ناشرون وكتاب يثمنون قرار السعودية تخفيف قيود الرقابة

توقعات بإطلاق 300 ألف عنوان وتطلعات لتغيير نظام المطبوعات

تمثل السعودية أكبر سوق عربية للنشر
تمثل السعودية أكبر سوق عربية للنشر
TT

ناشرون وكتاب يثمنون قرار السعودية تخفيف قيود الرقابة

تمثل السعودية أكبر سوق عربية للنشر
تمثل السعودية أكبر سوق عربية للنشر

أنهت السعودية إشكالية تتعلق بالرقابة على الكتب، محققة مطلباً للناشرين والمؤلفين وجمهور الثقافة الذين انتظروا هذا القرار منذ عقود؛ بإطلاق خدمة الفسح المباشر للمؤلفات المكتوبة التي تشمل: الكتب، والكتب الإلكترونية، والمطبوعات، التي تبلغ نسبة طلباتها على خدمات الفسح 61 في المائة خارجياً، و39 في المائة محلياً؛ مما يتيح وصول كل ما ينشر إلى الجميع بالتزامن مع صدور الكتب والمطبوعات، والمحتوى المقروء، وفقاً لما أعلنته الهيئة العامة للإعلام المرئي والمسموع يوم السبت الماضي، التاسع عشر من شهر يونيو (حزيران) الحالي.
وكانت الهيئة العامة للإعلام المرئي والمسموع السعودية، قد أكدت في بيان لها، أن «السعودية من أوائل الدول على مستوى المنطقة التي تقدم خدمة الفسح المباشر للقطاع الخاص للمحتوى المقروء، حيث يمكن للمستفيدين التقدم للحصول على الفسح الفوري للمطبوعات الخارجية عبر منصة التراخيص الإلكترونية التابعة للهيئة، بعد التزامها بالاشتراطات والضوابط المعمول بها، وتشمل الخدمة الكتب الورقية والإلكترونية».
وتوقعت الهيئة، أن يبلغ عدد فسوحات العام الأول من إطلاق الخدمة 300 ألف عنوان، مؤكدة أن سرعة الفسح ستتيح للجميع المتابعة والتفاعل مع كل ما ينشر في حينه وبالتزامن مع صدور الكتب والمطبوعات والمحتوى المقروء بشكل عام. وأوضحت، أن التعديلات الجديدة على اللائحة ستنعكس بشكل إيجابي على قطاع التجارة الإلكترونية والمطبوعات، فبالإضافة إلى تسهيل عملية الفسح على المؤلفين والناشرين وموزعي الكتب واختصار مدة الانتظار، ستسهم كذلك في تشجيع دخول المستثمرين في قطاع التأليف والنشر والتوزيع، كما أنها ستنمي قطاع تجارة الكتب الإلكترونية، وإثراء منافذ التوزيع السعودية بالمحتوى المتميز فور صدوره، ويشكل القرار أيضاً دعماً مباشراً لدور النشر السعودية التي كانت تعاني من منافسة غير عادلة من دور النشر الأخرى. ويسهم تطبيق الفسح الفوري كذلك في الحد من القرصنة والتحايل وتسرب المستخدمين إلى المتاجر العالمية.
وسجلت «الشرق الأوسط» آراء عدد من الناشرين والمؤلفين من المهتمين بصناعة النشر من داخل السعودية وخارجها حول هذا القرار، ولم تخلُ آراؤهم من طرح مطالب تجاوزت أهمية هذا القرار غير المسبوق إلى طرح آلية لتوحيد جهات وإجازة أعمال النشر، لتسهيل إجراءات الفسح المباشر دون المرور بالإجراءات البيروقراطية، وتعدد جهات الإجازة للكتب والمطبوعات، التي تعيق سرعة فسح المؤلفات المكتوبة.

د. محمد المشوح (مؤسس ومدير دار «الثلوثية» - الرياض): ينبغي منح الناشرين والمؤلفين حق الطباعة

إن قرار وزارة الإعلام فيما يتعلق بالموافقة على فسح الكتب الإلكترونية وتسهيل إجراءاتها يعدّ أمراً مهماً في منظومة ننتظر استكمالها كناشرين، ومن المتعارف عليه لدى قراء الكتاب والمؤلفين والناشرين أن فسوحات الكتب هي المعضلة الكبرى التي تواجه الجميع في كثير من الدول.
لقد كان لنظام المطبوعات الذي خوّل للوزارة الصلاحيات الكاملة في إجراء الفسوحات للكتب المطبوعة داخلياً أو خارجياً، دور في إحجام كثير من المؤلفين من الكتابة والتدوين؛ بسبب شدة الإجراءات، وطول أمد الفسح طيلة السنوات الماضية رغم التطورات التي حصلت في السنتين الماضيتين.
إننا الآن أمام مطالب عديدة نقدمها للوزارة تكمن في سرعة إيجاد آليات متناسبة ومتناسقة مع التطورات الإلكترونية المذهلة التي تعيشها السعودية، ومنها إجراءات الفسوحات، وأنه من المهم أن يتم النظر بواقعية تامة إلى موضوع الرقابة البعدية وتفعيلها، وأن المؤلف والناشر يتحمل التبعات الناشئة عن ذلك.
لا شك أن رخص الفسوحات التي تمنح لبعض دور النشر والذي أعلنت عنه الوزارة مؤخراً سوف يسهم أيضاً في تخفيف المسؤوليات على الجهات الرقابية. نحن نعلم أن الجهات الرقابية المعنية؛ الوزارة، وزارة الإعلام ترتبط أيضاً بعشرات الجهات التي تسمح وتفسح بحكم اختصاصاتها، سواء كانت الإفتاء أو وزارة الصحة، أو دارة الملك عبد العزيز أو غيرها من المؤسسات، وهذا الأمر أرى أن من الضروري أن يتم إعادة النظر فيه، وأن يتاح للناشرين وللمؤلفين الطباعة فوراً، ويتحملوا مسؤولياتهم. ومن المهم أن نلفت النظر إلى أننا أمام تجربة أخرى، وهي تجربة الأندية الأدبية؛ فالأندية الأدبية لا تمرّ على عين الرقيب، فكتبهم لا ترد على وزارة الإعلام بالفسوحات، وإنما يتحملون تبعاتها أو ما يعرف بالرقابة البعدية للكتاب.
تطلعنا كبير بأن هذا الأمر سوف ينعكس إيجاباً وبقوة تامة على سوق النشر السعودية التي تعتبر أكبر سوق عربية للنشر لولا تلك المعوقات التي تشهدها السوق. نأمل من وزارة الإعلام أن تستكمل المنظومة الرقابية في ذلك، وأن تبادر إلى حسم موضوع الرقابة على الكتب، سواء كانت من الداخل أو من الخارج، أو سواء كانت إلكترونية أو ورقية؛ حتى يتسنى العيش في هذا الفضاء الواسع، ومن ثم تفعيل ما يسمى بالرقابة البعدية، والمحاسبة القضائية على ما يرد، ونحن دولة مؤسسات وقانون، ومن المهم أيضاً أن تخفف الأعباء على الجهات والمسؤوليات في هذا الأمر؛ لأن هذا الأمر أصبح متعلقاً بعشرات الجهات والمسؤوليات التي يمر عليها كل عنوان أو موضوع.

محمد الفريح (مدير شركة «العبيكان» للنشر والترجمة): مطرقة القرصنة وسندان التوزيع

استبشرت خيراً بصدور قرار وزارة الإعلام الأخير الخاص بالفسح الفوري لإصدارات دور النشر الخارجية من المطبوعات، وهو وإن كان قراراً جريئاً ومتطوراً وسيحقق نقلة نوعية في اختصار بعض الإجراءات المطولة سابقاً، إلا أنه لا يزال قاصراً ولا يحقق ما يطمح له الناشرون والموزعون السعوديون من تغيير نمط وطريقة إجراءات الفسح الحالية والتي تأخذ أحياناً أسابيع، وبعضها يمتد لأشهر، وتتداخل هذه الإجراءات ضمن صلاحيات عدد من القطاعات المختلفة كل حسب تخصصه؛ الأمر الذي زاد الأمر تعقيداً وطولاً.
مع قناعتي الشخصية بأن التحديث والتجديد وتجاوز بعض الأنظمة التقليدية ومواكبة روح العصر لم يعد ترفاً ورفاهية، وإنما واجبات لازمة حتمتها طبيعة الزمن المتسارع جداً، الذي لم يعد فيه مكان للتفكير بالطريقة السابقة نفسها التي أكل عليها الدهر وشرب، وأخذت من جهد الناشرين والمراقبين وموظفي الإعلام ووقتهم ما أخذت، وقد يتفق معي عدد من الناشرين والموزعين والوراقين وممتهني صناعة التأليف والنشر، أن تغيير نظام المطبوعات تغييراً هرمياً هو الحل الأمثل والأنجع لملاحقة تطورات العصر، فتكون مسؤولية رقابة المحتوى والكتب لدى الناشرين والمشتغلين بصناعة الكتب وحدهم، ويبقى دور المؤسسة الحكومية وصانع القرار في التشريع وسن القوانين والأنظمة وتحديثها ومراقبتها وفقاً لمتطلبات العصر الرقمي الجديد.
أكرر على ضرورة وجود التشريعات الخاصة بأنظمة وترخيص ونشر الكتب الرقمية بأنواعها والتفاعلية والصوتية والمحتوى المخصص لفئات معينة ككتب المكفوفين وغيرها، والتي أصبحت سمة غالبة ومهيمنة في عصرنا الحاضر، والتي لا يوجد لها حتى اللحظة تراخيص واضحة المعالم في أنظمة وتشريعات الوزارة. كلنا أمل بأن يتبع هذا القرار رغم أهميته قرارات أخرى تدعم وتساند حركة النشر والترجمة والتأليف والتوزيع التي تئن وتتوجع بين مطرقة القرصنة والاحتيال وسندان التوزيع.

د. بدر بن صالح الوهيبي (باحث ومؤرخ): تعدد جهات الإجازة

ورأى الباحث والمؤرخ الدكتور بدر بن صالح الوهيبي، الذي أنجز عدداً من المؤلفات اللافتة والموثقة، وخاض معركة «إجازة» مؤلفاته التي مرّت بين مد وجزر، أن قرار إلغاء الرقابة المسبقة على الكتب والاكتفاء بالرقابة في وقت لاحق إجراء لا يكفي في ظل «رؤية 2030»، حيث يتطلب الأمر إسناد الفسوحات لدور النشر بدلاً من تعدد الجهات التي تتولى الإجازة والفسح، حيث تتحمل دور النشر مسؤولية ما ينشر، وفق نظام المطبوعات، وهو ما يحقق الفائدة للمؤلف والناشر، وتقليل خسارة وضياع الفرص على المؤلفين، كما أن مثل هذا الإجراء، سيساهم في إنعاش سوق النشر في السعودية ومعارض الكتاب. إن التأخير في البت بإجازة وفسح الكتب، الذي يتفاوت بين الطول والقصر لدى الجهات التي تحول إليها الكتب والمؤلفات تضع الناشر والمؤلف في حرج.

ربيع كسروان (مؤسس ومدير عام «منتدى المعارف» بيروت): دفعة كبيرة لحركة التأليف

قرار إلغاء الرقابة المسبقة على الكتب، سيكون له الأثر الكبير في إحداث نهضة كبيرة في قطاع النشر في المملكة، عن طريق إعطاء دفعة كبيرة لحركة التأليف والكتابة لدى قطاع المؤلفين والكتّاب باختصاصاتهم كافة، فكلما كانت الوسيلة سهلة ومتاحة أقبل المؤلف على تقديم منتوجه بيسر إلى الناشر. إن المؤلف لن ينتظر طويلاً لكي يرى عمله منشوراً أو موزعاً في الأسواق في فترة وجيزة، على عكس ما كان يجري في السابق، حيث يضطر المؤلف السعودي مثلاً إلى نشر عمله خارج المملكة ليقوم الناشر الخارجي بإرساله مجدداً إلى المملكة لكي يقوم بعرضه من خلال أحد الموزعين المحليين السعوديين للفسح القانوني، وهذا مسار طويل للوصول القانوني إلى القارئ والسوق السعودية.
من هنا، ومع تدفق المزيد من أعمال المؤلفين السعوديين عبر الناشرين السعوديين سيضاعف من الأعمال المنشورة بشكل كبير داخل المملكة مع السرعة المتوقعة في إنجاز مسار النشر، ويكون له تأثير مضاعف لأن المزيد يجر المزيد ويشجع الآخرين، وكلما انتعش قطاع النشر شجع ذلك على تحفيز الكتاب للكتابة، وهكذا.


مقالات ذات صلة

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

كتب «البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

في مايو (أيار) من عام 1950، وفي مدينة سان فرانسيسكو، كبرى مدن الغرب الأميركي، أعلنت الأميرة أو «البرنسيسة» فتحية ابنة الملك فؤاد وصغرى شقيقات الملك فاروق

رشا أحمد ( القاهرة)
كتب «فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي

صدر عن «مؤسسة الانتشار العربي» كتابُ «فلسفتي» للكاتب السعودي الزميل خالد الغنامي. جاء الكتاب في 360 صفحة، وهو عبارة عن مقالات كثيرة متوسطة الحجم،

«الشرق الأوسط» (الرياض)
ثقافة وفنون «صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

تتقدم عدنية شبلي ببطء في روايتها «تمويه» الصادرة عن «دار الآداب» في بيروت، لترسم صورة إنسانية شفيفة لعائلة صغيرة، تعيش في ظل الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين.

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال

رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال

صدر حديثاً، بالتعاون بين «دار نوفل» (هاشيت أنطون)، ودار «الفاضل للنشر»، رواية «اللّاروب» للكاتب والسياسي المغربي حسن أوريد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص
TT

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

في مايو (أيار) من عام 1950، وفي مدينة سان فرانسيسكو، كبرى مدن الغرب الأميركي، أعلنت الأميرة أو «البرنسيسة» فتحية ابنة الملك فؤاد وصغرى شقيقات الملك فاروق زواجها من رياض غالي الذي لا يحمل إلا لقباً متواضعاً يمتلكه عامة الناس ويمنحه الناس بعضهم البعض على سبيل المجاملة وهو لقب «الأفندي».

كما أن الزوج فضلاً عن ذلك قبطي ينتمي إلى الكنيسة الأرثوذكسية، وكان طبيعياً أن يثير إعلان زواج أميرة مسلمة من شاب قبطي حملة صحافية شهرّت بالسلوك الاجتماعي للأسرة المالكة في مصر، وأن يفجر أزمة سياسية بدأت بأمر ملكي يقضي بتجريد «صاحبة السمو الملكي» الأميرة فتحية ووالدتها «صاحبة الجلالة» الملكة نازلي من ألقابهما الملكية لتصبحا فتحية هانم فؤاد ونازلي هانم صبري، وانتهت بالقضاء على النظام الملكي بعد ذلك بأعوام قليلة. تلك هى اللحظة الدرامية المتفجرة بالأسئلة والمشحونة بحقائق تشبه الخيال، التي يعيد كتابتها من كل أوجهها السياسية والاجتماعية والثقافية المؤرخ المصري الراحل صلاح عيسى في كتابه الشهير «البرنسيسة والأفندي»، الذي صدرت منه طبعةٌ جديدةٌ في جزأين عن «دار الكرمة» بالقاهرة.

يتميز الكتاب بجمال الطرح الأدبي وعمق تفكيك الحدث وبراعة قراءة دلالاته، لا سيما أنه بعده بسنوات عديدة أطلق الأفندي رياض غالي خمس رصاصات على رأس زوجته البرنسيسة فتحية ثم أطلق الرصاصة السادسة والأخيرة على رأسه. وذلك عقب مغادرة البرنسيسة الصغيرة جناحها المزين باللونين الأبيض والأخضر، اللذين كانا يتألف منهما العلم المصري آنذاك، في فندق «فيرمونت» بالولايات المتحدة لتظهر بعد قليل في مدخل البهو حتى تدافع الصحافيون ليحتشدوا حولها يطلبون في أصوات متداخلة تعليقها على البيان الرسمي الذي أذاعه الديوان الملكي في القاهرة بإحالة قضيتها إلى مجلس البلاط، فردت بصوت لم يخل من توتر خفيف: «إن كثيرات من صديقاتي الأميركيات لا يرين فيما فعلت شيئاً يدعو للعجب فلماذا كل هذه الضجة التي تثور في مصر؟».

ويعود السبب الرئيسي لإطلاق رياض النار على حبيبته وزوجته هو رغبتها القاطعة في الانفصال عنه نهائياً والعودة إلى مصر، وذلك بعد أن ساءت حالتهما المادية وأعلنا الإفلاس نتيجة خسارتها كل أموالها وأموال والدتها الملكة نازلي في مضاربات البورصة والاستثمارات الفاشلة. وظل رياض غالي بجانب الجثة لعدة ساعات، ثم وجه المسدس إلى رأسه، وأطلق النار محاولاً الانتحار، غير أن الرصاصة لم تقتله، بل أصابته بتهتك في خلايا المخ أدى إلى إصابته بالشلل التام والعمى لاحقاً حيث قضى نحبه داخل السجن.

فيما رأى البعض الأمر وكأنه عقاب على ما فعلته البرنسيسة حفيدة الخديو إسماعيل، التي تزوجت من شاب من أواسط الناس وليس بين أصول شجرة عائلته من حمل يوماً لقباً من ألقاب التشريف.

كان هذا «الأفندي» موظفاً حكومياً في الدرجة الخامسة بالكادر الفني العالي في وزارة الخارجية إلا أنه كان قد استقال من عمله قبل إتمام زواجه من «البرنسيسة» بشهور حين أصدرت الوزارة قراراً بنقله من وظيفته كسكرتير ثالث بالقنصلية المصرية بمرسيليا في محاولة لإبعاده عن الأميرة الصغيرة، فأصبح بذلك لا يستحق على الأكثر إلا لقب «أفندي سابق».

ولأن البرنسيسة الصغيرة الجميلة والأفندي القبطي كانا يسيران طيلة السنوات الأربع السابقة على ذلك التاريخ فوق خريطة القارتين الأميركية والأوروبية بصحبة الملكة الوالدة نازلي إلى أن استقرا أخيراً في سان فرانسيسكو، فإن الضجة العلنية التي ثارت في القاهرة كانت خاتمة شهور من المباحثات السرية بين العاصمة المصرية وعدد من المدن الأميركية عبر اتصالات شخصية وتليفونية وبرقية سريعة ومكثفة غاضبة ومهددة وراجية ومستعطفة على كل مستوى وعلى أعلى مستوى تحاول منع هذا الزواج.

ولكن البرنسيسة الصغيرة الرقيقة تمسكت بغرامها العنيف للأفندي، وأعلنت لكل الوسطاء تصميمها على الزواج، حتى بدا لهؤلاء الوسطاء أنها تقمصت دور البطولة في فيلم سينمائي أميركي من النوع الذي ينتهي عادة بزواج الفتاة الجميلة ابنة المليونير من فارس الأحلام الوسيم متواضع الأصل والثروة.

وكان لافتاً مساندة الملكة نازلي للأميرة، فدفعتها بذلك إلى العناد، وحين أشهرت القاهرة في وجه الملكة الأم سيف التهديد بتجريدها من لقبها الملكي قالت بحزم: «لن أكسر قلب ابنتي الصغيرة من أجل لقب تافه هو صاحبة الجلالة».

ويرى صلاح عيسى أن قصة زواج البرنسيسة فتحية من رياض أفندي غالي عام 1950 تعيد طرح الأسئلة ذاتها التي طرحتها الدعوى التي رفعها عام 1904 عبد الخالق السادات أمام محكمة مصر الشرعية العليا يطلب فيها التفرقة بين ابنته صفية السادات وبين زوجها الشيخ علي يوسف، أشهر الصحافيين العرب المسلمين في عصره، لعدم التكافؤ بينهما في النسب وفي المهنة. وقالت الدعوى إن الزوجة تنتمي إلى أسرة من الأشراف بينما الزوج فلاح بسيط بلا أصل معروف، والد الزوجة - لا الزوجة نفسها - يعمل بمهنة شريفة هي مشيخة السادة، بينما يعمل الشيخ علي يوسف في أخس المهن وأدناها، وهي مهنة الصحافة، بحسب ما قيل آنذاك.

وخلال نصف القرن الذي فصل بين القضيتين، شُغل المجتمع المصري بعشرات من القضايا كان موضوعها هو الزواج بين «أولاد وبنات الذوات» من ناحية وبين «أولاد وبنات الشعب» من ناحية أخرى، من أشهرها زواج السيدة صفية السادات نفسها بعد وفاة الشيخ علي يوسف من المطرب زكي عكاشة، وزواج الوجيه محمد بك شعراوي من المطربة فاطمة سرس، وزواج أكثر من أمير وأميرة من العائلة المالكة من أجنبيات وأجانب.

ويتوقف صلاح عيسى عند مفارقة صارخة على مستوى الوعي الثقافي في هذا السياق، حيث كانت الثورات القومية العربية تتقدم خلال تلك العقود وهي ترفع أعلام الحرية والإخاء والمساواة في حقوق المواطنة، وتحظر التفرقة بين المواطنين بسبب اللون أو الجنس أو الدين أو المعتقد، وتجعل صيانة الحريات العامة أو الشخصية أحد أهم حقوق المواطنة التي يكفلها الدستور كعقد اجتماعي بين المحكومين والحاكمين للجميع دون تمييز.

كما كانت الجماهير العربية تخرج في مظاهرات عارمة غضباً لانتهاك تلك الدساتير، وتستبسل دفاعاً عنها إلى درجة الاستشهاد أحياناً، كما أن كثيرين من الكتاب والمفكرين والزعماء السياسيين من منظري وقادة العصر الليبرالي العربي كانوا يتحمسون نظرياً للدفاع عن هذه المبادئ، إلا أن هذا النمط من الزيجات المختلطة بين أولاد الأصول و«من لا أصل لهم» كان ينفجر كالقنابل تحت أقدام الجميع فيخل باتزانهم ويكشف عن التناقض بين ما يذيعونه من آراء وما يتخذونه من مواقف عملية، فإذا بحشود الجماهير التي تفتح صدرها للرصاص ببسالة دفاعاً عن الدستور تندفع بالدرجة نفسها من البسالة للتظاهر دفاعاً عن نقاء الدم واحتجاجاً على تهجين البذور!


«فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي
TT

«فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي

صدر عن «مؤسسة الانتشار العربي» كتابُ «فلسفتي» للكاتب السعودي الزميل خالد الغنامي. جاء الكتاب في 360 صفحة، وهو عبارة عن مقالات كثيرة متوسطة الحجم، قُسّمت إلى أربعة أبواب: «الفلسفة والقلق والمعرفة» و«التصوف» و«الفن بوصفه تجربة ومعرفة» و«الأخلاق والحياة».

جاء في تقديم الكتاب:

لم تتشكل هذه الصفحات وفق خطة مسبقة، ولا انطلقت من تصور كتابي واضح. ما حدث أقرب إلى تراكم بطيء لأفكار متفرقة، ثم إلى لحظة شعرتُ فيها بأن هذا التراكم لم يعد محتملاً في صمته، وأنه يطلب شكلاً ما، لا لأنه نضج أو اكتمل، بل لأنه صار يضغط عليّ بوصفه تجربة فكرية عشتها أكثر مما كتبتها.

كثير مما يرد هنا لم يصدر عن رغبة في بناء موقف، ولا عن ثقة بامتلاك رؤية مميزة، بل عن احتكاك مباشر بما تطرحه الحياة من أسئلة صغيرة ومزعجة، وعن شعور متكرر بأن الإجابات الجاهزة، مهما بدت مطمئنة، تُغفل توترات أساسية، أو تؤجل التفكير فيها بدل مواجهتها. من هنا جاءت الكتابة بوصفها محاولة للفهم قبل أي شيء، ومحاولة للإصغاء للتجربة وهي تتشكل، لا لتقنينها أو إغلاقها.


تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص
TT

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

في روايته «السماء الثامنة»، يطرح الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي الحب بوصفه آصرة لا يمكن عزلها عن التاريخ والذاكرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح سؤالاً مركزياً حول إمكانية «النجاة» في عالم يتعرض فيه كل شيء للهدم والاقتلاع القسري.

صدرت الرواية أخيراً عن «دار الكرمة» للنشر بالقاهرة، وتبدأ من لحظة ذروة؛ من خبر منشور عن استشهاد الطبيب المصري «عمر المهدي» في أثناء قيامه بجراحة لطفل بالمستشفى المعمداني في «غزة»، وهي اللحظة التي تُصيب البطلة «إيمان» بصدمة عنيفة، لتفتح السرد على مسارين متوازيين؛ الأول يعود بها إلى سنوات الجامعة وبدايات علاقتها العاطفية بـ«عمر»، بينما يتتبع المسار الثاني حياتها المعاصرة بعد أن أصبحت زوجة لمهندس زراعي طموح، اختارته امتثالاً لضغوط أسرتها للابتعاد عن حبيب سنواتها الجامعية، وزواجها ممن «تنطبق عليه شروط عائلتها الميسورة»، ليصبح اقتلاع الحب من منابته الأولى أحد الاختبارات المبكرة التي ستترك أصداءها العميقة في حياة البطلين لاحقاً.

منذ تلك اللحظة المبكرة، لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم، واكتشاف لهوية دفنتها البطلة طويلاً تحت حياة أكثر امتثالاً واستقراراً ظاهرياً، قبل أن يُعيد استشهاد «عمر» استدعاء نبوءة «السماء الثامنة» التي أخبرها بها ذات يوم، تحت ظلال أشجار عتيقة، حين تبادلا الحديث عن الحب وسماواته السبع وهما في سنوات الجامعة، وهي السماء التي ستدرك إيمان معناها بعد أن صار الوصول إليها مستحيلاً.

دين قديم

يطل السرد على سنوات الجامعة، وتشكّل حب «إيمان» و«عمر» داخل فضاء مُشبّع برومانسية البدايات وجسارة الأحلام، وتبدو نزهات الحبيبين وثيقة الصلة بالأماكن التي يعبرانها معاً، كاشفةً عن وعيهما بامتدادها التاريخي؛ لا سيما في حديقة الحيوان، بأشجارها العتيقة الممتدة منذ عصر الخديو إسماعيل.

وعبر جولات تتقاطع فيها الثقافة بالفن والتاريخ، تظهر المدينة كذاكرة حيّة مُهددة، خاصة مع الإشارات المتكررة في الرواية إلى هدم الفيلات ذات الطُرز المعمارية التاريخية، وتحويل البيوت القديمة إلى أبراج سكنية، وكأن الرواية تضع مصير العلاقات الإنسانية ومصير المدينة داخل المسار نفسه؛ فكما يُنتزع العاشقان من حلمهما القديم، تُنتزع الأمكنة بدورها من ذاكرتها، لتتحول القاهرة تدريجياً من فضاء حميمي للتجوال والحب، إلى مدينة تفقد ملامحها القديمة تدريجياً.

يعتني السرد برسم شخصية «عمر» بوصفه نموذجاً متسقاً مع الحب والقضية معاً؛ فهو طالب كلية الطب الحالِم الذي يقود مظاهرات منذ كان طالباً ضد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين حتى يستشهد بعد سنوات وهو يمارس مهنته متطوعاً في غزة، يتحدث عن «السماوات السبع للعشق»، حيث تمثل المرتبة السابعة «الهُيام»، قبل أن يلمّح إلى معنى آخر للحب يتجاوز المشاعر الفردية: «لا تقتصر السماء الثامنة على المشاعر التي تجمع العاشقين، إنما تسمو بهما معاً إلى مرحلة التضحية في سبيل القضايا الكبرى».

إلا أن حلم «عمر» بالوصول مع حبيبته إلى «السماء الثامنة» لا يكاد يتجاوز عتبة الحلم، بعد أن تخضع «إيمان» لضغوط أسرتها وتبتعد عنه، لتتحوّل تلك السماء تدريجياً إلى ما يشبه النبوءة الروحية التي تظل الرواية تستدعيها باستمرار.

ولا تدرك «إيمان» المعنى الحقيقي لهذه النبوءة إلا متأخرة، عبر الفقد والذنب، حين يتحوّل خبر استشهاد «عمر» من مجرد صدمة عاطفية إلى لحظة تعيد فيها تقييم حياتها التي تكتشف زيفها، فتغدو رحلتها إلى «رفح» محاولة متأخرة لإنقاذ ما تبقّى من ذاتها القديمة، وسداد دين قديم تجاه رجل عجزت يوماً عن التمسك باختياره له: «اعذرني يا عمر، تأخرت في اتخاذ قراري ولكني اتخذته أخيراً، وهأنذا قد جئتك بكامل إرادتي».

رغم غلبة القضية الفلسطينية على عالم الرواية، فإن حضورها لا يأتي بوصفه مساراً منفصلاً عن الحياة الشخصية للأبطال، بل يتسلل تدريجياً داخل نسيجهم العاطفي والإنساني، بحيث تبدو التحوّلات السياسية جزءاً من تكوين الوعي نفسه، لا مجرد خلفية للأحداث، فمنذ الإحالة إلى الحرب الأخيرة على غزة، تفتح الرواية طبقات متعددة من الذاكرة السياسية المصرية، عبر استدعاء مظاهرات الطلبة ضد الاحتلال الإسرائيلي في زمن الرئيس السادات، وما ارتبط بها من لحظات استقطاب سياسي، في إشارة إلى التشققات التي أصابت المجال العام مبكراً، وإلى هشاشة فكرة التضامن نفسها تحت ضغط الانقسامات السياسية.

في هذا السياق، لا تظهر جماعات «الإسلام السياسي» في الرواية كعنصر منفصل عن المشهد، بل كقوة تتغلغل تدريجياً داخل النسيج الوطني، مستفيدة من مساحات سمحت بها الدولة ذاتها في لحظات معينة، قبل أن تتحوّل إلى بنية تعمل في الخفاء وتعيد تشكيل المجال الاجتماعي والسياسي من الداخل، غير أن الرواية لا تتوقف طويلاً عند التحليل المباشر، بقدر ما تترك هذه التحوّلات تنعكس على مصائر الشخصيات.

لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم

إحالات فنية

ومع انتقال السرد إلى غزة، يقترب النص من الجانب الأكثر قسوة في الحرب، خاصة عبر تفاصيل العمل داخل مستشفياتها، حيث يصبح الجسد الفلسطيني نفسه مساحة يومية للعنف والحصار، ليقترب السرد مع نهاية الرواية من المشهد الذي يضطر فيه «عمر» إلى إجراء عملية بتر لمصاب من دون استخدام «مُخدر»، بعدما منع الاحتلال الإسرائيلي دخول الإمدادات الطبية، هنا لا تكتفي الرواية بإدانة الحرب من بعيد، بل تقترب من أثرها المادي المباشر على الجسد الإنساني، كاشفة كيف يتحوّل الطب نفسه من فعل إنقاذ إلى مواجهة شبه مستحيلة مع الألم.

تمتلئ الرواية بإحالات فنية وأدبية بوصفها امتداداً شعورياً للشخصيات نفسها، فعندما تُزيّن «إيمان» شعر «عمر» بزهور البنفسج، يحيلنا السرد إلى صورة الإله «باخوس» في لوحة «كارافاجيو» الشهيرة، وحين تعثر البطلة لاحقاً بين أشيائها القديمة على الرواية الفرنسية «الأميرة دي كليف» تجد نفسها متقاطعة مصيرياً مع بطلتها؛ امرأة ممزقة بين حب حقيقي وحياة اختارتها تحت ضغط، قبل أن يفيض بها الذنب هي الأخرى، وتستدعي الرواية تحديداً قرار «الأميرة دي كليف» في نهايتها «باللجوء إلى الخدمة العامة للتكفير عن ذنبها»، وهو ما ينعكس بدوره على رحلة «إيمان» إلى رفح، بوصفها محاولة متأخرة للخلاص، أو لسداد دين عاطفي وأخلاقي قديم، ليصبح توظيف الفنون في الرواية أقرب إلى انعكاسات مرآوية شجية.

ولا تبدو هذه الإحالات الفنية والأدبية منفصلة عن التكوين النفسي للأبطال، بقدر ما تكشف عن الطريقة التي يرى بها «عمر» و«إيمان» العالم؛ فالحب عندهما لا يتشكل في فراغ، بل عبر الفن، والموسيقى، والكتب، والمدينة القديمة بكل طبقاتها الثقافية والرمزية لذلك تأتي استعادة اللوحات والروايات والأماكن التاريخية بوصفها محاولة لمقاومة القبح والعنف المحيطين بهما، وكأن الشخصيتين تحاولان الاحتماء بالجمال من عالم يتآكل تدريجياً تحت وطأة الحرب والهدم والخسارات المتتالية.

من ثم، في موازاة رثاء الحب، تبدو «السماء الثامنة» في أحد مستوياتها رثاءً لأبرياء الحرب، ومحاولة للتمسك بما تبقى من الحب والحقوق والذاكرة، في عالم يتآكل فيه البشر والمدن معاً.