الموصل: عمليات استيلاء منظمة على أملاك خاصة وعامة

«الشرق الأوسط» تحاور متضررين ومسؤولين... واتهامات لجهات سياسية وميليشياوية نافذة

منطقة أثرية في الموصل تحولت حياً سكنياً بسبب التجاوزات (الشرق الأوسط)
منطقة أثرية في الموصل تحولت حياً سكنياً بسبب التجاوزات (الشرق الأوسط)
TT

الموصل: عمليات استيلاء منظمة على أملاك خاصة وعامة

منطقة أثرية في الموصل تحولت حياً سكنياً بسبب التجاوزات (الشرق الأوسط)
منطقة أثرية في الموصل تحولت حياً سكنياً بسبب التجاوزات (الشرق الأوسط)

«الموصل نُهبت، استولوا على كل شيء فيها، بحق أو من دون حق... لِمَ لا وكل شيء بيدهم، السلطة والقوانين وحتى حياة المواطن»، قالها محمد الحمداني (56 عاماً) وهو يمسح قطرات العرق التي غطت جبينه بعد أن أوقف سيارة الأجرة التي يقودها، محاولاً السيطرة على انفعالاته.
ويضيف لـ«الشرق الأوسط»، «عملية نهب الموصل من قبل الميليشيات والمتنفذين في السلطة حالة ممنهجة وطالت كل شيء من عقارات وأراض ومشاريع، لم يسلم شيء منهم حتى دوائر الدولة؛ فالمناصب الحكومية لهم والتمثيل السياسي كذلك». ويردف وهو يغطي فمه بأصابعه في إشارة إلى وجوب التزام الصمت «رغم ذلك عليك أن تسكت لأنهم كما يقولون حرروا المدينة من (داعش) وأمّنوها من الإرهاب».
يسكت الحمداني برهة، ثم يتابع «حتى الأراضي التي لا يجوز توزيعها؛ كونها تقع ضمن المواقع الأثرية أو المخصصة للمتنزهات والمناطق الخضراء أو لبناء المدارس والمراكز الصحية، استولوا عليها وباعوها أو وزّعوها بين عناصرهم الذين معظمهم ليسوا من أبناء المدينة».
أبو فراس (49 عاماً)، هو أحد أبناء المدينة وقضى عمره فيها، لكنه كاد أن يخسر الأرض التي يملكها في حي الملايين، لولا أن أحد معارفه نبّهه قبل فوات الأوان؛ فمتنفذون حاولوا الاستيلاء عليها بأوراق مزورة لاعتقادهم بأنها مملوكة لشخص هاجر إلى الخارج. ويقول «قبل ما يقارب الشهر اتصل بي أحد جيراني في المنطقة مستفسراً عن بيعي الأرض التي املكها، وأبلغني بأن مجموعة من الأشخاص يقومون بتخطيط الأرض بغية تقسيمها إلى قطع سكنية وبيعها. وبعد أن توجهت للمكان قالوا لي إنهم جمعية إسكان وتملكت هذه الأرض رسمياً وسيقومون بتقسيمها لبيعها للمواطنين. وبعد تدخل أحد أقربائي قالوا إن هناك خطأ في رقم القطعة وتركوها».
ملف العقارات والأراضي في مدينة الموصل يشوبه الكثير من المشاكل، من استيلاء على الأراضي المملوكة للدولة وبيعها بشكل غير قانوني، وتحويل أراض مخصصة للمشاريع والمتنزهات إلى أراض سكنية، وصولاً إلى التجاوز على محرمات المناطق الأثرية.
تلك التجاوزات التي تأتي في ظل سيطرة ما توصف بالمكاتب الاقتصادية لبعض الأحزاب وبالتعاون مع مسؤولين في الجماعات المسلحة النافذة في الموصل، دفعت وزارة العدل إلى إصدار أمر بغلق دائرة التسجيل العقاري في الموصل، في حين أرسل رئيس الوزراء لجنة خاصة لتحقيق بالتجاوزات بدأت عملها بداية العام الحالي، بعد تحقيقات صحافية كشفت عن تورط موظفين وجهات نافذة في عمليات التزوير وتغيير صنف العقارات.
وفي آخر تحرك رسمي لوقف التجاوزات على العقارات العامة والخاصة وضعت هيئة النزاهة في نينوى إشارة عدم التصرف على 844 قطعة أرض تم توزيعها بشكل غير قانوني.
- الاستيلاء على عقارات الدولة
يقول خبير التخطيط العمراني، المهندس فراس سالم الصائغ، إن التخطيط العمراني لأي مدينة يتطلب «تخصيص مساحات مختلفة للمناطق الخضراء والمرافق العامة مثل المدارس والمراكز الصحية وغيرها... هذه المساحات تعتبر محرمة ولا يمكن تغيير صنفها مهما حدث من توسع عمراني كونها تعد رئة المدينة». الصائغ أكد، أن «أكثر من 70 في المائة من هذه المساحات في الموصل وفي ظل غياب الرقابة تم الاستيلاء عليها وتحولت إلى أراض سكنية، وتم توزيعها وأصبحت بيوتاً سكنية، وهي تتوزع في مناطق أحياء الأندلس والشرطة والجامعة والسكر وغيرها». ويضيف، أن «الأمر لم يتوقف عند ذلك، بل وصل إلى حد التجاوز على مساحات وأراضٍ مخصصة للمدارس والمراكز الصحية التي يزمع إنشاؤها ضمن الخطط المستقبلية، وهذا سيجعل الحكومة في مأزق كبير في الأحياء الجديدة، حيث لن يكون باستطاعتها بناء مدرسة أو أي مرفق عام فيها».
