الموصل: عمليات استيلاء منظمة على أملاك خاصة وعامة

«الشرق الأوسط» تحاور متضررين ومسؤولين... واتهامات لجهات سياسية وميليشياوية نافذة

منطقة أثرية في الموصل تحولت حياً سكنياً بسبب التجاوزات (الشرق الأوسط)
منطقة أثرية في الموصل تحولت حياً سكنياً بسبب التجاوزات (الشرق الأوسط)
TT

الموصل: عمليات استيلاء منظمة على أملاك خاصة وعامة

منطقة أثرية في الموصل تحولت حياً سكنياً بسبب التجاوزات (الشرق الأوسط)
منطقة أثرية في الموصل تحولت حياً سكنياً بسبب التجاوزات (الشرق الأوسط)

«الموصل نُهبت، استولوا على كل شيء فيها، بحق أو من دون حق... لِمَ لا وكل شيء بيدهم، السلطة والقوانين وحتى حياة المواطن»، قالها محمد الحمداني (56 عاماً) وهو يمسح قطرات العرق التي غطت جبينه بعد أن أوقف سيارة الأجرة التي يقودها، محاولاً السيطرة على انفعالاته.
ويضيف لـ«الشرق الأوسط»، «عملية نهب الموصل من قبل الميليشيات والمتنفذين في السلطة حالة ممنهجة وطالت كل شيء من عقارات وأراض ومشاريع، لم يسلم شيء منهم حتى دوائر الدولة؛ فالمناصب الحكومية لهم والتمثيل السياسي كذلك». ويردف وهو يغطي فمه بأصابعه في إشارة إلى وجوب التزام الصمت «رغم ذلك عليك أن تسكت لأنهم كما يقولون حرروا المدينة من (داعش) وأمّنوها من الإرهاب».
يسكت الحمداني برهة، ثم يتابع «حتى الأراضي التي لا يجوز توزيعها؛ كونها تقع ضمن المواقع الأثرية أو المخصصة للمتنزهات والمناطق الخضراء أو لبناء المدارس والمراكز الصحية، استولوا عليها وباعوها أو وزّعوها بين عناصرهم الذين معظمهم ليسوا من أبناء المدينة».
أبو فراس (49 عاماً)، هو أحد أبناء المدينة وقضى عمره فيها، لكنه كاد أن يخسر الأرض التي يملكها في حي الملايين، لولا أن أحد معارفه نبّهه قبل فوات الأوان؛ فمتنفذون حاولوا الاستيلاء عليها بأوراق مزورة لاعتقادهم بأنها مملوكة لشخص هاجر إلى الخارج. ويقول «قبل ما يقارب الشهر اتصل بي أحد جيراني في المنطقة مستفسراً عن بيعي الأرض التي املكها، وأبلغني بأن مجموعة من الأشخاص يقومون بتخطيط الأرض بغية تقسيمها إلى قطع سكنية وبيعها. وبعد أن توجهت للمكان قالوا لي إنهم جمعية إسكان وتملكت هذه الأرض رسمياً وسيقومون بتقسيمها لبيعها للمواطنين. وبعد تدخل أحد أقربائي قالوا إن هناك خطأ في رقم القطعة وتركوها».
ملف العقارات والأراضي في مدينة الموصل يشوبه الكثير من المشاكل، من استيلاء على الأراضي المملوكة للدولة وبيعها بشكل غير قانوني، وتحويل أراض مخصصة للمشاريع والمتنزهات إلى أراض سكنية، وصولاً إلى التجاوز على محرمات المناطق الأثرية.
تلك التجاوزات التي تأتي في ظل سيطرة ما توصف بالمكاتب الاقتصادية لبعض الأحزاب وبالتعاون مع مسؤولين في الجماعات المسلحة النافذة في الموصل، دفعت وزارة العدل إلى إصدار أمر بغلق دائرة التسجيل العقاري في الموصل، في حين أرسل رئيس الوزراء لجنة خاصة لتحقيق بالتجاوزات بدأت عملها بداية العام الحالي، بعد تحقيقات صحافية كشفت عن تورط موظفين وجهات نافذة في عمليات التزوير وتغيير صنف العقارات.
