتى الأول من شهر سبتمبر (أيلول) 2026، بقي 329 ألفاً و240 شخصاً في حالة نزوح داخلي؛ الأمر الذي يعكس استمرار الحاجة إلى حلول إيواء مؤقتة ومتوسطة الأجل، ولا سيما للعائلات التي دمّرت منازلها أو باتت بلداتها تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العودة.

بلغ عدد المباني المُدمّرة بالكامل

11 ألفاً و95 مبنى

في المنطقة جنوبي نهر الليطاني

عودة إلى الأصل أي... الدولة

في هذا السياق، طرح الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم التزام الحزب بالمساهمة في تأمين الإيواء والإعمار للمتضرّرين في الجنوب، إلى جانب حثّ الدولة على القيام بدورها، وقال إن الحزب «سيعلن قريباً عن مساهمته في مشروع للإيواء».

إلا أن النائب إبراهيم منيمنة قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» معلّقاً إن «(حزب الله)، على مدى سنوات، كان يأخذ رصيد الحكومة ويجيّره لنفسه». وأشار إلى أنه «في عام 2006 كانت الدول العربية تؤمّن القسم الأكبر من التمويل، لكن (حزب الله) استغل بعض الثغرات في أداء الدولة وحاول أن يحوّل هذا الرصيد لنفسه». وأردف منيمنة: «أما الآن، فيعود إلى الأصل، وهو الدولة. الدولة هي التي ستقوم بإعادة الإعمار... وهذا اعتراف من الحزب بأنه لن يقدر على الاستغلال».

منيمنة، وهو من نواب بيروت، توقّف أيضاً عند كلام النائب حسن فضل الله - أحد نواب «حزب الله» ومنطقة الجنوب - عن أن الدولة لديها الأموال، فقال: «المفارقة عندما يقول (فضل الله) إن الدولة لديها المال، وكأنه يحاول أن يتّهم هذه الدولة بأنها لا تقوم بواجباتها في هذا الموضوع، فيما هو يعلم أن هذا الكلام ليس صحيحاً، وهم أي الحزب ممثلون في الحكومة، وبالتالي فإن كلام الحزب غير دقيق وشعبوي».

وتابع منيمنة: «مَن يريد اليوم أن يضع ملف إعادة الإعمار، فعليه أن يدخل أولاً إلى الحكومة ويناقشه فيها، وأن ينفّذ قرارات الحكومة، أو الدولة، المتعلّقة بحصر السلاح. هذه أول خطوة حتى تكون مدخلاً إلى إعادة الإعمار».

جدير بالذكر، أن النائب فضل الله، كان في وقت سابق قد شدّد على أنه «عندما يكون هناك حكومة في لبنان، فهي المسؤولة عن شعبها وعن كل مواطن على أرضها مهما كانت أسباب الحرب، سواء كنّا معها أو معارضة لها، علماً أن لديها الإمكانات والقدرات المالية والاقتصادية».

وأضاف: «وبدل أن تصرف هذه الإمكانات في مواضع في غير أماكنها، يمكنها أن تُسخّر جزءاً من الإمكانات لموضوع إعادة الإعمار والإيواء ولدعم النازحين. وهذه مسؤولية أساسية على الحكومة، ومهما كان الخلاف معها، سنحمّلها المسؤولية، ونحن نعمل من خلالها والمجلس النيابي، لتوفير ما أمكن من موارد مالية لأجل هذا الملف».

في المقابل، أوضح منيمنة أن «التردّد في إعادة الإعمار ليس لأن الدولة لا تقوم بواجباتها»، واستطرد: «أولاً، الدول المانحة التي ستساعد على الإعمار ليست مستعدة لأن تضع أموالاً ثم تحصل حرب جديدة. ومن ناحية ثانية، النقاش حول حصر السلاح لم ينتهِ ولم يُحسم هذا الموضوع... بالتالي، هذا الكلام، ولو أن فيه اعترافاً ضمنياً بدور الدولة، فهو في الدرجة الأساسية كلام منقوص»، موضحاً أن «هناك مسؤولية على (حزب الله) بأن يدخل فعلاً إلى الدولة من خلال ملف حصر السلاح».

وعن مسؤولية «حزب الله» تجاه تعويض المتضررين، قال منيمنة: «برأيي، هو أساساً في هذا المجال لم يفِ بوعوده، والناس في حالة تذمّر لأنه لا يوجد تمويل، حتى لأعمال الإيواء، خصوصاً للناس الذين ما زالوا مهجرين... وواضح أن (حزب الله) غير قادر اليوم على القيام بهذا الملف، وبما أنه لم يعد قادراً، فقد تخلّى عنه».

الحكومة مسؤولة عن شعبها

وفي موازاة ذلك، يتردد في أوساط داخل بيئة «حزب الله» أن الحزب يعد خلال الفترة القريبة المقبلة لتقديم مساعدة نقدية للمتضرّرين، تُطرح على أنها «هدية تعويض»، من دون أن يصدر حتى الآن إعلان رسمي يحدد قيمتها أو الفئات التي ستشملها أو موعد بدء توزيعها.

وكان واضحاً في تصريح نعيم قاسم الأخير أن الحزب «سيسهِم»؛ ما يعني أنه لن يكون المموّل، بل ينتظر الدولة التي قاله إنه لن يتوقّف عن حثّها على إعادة الإعمار.

في سياق متصل، يتقاطع موقف النائب مارك ضو، النائب عن جبل لبنان، مع قراءة منيمنة لانتقال الحزب إلى التعويل على الدولة؛ إذ قال لـ«الشرق الأوسط» إن تحميل «حزب الله» الحكومة مسؤولية ملف إعادة الإعمار «يشكّل تأكيداً على عجزه»، معتبراً أن انتقاله إلى التعويل الكامل على الدولة يعكس عجزه عن تحمّل تبعات ما حصل.

وأضاف ضو: «عندما يصبح كل الاتكال على الحكومة، ويقال إن الاعتماد الآن عليها، فهذا تأكيد واضح على العجز». وتابع: «هو (أي حزب الله) يطالب الدولة والحكومة بتحمّل مسؤولية إعادة الإعمار، في حين أنه لا يتعامل معهما على هذا الأساس في ممارسته السياسية... والنتيجة، أنه يريد من الدولة أن تتولّى إعادة إعمار ما نتج عن أخطائه وأفعاله».

مسارات أخرى قبل تحميل الخزينة التكلفة

بدوره، قال النائب أديب عبد المسيح لـ«الشرق الأوسط» إن «(حزب الله) يتنصّل من مسؤوليته في ملف إعادة الإعمار، ويحاول تحميل الدولة واللبنانيين تبعات حرب كان هو سببا أساسياً في اندلاعها»، معتبراً أن أمام الحزب أكثر من مسار لمعالجة هذا الملف بدلاً من مطالبة الدولة بتحمل التكلفة كاملة.

وقال عبد المسيح، وهو من نواب شمال لبنان: «(حزب الله) ممثل في الحكومة بوزيرين، فليتفضّل وزيراه ويطالبا بقرار حكومي لإعادة الإعمار، وليحاولا تأمين إجماع حكومي على هذا الموضوع. إذا كانا قادرين على ذلك، فليفعلا».

ثم أضاف: «إذا لم يتمكّن الحزب من تأمين إجماع الحكومة على إعادة الإعمار، فهناك مسارات أخرى. أولاً، عليه أن يتحمّل مسؤوليته؛ لأنه هو من ورّط لبنان وفتح النار على إسرائيل وتسبب بهذه الحرب. وثانياً، لديه الإيرانيون، ويمكن لوزير الخارجية أن يتحرّك للمطالبة بتعويضات من الدولة الإيرانية عن الأضرار، باعتبار أن (الحرس الثوري) الإيراني حاضر على الأراضي اللبنانية عبر دعمه للحزب».

وتابع عبد المسيح: «هناك أيضاً إسرائيل، وهي المسبّب المباشر للدمار. يمكن اللجوء إلى المسارات والمحاكم الدولية للمطالبة بالحقوق والتعويضات، وعند تحصيلها تُستخدم في إعادة إعمار الجنوب. هذه حلول عملية يمكن العمل عليها».

وشدّد النائب عبد المسيح على رفضه أن تتحمّل الخزينة اللبنانية وحدها تكلفة إعادة الإعمار، قائلاً: «أما أن تتحمّل الدولة اللبنانية المسؤولية في النهاية، وأن تأخذ الضرائب من الناس، فأنا أدفع وأنت لإعادة إعمار الجنوب، فهذا لن يحدث أبداً».

ورأى أن الحزب «يتنصّل» من مسؤوليته؛ إذ «يبدأ اليوم بالمطالبات والتحركات، وقد تتحول غداً تحركات في الشارع ضد الحكومة أو ضد الجيش، بحيث يحاول، بدلاً من أن يتحمل المسؤولية، أن يحملها لغيره... هذا أمر واضح مائة في المائة. يبدأ الأمر بهذه المطالبات، ثم يجري تنظيم التحرّكات على الموجة نفسها، في محاولة للظهور كجزء من المعارضة والمطالبة بحقوق شبيهة بحقوق موظفي الدولة أو سائر اللبنانيين، في حين كان الحزب أساسياً في هذه الحرب، وليس مجرد طرف عادي فيها».

الحرب تقوّض الاقتصاد اللبناني

ختاماً، يأتي اتساع حاجات الإيواء والإعمار في وقت تراجعت قدرة الاقتصاد اللبناني والدولة على تحمل أعباء إضافية. إذ تشير الأرقام إلى توقع انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.4 في المائة خلال 2026، في حين تضاف احتياجات الحرب الحالية إلى فاتورة إعادة إعمار 2024 المقدرة أصلاً بنحو 11 مليار دولار.بناءً عليه؛ لم يعد الملف مقتصراً على تعويض أصحاب المنازل المتضررة، بل صار يشمل تأمين الإيواء للنازحين، وإزالة ملايين الأمتار المكعبة من الركام، وإعادة تأهيل الخدمات والبنى التحتية، ثم إعادة بناء آلاف المباني وأكثر من 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن نطاق التقييمات المُنجزة حتى الآن.


سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
TT

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام منافسها الديمقراطي تروي جاكسون. بعد نحو ثلاثة عقود في المجلس، تدافع كولينز (73 سنة) عن سجل طويل من الخدمات والتسويات، في حين يتساءل ناخبون اعتادوا تأييدها إن كان إخراج الجمهوريين من قيادة المجلس الطريق الأجدى لتقييد الرئيس دونالد ترمب؟ وبين الحسابين، تتجاوز المعركة مستقبلها الشخصي لتطرح سؤالاً أوسع: هل تكفي الثقة بالسياسي حين يفقد الناخب ثقته بالحزب الذي ينتمي إليه؟

كولينز المولودة في السابع من ديسمبر (كانون الأول) 1952 في كاريبو، أقصى شمال ماين، واحدة من ستة أبناء لعائلة ارتبط اسمها بتجارة الأخشاب والخدمة العامة. تولّى والدها ووالدتها رئاسة بلدية المدينة، وخدم الأب في المجلس التشريعي للولاية. هناك، قرب الحدود الكندية، تشكلت صلتها بمجتمع صغير يعرف ممثليه بأسمائهم ويحاسبهم على ما يقدمونه لحياته اليومية. لكن هذه الصلة تواجه اليوم اختباراً صعباً، مع تحول مقعدها ساحة صراع على الأغلبية، وعلى مكان الوسطيين في سياسة أميركية قد تصبح فيها هوية الحزب أهم من شخصية ممثله.

من بلدة كاريبو ...إلى واشنطن

تخرجت كولينز في جامعة سانت لورانس الصغيرة الراقية بريف ولاية نيويورك عام 1975، وبدأت العمل مع النائب الجمهوري وليام كوهين (وزير الدفاع فيما بعد)، ثم انتقلت معه إلى مجلس الشيوخ.

ولاحقاً، تولت كولينز مسؤولية التنظيم المهني والمالي في حكومة ماين، ثم إدارة المكتب الإقليمي لوكالة المشاريع الصغيرة بتعيين من الرئيس جورج بوش الأب. ثم عام 1996، انتُخبت لخلافة كوهين في مجلس الشيوخ، لتبدأ مسيرة جُددت أربع مرات. وهي متزوجة من توماس دافرون، وتقيم في مدينة بانغور بولاية ماين.

بيد أن هذه التفاصيل ليست مجرد محطات في سيرة ذاتية؛ إذ تكونت سياسياً داخل «التيار التقليدي» في الحزب الجمهوري، الذي يعوّل على الخبرة التشريعية واحترام المؤسسات والتفاوض مع الديمقراطيين لإنجاز التسويات. ولم تبنِ حضورها على الخطب الصاخبة أو «التعبئة» ضد واشنطن، بل على معرفة طرقها: كيف تُكتب التشريعات، وتُجمع الأصوات، وتُنتزع المخصّصات لولاية صغيرة.

وحقاً، تلخص كولينز خلال لقاء مع الـ«واشنطن بوست»، هذه النظرة بقولها: «هناك من يعملون، وهناك من يستعرضون»، واضعة نفسها في الفئة الأولى. ثم تقول إن خطاباً نارياً يرفع شعبية صاحبه على وسائل التواصل الاجتماعي لا يغير بالضرورة النتيجة. وهذه حجة شخصية عامة مخضرمة في زمن يكافئ المواجهة العلنية، وأحياناً يعتبر التفاوض والمساومة بعيداً عن الكاميرات ضعفاً.

غير أن تداخل الأسرة والمهنة والمؤسسة، الذي منحها جذوراً وثباتاً، يسمح لخصومها أيضاً بتصويرها ممثلة لطبقة سياسية استقرت طويلاً في السلطة. فالأقدمية في حملتها رصيد يحمي مصالح ولايتها، لكنها في حملة منافسها جاكسون تطرح سؤالاً عمّا إذا كانت الخبرة ما زالت تنتج تغييراً يشعر به الناس.

استقلالية قيد المحاكمة

والواقع، أنه يصعب اعتبار كولينز «تابعاً» لترمب؛ إذ تقول حملتها إنها لم تصوّت له قط، بل كانت ضمن الجمهوريين الذين أيّدوا محاولة عزله الثانية عام 2021. كذلك خالفت إدارته في تصويتات مهمة، بينها رفض تعيين بيت هيغسيث وزيراً للحرب، ورفض النسخة النهائية من تشريع الضرائب والإنفاق الكبير عام 2025. ولها أيضاً سجلٌ يتجاوز الاعتراض؛ فقد قادت مع السيناتور جو مانشين - الذي كان آنذاك من أبرز الديمقراطيين اليمينيين قبل مغادرته الحزب -، مساراً مشتركاً لتعديل قانون فرز الأصوات الانتخابية. وأقرّ التعديل عام 2022 لمعالجة ثغرات كشفت عنها أزمة انتقال السلطة، إثر رفض ترمب الإقرار بهزيمته أمام جو بايدن وترويجه ادعاءات بتزوير انتخابات 2020. وهذه وظيفة مؤسساتية للوسط: تحويل الخلاف إلى قواعد يمكن أن يقبلها الطرفان.

لكن منتقديها يميّزون بين مخالفة الرئيس ومنعه. ووفق تحليل في الـ«نيويورك تايمز»، فإنها تعارض سياساته في التصويت أكثر من سائر الجمهوريين، لكن معارضتها نادراً ما تبدّل النتيجة. وهنا تنتقل المحاكمة من النيات إلى الفعل... فما معنى الاستقلالية إذا بقيت الإدارة قادرة على تنفيذ ما تعترض عليه؟

وتظل قضية الإجهاض الجرح الأعمق في تقييمها. فكولينز تؤيد حقوق الإجهاض، لكنها دعمت تثبيت القاضي المحافظ بريت كافانو عام 2018، قبل أن يشارك في قرار المحكمة العليا الذي ألغى الحماية الدستورية الفيدرالية لهذا الحق عام 2022. ودفاعها المستمر عن ذلك التصويت يعيد فتح مسألة الثقة لدى ناخبين يرون أن تطميناتها لم تصمد أمام النتائج.

مع ذلك، ليس كل تصويت خاسر مسرحية سياسية، كما أن ليس كل اعتراض دليلاً كافياً على المقاومة. فالشيخ لا يملك منفرداً غالبية المجلس. أما السؤال المشروع، فهو ما إذا كانت كولينز تستخدم كامل نفوذها لفرض حدود على الإدارة، أم تكتفي بمسافة محسوبة تسمح لها بالبقاء داخل ائتلافها؟ حسب المنتقدين.

ترمب على مائدة الناخب

وبالفعل، تبدو هذه المناقشة أقل تجريداً في ماين، حيث تتقاطع السياسات الرئاسية مع فواتير التدفئة والتجارة والسياحة عبر الحدود. فالحرب مع إيران رفعت تكلفة الوقود، في حين وضعت الرسوم على كندا مصالح محلية أمام ضغوط إضافية. وباتت كولينز مطالبة بمعالجة أزمات تخلقها الإدارة التي ينتمي حزبها إليها.

وفي حين ضغطت لتسريع مساعدات التدفئة للأسر محدودة الدخل، وسعت إلى استثناء الملح الذي يُرش على الطرق في فصل الشتاء من الرسوم الجمركية، حوّل منافسها جاكسون، الحطّاب والرئيس السابق لمجلس شيوخ الولاية، إنجازها إلى عبارة هجومية مؤداها أن «سكان ماين لا يستطيعون أكل ملح الطرق»، في حرصه على نقل النقاش من الاستثناءات التي تنتزعها إلى السياسات التي تجعلها ضرورية.

وفي مناظرتهما الثالثة مساء الثلاثاء، برز مجدداً ملف الهجرة بعد مقتل مهاجر برصاص أحد عناصر إنفاذ قوانين الهجرة (أيس) في بلدة بيدفورد خلال يوليو (تموز). وأقرّت كولينز بأن الإدارة نشرت أعداداً كبيرة من العناصر من دون تدقيق مناسب في اختيارهم، في حين حمّلها جاكسون مسؤولية سياسية عن التمويل.

وفي ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها مسافة عن إدارته. لكن انتقالها من تأييد الحرب في البداية إلى دعم تقييد صلاحياته العسكرية يمنح خصمها فرصة للسؤال عن توقيت الاعتراض، لا عن وجوده وحده.

في المقابل، تهاجم كولينز سجلّ جاكسون التشريعي وتحمّله مسؤولية سياسات تقول إنها رفعت تكاليف الطاقة والسكن. وبالتالي، ما عادت المواجهة بين مرشحة بلا إنجازات وخصم بلا سجل، بل بين تفسيرين للغلاء وللجهة الأقدر على تخفيفه: نفوذ جمهوري داخل الإدارة، أم غالبية ديمقراطية تراقبها وتواجهها.

غالبية أم جسر؟

عام 2020، فازت كولينز بفارق نحو 9 نقاط مئوية، في حين خسر ترمب ولاية ماين بفارق مماثل. يومها استطاع الناخب أن يرفض الرئيس ويحتفظ بالسيناتورة على ورقة الاقتراع نفسها. أما الآن، فلا انتخابات رئاسية تتيح الفصل ذاته، بل أصبح مقعدها إحدى الأدوات المباشرة لمعاقبة البيت الأبيض.

وفي تحقيقات للـ«نيويورك تايمز» والـ«واشنطن بوست»، تلتقط شهادات الناخبين هذه النقلة، حيث لا ينكرون خدماتها ولا يشككون في كفاءتها، لكنهم يريدون ببساطة مجلساً يضع قيوداً على ترمب. في المقابل، لا يزال ديمقراطيون ومستقلون يعدّونها ممثلة موثوقة، ويرفضون التضحية بها لمجرد انتمائها الحزبي. من هنا، يرى البعض أن خسارتها قد تبدو ربحاً واضحاً للديمقراطيين في حساب المقاعد، لكنها تحمل احتمال خسارة شريكة تفاوض داخل الحزب الآخر. ولا تناقض حتمياً بين الأمرين: يستطيع الديمقراطي أن يقدّر دورها، ثم يرى أن تغيير الأغلبية أرجح كفة من الاحتفاظ بذلك الدور.

وبالمثل، لن يكون فوزها هزيمة صافية لترمب؛ فهو يحتفظ للجمهوريين بمقعد بالغ الأهمية، وربما يساعدهم على حماية الغالبية. لكنه سيبرهن أيضاً على أن الفوز في بعض الولايات يتطلب الابتعاد عن الرئيس، وأن الصيغة الجمهورية القابلة للتسويق وطنياً ليست بالضرورة الصيغة الأكثر ولاءً له.

وتزداد المفارقة مع رئاسة كولينز لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ. فهي تطلب من الناخب حماية نفوذ يصعب تعويضه سريعاً، في حين يردّ خصومها بأن النفوذ يقاس بما يمنعه أيضاً. وإذا استطاعت الإدارة تعطيل إنفاق أقره الكونغرس أو الالتفاف على أولوياته، تغدو قدرة كولينز على حماية صلاحيات الكونغرس في إقرار الإنفاق جزءاً من تقييم نفوذها نفسه.

بل حتى الطرفان اللذان يريدان حسم المعركة يجدان نفسيهما أمام حسابات متعارضة: فالجمهوريون يحتاجون إلى أصوات ناخبين ينفرون من زعيمهم، والديمقراطيون يحتاجون إلى إقناع ناخبين بأن إعجابهم بسيناتورة جمهورية لا ينبغي أن يتقدّم على تغيير اتجاه الحكم.

الوسط يبحث عن جدواه

بالتالي، لا تعني هذه المعركة أن الساحة خلت تماماً من الوسطيين، ولا أن الشعبوية احتكرت الحزبين بالقدر نفسه. كما أن الوسطية ليست مرادفاً دائماً للانتماء إلى المؤسسة. فقد يكون السياسي المخضرم شديد الحزبية، وقد يكون جديداً وقادراً على بناء تسويات. وجاكسون - نفسه الذي ينافس كولينز - يعقّد الثنائية المبسطة. فهو تقدمي طبقي، لكنه صاحب خبرة في قيادة مؤسسة تشريعية. ولذلك؛ لا يكفي وضعه في خانة الشعبوية ثم اعتبار هزيمة كولينز إذا حصلت، دليلاً تلقائياً على انتصار التطرف. فالاختبار الأهم هو ما سيقدمه الفائز من سياسات، وكيف سيتعامل مع حدود السلطة وخصومه.

مع ذلك، تكشف كولينز عن أزمة حقيقية في نموذج الوساطة القديم. فحين يُطالب الناخب بمنع قرار يمس حقوقه أو معيشته، لا تكفيه الإشارة إلى حوار مستمر مع صانعيه. بل يحتاج المعتدل إلى شرح الرابط بين قدرته على الوصول إلى المسؤولين وقدرته على تغيير ما يفعلونه، وإلّا بدت التسوية امتيازاً لأهل السياسة لا منفعة للمواطنين.

وفي صورة ساخرة من الحملة، وصل خطأً إعلان يهاجم جاكسون، موَّلته مجموعة جمهورية، إلى مدينة بورتلاند بولاية أوريغون بدلاً من مدينة بورتلاند في ماين. ثم صحح الخطأ وأعيدت الأموال، لكنه أتاح لخصوم كولينز التشكيك في اتصال حلفائها بالولاية. وهذه واقعة صغيرة في سباق يختبر صدقية القرب من الناس.

الأرجح، أن انتخابات ماين لن تحسم مصير الاعتدال الأميركي، لكنها ستكشف عن الشروط الجديدة لبقائه. فنجاة كولينز ستعني أن الرصيد الشخصي والخدمات والاستقلال النسبي ما زالت قادرة على مقاومة الاستقطاب. وخسارتها ستشير إلى أن ناخبين باتوا يفضّلون تغيير ميزان السلطة على الاحتفاظ بوسيط داخلها.


وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
TT

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن استقلاليته أمام قاعدته. ومن أبرز هؤلاء من دون افتراض أن فرصهم الانتخابية ومواقفهم متساوية، الساسة التالية أسماؤهم:

• النائب الجمهوري براين فيتزباتريك في بنسلفانيا، الذي يمثل الدائرة الأولى ويواجه الديمقراطي بوب هارفي، المفوض في مقاطعة باكس والمدرّس السابق. يبني العضو السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي صورته على العمل عبر الحزبين ومخالفة ترمب في ملفات محددة. لكن خصمه يسعى إلى تحويل الاقتراع من تقييم لشخص النائب إلى حكم على الغالبية الجمهورية. ومع ذلك، لا يصح افتراض أن مجرد تشابه مأزقه مع كولينز يجعل حظوظهما متطابقة.

• النائب الجمهوري مايك لولر في نيويورك، يخوض مواجهة مع الديمقراطية كيت كونلي، صاحبة الخبرة العسكرية والأمنية، في الدائرة السابعة عشرة التي فازت فيها كامالا هاريس عام 2024. لولر يقدم نفسه جمهورياً براغماتياً قادراً على العمل مع الديمقراطيين، لكنه يحتاج إلى الاحتفاظ بالقاعدة الجمهورية أيضاً. امتحانه هو إقناع الناخب بأن استقلاله يترك أثراً ملموساً، في حين تسعى منافسته إلى جعل العلاقة بترمب محور الاختبار.

• النائبة الديمقراطية ماري غلوسنكامب بيريز في ولاية واشنطن، التي تواجه الجمهوري جون براون في الدائرة الثالثة، وتقدم نموذجاً معكوساً لكولينز؛ فهي ديمقراطية تحاول الاحتفاظ بدائرة أيدت ترمب، وتستند إلى خطاب محلي واهتمام بالمهن والتكاليف اليومية، وتخالف حزبها في بعض القضايا. لكن استمالة المحافظين لا تضمن رضا الديمقراطيين، وقد وثّقت الإذاعة العامة المحلية استياء ناخبين من خيارات السباق. ويكشف اختبارها أن بناء ائتلاف عابر للحزبين يحتاج إلى بقاء قاعدة متحمسة، لا مجرد الوصول إلى الطرف الآخر.

• النائب الديمقراطي دون ديفيس في نورث كارولينا، يواجه الجمهورية لوري باكهاوت في الدائرة الأولى، بعدما جعلت إعادة ترسيم الخريطة الانتخابية التي فرضها الجمهوريون، الفوز فيها أكثر صعوبة على الديمقراطيين. ديفيس يروّج لوسطيته، لكن الخريطة تضع حدوداً لما تستطيع السمعة الشخصية تحقيقه.

توضح هذه الحالات أن بقاء الوسط لا يعتمد فقط على اعتدال الناخبين، بل هو يتأثر بحدود الدوائر، وصورة الرئيس، وتعبئة القواعد، وقدرة المرشح على تحويل المخالفة الحزبية إلى منفعة مفهومة... ثم إن فوز معتدل من حزب قد يعني هزيمة معتدل من الآخر، لا انتصاراً تلقائياً على التطرف. لذلك قد يكون الاختبار الأعمق بعد الانتخابات: هل يملك الناجون استعداداً ونفوذاً لبناء تشريعات مشتركة، أو تفرض معركة الغالبية عليهم العودة إلى الاصطفاف الذي وعدوا ناخبيهم بتجاوزه؟