وكانت وزارة العدل العراقية، قد ذكرت مطلع العام الحالي بعد إغلاق دائرة التسجيل العقاري في الجانب الأيسر من الموصل، أنها ستقوم بإجراء تحقيقات وجرد العقارات التي زُوّرت ملفاتها، وتم بيعها لأشخاص مرتبطين بميليشيات متنفّذة في الموصل، بحسب مسؤولين محليين.
النائب الثاني لمحافظ نينوى حسن العلاف، علق على ملف الاستيلاء على عقارات نينوى، قائلاً إن «التزوير في السجلات العقارية، تسببت بضياع خمسة آلاف دونم من الأراضي التابعة للدولة العراقية في مدينة الموصل». وحمّل العلاف في تصريحاته موظفي التسجيل العقاري، في الجانب الأيسر لمدينة الموصل المسؤولية عن «تزوير السجلات وسرقة الأراضي».
مصدر من مديرية التسجيل العقاري في نينوى رفض الكشف عن اسمه خوفاً من الملاحقة، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن هناك شخصيات تعمل بصفة مقاولين إلى جانب ما تعرف «بجمعيات الإسكان» يبحثون في مناطق الموصل عن أي قطعة أرض شاغرة «ويدققون في أصولها، وبمجرد معرفة أنها مملوكة للدولة يعملون بمساعدة بعض المتنفذين على الاستيلاء عليها، ويقسمونها ويبيعوها للمواطنين ليجنوا من خلال ذلك ملايين الدولارات».
ويؤكد المصدر، أن «أكثر من تسعة آلاف إضبارة تخص عقارات عامة وخاصة فقدت في مدينة الموصل من مديرية التسجيل العقاري وعلى مرأى ومسمع الجميع دون أن نتمكن من فعل شيء». ويضيف، أن «متنفذين في الحشد الشعبي، هم المستفيدون الأساسيون من تزوير الأوراق الرسمية وبيع الأراضي التابعة للدولة، ويجبرون الموظفين على القيام بذلك، ولا أحد يجرؤ على ذكر أسمائهم؛ لأنهم يسيطرون على كل شيء، وبوسعهم أن يوجهوا لأي شخص تهماً كيدية بالانتماء إلى (داعش)؛ مما يعني أحكاما قضائية، قد تصل إلى الإعدام».
وشهدت مدينة الموصل حملة اعتقالات واسعة، طالت موظفين حكوميين، متهمين بتزوير مستندات عقارية، مملوكة للدولة ومواطنين مسيحيين، وأخرى مسجلة بأسماء عناصر في تنظيم «داعش» بعد إعلان اعتقال عصابة متخصصة بالتزوير والاستيلاء على أراضي الدولة في السابع من يناير (كانون الثاني) الماضي، وتم بعدها الحكم على عدد من موظفي دائرة التسجيل العقاري بالتورط في التلاعب وتزوير مستندات عقارية، وكان قد صدر حكم قضائي بحق مدير التسجيل العقاري الأيسر في الموصل فرحان حسين طه بالسجن خمس سنوات وشهراً وفق أحكام المادة (340) من قانون العقوبات العراقي.
- المناطق الأثرية لم تسلم
لم يقتصر ملف الاستيلاء على أراضي الدولة المخصصة لبناء المدارس والمراكز الصحية والخدمات العامة والمناطق الخضراء، بل تجاوز الأمر ليصل إلى استملاك أراضٍ تابعة لهيئة الآثار أو تقع على مقتربات الآثار، فتعرّض سور نينوى التاريخي إلى تجريف تجاوز المساحة القانونية لمقتربات الآثار في منطقة حي نركال في مارس (آذار) الماضي؛ ما تسبب في حملة مضادة على مواقع التواصل الاجتماعي لوقف هذا التجاوز الذي طال تاريخ المدينة وهويتها.
الحكومة المحلية في محافظة نينوى، نفت خبر تجريف سور نينوى الأثري مؤكدة في بيان رسمي، أن «صور التجريف التي تم نشرها تعود لحقبة تنظيم (داعش) وتدميره للأثار»، موضحاً أن «ما يجري في حي نركال من أعمال هي ضمن تصميم إنشاء طرق في المنطقة، بعد أن كسب مواطنون دعوى قانونية لاسترجاع أراضيهم التي استولت عليها الدولة قبل عام 2003 دون تعويضهم وتم تحويلها إلى شارع رئيسي».