وفي آخر تحرك رسمي لوقف التجاوزات على العقارات العامة والخاصة وضعت هيئة النزاهة في نينوى إشارة عدم التصرف على 844 قطعة أرض تم توزيعها بشكل غير قانوني.
- الاستيلاء على عقارات الدولة
يقول خبير التخطيط العمراني، المهندس فراس سالم الصائغ، إن التخطيط العمراني لأي مدينة يتطلب «تخصيص مساحات مختلفة للمناطق الخضراء والمرافق العامة مثل المدارس والمراكز الصحية وغيرها... هذه المساحات تعتبر محرمة ولا يمكن تغيير صنفها مهما حدث من توسع عمراني كونها تعد رئة المدينة». الصائغ أكد، أن «أكثر من 70 في المائة من هذه المساحات في الموصل وفي ظل غياب الرقابة تم الاستيلاء عليها وتحولت إلى أراض سكنية، وتم توزيعها وأصبحت بيوتاً سكنية، وهي تتوزع في مناطق أحياء الأندلس والشرطة والجامعة والسكر وغيرها». ويضيف، أن «الأمر لم يتوقف عند ذلك، بل وصل إلى حد التجاوز على مساحات وأراضٍ مخصصة للمدارس والمراكز الصحية التي يزمع إنشاؤها ضمن الخطط المستقبلية، وهذا سيجعل الحكومة في مأزق كبير في الأحياء الجديدة، حيث لن يكون باستطاعتها بناء مدرسة أو أي مرفق عام فيها».
وكانت وزارة العدل العراقية، قد ذكرت مطلع العام الحالي بعد إغلاق دائرة التسجيل العقاري في الجانب الأيسر من الموصل، أنها ستقوم بإجراء تحقيقات وجرد العقارات التي زُوّرت ملفاتها، وتم بيعها لأشخاص مرتبطين بميليشيات متنفّذة في الموصل، بحسب مسؤولين محليين.
النائب الثاني لمحافظ نينوى حسن العلاف، علق على ملف الاستيلاء على عقارات نينوى، قائلاً إن «التزوير في السجلات العقارية، تسببت بضياع خمسة آلاف دونم من الأراضي التابعة للدولة العراقية في مدينة الموصل». وحمّل العلاف في تصريحاته موظفي التسجيل العقاري، في الجانب الأيسر لمدينة الموصل المسؤولية عن «تزوير السجلات وسرقة الأراضي».
مصدر من مديرية التسجيل العقاري في نينوى رفض الكشف عن اسمه خوفاً من الملاحقة، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن هناك شخصيات تعمل بصفة مقاولين إلى جانب ما تعرف «بجمعيات الإسكان» يبحثون في مناطق الموصل عن أي قطعة أرض شاغرة «ويدققون في أصولها، وبمجرد معرفة أنها مملوكة للدولة يعملون بمساعدة بعض المتنفذين على الاستيلاء عليها، ويقسمونها ويبيعوها للمواطنين ليجنوا من خلال ذلك ملايين الدولارات».
ويؤكد المصدر، أن «أكثر من تسعة آلاف إضبارة تخص عقارات عامة وخاصة فقدت في مدينة الموصل من مديرية التسجيل العقاري وعلى مرأى ومسمع الجميع دون أن نتمكن من فعل شيء». ويضيف، أن «متنفذين في الحشد الشعبي، هم المستفيدون الأساسيون من تزوير الأوراق الرسمية وبيع الأراضي التابعة للدولة، ويجبرون الموظفين على القيام بذلك، ولا أحد يجرؤ على ذكر أسمائهم؛ لأنهم يسيطرون على كل شيء، وبوسعهم أن يوجهوا لأي شخص تهماً كيدية بالانتماء إلى (داعش)؛ مما يعني أحكاما قضائية، قد تصل إلى الإعدام».
وشهدت مدينة الموصل حملة اعتقالات واسعة، طالت موظفين حكوميين، متهمين بتزوير مستندات عقارية، مملوكة للدولة ومواطنين مسيحيين، وأخرى مسجلة بأسماء عناصر في تنظيم «داعش» بعد إعلان اعتقال عصابة متخصصة بالتزوير والاستيلاء على أراضي الدولة في السابع من يناير (كانون الثاني) الماضي، وتم بعدها الحكم على عدد من موظفي دائرة التسجيل العقاري بالتورط في التلاعب وتزوير مستندات عقارية، وكان قد صدر حكم قضائي بحق مدير التسجيل العقاري الأيسر في الموصل فرحان حسين طه بالسجن خمس سنوات وشهراً وفق أحكام المادة (340) من قانون العقوبات العراقي.
- المناطق الأثرية لم تسلم
لم يقتصر ملف الاستيلاء على أراضي الدولة المخصصة لبناء المدارس والمراكز الصحية والخدمات العامة والمناطق الخضراء، بل تجاوز الأمر ليصل إلى استملاك أراضٍ تابعة لهيئة الآثار أو تقع على مقتربات الآثار، فتعرّض سور نينوى التاريخي إلى تجريف تجاوز المساحة القانونية لمقتربات الآثار في منطقة حي نركال في مارس (آذار) الماضي؛ ما تسبب في حملة مضادة على مواقع التواصل الاجتماعي لوقف هذا التجاوز الذي طال تاريخ المدينة وهويتها.
الحكومة المحلية في محافظة نينوى، نفت خبر تجريف سور نينوى الأثري مؤكدة في بيان رسمي، أن «صور التجريف التي تم نشرها تعود لحقبة تنظيم (داعش) وتدميره للأثار»، موضحاً أن «ما يجري في حي نركال من أعمال هي ضمن تصميم إنشاء طرق في المنطقة، بعد أن كسب مواطنون دعوى قانونية لاسترجاع أراضيهم التي استولت عليها الدولة قبل عام 2003 دون تعويضهم وتم تحويلها إلى شارع رئيسي».
وقال مصدر مطلع مقرب من مجلس محافظة نينوى رفض الكشف عن اسمه، إن «الأرض التي تم الاستيلاء عليها بحجة أنها مملوكة لأحد عوائل الموصل والتي تحولت إلى شارع رئيسي في عهد النظام السابق، قدّر ثمنها بما يقارب المائة مليار دينار عراقي (70 مليون دولار تقريباً)، وتمت إعادة ملكيتها للعائلة باتفاق مع شخص متنفذ في الحشد الشعبي يدعى (أبو ريان) وأحد المستثمرين الذي ينوي تحويلها إلى مشروع سكني؛ ما دفع الحكومة المحلية إلى فتح شارع بديل وقع على مقتربات سور نينوى».
المحامي شاكر سمير، المتخصص في القضايا العقارية والتعويضات، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «عملية إطفاء الدولة للأراضي المملوكة لمواطنين تتم بثلاث حالات، الأولى عندما تستولي على كامل الأرض، وهنا تقوم بتحديد تعويض مناسب لهذه الأرض». ويضيف «في الحالة الثانية عندما تستولي على الأرض بشكل جزئي، وهنا يتم التفريق بين حالتين، الأولى إذا ما تحسن وضع باقي أرض المواطن مثل فتح شارع رئيسي فيها أو تحويلها إلى منطقة تجارية، هنا عادة لا تمنح الدولة تعويضاً عنه؛ كون المواطن قد حصل على التعويض في باقي الأرض التي ربما يتضاعف سعرها، أما إذا لم يحدث الاستيلاء الجزئي على الأرض، أي تغيير في وضع باقي الأرض، هنا تقوم الدولة بتعويض جزي يناسب المساحة التي استولت عليها».
