ناشرون وكتاب يثمنون قرار السعودية تخفيف قيود الرقابة

توقعات بإطلاق 300 ألف عنوان وتطلعات لتغيير نظام المطبوعات

تمثل السعودية أكبر سوق عربية للنشر
تمثل السعودية أكبر سوق عربية للنشر
TT

ناشرون وكتاب يثمنون قرار السعودية تخفيف قيود الرقابة

تمثل السعودية أكبر سوق عربية للنشر
تمثل السعودية أكبر سوق عربية للنشر

أنهت السعودية إشكالية تتعلق بالرقابة على الكتب، محققة مطلباً للناشرين والمؤلفين وجمهور الثقافة الذين انتظروا هذا القرار منذ عقود؛ بإطلاق خدمة الفسح المباشر للمؤلفات المكتوبة التي تشمل: الكتب، والكتب الإلكترونية، والمطبوعات، التي تبلغ نسبة طلباتها على خدمات الفسح 61 في المائة خارجياً، و39 في المائة محلياً؛ مما يتيح وصول كل ما ينشر إلى الجميع بالتزامن مع صدور الكتب والمطبوعات، والمحتوى المقروء، وفقاً لما أعلنته الهيئة العامة للإعلام المرئي والمسموع يوم السبت الماضي، التاسع عشر من شهر يونيو (حزيران) الحالي.
وكانت الهيئة العامة للإعلام المرئي والمسموع السعودية، قد أكدت في بيان لها، أن «السعودية من أوائل الدول على مستوى المنطقة التي تقدم خدمة الفسح المباشر للقطاع الخاص للمحتوى المقروء، حيث يمكن للمستفيدين التقدم للحصول على الفسح الفوري للمطبوعات الخارجية عبر منصة التراخيص الإلكترونية التابعة للهيئة، بعد التزامها بالاشتراطات والضوابط المعمول بها، وتشمل الخدمة الكتب الورقية والإلكترونية».
وتوقعت الهيئة، أن يبلغ عدد فسوحات العام الأول من إطلاق الخدمة 300 ألف عنوان، مؤكدة أن سرعة الفسح ستتيح للجميع المتابعة والتفاعل مع كل ما ينشر في حينه وبالتزامن مع صدور الكتب والمطبوعات والمحتوى المقروء بشكل عام. وأوضحت، أن التعديلات الجديدة على اللائحة ستنعكس بشكل إيجابي على قطاع التجارة الإلكترونية والمطبوعات، فبالإضافة إلى تسهيل عملية الفسح على المؤلفين والناشرين وموزعي الكتب واختصار مدة الانتظار، ستسهم كذلك في تشجيع دخول المستثمرين في قطاع التأليف والنشر والتوزيع، كما أنها ستنمي قطاع تجارة الكتب الإلكترونية، وإثراء منافذ التوزيع السعودية بالمحتوى المتميز فور صدوره، ويشكل القرار أيضاً دعماً مباشراً لدور النشر السعودية التي كانت تعاني من منافسة غير عادلة من دور النشر الأخرى. ويسهم تطبيق الفسح الفوري كذلك في الحد من القرصنة والتحايل وتسرب المستخدمين إلى المتاجر العالمية.
وسجلت «الشرق الأوسط» آراء عدد من الناشرين والمؤلفين من المهتمين بصناعة النشر من داخل السعودية وخارجها حول هذا القرار، ولم تخلُ آراؤهم من طرح مطالب تجاوزت أهمية هذا القرار غير المسبوق إلى طرح آلية لتوحيد جهات وإجازة أعمال النشر، لتسهيل إجراءات الفسح المباشر دون المرور بالإجراءات البيروقراطية، وتعدد جهات الإجازة للكتب والمطبوعات، التي تعيق سرعة فسح المؤلفات المكتوبة.

د. محمد المشوح (مؤسس ومدير دار «الثلوثية» - الرياض): ينبغي منح الناشرين والمؤلفين حق الطباعة

إن قرار وزارة الإعلام فيما يتعلق بالموافقة على فسح الكتب الإلكترونية وتسهيل إجراءاتها يعدّ أمراً مهماً في منظومة ننتظر استكمالها كناشرين، ومن المتعارف عليه لدى قراء الكتاب والمؤلفين والناشرين أن فسوحات الكتب هي المعضلة الكبرى التي تواجه الجميع في كثير من الدول.
لقد كان لنظام المطبوعات الذي خوّل للوزارة الصلاحيات الكاملة في إجراء الفسوحات للكتب المطبوعة داخلياً أو خارجياً، دور في إحجام كثير من المؤلفين من الكتابة والتدوين؛ بسبب شدة الإجراءات، وطول أمد الفسح طيلة السنوات الماضية رغم التطورات التي حصلت في السنتين الماضيتين.
إننا الآن أمام مطالب عديدة نقدمها للوزارة تكمن في سرعة إيجاد آليات متناسبة ومتناسقة مع التطورات الإلكترونية المذهلة التي تعيشها السعودية، ومنها إجراءات الفسوحات، وأنه من المهم أن يتم النظر بواقعية تامة إلى موضوع الرقابة البعدية وتفعيلها، وأن المؤلف والناشر يتحمل التبعات الناشئة عن ذلك.
لا شك أن رخص الفسوحات التي تمنح لبعض دور النشر والذي أعلنت عنه الوزارة مؤخراً سوف يسهم أيضاً في تخفيف المسؤوليات على الجهات الرقابية. نحن نعلم أن الجهات الرقابية المعنية؛ الوزارة، وزارة الإعلام ترتبط أيضاً بعشرات الجهات التي تسمح وتفسح بحكم اختصاصاتها، سواء كانت الإفتاء أو وزارة الصحة، أو دارة الملك عبد العزيز أو غيرها من المؤسسات، وهذا الأمر أرى أن من الضروري أن يتم إعادة النظر فيه، وأن يتاح للناشرين وللمؤلفين الطباعة فوراً، ويتحملوا مسؤولياتهم. ومن المهم أن نلفت النظر إلى أننا أمام تجربة أخرى، وهي تجربة الأندية الأدبية؛ فالأندية الأدبية لا تمرّ على عين الرقيب، فكتبهم لا ترد على وزارة الإعلام بالفسوحات، وإنما يتحملون تبعاتها أو ما يعرف بالرقابة البعدية للكتاب.
تطلعنا كبير بأن هذا الأمر سوف ينعكس إيجاباً وبقوة تامة على سوق النشر السعودية التي تعتبر أكبر سوق عربية للنشر لولا تلك المعوقات التي تشهدها السوق. نأمل من وزارة الإعلام أن تستكمل المنظومة الرقابية في ذلك، وأن تبادر إلى حسم موضوع الرقابة على الكتب، سواء كانت من الداخل أو من الخارج، أو سواء كانت إلكترونية أو ورقية؛ حتى يتسنى العيش في هذا الفضاء الواسع، ومن ثم تفعيل ما يسمى بالرقابة البعدية، والمحاسبة القضائية على ما يرد، ونحن دولة مؤسسات وقانون، ومن المهم أيضاً أن تخفف الأعباء على الجهات والمسؤوليات في هذا الأمر؛ لأن هذا الأمر أصبح متعلقاً بعشرات الجهات والمسؤوليات التي يمر عليها كل عنوان أو موضوع.

محمد الفريح (مدير شركة «العبيكان» للنشر والترجمة): مطرقة القرصنة وسندان التوزيع

استبشرت خيراً بصدور قرار وزارة الإعلام الأخير الخاص بالفسح الفوري لإصدارات دور النشر الخارجية من المطبوعات، وهو وإن كان قراراً جريئاً ومتطوراً وسيحقق نقلة نوعية في اختصار بعض الإجراءات المطولة سابقاً، إلا أنه لا يزال قاصراً ولا يحقق ما يطمح له الناشرون والموزعون السعوديون من تغيير نمط وطريقة إجراءات الفسح الحالية والتي تأخذ أحياناً أسابيع، وبعضها يمتد لأشهر، وتتداخل هذه الإجراءات ضمن صلاحيات عدد من القطاعات المختلفة كل حسب تخصصه؛ الأمر الذي زاد الأمر تعقيداً وطولاً.
مع قناعتي الشخصية بأن التحديث والتجديد وتجاوز بعض الأنظمة التقليدية ومواكبة روح العصر لم يعد ترفاً ورفاهية، وإنما واجبات لازمة حتمتها طبيعة الزمن المتسارع جداً، الذي لم يعد فيه مكان للتفكير بالطريقة السابقة نفسها التي أكل عليها الدهر وشرب، وأخذت من جهد الناشرين والمراقبين وموظفي الإعلام ووقتهم ما أخذت، وقد يتفق معي عدد من الناشرين والموزعين والوراقين وممتهني صناعة التأليف والنشر، أن تغيير نظام المطبوعات تغييراً هرمياً هو الحل الأمثل والأنجع لملاحقة تطورات العصر، فتكون مسؤولية رقابة المحتوى والكتب لدى الناشرين والمشتغلين بصناعة الكتب وحدهم، ويبقى دور المؤسسة الحكومية وصانع القرار في التشريع وسن القوانين والأنظمة وتحديثها ومراقبتها وفقاً لمتطلبات العصر الرقمي الجديد.
أكرر على ضرورة وجود التشريعات الخاصة بأنظمة وترخيص ونشر الكتب الرقمية بأنواعها والتفاعلية والصوتية والمحتوى المخصص لفئات معينة ككتب المكفوفين وغيرها، والتي أصبحت سمة غالبة ومهيمنة في عصرنا الحاضر، والتي لا يوجد لها حتى اللحظة تراخيص واضحة المعالم في أنظمة وتشريعات الوزارة. كلنا أمل بأن يتبع هذا القرار رغم أهميته قرارات أخرى تدعم وتساند حركة النشر والترجمة والتأليف والتوزيع التي تئن وتتوجع بين مطرقة القرصنة والاحتيال وسندان التوزيع.

د. بدر بن صالح الوهيبي (باحث ومؤرخ): تعدد جهات الإجازة

ورأى الباحث والمؤرخ الدكتور بدر بن صالح الوهيبي، الذي أنجز عدداً من المؤلفات اللافتة والموثقة، وخاض معركة «إجازة» مؤلفاته التي مرّت بين مد وجزر، أن قرار إلغاء الرقابة المسبقة على الكتب والاكتفاء بالرقابة في وقت لاحق إجراء لا يكفي في ظل «رؤية 2030»، حيث يتطلب الأمر إسناد الفسوحات لدور النشر بدلاً من تعدد الجهات التي تتولى الإجازة والفسح، حيث تتحمل دور النشر مسؤولية ما ينشر، وفق نظام المطبوعات، وهو ما يحقق الفائدة للمؤلف والناشر، وتقليل خسارة وضياع الفرص على المؤلفين، كما أن مثل هذا الإجراء، سيساهم في إنعاش سوق النشر في السعودية ومعارض الكتاب. إن التأخير في البت بإجازة وفسح الكتب، الذي يتفاوت بين الطول والقصر لدى الجهات التي تحول إليها الكتب والمؤلفات تضع الناشر والمؤلف في حرج.

ربيع كسروان (مؤسس ومدير عام «منتدى المعارف» بيروت): دفعة كبيرة لحركة التأليف

قرار إلغاء الرقابة المسبقة على الكتب، سيكون له الأثر الكبير في إحداث نهضة كبيرة في قطاع النشر في المملكة، عن طريق إعطاء دفعة كبيرة لحركة التأليف والكتابة لدى قطاع المؤلفين والكتّاب باختصاصاتهم كافة، فكلما كانت الوسيلة سهلة ومتاحة أقبل المؤلف على تقديم منتوجه بيسر إلى الناشر. إن المؤلف لن ينتظر طويلاً لكي يرى عمله منشوراً أو موزعاً في الأسواق في فترة وجيزة، على عكس ما كان يجري في السابق، حيث يضطر المؤلف السعودي مثلاً إلى نشر عمله خارج المملكة ليقوم الناشر الخارجي بإرساله مجدداً إلى المملكة لكي يقوم بعرضه من خلال أحد الموزعين المحليين السعوديين للفسح القانوني، وهذا مسار طويل للوصول القانوني إلى القارئ والسوق السعودية.
من هنا، ومع تدفق المزيد من أعمال المؤلفين السعوديين عبر الناشرين السعوديين سيضاعف من الأعمال المنشورة بشكل كبير داخل المملكة مع السرعة المتوقعة في إنجاز مسار النشر، ويكون له تأثير مضاعف لأن المزيد يجر المزيد ويشجع الآخرين، وكلما انتعش قطاع النشر شجع ذلك على تحفيز الكتاب للكتابة، وهكذا.


مقالات ذات صلة

أخطاء مطبعية تُحوّل نسخة نادرة من «هاري بوتر» إلى «كنز»

يوميات الشرق ما أخطأته المطبعة قبل 29 عاماً أصابته سوق المزادات اليوم (دار مزادات «هيريتيج»)

أخطاء مطبعية تُحوّل نسخة نادرة من «هاري بوتر» إلى «كنز»

بيعت نسخة نادرة من الطبعة الأولى لكتاب «هاري بوتر وحجر الفيلسوف» مقابل 302 ألف جنيه إسترليني، في مزاد أقيم بمدينة دالاس الأميركية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب «أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

لم يعد الجدل الأكثر إثارة في موضوع الذكاء الاصطناعي متعلقاً بمدى قدرة الآلة على الكتابة مثل الإنسان؛ إذ تجاوزت النماذج اللغويّة الحديثة جانباً مهماً من...

ندى حطيط
كتب «طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

صدرت حديثاً للكاتبة والإعلامية اللبنانية ثناء عطوي، «نوفيلا» جديدة بعنوان «طيران على مستوى منخفض»، عن «محترف أوكسجين للنشر».

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب «عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

عن «مؤسسة شمس للنشر والإعلام»، بالقاهرة؛ صدر كتاب «عصر التزييف... هندسة الوعي وإعادة بناء الحقيقة»، للكاتب والمفكر العراقي «عباس النوري»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة

«الشرق الأوسط» (لندن)

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية
TT

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

لم يعد الجدل الأكثر إثارة في موضوع الذكاء الاصطناعي متعلقاً بمدى قدرة الآلة على الكتابة مثل الإنسان؛ إذ تجاوزت النماذج اللغويّة الحديثة جانباً مهماً من اختبار المحاكاة، وأصبحت تُنتج نصوصاً متماسكة، وتُترجم وتُلخص وتُحاور، بل وتُحاكي أنماطاً أدبيّة وفكريّة بدرجة تثير الدهشة. إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم يبدو أكثر عمقاً، وأهميّةً: ماذا يبقى من المعنى عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية الحيّة التي أنجبتها؟

من ربقة هذا التساؤل ينطلق كتاب «أصوات بلا ذاكرة: عن اغتراب المعنى في ذكاء الآلة» (2026) للدكتور غسان مراد، الذي يستكشف الذكاء الاصطناعي من منطقة تتقاطع فيها الفلسفة واللغة والتكنولوجيا والعلوم الإنسانية. ويلخص العنوان مفارقته المركزية: نحن أمام أصوات تستطيع الكلام بطلاقة، لكنها تفتقر إلى الذاكرة بمعناها الإنساني، ذاكرة الألم والفرح والفقد والخوف، وتراكم العلاقات والتجارب والقراءات والزمن، أي ذلك التراكم الذي يجعل الكلمة البشرية جزءاً من سيرة صاحبها، وليس مجرد علامة لغويّة تؤدي وظيفة داخل جملة.

حين يكتب الإنسان عن المنفى، على سبيل المثال، تحمل الكلمة شيئاً من وطن تركه أو فقده، وحين يستدعي الحب أو الموت تتداخل في لغته طبقات من التجربة والذاكرة. أما النموذج اللغوي، فيصل إلى الكلمات عبر العلاقات الإحصائيّة والأنماط الرياضيّة المستخلصة من كميات هائلة من النصوص. يستطيع بناء خطاب بليغ عن الحزن من غير أن يختبر مرارته، وعن الخوف من غير أن يرتجف، وعن الموت من غير أن يفقه معنى الفناء الذاتي. وهنا يتضح التمييز بين المعلومة القابلة للتخزين والمعالجة والاسترجاع، والمعرفة التي تتشكل داخل ذوات حيّة تعيش في الزمن، وتتغير بما تختبره.

غير أن هذه المفارقة تتجاوز التفلسف المجرد؛ فالآلة التي تفتقر إلى ذاكرة ذاتيّة تتغذّى بالمبدأ على ذاكرة بشرية منتقاة وغير متوازنة. وما نسميه بيانات هو حصيلة ما دوّنته المجتمعات ورقمنته وحفظته وأتاحته، حاملاً معه تحيزاتها وموازين قواها وطرائق تصنيفها للأشياء. وهكذا تنتقل التحيزات المعرفيّة إلى قلب الخوارزميّة؛ ما يفرض طرح أسئلة تتعلق بالتاريخ الذي تتعلمه الآلة، والمصادر التي تمنحها الأولويّة، والثقافات التي تمتلك حضوراً رقمياً يسمح لها بالمشاركة في تشكيل الإجابات.

وبالنسبة إلينا في هذا الجزء من العالم، تحتل اللّغة العربيّة موقعاً حساساً عند هذا المفصل التاريخي، فهي تحمل تراثاً نصيّاً هائلاً يمتد قروناً، في حين يبقى جانب معتبر من ذاكرتها خارج البنى الرقميّة القابلة للمعالجة الحديثة. وتتجاوز المشكلة قدرة النموذج على إنتاج نصّ عربي سليم إلى طبيعة العربيّة التي يتعلمها، وحضور الفصحى واللهجات، والمصطلحات والمراجع التي تشكل خرائطه المفاهيمية. فقد يتقن النظام العربيّة لغوياً، في حين يستمد جانباً من تصوراته من معرفة تشكلت بلغات وثقافات أخرى. ومن هنا تصبح رقمنة التراث وبناء المدونات اللغويّة وتطوير المحتوى العلمي والفلسفي المعاصر قضايا تتصل على نحو وثيق بالسيادة المعرفيّة.

يضع الكتاب هذه اللحظة ضمن تاريخ الثورات التي أعادت تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة. فقد دشّنت اللغة الثورة المعرفيّة الأولى، حين منحت الإنسان القدرة على تحويل التجربة إلى معنى مشترك وتداوله مع الآخرين، ثم جاءت الكتابة لتمنح هذا المعنى ذاكرة تتجاوز حدود الفرد والزمن، وأتاحت الطباعة انتشار المعرفة على نطاق واسع، قبل أن يجعل الإنترنت المعلومات قابلة للبحث والتداول الفوري. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي، فيمثل نقلة مغايرة؛ إذ أصبحت الآلة تعيد تركيب المعرفة وتلخيصها وترجمتها وصياغتها، في انتقال نوعيّ من امتلاك المعلومات إلى امتلاك الأنظمة التي تعيد إنتاجها وتقديمها للبشر.

ومن هذا الانتقال يفتح «أصوات بلا ذاكرة» نافذة على صراع القوة العالمي. ففي التصورات المرتبطة بحروب الجيل السادس، تتداخل القوة العسكريّة مع الفضاء السيبراني وحروب المعلومات والأنظمة الذاتيّة وتقنيات التأثير في الإدراك. وتدخل اللغة نفسها ساحة الصراع؛ إذ تستطيع الأنظمة التوليديّة إنتاج الرسائل والصور والسرديّات ونشرها على نطاق هائل، لتصبح القدرة على تشكيل المجال المعلوماتي جزءاً أصيلاً من القوة الاستراتيجية للدول.

وتتفرع من هذا الصراع معركة أخلاقية تتنافس فيها الدول الكبرى على التفوق التكنولوجي وصياغة قواعد تنظيمه في آن، في حين تمتلك الشركات العملاقة الجانب الأهمّ من النماذج والبنيّة الحاسوبيّة والخبرة التقنيّة. فمن يحدد حدود المقبول؟ ومن يعرّف الضرر والتحيز؟ ومن يتحمل المسؤوليّة عندما تدخل الخوارزميّة في التعليم والإعلام والعمل واتخاذ القرارات؟ إنها أسئلة تنقل الأخلاق (والفلسفة) إلى مركز الصراع على مستقبل التكنولوجيا.

وهذا يأخذنا إلى ما يسميه الدكتور مراد بالعلوم الإنسانيّة الرقميّة، بوصفها مساحة يلتقي فيها الأدب والتاريخ والفلسفة واللسانيات مع الحوسبة وتحليل البيانات. إذ يستطيع الباحثون اليوم بمساعدة الذكاء الاصطناعي فحص ملايين النصوص وتتبع تحول المفاهيم واكتشاف أنماط وعلاقات يصعب رصدها بالقراءات التقليديّة، في حين يظلّ تفسير تلك الأنماط مرتبطاً بالسياق التاريخي والخبرة الإنسانية. وهكذا، تتسع أدوات البحث من دون أن يفقد التأويل موقعه في إنتاج المعرفة.

يفتح الكتاب النقاش المهمّ حول الصفحة التاليّة من مستقبل الذكاء الاصطناعي، بالانتقال من المعالجات الإلكترونيّة إلى الحوسبة البيولوجيّة والذكاء العضوي، حيث يجري استكشاف إمكان توظيف الجزيئات والخلايا والأنظمة الحيّة في معالجة المعلومات. ويعرض في هذا الإطار الأبحاث المتعلقة بالحواسيب الجزيئيّة التي تستخدم الحمض النووي والبروتينات، وما تتيحه من احتمالات مختلفة للحوسبة والتخزين، إلى جانب التحديات العلميّة التي لا تزال تفصل التجارب المختبريّة عن التطبيقات الواسعة.

توقُظُ الفضول في هذا السياق فكرة بالغة الإثارة تكاد تكون مُستلّة من أدب الخيال العلمي، تتعلق باستخدام الحمض النووي (DNA) وسيطاً لأرشفة المعلومات الرقميّة. فالمادة التي تحمل الشيفرة الوراثيّة للكائنات الحيّة تمتلك كثافة تخزينيّة خارقة، وقد أظهرت التجارب إمكان ترميز البيانات الرقميّة داخل تسلسلات من الحمض النووي الاصطناعي ثم استعادتها بقراءتها. ويفتح ذلك تصوراً جديداً للذاكرة، تنتقل فيه المعلومات من الشرائح الإلكترونيّة إلى وسيط جزيئي مستمد من المادة التي تحمل تعليمات الحياة نفسها.

مَن يتحمَّل المسؤوليّة عندما تدخل الخوارزميّة في التعليم والإعلام والعمل واتخاذ القرارات؟

أما الاحتمال الأبعد، فيتمثل في التهجين الرقمي والبيولوجي، حين تتداخل الأنظمة الحاسوبيّة مع المكونات العضويّة، وصولاً إلى تصورات عن ذكاء يجمع خصائص العالمين. ويتناول الكتاب إمكان تطوير أنظمة تستفيد من الجزيئات البيولوجيّة، وأخرى قد تتفاعل مع جسم الإنسان ووظائفه، بحيث تتشوش الحدود الفاصلة بين الطبيعي والمصطنع، والبيولوجي والرقمي، والإنسان وما يضيفه إلى قدراته من أدوات وتقنيات.

ويتجاوز مفهوم التهجين الجانب العضوي ليشمل الهويّة والثقافة والعلاقات الاجتماعيّة. فالإنسان المعاصر يعيش بالفعل داخل بيئات هجينة يتداخل فيها الحضوري والافتراضي، ومع ازدياد تشابك الذكاء الاصطناعي في الحياة اليوميّة، تصبح التكنولوجيا شريكاً متزايد التأثير في تشكيل التجربة الذاتيّة، وتظهر أسئلة جديدة حول الهويّة والخصوصيّة والاختلاف وحدود التدخل التقني في الحياة الإنسانيّة.

ومن الطبيعي أن تنعكس هذه التحولات على التربيّة والتعليم. فحين تتولى الأنظمة الذكيّة جانباً متزايداً من البحث والكتابة والتحليل وحلّ المشكلات، تتغير العلاقة بين المتعلم والمعرفة. ويصبح التحدي التربوي الحقيقيّ متعلقاً بتنمية القدرة على التفكير النقدي والتمييز والتحقق والاستدلال، إلى جانب اكتساب المهارات التقنية. كما تتغير وظيفة المعلم من نقل المعلومات إلى توجيه التعلم وبناء الأسئلة ومساعدة المتعلمين على فهم حدود الإجابات التي تقدمها الآلة. وفي المقابل، يثير الاعتماد المفرط على الأنظمة التوليديّة مخاوف تتعلق بضمور بعض مهارات التفكير والبحث والإبداع المستقل عند المتعلمين.

يتجاوز «أصوات بلا ذاكرة» كونه قراءة في تكنولوجيا مستجدّة، ليضع الإنسان نفسه أمام استحقاقات ثوريّة تتعلق بطبيعة (ومعنى) المعرفة والذاكرة والوعي والأصالة والإبداع والهوية. فالآلة التي تعلمت لغتنا ببراعة دفعتنا إلى إعادة النظر في مفاهيم اعتدنا التعامل معها بوصفها مسلّمات، في حين تفتح احتمالات الذكاء العضوي والتهجين المعرفي والبيولوجي أفقاً تتغير فيه العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا على نحو قد يطول تكوينه الجسدي وقدراته الذهنيّة.

وإذا كانت الآلة تستطيع اليوم أن تقول الكثير من دون أن تعيش حياةً واحدة، فإن السؤال الذي يتركه الكتاب مُشرعاً أمامنا يتجاوز مصدر الكلمات إلى مستقبل الذات الإنسانية: من أي ذاكرة ستتكلم هذه الآلة؟ وبأي قيّمٍ ستتعلم؟ وأيّ مساحةٍ سيحتفظ بها الإنسان لاستقلاله وحريته حين تصبح الخوارزميات شريكاً متزايد النفوذ في إنتاج المعرفة وصياغة المعنى؟


«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء
TT

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

صدرت حديثاً للكاتبة والإعلامية اللبنانية ثناء عطوي، «نوفيلا» جديدة بعنوان «طيران على مستوى منخفض»، عن «محترف أوكسجين للنشر».

تستند قصة الكتاب إلى شخصيات حقيقية، وأحداث واقعية جرت أثناء الحرب الأخيرة على غزة ولبنان، وهي واحدة من بين آلاف القصص التي لم تجد من يرويها.

تستهل الكاتبة هذه النوفيلا بعبارة شديدة الوقع: «نحن أبناء البلادِ القديمة، نخرج من الصورة مثل وطنٍ صغيرٍ أضاع البوصلة، فيستقبلنا عالمٌ يتحدّث لغة لا نجيدُها»

ثم يطفو سؤال ملحّ إلى السطح: بأيّ لغةٍ نخاطب العالم؟ لعلّها اللغة التي نسعى من خلالها إلى ترميم الذاكرة ومواجهة الحقائق التي تمنع محو آثار الجريمة متعدّدة الأبعاد. أو ربما هي تلك اللغة المنسية كأصحابها، لغة الذات وهي تحاورُ أطيافَها وتمنحُ الفرد المجهول حضوراً وهوية، حتى لا يكون مجرّد رقمٍ في الوجع الجماعي والخراب العميم.

ومنذ سؤال السطر الأول من الكتاب «لماذا أنت هنا؟» تتوالى الأسئلة الحرجة، التي ليس لها إجابات: «إلى أين تمضي قصص الحرب وفي أي اتجاهٍ تسير؟ هل يمتصّها الغيم مخزن أسرار الأرض، أم تخترق السماء، سقفَ العالم وغطاءَه؟»

والكثير من علامات الاستفهام والمشاعر المتناقضة بين بطلي النوفيلا: «وبينما يخوض أليعازر الفضاء وعيناه نحو الأرض، يتساءل علي موزارت: أي سلّم بمقدوره الصعود بي إلى السماء؟» من هذا المنطلق تبدأ كلمة الغلاف بسؤال أيضاً: «أي طيّار إسرائيلي هذا وهو ينقض على هدفه ولا يقصفه؟ من هو هذا المقاتل الفلسطيني الرابض تحت الأرض وهي تُزلزل من فوقه؟ هل للموسيقى أن تجمعهما؟ وهل للرسائل المدوّنة على الصواريخ أن تتحوّل إلى أغانٍ؟

أسئلة تضعنا حيالها الكاتبة والمراسلة الحربية اللبنانية ثناء عطوي، مازجة المتخيل بالتوثيقي، والوقائع بالقصص والأفكار، وقد أصبح القتل أرقاماً على شاشة، والناس على الأرض يتتبعون النجاة على خرائط «غوغل»، ومحظوظ من وجد مدوِّناً لحكايته».

ويتضمّن الكتاب أعمالاً للفنان البريطاني توم يونغ، الذي يعيش متنّقلاً بين لندن وبيروت، ويعمل على منشآت فنية في أماكن مهجورة أو متضرّرة كسبيل إلى بثّ الروح فيها.

في أعمال يونغ لا تَنسى البلدان من دمّرها، ولا أسماء أعدائها، ولا الوجع الذي أصابها. لوحات للمشهد ذاته، للحرب التي تتكرّر بأسماء مختلفة، لأوطان غطى الغبار وجهها، وتحوّلت ببطء إلى أشجار معمّرة.

في كتابها هذا، تقدّم لنا ثناء عطوي نصّاً يجمع بين الأدب والتوثيق الصحافي، والفن التشكيلي والموسيقى، التي يلجأ إليها بطلا العمل في أوقاتِ الهدنة، ليجدا نفسيهما بعد الحرب وقد جمعتهما ظروف غير متوقّعة في مكان محايد، بعد عودة كل منهما من صخب الحرب والمعارك.. يتحدث كل منهما لطبيبه النفسي عن دوافعه ومخاوفه، وعن ذكرياته المؤلمة بطريقة مختلفة.

من الفصل التاسع «متساوون بالموسيقى» نقرأ:

«يقول لصديقه: نؤدي المهام نفسها منذ أشهر، ألا وهي سحق المدن والمدنيين، والقضاء على حياة جديدة كل يوم، واستهداف الأطفال بأعداد كبيرة. لا أعرف كيف سنغفل عنهم عندما نرى وجوههم في الصور، ونتذكر أنفاسهم الأخيرة، وما تلفّظوا به وهم يستغيثون في لحظات الفزع».

يسرح علي في عَلَم بلاده الذي رسمه أحد المقاتلين على جدران النفق. يقول لصديقه إبراهيم: «عندما نعود بالأكفان من هذه الحرب، سيعيدوننا إلى نفق آخر، ويمنحوننا أوسمة، ثم ينثرون الورد فوقنا. ستُغطى أجسادنا براياتٍ ملوّنة، تمنح موتنا قيمة عليا. لكن لدي أمنيةٌ واحدة، ليتهم يتركون القبور مفتوحة».

«طيران على مستوى منخفض» نوفيلا من 80 صفحة، تأخذنا من خلالها الكاتبة في رحلة سردية توثيقية بصرية تتناغم فيها ثماني لوحات للفنان البريطاني توم يونغ، مع فصول الكتاب الستة عشر، في محاولة لتفكيك شيفرات الحرب، وتغليب الإنساني على مشاهد العنف التي أصبحت المشهد الأول في يومياتنا العربية.

وكان الغلاف من تصميم إيهاب فياض.

ثناء عطوي كاتبة وإعلامية، عملت مراسلة حربية على خطوط النار لسنوات، ونشرت تقارير محلية وعربية عن الحرب. من إصداراتها: «تحوّلات المثقفين اللبنانيين منذ ستينيات القرن العشرين»، و«وسواس» سيرة روائية وهواجس حرب صدرت بالعربية والفرنسية، ودراسة بحثية بعنوان «الأسرى المحررون من أوهام الواقع».


«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع
TT

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

عن «مؤسسة شمس للنشر والإعلام»، بالقاهرة؛ صدر كتاب «عصر التزييف... هندسة الوعي وإعادة بناء الحقيقة»، للكاتب والمفكر العراقي «عباس النوري»، الذي يسعى في كتابه لمحاولة فهم التحولات العميقة التي يشهدها الوعي الإنساني في زمن تتداخل فيه الحقيقة بالوهم، والمعرفة بالضجيج، والاختيار بالتوجيه الخفي.

الكتاب يُعدّ مشروعاً فكرياً يسعى إلى قراءة التحولات العميقة التي يشهدها العالم في مجال الوعي والإدراك وصناعة السرديات، ويفتح باباً مهماً للتأمل في آليات تشكيل الوعي، بوسفه ضرورة بقاء، في زمن تتسارع فيه محاولات التأثير على العقول وإعادة تشكيل الإدراك، وباعتبار أن الإنسان ليس مجرد وعاء تُلقى فيه الأفكار، بل كائن قادر على مراجعة قناعاته واستعادة استقلاله الفكري.

ينطلق «عصر التزييف» من سؤال جوهري: لماذا أصبح الإنسان، رغم وفرة المعلومات، أكثر عُرضة للالتباس وصناعة القناعات الموجهة؟ وهل التزييف يقتصر على الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة، أم يمتد إلى توجيه الوعي والإدراك والقِيم والحقائق؟ ويقدم إطاراً فكرياً لتحليل آليات التأثير في الوعي، وتناقش دور الإعلام، والخوارزميات، واللغة، والخوف، والتكرار، في تشكيل الإدراك الإنساني. ولا يكتفي بالتشخيص، بل يطرح رؤية عملية لبناء وعي نقدي يعزز قدرة الإنسان على التمييز بين الحقيقة والوهم. كما يلفت إلى أن أخطر أشكال التزييف هو ذلك الذي يتخفى خلف شعارات الحرية والاختيار.

ويشير الكتاب إلى أن التزييف اليوم «لم يعد حدثاً عابراً أو حالة استثنائية، بل أصبح بنية عميقة، يعاد من خلالها صياغة الوعي، وتشكيل إدراك الإنسان للعالم، ومن ثم يمثل الكتاب محاولة فكرية لفهم هذا العصر، وتحليل آليات إنتاج (الوعي المصنّع)، وبيان كيف تدار الحقيقة وتعاد هندستها، مع السعي إلى حماية الإنسان من الانخداع بالوهم، ليحافظ على إنسانيته وقدرته على التفكير الحر».