وقال مصدر مطلع مقرب من مجلس محافظة نينوى رفض الكشف عن اسمه، إن «الأرض التي تم الاستيلاء عليها بحجة أنها مملوكة لأحد عوائل الموصل والتي تحولت إلى شارع رئيسي في عهد النظام السابق، قدّر ثمنها بما يقارب المائة مليار دينار عراقي (70 مليون دولار تقريباً)، وتمت إعادة ملكيتها للعائلة باتفاق مع شخص متنفذ في الحشد الشعبي يدعى (أبو ريان) وأحد المستثمرين الذي ينوي تحويلها إلى مشروع سكني؛ ما دفع الحكومة المحلية إلى فتح شارع بديل وقع على مقتربات سور نينوى».
المحامي شاكر سمير، المتخصص في القضايا العقارية والتعويضات، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «عملية إطفاء الدولة للأراضي المملوكة لمواطنين تتم بثلاث حالات، الأولى عندما تستولي على كامل الأرض، وهنا تقوم بتحديد تعويض مناسب لهذه الأرض». ويضيف «في الحالة الثانية عندما تستولي على الأرض بشكل جزئي، وهنا يتم التفريق بين حالتين، الأولى إذا ما تحسن وضع باقي أرض المواطن مثل فتح شارع رئيسي فيها أو تحويلها إلى منطقة تجارية، هنا عادة لا تمنح الدولة تعويضاً عنه؛ كون المواطن قد حصل على التعويض في باقي الأرض التي ربما يتضاعف سعرها، أما إذا لم يحدث الاستيلاء الجزئي على الأرض، أي تغيير في وضع باقي الأرض، هنا تقوم الدولة بتعويض جزي يناسب المساحة التي استولت عليها».
ويتابع المحامي سمير معلقاً على حالة الأرض التي أعيدت للعائلة الموصلية، إن «الأرض التي استولت عليها الدولة قبل عام 2003 صنفها زراعي وتم استغلالها لفتح شارع رئيسي؛ ما يعني إن باقي الأراضي تحسن وضعها وارتفعت قيمتها المادية».
ولم يقتصر الاستيلاء على أراضي الآثار في الموصل على منطقة نركال، إنما طال مناطق أخرى دون أن تحدث ضجة مثل منطقة الرحمانية التي تقع في قلب منطقة مدينة نينوى الأثرية، وتحولت إلى حي سكني وشيدت فيها منازل بحسب الناشط المدني أحمد الخالدي. يقول الخالدي لـ«الشرق الأوسط»، إن «منطقة الرحمانية تم تقسيمها وتحويلها إلى حي سكني، وفتحت فيه شوارع رغم أن هذه المناطق كان يمنع البناء فيها سابقاً بأي شكل، وكانت تستغل للرعي من قبل أشخاص يسكنون في بيوت طينية هناك ولم تمنحهم الدولة بأي شكل ترخيص بناء فيها». ويتابع «حدث الأمر ذاته في التل المقابل لجامع النبي يونس الذي تحول إلى مجمع تجاري بعد أن استولى عليه الوقف الشيعي، رغم أن هذه المنطقة تعتبر من مقتربات الآثار ولا يجوز البناء عليها».
- جماعات متخصصة بالتزوير
لم تسلم الممتلكات الخاصة للعديد من المواطنين من التجاوزات؛ فالجماعات المتخصصة بالتزوير والتلاعب بالأراضي والعقارات المملوكة للدولة اتهمت أيضاً بالتلاعب ببعض العقارات المملوكة للمواطنين المسيحيين بشكل خاص الذين غادروا الموصل وأخرى مملوكة لأشخاص منتمين إلى تنظيم «داعش»، وتم استغلال غيابهم في تغير ملكية هذه العقارات وبيعها.
يقول أبو فراس، معلقاً على ذلك، إن «الجهة التي حاولت أن تستولي على الأرض التي أملكها هي واجهة لمتنفذين كبار يسهّلون لها عملية الاستيلاء على الأراضي، خاصة التي تعود ملكيتها لمواطنين غائبين عن المدينة من المكون المسيحي أو من اتهم بانتمائه لتنظيم (داعش)». ويوضح، أن قريبه الذي تدخّل لمنع الاستيلاء على أرضه، ذكر أن «محاولة السيطرة على عقاري جاءت بسبب اعتقادهم أني مسيحي؛ لأن اسمي يدل على ذلك».
ويؤكد المحامي شاكر سمير، أن «عشرات المواطنين، وخاصة من المكون المسيحي تقدموا بشكاوى ودعاوى قضائية، بعد عملية اعتقال المجموعة المتخصصة بتزوير سندات ملكية العقارات في بداية العام الحالي».
وينبّه سمير إلى أن معظم الدعاوى «ما زالت مفتوحة، حيث من الصعب إثبات ملكية هؤلاء لعقاراتهم بعد أن قام المتهمون بإخفاء سجلهم العقاري بشكل نهائي من دائرة التسجيل العقاري».
ويقول سمير، إن هذا يظهر حجم تعقيدات الملف والصعوبات التي يمكن أن تواجه أصحاب العقارات في إثبات حقوقهم حتى في حال ضعفت أو انتهت مستقبلاً سيطرة تلك القوى السياسية ذات الأذرع الأمنية المتحكمة بالموصل، ويضيف «ما ستتركه خلفها من مشاكل قد لا يعالج أبداً».



العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.


سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
TT

سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

اجتاحت سيول جارفة ناجمة عن أمطار غزيرة مناطق واسعة في جنوب محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب)، مخلفة ما لا يقل عن 9 قتلى، بينهم أطفال، إضافة إلى دمار واسع طال المنازل والممتلكات، وجرف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية وتفاقم معاناة السكان في المناطق الريفية.

وتزامنت الكارثة مع تحذيرات متجددة أطلقها «المركز الوطني اليمني للأرصاد» من استمرار تأثير المنخفض الجوي خلال الساعات الـ24 المقبلة، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا واتساع رقعة الأضرار، خصوصاً في القرى المعزولة التي يصعب الوصول إليها.

ووجّه سكان في أرياف مديريات المخا وموزع والوازعية، لا سيما في قرى الغرافي والثوباني والنجيبة والهاملي، نداءات استغاثة عاجلة إلى السلطات الحكومية والمنظمات الإنسانية، مطالبين بالتدخل السريع لإنقاذهم من تداعيات السيول التي داهمت منازلهم بشكل مفاجئ.

السيول أغلقت الطريق الرابط بين تعز وميناء المخا على البحر الأحمر (إعلام محلي)

وأوضح السكان أن السيول القادمة من المرتفعات المجاورة اجتاحت القرى خلال وقت قصير، متسببة في تهدم عدد من المنازل بشكل كلي أو جزئي، وجرف محتوياتها من مواد غذائية وأثاث، فضلاً عن نفوق أعداد من المواشي التي تُمثل مصدر الدخل الرئيسي للأهالي.

وأكَّدت شهادات محلية أن عدداً من الأسر باتت بلا مأوى، في ظل غياب الاستجابة العاجلة، وافتقار المناطق المتضررة إلى مراكز إيواء مجهزة أو مخزون كافٍ من المواد الغذائية والإغاثية.

وفي وادي العقمة بمديرية موزع، أفاد السكان بأن السيول جرفت رجلاً سبعينياً ما أدّى إلى وفاته على الفور، في حين شهد وادي الهاملي حادثة مماثلة تمثلت في جرف امرأتين، إلى جانب تسجيل أضرار مادية جسيمة في الممتلكات العامة والخاصة.

كما تعرضت الأراضي الزراعية في مديرية الوازعية لانجرافات واسعة، الأمر الذي يُنذر بخسائر طويلة الأمد في الأمن الغذائي المحلي، خصوصاً مع اعتماد السكان على الزراعة بوصفها مصدراً رئيسياً للعيش.