ويتابع المحامي سمير معلقاً على حالة الأرض التي أعيدت للعائلة الموصلية، إن «الأرض التي استولت عليها الدولة قبل عام 2003 صنفها زراعي وتم استغلالها لفتح شارع رئيسي؛ ما يعني إن باقي الأراضي تحسن وضعها وارتفعت قيمتها المادية».
ولم يقتصر الاستيلاء على أراضي الآثار في الموصل على منطقة نركال، إنما طال مناطق أخرى دون أن تحدث ضجة مثل منطقة الرحمانية التي تقع في قلب منطقة مدينة نينوى الأثرية، وتحولت إلى حي سكني وشيدت فيها منازل بحسب الناشط المدني أحمد الخالدي. يقول الخالدي لـ«الشرق الأوسط»، إن «منطقة الرحمانية تم تقسيمها وتحويلها إلى حي سكني، وفتحت فيه شوارع رغم أن هذه المناطق كان يمنع البناء فيها سابقاً بأي شكل، وكانت تستغل للرعي من قبل أشخاص يسكنون في بيوت طينية هناك ولم تمنحهم الدولة بأي شكل ترخيص بناء فيها». ويتابع «حدث الأمر ذاته في التل المقابل لجامع النبي يونس الذي تحول إلى مجمع تجاري بعد أن استولى عليه الوقف الشيعي، رغم أن هذه المنطقة تعتبر من مقتربات الآثار ولا يجوز البناء عليها».
- جماعات متخصصة بالتزوير
لم تسلم الممتلكات الخاصة للعديد من المواطنين من التجاوزات؛ فالجماعات المتخصصة بالتزوير والتلاعب بالأراضي والعقارات المملوكة للدولة اتهمت أيضاً بالتلاعب ببعض العقارات المملوكة للمواطنين المسيحيين بشكل خاص الذين غادروا الموصل وأخرى مملوكة لأشخاص منتمين إلى تنظيم «داعش»، وتم استغلال غيابهم في تغير ملكية هذه العقارات وبيعها.
يقول أبو فراس، معلقاً على ذلك، إن «الجهة التي حاولت أن تستولي على الأرض التي أملكها هي واجهة لمتنفذين كبار يسهّلون لها عملية الاستيلاء على الأراضي، خاصة التي تعود ملكيتها لمواطنين غائبين عن المدينة من المكون المسيحي أو من اتهم بانتمائه لتنظيم (داعش)». ويوضح، أن قريبه الذي تدخّل لمنع الاستيلاء على أرضه، ذكر أن «محاولة السيطرة على عقاري جاءت بسبب اعتقادهم أني مسيحي؛ لأن اسمي يدل على ذلك».
ويؤكد المحامي شاكر سمير، أن «عشرات المواطنين، وخاصة من المكون المسيحي تقدموا بشكاوى ودعاوى قضائية، بعد عملية اعتقال المجموعة المتخصصة بتزوير سندات ملكية العقارات في بداية العام الحالي».
وينبّه سمير إلى أن معظم الدعاوى «ما زالت مفتوحة، حيث من الصعب إثبات ملكية هؤلاء لعقاراتهم بعد أن قام المتهمون بإخفاء سجلهم العقاري بشكل نهائي من دائرة التسجيل العقاري».
ويقول سمير، إن هذا يظهر حجم تعقيدات الملف والصعوبات التي يمكن أن تواجه أصحاب العقارات في إثبات حقوقهم حتى في حال ضعفت أو انتهت مستقبلاً سيطرة تلك القوى السياسية ذات الأذرع الأمنية المتحكمة بالموصل، ويضيف «ما ستتركه خلفها من مشاكل قد لا يعالج أبداً».



أولويات نبيل فهمي في الجامعة العربية... تطوير للآليات وتنسيق لتجاوز الأزمات

الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
TT

أولويات نبيل فهمي في الجامعة العربية... تطوير للآليات وتنسيق لتجاوز الأزمات

الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)

حملت أولى رسائل الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية، نبيل فهمي، تحديد أولويات المرحلة المقبلة من عمر الجامعة التي عَرَف تاريخها منذ التأسيس أزمات إقليمية عديدة، حيث ركّز على مسارين لافتين متمثلين في تطوير الآليات وتعظيم التشاور العربي.

فبعد اعتماد مجلس الجامعة على المستوى الوزاري، بتفويض من القادة العرب، مساء الاثنين، قرار تعيينه أميناً عاماً جديداً للجامعة لمدة 5 سنوات اعتباراً من الأول من يوليو (تموز) المقبل، أكد فهمي في بيان أن العمل خلال المرحلة المقبلة سينصبّ على تطوير المنظمة العربية وتحديث آليات عملها، بما يتواكب مع التحولات الدولية والإقليمية المتسارعة.

كما لفت إلى أن المرحلة تتطلب تكثيف التنسيق والتشاور العربي لمواجهة الأزمات والتهديدات التي تشهدها المنطقة، إلى جانب تعزيز التعاون العربي للاستفادة من الفرص المتاحة وتحويل التحديات الراهنة إلى فرص تدعم الاستقرار والتنمية.

وعدَّ اختياره بالإجماع «مسؤولية تاريخية في مرحلة دقيقة ومفصلية، في ظل ما تواجهه المنطقة العربية من تحديات جسام ومتغيرات إقليمية ودولية متسارعة»، الأمر الذي يتطلب تعزيز العمل المشترك والدفاع عن المصالح العربية وترسيخ مبادئ التضامن بين الدول العربية كافة.

وشدّد كذلك على أهمية احترام سيادة الدول العربية، وصون أمنها وسلامة أراضيها، ودعم الجهود الوطنية لتحقيق التنمية المستدامة، وتحسين أوضاع الشعوب العربية، مؤكداً أن الجامعة العربية ستبقى «بيت العرب الجامع»، وستواصل أداء دورها كمنصة جامعة للحوار والتشاور والتنسيق بين الدول الأعضاء.

«تغيرات متسارعة»

تلك الأولويات يراها دبلوماسي تحدث لـ«الشرق الأوسط» قراءة جيدة لطبيعة المرحلة التي قال إنها «تُلزم منظمة بحجم الجامعة العربية أن تعمل على تطوير نفسها بصورة تمنح قيمة مضافة للعمل العربي، حيث سيكون التشاور العربي مهماً في هذا السياق باعتباره البوابة الأولى لإعادة بناء الثقة فيها».

السيسي يلتقي الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (الرئاسة المصرية)

وواصل السفير محمد حجازي، عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» ومساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، حديثه قائلاً إن تلك المرحلة «تتسم بتغيرات استراتيجية متسارعة تشمل تداعيات الحرب الأميركية - الإيرانية، واستمرار الحرب في غزة، والأزمات الممتدة في السودان وليبيا واليمن، فضلاً عن التحولات الجارية في النظام الدولي».

وأكّد أن انتخاب نبيل فهمي بالإجماع أميناً عاماً لجامعة الدول العربية «تقدير جماعي لقدراته الدبلوماسية وتاريخه الحافل وصلاته العربية والدولية، ما يجعل هناك فرصة مهمة لإعادة تموضع المؤسسة العربية في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد».

ويجيء تعيين فهمي في المنصب خلفاً لمواطنه المصري أحمد أبو الغيط، الذي قاد المنظمة منذ عام 2016، وشغل المنصب لمدة 10 سنوات. وسيكون هو الأمين العام التاسع للجامعة العربية منذ تأسيسها عام 1945، والثامن من مصر مع استثناء فترة واحدة مع نقل المقر من القاهرة إلى تونس عام 1979، عقب توقيع الرئيس المصري الراحل أنور السادات «معاهدة السلام» مع إسرائيل.

«استعادة الثقة»

يعتقد حجازي أن الأولوية الأولى أمام نبيل فهمي ستكون استعادة الثقة السياسية في الجامعة العربية باعتبارها منصة للتوافق العربي، وليس مجرد إطار بروتوكولي للاجتماعات وإصدار البيانات، مؤكداً أن التحدي الحقيقي لا يتعلق بتطوير الهياكل الإدارية بقدر ما يتعلق بإقناع الدول الأعضاء بأن الجامعة قادرة على إنتاج قيمة سياسية مضافة وإدارة الخلافات العربية بصورة مؤسسية.

ومن المرجح أن يركز فهمي على تكثيف آليات التشاور السياسي المنتظم بين العواصم العربية، خاصة في ظل فجوات المواقف بشأن العديد من الملفات الإقليمية.

وقال حجازي: «قد نشهد اتجاهاً نحو اجتماعات أكثر انتظاماً على مستوى وزراء الخارجية ومستشاري الأمن القومي، مع تفعيل أدوات الإنذار المبكر وإدارة الأزمات داخل الأمانة العامة، بحيث تتحول الجامعة إلى مركز للتنسيق الاستراتيجي العربي، وليس مظلة دبلوماسية تقليدية فقط».

أما فيما يتعلق بتطوير آليات المنظمة، فمن المتوقع أن تتضمن أجندة فهمي «مراجعة شاملة لأساليب العمل المؤسسي، وتحديث منظومة اتخاذ القرار، وتعزيز دور مراكز الدراسات وتوظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في دعم صنع القرار العربي»، بحسب حجازي.

كما قد يسعى إلى ربط الجامعة بصورة أكبر بقضايا التنمية والاقتصاد والتحول الرقمي والطاقة والأمن الغذائي والمائي، وهي الملفات التي أصبحت تمثل «جوهر الأمن القومي العربي في مفهومه الحديث»، في رأي مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق.

وأوضح أن مسار تكثيف التشاور العربي سيكون البوابة الأولى لإعادة بناء الثقة في الجامعة العربية، قائلاً: «عندما تنجح الجامعة في توفير منصة موثوقة للحوار وتسوية التباينات وصياغة مواقف مشتركة تجاه القضايا الكبرى، ستصبح عملية تطوير المنظمة أكثر سهولة وقابلية للتحقيق».

ويعتقد حجازي أن نجاح نبيل فهمي سيتمثل في «قدرته على تحويل الجامعة العربية من مؤسسة تعكس الانقسامات العربية إلى مؤسسة تساهم في تجاوزها، ومن منبر للتشاور إلى أداة فاعلة لصياغة رؤية عربية مشتركة للأمن والتنمية والتعامل مع التحولات الإقليمية والدولية».


لقاءات مصرية - سورية متتالية تدفع مسار التقارب

وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)
وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)
TT

لقاءات مصرية - سورية متتالية تدفع مسار التقارب

وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)
وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)

شهدت الفترة الأخيرة لقاءات مصرية - سورية متتالية، يراها مسؤولون ومراقبون «دفعةً لمسار التقارب» في العلاقات بين البلدين، خصوصاً بعد حل أزمة البعثة الدبلوماسية السورية في القاهرة.

والتقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي نظيره السوري أسعد الشيباني، مساء الاثنين، على هامش اجتماع مجلس جامعة الدول العربية المنعقد في العاصمة الأردنية عمَّان.

وحسب بيان للخارجية المصرية، الثلاثاء، أكد الوزيران «عمق الروابط التاريخية والشعبية التي تجمع مصر وسوريا... وأهمية البناء على الزيارة التي قام بها وزير الخارجية السوري إلى القاهرة مطلع شهر مايو (أيار) الماضي». كما رحبا بعقد الاجتماع الحكومي المصري-السوري الثاني على مستوى كبار المسؤولين بمشاركة الوزارات والهيئات المعنية بالتجارة والاستثمار في البلدين، لبحث الخطوات التنفيذية لتعزيز التعاون الاقتصادي المشترك.

وقال مدير إدارة الشؤون العربية بوزارة الخارجية السورية، محمد طه الأحمد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «العلاقات مع مصر تتقدم في مسارها الطبيعي، وهناك حرص سوري على تطويرها».

وفد سوري ترأسه وزير الخارجية أسعد الشيباني زار القاهرة الشهر الماضي لبحث العلاقات الثنائية (الخارجية المصرية)

ودارت مناقشات بين البلدين خلال الفترة الماضية بعدما تحفظت مصر على أسماء رشحتها سوريا لتمثيل بعثتها الدبلوماسية في القاهرة، مما عرقل ترتيبات حضور البعثة السورية إلى مصر. لكن أمكن تخطي الأزمة بعدما قدمت سوريا مرشحاً آخر، هو يحيى دياب، لقيادة بعثتها في مصر، وصرحت مصادر لـ«الشرق الأوسط» بأن القاهرة وافقت عليه، ومن المنتظر أن يتسلم مهامه خلال أيام.

ويرى الخبير السياسي المصري في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، عمرو الشوبكي، أن التحديات التي تشهدها المنطقة والإقليم تحتم تطوير العلاقات المصرية-السورية، التي وصفها بأنها «علاقات تاريخية راسخة». وقال إن الروابط الثقافية والاجتماعية والسياسية بين الشعبين كبيرة، مؤكداً أن السلطات في مصر «كان لديها تخوفات أكثر منها خلافات مع نظام الحكم الجديد في سوريا، نظراً لتجربة مصر المعروفة مع الإسلام السياسي».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «تلك التخوفات يتم تجاوزها تدريجياً وفق مبدأين أساسيين هما احترام الخبرة والنموذج السياسي لكل بلد، وعدم التدخل في شؤون الآخر»، مشيراً إلى أن مصر رسَّخت هذين المبدأين من قبل في العلاقة مع تركيا. وقال الشوبكي: «اللقاءات المصرية - السورية المتعاقبة تؤشر على تحسن العلاقات وفق نفس المبدأين».

وفي أواخر أبريل (نيسان) الماضي، التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظيره أحمد الشرع على هامش «القمة التشاورية العربية - الأوروبية» التي عُقدت في قبرص. وأفادت وسائل إعلام في القاهرة ودمشق حينها، بأن «حديثاً ودياً» جرى بينهما لبحث تطورات المنطقة وتعزيز التعاون.

واستضافت دمشق في يناير (كانون الثاني) الماضي أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة عدد من قيادات الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين البلدين واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وفي منتصف الشهر الجاري، أكد القائم بأعمال السفارة المصرية في دمشق، محمد عمر عبد العزيز الفقي، أن بلاده تتطلع إلى توسيع آفاق التعاون مع سوريا في مختلف المجالات، خصوصاً في قطاع إعادة الإعمار. وجاء ذلك في تصريح للصحافيين عقب جولته في أجنحة معرض «بيلدكس» الدولي للبناء والتشييد في دمشق، وفقاً للوكالة العربية السورية للأنباء (سانا).


قيود حوثية تحرم اليمنيين أجواء كأس العالم

تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)
تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)
TT

قيود حوثية تحرم اليمنيين أجواء كأس العالم

تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)
تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)

في الوقت الذي تتجه فيه أنظار ملايين المشجعين حول العالم إلى منافسات كأس العالم 2026، يواجه اليمنيون في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، قيوداً تحول دون متابعة الحدث الكروي الأبرز عالمياً؛ إذ منعت الجماعة عرض مباريات البطولة داخل الأندية الرياضية في العاصمة المختطفة صنعاء ومدن أخرى، كما فرضت قيوداً على الاستراحات والمقاهي، في خطوة أثارت استياءً واسعاً بين الأوساط الرياضية والشبابية.

وتقول مصادر رياضية إن الجماعة مستمرة منذ انطلاق البطولة في منع إدارات عدد من الأندية الرياضية؛ من بينها «الوحدة» وأهلي صنعاء» و«22 مايو»، من تنظيم فعاليات جماهيرية لعرض مباريات كأس العالم عبر الشاشات داخل مقراتها، رغم الاستعدادات التي كانت قد أُنجزت لاستقبال المشجعين وتنظيم أنشطة مصاحبة للمونديال.

وبحسب المصادر، أوقفت قيادات حوثية تدير القطاع الرياضي، كل الترتيبات التي أعدتها الأندية لاستقبال الجماهير، بما في ذلك تجهيز الشاشات وتنظيم الفعاليات الرياضية والترفيهية المرتبطة بالبطولة.

أحد الملاعب الرياضية في العاصمة صنعاء الخاضعة للحوثيين (إكس)

وأكدت المصادر فشل كل المحاولات الرامية إلى إقناع السلطات التابعة للجماعة بالسماح بإقامة تلك الفعاليات، ما أدى إلى إلغاء البرامج التي كانت مخصصة لاستقبال المشجعين خلال مباريات البطولة.

ويؤكد ناشطون أن الخطوة الحوثية تمثل امتداداً لسياسة التضييق على الأنشطة الرياضية والترفيهية، وحرمان الشباب من متابعة أبرز الأحداث الكروية العالمية في أجواء جماهيرية اعتادوا عليها خلال السنوات الماضية.

استياء رياضي

على وقع هذا التضييق الحوثي، يقول عصام، وهو اسم مستعار لمدرب رياضي من صنعاء، إن متابعة مباريات كأس العالم في الأندية والمقاهي، تمثل متنفساً مهماً للشباب في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي تمر بها البلاد.

وأضاف أن منع هذه الأنشطة يشكل ضربة جديدة لما تبقى من الفعاليات الرياضية والاجتماعية في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكداً أن الأندية يفترض أن تكون فضاءات مفتوحة للشباب لممارسة الرياضة ومتابعة الأحداث الرياضية العالمية بعيداً عن القيود.

أما الشاب رمزي (27 عاماً) من ريف صنعاء، فيقول إن كثيراً من الشباب كانوا ينتظرون البطولة بوصفها فرصة للالتقاء بالأصدقاء ومتابعة المباريات في أجواء جماعية، إلا أن القرارات الأخيرة حرمتهم من هذه التجربة التي ارتبطت تقليدياً بالمناسبات الكروية الكبرى.

حشد في أكبر مساجد صنعاء لمتابعة خطبة زعيم الجماعة (أ.ف.ب)

وفي السياق ذاته، أوضح أحد ملاك المقاهي في صنعاء، طالباً عدم ذكر اسمه، أن الجهات التابعة للجماعة سمحت في البداية بعرض أولى مباريات البطولة، لكنها عادت لاحقاً وأبلغت أصحاب المقاهي بالتوقف عن ذلك، ما دفعهم إلى إلغاء الترتيبات الخاصة باستقبال الزبائن خشية التعرض للمساءلة أو العقوبات.

ويشير هؤلاء إلى أن بطولة كأس العالم 2022 شهدت إجراءات مشابهة، حيث تحدث ملاك استراحات ومقاهٍ في صنعاء آنذاك، عن إلزامهم بعرض مواد دعائية وخطب ومحاضرات ذات طابع تعبوي على الشاشات خلال فترات الاستراحة بين المباريات، مع التلويح بفرض عقوبات على المخالفين.

خوف من التجمعات

يؤكد ناشطون يمنيون في صنعاء أن الجماعة الحوثية دأبت منذ سنوات، على فرض قيود واسعة على الأنشطة الرياضية والشبابية، سواء المحلية أو المرتبطة بالبطولات الخارجية، الأمر الذي أدى إلى تقليص المساحات الترفيهية والاجتماعية المتاحة أمام الشباب.

كما يعتقد مراقبون أن الجماعة الانقلابية تنظر إلى التجمعات الرياضية والفعاليات الجماهيرية باعتبارها أنشطة تستقطب الشباب بعيداً عن البرامج التعبوية التي تروج لها، بما في ذلك حملات الاستقطاب إلى الجبهات تحت شعارات دينية ومذهبية مختلفة.

وتستحضر الأوساط الرياضية في صنعاء أجواء بطولات كأس العالم التي سبقت اندلاع الحرب، عندما كانت الشاشات العملاقة تنتشر في الملاعب والحدائق العامة والمدارس الفنية والصالات الرياضية والمتنزهات والمقاهي.

الحوثيون يسمحون فقط بالتجمعات الخادمة لأجندتهم السياسية والعقائدية (إ.ب.أ)

وخلال تلك السنوات، كانت مؤسسات حكومية؛ من بينها وزارة الشباب والرياضة وقطاع الاتصالات، تسهم في تنظيم فعاليات جماهيرية لمتابعة المباريات، فيما كانت آلاف الجماهير تتوافد إلى الملاعب والساحات العامة لمشاهدة الحدث الكروي العالمي.

ويقول المهتمون بالرياضة إن استمرار القيود الحوثية الحالية يعكس توجهاً متصاعداً للسيطرة على الفضاءات العامة والأنشطة الجماهيرية، بما في ذلك الفعاليات الرياضية التي تمثل متنفساً مهماً للشباب في ظل التحديات الاقتصادية والمعيشية المتفاقمة.