خسائر بشرية وأضرار متزايدة

قال مدير عام مديرية المخا، سلطان محمود، إن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المديرية خلال اليومين الماضيين أسفرت عن وفاة 5 أشخاص وتضرر نحو 50 منزلاً، وفق حصيلة أولية، مشيراً إلى استمرار عمليات التقييم الميداني.

وأضاف أن فرق الطوارئ، بدعم من معدات مكتب الأشغال العامة، باشرت العمل على فتح الطرقات المتضررة وتأمين وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المنكوبة، تنفيذاً لتوجيهات محافظ تعز نبيل شمسان.

وحسب مصادر رسمية، توفي 3 أشخاص غرقاً في مديرية موزع، في حين لا تزال فرق الإنقاذ تواصل البحث عن مفقودين في عدد من القرى التي تضررت بشدة جرّاء السيول.

مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية جرفتها السيول في جنوب تعز (إعلام محلي)

وأكد مسؤولون محليون العثور على جثث 4 أطفال جرفتهم السيول، إلى جانب 5 ضحايا آخرين، بينهم 3 من كبار السن، مع توقعات بارتفاع العدد مع استمرار عمليات البحث والوصول إلى المناطق المعزولة.

وأشار المسؤولون إلى أن الطريق الرئيسي الرابط بين ميناء المخا وجنوب محافظة تعز تعرّض لأضرار كبيرة، وأُغلق لساعات قبل أن تُستأنف الحركة جزئياً، ما أعاق جهود الإغاثة وزاد من معاناة السكان.

كما لفتوا إلى أن عضو «مجلس القيادة الرئاسي»، طارق صالح، وجّه بتدخل عسكري للمساعدة في عمليات الإنقاذ، وكلّف خلية العمل الإنساني بتقديم مساعدات عاجلة للمتضررين.

طرق مقطوعة

وشهدت مناطق عدة في محافظة تعز أمطاراً غزيرة مصحوبة بسيول جارفة، أدّت إلى قطع طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في شلل جزئي لحركة التنقل بين المديريات.

وفي منطقة الكدحة، أفاد السكان بأن السيول أوقفت حركة السيارات على الطريق الوحيد الذي يربط المدينة بميناء المخا، ما أدى إلى تشكل طوابير طويلة من المركبات في الاتجاهين.

المناخ المتطرف في اليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأعرب الأهالي عن مخاوفهم من انهيار جسر متآكل على الطريق في حال استمرار هطول الأمطار، وهو ما قد يؤدي إلى عزل كامل لريف تعز الجنوبي، خصوصاً مع استمرار إغلاق الطريق البديل منذ سنوات.

وفي مديرية جبل حبشي، تحدّث السكان عن ظهور تشققات أرضية واسعة في إحدى المناطق السكنية بالتزامن مع هطول الأمطار، محذرين من احتمال توسعها أو تحولها إلى انهيارات أرضية، في ظل تشبع التربة بالمياه.

وطالب الأهالي بإرسال فرق جيولوجية متخصصة لتقييم الوضع واتخاذ التدابير اللازمة، تفادياً لوقوع كارثة جديدة قد تُهدد حياة السكان.

من جهته، جدّد المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر تحذيراته للمواطنين في المناطق المتوقع هطول الأمطار عليها، داعياً إلى تجنب الوجود في مجاري السيول أو عبورها أثناء هطول الأمطار وبعدها.

كما نصح بالابتعاد عن أعمدة الكهرباء والأشجار العالية، نظراً لمخاطر الصواعق والانهيارات، مع توقع استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي نتيجة تعمق المنخفض.

مخاوف يمنية من تفاقم الأوضاع الإنسانية جرّاء الأمطار الموسمية والسيول الجارفة (إ.ب.أ)

وأشار المركز إلى احتمال هطول أمطار غزيرة إلى شديدة الغزارة مصحوبة بعواصف رعدية وتساقط البَرَد أحياناً على عدد من المحافظات، بينها تعز وصنعاء وإب والضالع، إضافة إلى مناطق أخرى في البلاد.

بدوره، قال الخبير في الطقس جميل الحاج إن عدداً من المناطق اليمنية شهدت سيولاً جارفة خلال الساعات الماضية، متوقعاً استمرار هطول الأمطار بوتيرة متفاوتة خلال الأيام المقبلة.

وأوضح أن السيول قد تتجدد بشكل متكرر في محافظات عدة، بينها تعز ولحج وإب، مع احتمال امتداد الحالة الجوية إلى حضرموت ومأرب وشبوة، ما يزيد من مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية.