انهيار الجيش اليمني فك رموز اللغز

الفساد وتعدد الولاء والخيانة تحكمت في مؤسساته منذ عقود

انهيار الجيش اليمني فك رموز اللغز
TT

انهيار الجيش اليمني فك رموز اللغز

انهيار الجيش اليمني فك رموز اللغز

عندما كان فصيل من الجيش اليمني يخوض أشرس معاركه ضد جماعة الحوثي في محافظة عمران، دفاعا عن البوابة الشمالية للعاصمة صنعاء منتصف عام 2014، كان المسؤول الأول عنه يتجول رفقه القائد الميداني للجماعة ويلتقطان الصور التذكارية على تخوم صنعاء، وهو مشهد يختصر الأحداث الدراماتيكية التي تلت ذلك اليوم، والتي انتهت بجلوس القائد الميداني للجماعة عبد الله الحاكم، على كرسي قيادة الجيش وسط العاصمة صنعاء، فيما فر الرئيس الانتقالي إلى عدن العاصمة الاقتصادية للبلاد، محاولا إعادة شرعيته، وشرعية الدولة التي سلبت منه.

مع سقوط صنعاء و10 محافظات أخرى، بدأت تتكشف خيوط اللغز الذي ظل محيرا لكثير من اليمنيين والمراقبين، فسرعان ما تحدث عدد من المسؤولين العسكريون عن أجزاء من تفاصيله، التي كشفت وقوف قيادات عسكرية في الصف الأول والثاني، وراء تسليم العاصمة ومعسكراتها لجماعة مسلحة متمردة، كانت بالأمس القريب تخوض ضده 6 حروب، آخرها قبل 5 سنوات عام 2010.
لقد ثبتت الحركة الحوثية قبضتها على مقر قيادة الجيش في وزارة الدفاع بصنعاء، وأصبحت هي السلطة الحاكمة بقوة السلاح، وهو ما قوبل برفض المحافظات الجنوبية والشرقية بما فيها من السلطات الرسمية والقيادات العسكرية. وبعد نجاح الرئيس الانتقالي عبد ربه منصور هادي في كسر الإقامة الجبرية التي فرضتها الجماعة عليه وذهابه إلى عدن، فإن الأسئلة التي تتكرر في الشارع اليمني تتمحور حول، ما تبقى من الوحدات العسكرية، وكيف انهارت معسكرات الجيش بسهولة أمام جماعة صغيرة، ولماذا لم يقم الجيش بمهمته الأساسية في الدفاع على وطنه وشعبه وقيادته.
تعددت الروايات حول سبب انهيار الجيش، لكنها في مجملها تتقاطع في 3 أسباب رئيسية، وهي الخيانات والفساد، وتعدد الولاء، وبحسب عسكريين ومسؤولين فإن هذه الأسباب كانت تتحكم في مؤسسة الجيش طوال أكثر من 3 عقود، يقول رئيس جهاز الأمن القومي الدكتور علي الأحمدي في تصريح صحافي سابق قبل هجوم الحوثيون على القصور الرئاسية والمعسكرات التابعة لها، إن «تهاوي بعض وحدات الجيش والأمن أمام الحوثيين كان ناتجا عن خيانات واختراق في هذه الوحدات، بدأ من معركة الاستيلاء على عمران، حيث رفضت بعض هذه الوحدات نجدة اللواء 310 مدرع، واستسلمت وحدات الأمن الخاصة في الطريق إلى عمران، وتقهقرت وحدات من قوات الاحتياط وقوات المنطقة السادسة، ولم تتجاوز جبل ضين، وهي التي كانت مكلفة بالالتحام باللواء 310 في محافظة عمران». وقد مثلت عمران بداية سقوط وانهيار الجيش الذي صمد أكثر من 7 أشهر في مواجهة الحوثيين دون أي تعزيزات أو مساندة، فيما كان وزير الدفاع السابق اللواء محمد ناصر أحمد، يكرر القول إن قواته ستكون محايدة، وقد كشفت مصادر عسكرية كثيرة عن مشاركة وحدات عسكرية مع الحوثيين، من الموالين للرئيس السابق، وهي التي تمكنت من اقتحام اللواء 310. وبحسب روايات متواترة، فقد تعرض قائده اللواء حميد القشيبي، الذي يعد ثالث رجال الجيش المؤيدين للثورة الشبابية التي أطاحت بصالح، لخيانة وخديعة، حيث تلقى توجيهات من وزارة الدفاع بتسليم معسكره للجنة عسكرية من الشرطة العسكرية، التي لم تكن سوى غطاء للحوثي لاقتحامه ونهب أسلحته الثقيلة، والسيطرة على محافظة عمران بوابة صنعاء الشمالية، وتمكنوا من قتله والتمثيل بجثته، ولم يصدر الرئيس عبد ربه منصور هادي أو الحكومة أو قيادة أركان الجيش، أي بيان رسمي أو رسالة عزاء في مقتل قائد عسكري نظامي، ما يعزز الرواية حول أن حرب عمران لم تكن سوى بداية مخطط وضعته أطراف كثيرة بهدف التخلص من الجيش المؤيد للجنرال علي محسن الأحمر.
اقتحم الحوثيون صنعاء بأكثر من 20 ألف مسلح، في سبتمبر (أيلول) 2014، ثم سيطروا بمساندة جنود الحرس الجمهوري وقبائل صالح، على القصر الجمهوري ودار الرئاسة في منطقة النهدين، ثم اقتحام منزل الرئيس هادي، ورفض قادة ألوية الاحتياط الدفاع عن رموز الدولة، بحسب قائد عسكري، ويضيف «لماذا لم تدافع وحدات الجيش من قوات النخبة في قوات الاحتياط والقوات الخاصة وقوات الأمن المركزي وغيرها من الفصائل الموجودة في صنعاء عن الدولة ورموزها؟، ولماذا لا يهاجم الحوثي معسكرات قوات الحرس الجمهوري؟»، ويجيب «كان الحوثيون أداة للرئيس السابق للانتقام من خصومه التاريخيين الذين أسقطوه في 2011. وهم الجنرال علي محسن الأحمر، وحزب الإصلاح، وآل الأحمر»، مؤكدا أن «الحروب الستة التي خاضها الجيش ضد الحوثيين خلال الفترة(2004 - 2010)، تهدف أساسا إلى القضاء على قوات الفرقة التي كانت تمثل عائقا أمام توريثه الحكم لنجله العميد أحمد الذي كان يقود وحدات الحرس الجمهوري آنذاك»، مشيرا إلى أن «أغلب المعسكرات والوحدات التي تعرضت للنهب على يد الحوثيين كانت لقوات المنطقة العسكرية الشمالية الغربية التي كان يقودها الجنرال الأحمر».

* قصة الانهيار
* انعكس الولاء الشخصي، والقبيلة، والمذهب، والمناطق، والمصالح، داخل الجيش على قدرة الرئيس الانتقالي عبد ربه منصور هادي في التحكم به، إذ وجد نفسه قائدا لجيش لا يدين له ولا للوطن، بالولاء ما عدا بعض الوحدات أو القادة الذين تم استبعادهم من مناصبهم بسبب مواقفهم الوطنية، وعدم رضوخهم للولاءات الشخصية، وقد كانت أحداث 20 يناير (كانون الثاني) الماضي في محيط دار الرئاسة بصنعاء أكبر دليل على عدم انصياع الجيش لأوامره حيث تم التخلص من الوحدة العسكرية الرئاسية التي يترأسها جنوبي، وهو ما يفسر كيف سقطت المدن في يد الحوثي ؟، وبحسب حديث قائد عسكري كبير شارك في مواجهة الحوثيين في صعدة وعمران، فإن السبب الرئيسي في انهيار الجيش هو البناء الشخصي والولاء الأسري، مؤكدا لـ«الشرق الأوسط» أن «وزير الدفاع السابق اللواء محمد ناصر أحمد كان له الدور الأبرز لاستكمال الإجهاز على ما تبقى من ما كان يسمى بجيش»، ويضيف «كان انهيار الجيش وبروز الروح السلبية في الأغلب وبعض الخيانات نتيجة طبيعية لتركيبته غير الوطنية».
وكان أول قرار يصدره الحوثيون فور سيطرتهم على مقر قيادة الجيش والرئاسة هو تكوين لجنة أمنية عليا للتحكم بأجهزة الجيش والأمن التي تحت سيطرتهم، وكلفوا الوزير المستقيل اللواء محمود الصبيحي برئاستها الذي خيب كثيرا من توقعات الشارع حول الرجل بوصفه قائد الجيش الرافض لوجودهم أثناء قيادته للمنطقة العسكرية الجنوبية سابقا، ويبدو أن الجماعة تدرك جيدا أنها عاجزة عن قيادة الجيش الذي أعلنت أغلب فصائله في الجنوب والشرق والوسط رفضها تلقي أي أوامر منهم، وقد استغلوا الصبيحي بعدها بأيام ليصدر أكثر من 14 قرارا بتعيينات في مناصب قيادية هي من اختصاص رئيس الجمهورية ومن بين الأسماء شخصيات متهمة بالفساد وموالية لصالح، والبعض منهم متهم في قضايا إرهابية سابقة.
يقول أحد المسؤولين الذين كانوا يشغلون مناصب في الصف الأول للدولة لـ«الشرق الأوسط»: «لم يكن لدينا جيش مؤسسي بالمعنى المتعارف عليه في العالم، وفي الوعي الاجتماعي تعامل اليمنيون على أن الانضواء في الجيش هو تخصص لمناطق معينة في اليمن، وهو كان مفهوما سائدا في شمال اليمن وجنوبه على السواء، وهو نوع من التوزيع المهني الذي ساد عبر مراحل تاريخية»، ويتابع: «ينتمي أغلب أفراد الجيش للمناطق الزيدية في شمال الشمال خاصة مع تحجيم التجنيد من المحافظات الجنوبية، وهذا كله جعل وظيفة الجيش في ذهنية قيادته ومنتسبيه تتمثل في حماية النظام وليس السيادة، ما أدى بشكل تلقائي لبنية غير وطنية للجيش منذ أمد طويل استمرت دون أن تنجح حتى ثورتا 26 سبتمبر و14 أكتوبر (تشرين الأول) في تجاوزها» ويضيف «وفي مراحل لاحقة وفي إطار استحواذ الرئيس السابق صالح على الجيش بدأ في سنوات حكمه الأخيرة في تحجيم سيطرة القادة من أبناء قبيلته وقريته على الجيش لمصلحة أفراد أسرته المقربين، ولولا أن صالح انصاع في 2011، للخروج من الحكم بسلام بسبب عدم ثقته بأن جيشه سينجح في قمع الاحتجاجات أو الانتصار في حال نشوب صراع مسلح على السلطة لدخلت البلاد في حرب أهلية طاحنة»، مشيرا إلى أن «أهم نقلة حدثت في بناء الجيش تمت في عهد صالح بعد حرب 94، ولو كان التوجه استمر في بناء جيش وطني حقيقي لتحقق إنجاز عظيم يحسب له، حيث كان يتم الإنفاق عليه بسخاء، ومن ناحية تم الاستعانة بكوادر وخبراء أردنيين وعراقيين وأميركان وروس في عملية البناء والتأهيل كما كان لافتا إنشاء المؤسسات الأكاديمية الخاصة بالجيش، وكان لدينا بنية أساسية معقولة تحتاج البناء عليها لو استقرت الأوضاع».
من جانبه يقول العميد خالد خليل، رئيس عمليات المنطقة العسكرية الخامسة وعضو مؤتمر الحوار الوطني «إن تركيبة الجيش ليست بعيدة عن التركيبة القبلية للمجتمع»، وأضاف: «خلال العقود الماضية كان الانضمام للجيش اليمني كبيرا جدا وخصوصا من القبائل والمناطق المحيطة بالعاصمة صنعاء وقد يصل إلى حد 70 في المائة من قوام الجيش، بينما 30 في المائة من بقية المناطق الأخرى، ما زاد من ضعف تكوين وتنظيم الجيش وأصبح شبه كانتونات عسكرية قبلية، لهذا نجد أن الجيش أصبح ذا ملكية خاصة سواء لقادة وحدات أو لزعماء قبائل». مؤكدا أن «عدم الدمج الحقيقي لوحدات الجيش على أسس وطنية بعد تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990 كان له تأثيره في بنية القوات المسلحة اليمنية»، موضحا أن «المناطقية كان لها دور في بناء وتنظيم وحدات الجيش دون النظر إلى الكفاءة العلمية أو العملية أو التخصصية». فيما يرى محمد طاهر انعم، عضو فريق الجيش والأمن بمؤتمر الحوار الوطني أن «انهيار كثير من قطاعاته وألويته، لا يعد أمرا مستغربا، كون الجيش اليمني كان طوال عقود سابقة مؤسسة ينخرها الفساد لأسباب متعددة». وقال: «هذا الانهيار يتحمل مسؤوليته في المقام الأول الرئيس السابق علي عبد الله صالح، الذي حصل هذا التمزق والافتراق الخطير في عهده وتحت سمعه، ولم يقم بما يلزمه القيام به تجاهه».
ويكشف أحد رجال الأعمال عن استغلال ضباط للجيش من الحرس الجمهوري، في الكسب غير الشرعي، يقول التاجر الذي طلب إخفاء هويته، إنه فوجئ بطلب ضباط تقاسم إحدى صفقاته التجارية الخاصة بالنفط وهددوا بمنعه من الصفقة في حال رفض، وهو ما أجبره على التحايل عليهم والقول إن الصفقة تتبع أولاد الشيخ عبد الله حسين الأحمر وهو ما أربكهم وسمحوا له بالحصول على الصفقة مناصفة بينهما، وتعكس هذه الحادثة حجم الفساد الذي ينخر هذه المؤسسة، وذكر أحد الصحافيين الاستقصائيين، محمد عبده العبسي، ما سماه الثقب الأسود في جهاز الدولة المتمثل في دائرة الإمداد والتموين التابعة لوزارة الدفاع، حيث يخصص لها من موازنة الدولة نحو 129 مليار ريال (600 مليون دولار)، وهي موازنة تفوق موازنة 13 وزارة، بما فيها التعليم والصحة، والجدير ذكره أن هذه الدائرة كان مديرها وزير الدفاع السابق.
ويعتبر اللواء طيار حاتم أبو حاتم (متقاعد) أن «مخرجات الحوار الوطني، أوجدت معالجات للاختلالات التي يعيشها الجيش في ظل الأسماء الوهمية سواء للأفراد أو الضباط»، موضحا أن «الجيش حسب الأرقام ما يقارب 500 ألف مع أن العاملين في الميدان ما يقرب 100 ألف فقط وأن الرتب العليا هي الأكثر من ذلك». وبين من أبرز المشاكل التي عاشتها وما تزال المؤسسة العسكرية هي «الانقسام الحاصل في الجيش، والولاءات التابعة لمراكز النفوذ، وبالذات للحاكم السابق، الذي حرص أن يكون الجيش كله شكليا ووهميا»، وقال: «ظهور الحوثيين (أنصار الله) في هذه الفترة سيزيد من جهل وتخلف الشعب، وجيشه واتضح ذلك من الكثير من القرارات الخاطئة وغير اللائقة مهنيا في اتخاذها، وتعيد عصور الإمامة والسلطوية والجهوية على شعب اليمن التي لا تعترف إلا بلغة السلاح ولا يجيدون الحوار والمنطق وتوقعاتنا سيزداد الأمور سواء أكثر مما هو عليه الآن»
...المزيد



واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
TT

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور «التفاوض تحت النار»؛ إذ نفّذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداته بعدما اتهم طهران بالمماطلة و«اللعب على الوقت»، وأمر بموجة ضربات على أهداف في جنوب إيران، شملت، بحسب مسؤولين أميركيين، منظومات دفاع جوي ورادارات ووحدات قيادة وسيطرة للطائرات المسيّرة. كذلك، لم تعد واشنطن تعرض القوة باعتبارها رداً محدوداً على إسقاط مروحية «أباتشي» أميركية قرب مضيق هرمز فحسب، بل كأداة ضغط لإجبار إيران على القبول باتفاق بشروط أميركية. وبهذا المعنى، انتقلت إدارة ترمب من الردع الدفاعي إلى «الدبلوماسية القسرية» المكشوفة. وتصريحات وزير الدفاع بيت هيغسيث، بأن واشنطن «ستفاوض بالقنابل إذا لزم الأمر»، أوضحت الهدف السياسي من الضربات. لكن المفارقة الخطرة أن استخدام القوة لتقصير طريق الاتفاق قد يدفع طهران إلى رد يوسّع الاشتباك، ويفتح الباب أمام حرب تقول واشنطن إنها لا تريدها.

بدأ التصعيد الأخير في «الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية» بردّ أميركي على إسقاط مروحية من نوع «أباتشي» في منطقة مضيق هرمز. وفي حينه بدت الضربات الأولى محسوبة: استهداف رادارات ومنظومات دفاعية ومواقع تحكّم، مع الحرص على تجنب سقوط قتلى إيرانيين يفرضون على طهران ردّاً أكبر. إلا أن موجة الأربعاء غيّرت المعنى السياسي والعسكري للعملية. ذلك أن الضربة الثانية لم تُقدَّم فقط بوصفها انتقاماً من حادث بعينه، بل كجزء من قرار أميركي بزيادة الكلفة على إيران كلما تأخرت في توقيع اتفاق.

أكبر من رسالة وأقل من حرب

هذا التدرّج يشرح حسابات ترمب، أي: ضربات كبيرة بما يكفي لإيصال رسالة، ومحدودة بما يكفي لتجنب حرب شاملة.

إنه يريد إثبات أن تهديداته ليست كلاماً انتخابياً، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام صفقة. غير أن المعادلة باتت أكثر هشاشة، بعدما تحوّلت التهديدات إلى ضربات مباشرة داخل أراضٍ إيرانية حساسة بجنوب البلاد وقرب مضيق هرمز.

فرزين نديمي، الباحث المتخصص في شؤون الأمن والدفاع في إيران ومنطقة الخليج في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى»، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الطرفين يحاولان في هذه المرحلة «فرض إرادتيهما ووضع القواعد». وهنا لا يستبعد نديمي كلياً أن يكون اصطدام المسيّرة الإيرانية بالمروحية الأميركية حادثاً غير مقصود، لكنه يقرأ السلوك الإيراني في سياقه الأوسع، أي أنه محاولة لإظهار مَن يملك اليد العليا في المضيق، والتدخل في العمليات الأميركية، واختبار حدود الردع الأميركي. ولذا، في رأيه، جاء رد ترمب السريع على أهداف عسكرية داخل إيران لإفهام طهران أن العبث بحرية الحركة الأميركية في الخليج لن يبقى بلا ثمن.

في المقابل، تدرك واشنطن أن مقتل جنود أميركيين أو إصابة منشآت خليجية كبرى قد يخرج الأزمة من دائرة «الضغط من أجل الاتفاق» إلى دائرة الحرب. ولهذا فإن عبارة «الضرب من أجل التفاوض» لا تلغي خطر الانزلاق، بل تكشف عنه. فالقوة هنا محاولة لإعادة ترتيب الطاولة قبل الجلوس إليها، لكن الطرف الآخر قد يردّ على الطاولة نفسها بالقوة أيضاً.

ربط الساحات

في خلفية التصعيد، تواصل إيران العمل بمنطق «ربط الساحات». وهي اليوم لا تتعامل مع مضيق هرمز، والملف النووي، ولبنان، وإسرائيل، والقواعد الأميركية كملفات منفصلة، بل تحاول تحويلها إلى أوراق داخل مساومة واحدة مع واشنطن: فإذا ضُغط عليها نووياً، لوّحت بالملاحة؛ وإذا استُنزف «حزب الله» في لبنان، أمكنها التصعيد ضد إسرائيل أو في الخليج؛ وإذا طُلبت منها تنازلات قاسية، حضرت ورقة القواعد الأميركية والسفن ومنشآت النفط.

نديمي، بالتالي، يضع المسألة في إطارها السياسي الأوضح. فهو يقول إن النظام الإيراني يريد إدخال لبنان، أو على الأقل بيروت وضواحيها، في أي «صفقة» مع الولايات المتحدة، لكنه يستبعد قبول إسرائيل بذلك. وبحسب هذه القراءة، لا يقتصر «ربط الساحات» على تحريك حلفاء أو إطلاق صواريخ، بل يشمل أيضاً استخدام خطر اشتعال الجبهة الإيرانية - الإسرائيلية، وتهديد المضيق والقواعد الأميركية، من أجل منع إسرائيل من استكمال تقويض «حزب الله» في لبنان، ومنع الدولة اللبنانية من احتكار القرارين الأمني والعسكري.

لكن هذه الاستراتيجية تعكس القدرة على التعطيل أكثر مما تعكس قدرة على فرض تسوية مستقرة؛ فإيران تستطيع إرباك الملاحة، لكنها لا تتحمل إغلاقاً طويلاً للمضيق من دون رد عسكري واقتصادي واسع. وهي تستطيع أيضاً استخدام «حزب الله» كورقة ردع، لكنها لا تستطيع بسهولة إعادة بناء موقعه السابق بعد الحرب والضربات الإسرائيلية والضغط الأميركي. ثم إن تفوّق الولايات المتحدة وإسرائيل الجوي والاستخباراتي يجعل كلفة المواجهة المفتوحة باهظة.

لا تتعامل واشنطن مع هرمز والنووي ولبنان وإسرائيل والقواعد الأميركية كملفات منفصلة

مضيق هرمز: ورقة الضغط الأخطر

يبقى مضيق هرمز قلب الأزمة. فإسقاط المروحية الأميركية، والحديث عن مضايقة السفن، والضربات على الرادارات والدفاعات الجوية في الجنوب الإيراني، عناصر تؤكد أن الصراع على المضيق صار أحد مفاتيح التفاوض.

واشنطن تريد تثبيت أن المرور في هذا الشريان العالمي لن يخضع لإذن إيراني، وأن أي محاولة لفرض «رسوم سياسية» أو أمنية على الملاحة ستواجه بالقوة. أما إيران فتريد إثبات أن أي اتفاق يتجاهل قدرتها على التأثير في المضيق سيكون اتفاقاً ناقصاً.

وتنسجم هذه القراءة مع ما يقوله نديمي عن أن طهران لا تختبر فقط قدرة واشنطن على الرد، بل تختبر أيضاً مدى استعدادها لفرض قواعد اشتباك جديدة في الممر البحري الأكثر حساسية في العالم. وهي مع محاولة إظهار اليد العليا في المضيق لا تهدف فقط إلى إحراج الجيش الأميركي، بل إلى تثبيت فكرة أن أي تفاهم حول النووي أو العقوبات أو خفض التصعيد لا يمكن أن يتجاهل موقع إيران الجغرافي وقدرتها على تهديد خطوط الطاقة.

هذه النقطة تكتسب أهمية أكبر بعد كشف ترمب عن عمليات أميركية لمرافقة سفن تجارية عبر المضيق، وكلامه عن استمرار تدفق كميات كبيرة من النفط على الرغم من التهديدات الإيرانية. وحتى لو بالغ في تصوير العملية باعتبارها «سرية»، تظل الرسالة السياسية واضحة وهي واشنطن تريد كسر الانطباع بأن إيران تستطيع خنق السوق النفطية العالمية متى شاءت. فاضطراب التأمين والشحن يمنح طهران ورقة ضغط، بينما نجاح واشنطن في تأمين المرور يضعفها.

... لبنان داخل «الصفقة الكبرى»

وسط هذه المواجهة، لا يغيب لبنان عن الحسابات الإيرانية والأميركية والإسرائيلية. فإيران تنظر إلى «حزب الله» باعتباره آخر أوراق نفوذها الكبرى في المشرق، وأي تسوية لا تحمي موقعه أو تمنع استكمال إضعافه ستُقرأ في طهران كهزيمة استراتيجية. لذا تحاول إيران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إدخال لبنان في أي تفاهم مع واشنطن، أو على الأقل منع إسرائيل من استثمار اللحظة لإعادة رسم ميزان القوى جنوب لبنان.

في المقابل، لا تريد واشنطن أن تتحوّل المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية إلى رهينة إيرانية. ويشرح ديفيد شينكر، نائب وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، أن إدارة ترمب تدرك مخاوف الحكومة اللبنانية من مواجهة مباشرة مع «حزب الله»، لذلك تدفع بخطة تقلل احتمالات الصدام تتضمن نشر وحدات الجيش اللبناني في مناطق تكون إسرائيل قد أخلتها من عناصر الحزب ومخازنه، ثم تتولى منع عودة المقاتلين والسلاح إليها. ويضيف شينكر أن عودة السكان، وبالذات الشيعة، قد تمنح الحكومة رصيداً إذا نجحت في تأمين المناطق. لكنه يحذّر من أن «حزب الله» سيختبر الجيش ويحاول إعادة بناء حضوره، وأن الخطة ستفشل ما لم يتخذ الجيش خطوات فعلية لمنع ذلك.

هنا تدخل العقوبات الأميركية كأداة ضغط موازية للضغط العسكري في الخليج. وبحسب شينكر، فإن صدور عقوبات جديدة مسألة «شبه مضمونة»، وأن استهداف معاوني رئيس مجلس النواب نبيه برّي الأمنيين «كان رسالة بأنه نفسه سيحاسَب إذا عرقل المسارين السياسي والعسكري بين لبنان وإسرائيل». أما العقوبات على ضباط في الأمن العام واستخبارات الجيش، فهي في رأيه أهم؛ لأنها تستهدف نمطاً قديماً من التنسيق والتسريب والتعايش بين مؤسسات أمنية لبنانية و«حزب الله». وبالتالي، فالرسالة الأميركية ليست موجهة إلى الحزب وحده، بل أيضاً إلى بنية الدولة التي سمحت له بالبقاء داخل القرار الأمني.

عقدة «النووي» والصفقة الناقصة

في سياق متصل، في قلب التصعيد كله، تبقى المفاوضات النووية. فواشنطن لا تريد تهدئة عسكرية فقط، بل «اتفاقاً ذا معنى»، كما قال ترمب، يقيّد البرنامج النووي الإيراني لسنوات.

الملفات المطروحة معقدة: تعليق التخصيب، التعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب، تعطيل أو تفكيك منشآت رئيسية، وقبول تفتيش مفاجئ. وهذه ليست تنازلات تقنية بسيطة، بل تمسّ ما تعدّه إيران سيادة وطنية ورمزاً لقدرتها على تحدي الضغوط الغربية.

لذلك، تبدو طهران مترددة. فهي تريد تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال المجمّدة والاعتراف بدورها الإقليمي، لكنها لا تريد الظهور كأنها وقّعت تحت القصف.

ثم إنها تخشى من أن يؤدي اتفاق نووي صارم إلى تقليص أوراق قوتها من دون ضمانات لبقاء نفوذها الإقليمي. لكن مغادرة الوفد القطري المفاوض للعاصمة طهران، مساء الأربعاء، من دون تحقيق أي خرق دبلوماسي، أكدت أن الفجوة لا تزال عميقة. وفي المقابل، يعتقد ترمب أن الوقت الذي منحته واشنطن لإيران استُهلك بلا نتيجة، وأن الضربات قد تكسر المراوحة وتدفع طهران إلى قرار سريع.

الدبلوماسي الأميركي المخضرم دينيس روس رأى في مقالة رأي أن لجوء ترمب لسياسات الضغط القصوى دفع القادة الإيرانيين إلى الشعور بأنه ليس لديهم ما يخسرونه، فاستخدموا أوراقاً قصوى كتعطيل الملاحة. لكن روس يشدد على أن الاقتصاد الإيراني بات على حافة الانهيار، وأن تدمير الرادارات والدفاعات الجوية وشبكات المياه - كما حدث في مقاطعة سيريك الإيرانية - يعمّق أزمات النظام الداخلية.

ويضيف روس أن «الخطر الأكبر ليس في انهيار المفاوضات فقط، بل في التوصل إلى صفقة ناقصة». فقد ينجح الطرفان في وقف الضربات وفتح المضيق وتجميد بعض عناصر البرنامج النووي، لكن من دون معالجة آليات التصعيد الأخرى، مثل: المضايقات البحرية، ونشاط «حزب الله» في لبنان، وحرية إسرائيل في تنفيذ ضربات ضد أهداف إيرانية أو حليفة لإيران. عندها لن تنتهي الحرب، بل سيعاد تنظيمها في اشتباكات محسوبة قابلة للانفجار في أي لحظة.

أيضاً فإن تخفيفاً اقتصادياً واسعاً وغير مشروط للعقوبات قد يمنح النظام الإيراني فرصة لإعادة ترميم قدراته وشبكاته الإقليمية، بينما قد يدفعه الضغط بلا أفق سياسي إلى تصعيد أوسع. لذلك تبدو واشنطن أمام توازن بالغ الدقة: أن تقدم لإيران مخرجاً لا يبدو إنقاذاً مجانياً، وأن تفرض قيوداً لا تجعل التوقيع مستحيلاً، وأن تردع من دون أن تنزلق إلى حرب لا تريدها.


أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الخطوط العريضة لاتفاق نووي محتمل مدته 15 سنة، يتجاوز مجرد تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز المغلق منذ ما يزيد على 100 يوم. وبحسب صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، الخلاصات الأساسية لهذه المفاوضات المعقدة، تتمحور حول أربعة ملفات شائكة:

- مدة تعليق التخصيب: تطالب واشنطن بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم لمدة لا تقل عن 20 عاماً، في حين تصر طهران على 10 سنوات، مع وجود مؤشرات على إمكانية التسوية عند 15 عاماً.

- مصير المخزون المخصب: تسعى الولايات المتحدة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لـ«تخفيف» كامل المخزون الإيراني البالغ 11 طناً (بما في ذلك الوقود القريب من درجة إنتاج الأسلحة)، وسط خلاف حول ما إذا كان التدمير سيجري محلياً أم بنقله خارج البلاد.

- تفكيك المنشآت الحصينة: تصرّ واشنطن على التفكيك التام لمواقع نطنز وفوردو وأصفهان، التي تضررت سابقاً في ضربات «مطرقة منتصف الليل»، بينما ترفض إيران التخلي عما تسميه «حق التخصيب» وتطالب بالإبقاء على منشأة واحدة مفتوحة.

- التفتيش الفجائي والصارم: يطالب الجانب الأميركي بمنح المفتشين الدوليين صلاحية الدخول «في أي وقت وإلى أي مكان»، وهو ما يواجه ممانعة إيرانية شديدة؛ نظراً لوجود العديد من المواقع المشتبه بها داخل القواعد العسكرية المغلقة التابعة لـ«الحرس الثوري».

وتُظهر الخلاصات أن أي اتفاق نووي مستقبلي - رغم أفضليته الفنية مقارنة باتفاق عام 2015 - سيبقى رهينة لمدى التزام النظام الإيراني على أرض الواقع، وقدرته على كبح جماح التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري»، الذي يرى في هذه الشروط استسلاماً كاملاً. وهو ما يفسر لجوء طهران لرفع وتيرة التصعيد العسكري كأداة لتحسين شروط التفاوض هرباً من تقديم تنازلات استراتيجية تمس جوهر بقاء النظام ونفوذه الإقليمي.


عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
TT

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم. لم يكن نجماً يطارد الأهداف؛ بل كان حكماً حمل الصافرة ليصبح وجهاً صومالياً بارزاً في الملاعب الأفريقية. وبعد 34 سنة وبالشهر ذاته، يونيو 2026، كاد أرتان يولد من جديد ويدخل منصة الكبار عبر حلم «المونديال» بالمشاركة في نهائيات كأس العالم التي انطلقت الخميس، لولا «كارت أحمر» أصدرته واشنطن ضده في مطار ميامي الأميركي، بزعم «تطبيق قانون يمنع دخول جنسيات من بينها الصومال». وهكذا تحوّل عمر إلى «أيقونة عالمية»، وتصدّر اسمه النشرات الإخبارية وسط مواقف دعم من مختلف البلدان، واستقبلته بلاده استقبال الملوك في احتفال غير مسبوق، وتقدّم المستقبلين الرئيس حسن شيخ محمود.

في مسيرة الـ34 سنة، نجاحات عديدة خطّها عمر عبد القادر أرتان، الحاصل على بكالوريوس في التنمية. وفي دولة أنهكتها الحرب الأهلية، يواجه كثيرون تحدّيات جمة في رسم مستقبل ناجح، ولكن كان لأرتان رأي آخر تكشفه الأرقام؛ إذ سرعان ما حصل على الشارة الدولية في عام 2018، وأدرج رسمياً في قائمة حكام «الفيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم) الدوليين بعد سنتين فقط من حصوله على فرصة التحكيم في دوري الدرجة الأولى الصومالي عام 2016، و4 سنوات من ولوجه تدريبات التحكيم الرياضي عام 2014، وبدء إدارة الدرجة الثالثة بالدوري الصومالي.

اعتماده حكماً دولياً

كانت أول مباراة تولّى أرتان تحكيمها خارج النطاق المحلي، بعد اعتماده حكماً دولياً، مباراة أجريت في كينيا بين فريقي ناديين من كينيا ومدغشقر. وبعدها شارك أرتان حكماً في دورة اتحاد شمال أفريقيا تحت 20 سنة في عام 2022، وفي كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة في عام 2023.

ثم، في يناير (كانون الثاني) 2024، أصبح أول صومالي يدير مباراة في كأس الأمم الأفريقية بكوت ديفوار، لدى إشرافه على لقاء تونس وناميبيا ضمن دور المجموعات، وقد وصفت وكالة الأنباء الصومالية (صونا) تلك المباراة يومذاك، بـ«المباراة الصعبة».

هذا السجل المشرّف لم يتوقف؛ إذ صار أرتان أول صومالي يحكم مباراة نهائي أفريقيا، حين أدار مباراة الإياب بين بيراميدز المصري وماميلودي صنداونز الجنوب أفريقي في القاهرة، وكانت تلك الخطوة المتفردة في شهر يونيو (حزيران) في عام 2025.

وفي يوليو (تموز) 2025، اختير الحكم الصومالي الموهوب ضمن قائمة «الفيفا» التي يدير حكامها مباريات كأس العالم للشباب تحت 20 سنة، التي نظمت في تشيلي. وبعدها، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، عرف أرتان نجاحاً جديداً وكبيراً عندما توّج بجائزة «أفضل حكم في أفريقيا» لعام 2025، خلال حفل جوائز الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف) الذي استضافته العاصمة المغربية الرباط، وكان هذا الإنجاز وفق وكالة الأنباء الصومالية «الأكبر في تاريخ التحكيم الصومالي».

حكم أفريقيا البارز

جاء اختيار أرتان، في حينه، بعد منافسة قوية مع حكمين من جنوب أفريقيا وموريشيوس. وأعلنت لجنة الجوائز في «الكاف» فوزه تقديراً لأدائه الاستثنائي خلال العام الحالي، وإدارته عدداً من أهم المباريات القارية والدولية، وعلى رأسها نهائي دوري أبطال أفريقيا، ومباريات كأس العالم تحت 20 سنة التي تُوِّج بها المنتخب المغربي.

وحقاً، يُعدّ هذا التتويج محطة بارزة في مسيرة أرتان، الذي لمع اسمه خلال السنوات الأخيرة بفضل انضباطه، وحرفيته، وقراراته الدقيقة داخل الملعب، ما جعله - بحسب وكالة الأنباء الصومالية - واحداً من أبرز حكام القارة.

ومن ثم، دفع هذا التتويج رئيس الصومال، حسن شيخ محمود، للقاء أرتان والإشادة به، واعتبار نجاحه «إنجازاً تاريخياً يعكس صورة مشرقة للشباب الصومالي وقدرته على التنافس في الميادين الدولية». وأردف أنه «يمثل نموذجاً للإصرار والتميز... وفوزه يشرف الصومال وشعبها».

في مصاف «الكبار»... وصدمة مؤلمة

في أبريل (نيسان) 2026، دخل عمر أرتان مكانة الكبار في كرة القدم باختياره للمشاركة في نهائيات كأس العالم لكرة القدم، ليصبح بذلك أول حكم صومالي يبلغ هذا الإنجاز التاريخي في مسيرة الرياضة الوطنية. وهذه المحطة دفعت رئيس البلاد لتهنئته للمرة الثانية، واعتباره «نموذجاً مُلهماً ومصدر فخر للأجيال الصاعدة من الشباب الطامح إلى التميز».

غير أن فرحة مقديشو وعمر أرتان لم تدُم سوى شهرين؛ إذ صدمه قرار رسمي أميركي من واشنطن منعه في يونيو الحالي من دخول البلاد.

فلقد أوقف أرتان في مطار ميامي ومنع من دخول الولايات المتحدة، ونقلت وكالة «رويترز» الأربعاء، عن إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية في بيان، أن مواطناً صومالياً، دون ذكر اسمه، وصل إلى مطار ميامي الدولي آتياً من إسطنبول يوم السبت الماضي، واعتُبر غير مسموح له بالدخول بسبب مخاوف تتعلق بالتحريات الأمنية. وجاء القرار بعد أشهر من فرض واشنطن حظراً شاملاً على سفر مواطني 12 دولة منها الصومال في عام 2025.

الاتحاد الدولي (الفيفا) أكد الاثنين الماضي، أن أرتان لن يتمكن من التدريب والتحكيم في نهائيات كأس العالم، التي انطلقت الخميس في كل من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ولم يجد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تبريراً في مواجهة انتقاد رياضي بدأ يتزايد إلى أن يخرج الأربعاء، مدّعياً أن الولايات المتحدة منعت دخول الحكم الصومالي بسبب صلته بأفراد «يشتبه في انتمائهم إلى منظمات إرهابية»، من دون أن يقدم دليلاً على ذلك.

غير أن اتهام ترمب كان بلا صدى؛ إذ كان ضجيج الاحتفالات والتضامن مع الحكم الصومالي الأعلى أصداءً. وأفادت وكالة الأنباء الصومالية الأربعاء، بأن «أرتان وصل إلى العاصمة مقديشو وسط استقبال حافل في مطار آدم عبد الله الدولي، تقدمه وزراء ونواب في البرلمان الفيدرالي، وممثلون عن الاتحاد الوطني لكرة القدم، بالإضافة إلى مسؤولين آخرين وشرائح المجتمع المدني المختلفة، بخلاف دعم دولي».

وبحسب الصورة التي نشرتها الوكالة، كانت ملامح وجه أرتان تشع بالفرحة وسط زحام كبير، عزّزته لغة صمود بدت في تصريحاته، وقال أثناء تلويح مئات الجماهير بعلم الصومال: «أعدكم، بمشيئة الله، أنني سأحضر البطولة التالية. أريد أن يطمئنّ الشعب الصومالي إلى هذا، وأن يظل واثقاً».

أما «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) فنقلت عن أرتان قوله: «على الرغم من الظروف التي أمرّ بها، فإنني في مزاج إيجابي وأركّز على التحدّيات المقبلة في مسيرتي التحكيمية». وتابع: «أود أن أشكر عائلة كرة القدم على رسائلها، وأتمنى لزملائي كل التوفيق والنجاح خلال كأس العالم، وأتطلع إلى الانضمام إليهم مجدّداً في مسابقات مستقبلية».

تعليقات صومالية

سعاد جالو، الرئيسة بالإنابة للجنة الأولمبية الوطنية الصومالية، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلّقة، إنها «حزينة لما يحدث... وإذا كانت هناك اعتبارات أمنية، فلماذا مُنحت له التأشيرة أصلاً؟»، قبل أن تجيب: «عندما تغيب الشفافية عن الإجراءات، تتراجع الثقة في النظام بأكمله وتمسّ مصداقية (الفيفا)، وتتناقض مع الإرث الطويل من الانفتاح والاستضافة للولايات المتحدة».

أما المحلل السياسي الصومالي حسن نور، فقد اعتبر أن «الصومال ربح أكثر من مرة من هذا الحكم الصومالي المتميز»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن أرتان «رمز رياضي كبير استطاع أن يجمع الشعب الصومالي حكومة ومعارضة عليه، رغم خلافاتهما التي تجاوزت أكثر من سنة، والجميع توحّد خلف دعمه، في موقف غير مسبوق».

من جهة أخرى، رأى نور أن كأس العالم خسرت حكماً متميزاً، «وعرف العالم أن الصومال يضم نجوماً كباراً، فضلاً عن الاحتفاء الواسع والتضامن الكبير الذي لاقاه أرتان عقب عودته إلى بلاده، بخلاف دعم غير منقطع النظير من السلطات الحكومية».

بدوره، أعرب الاتحاد الصومالي لكرة القدم في بيان، عن «حزنه إزاء ما حدث»، واصفاً تعيين أرتان لإدارة مباريات كأس العالم بأنه إنجاز تاريخي للبلاد نتج عن سنوات من التفاني والمهنية والنزاهة. وتابع أنه «رغم أن نهائيات كأس العالم انطلقت الخميس بمشاركة 48 منتخباً، بحثاً عن تتويج وفوز عالمي يوم الختام 19 يوليو، فإن الحكم الصومالي المبعد عمر أرتان كان أول الفائزين باحتفاء عالمي غير مسبوق، كان ربما لا يصل إليه حال استمر بالبطولة، وكأنه ينطبق عليه عبارة (من رحم المعاناة يولد الأمل)».

على الصعيد الرسمي

أما على الصعيد الرسمي، فقد أعربت وزارة الخارجية الصومالية في بيان الأربعاء، عن أسفها الشديد إزاء قرار السلطات الأميركية منع دخول الحكم الدولي الصومالي، مشددة على أن أرتان «أحد أبرز الرموز الرياضية في الصومال، ومصدر فخر واعتزاز وطني لإسهاماته الكبيرة وإنجازاته التي ألهمت الشباب الصومالي».وقالت الوزارة إن الحكومة الفيدرالية بذلت جهوداً دبلوماسية مكثفة مع الجهات المعنية لتسهيل سفر أرتان، إلا أن تلك المساعي لم تفضِ إلى النتيجة المرجوة. وبالتالي، عاد الحكم إلى مقديشو وسيواصل أداء مهامه ومسؤولياته الوطنية والقارية بالمستوى نفسه من التفاني والمهنية العالية التي عُرف بها طوال مسيرته الرياضية. ووجّهت «الخارجية» الصومالية خالص شكرها وتقديرها لجميع الدول الشقيقة، والأفراد، والهيئات والمؤسسات الرياضية التي عبّرت عن تضامنها ودعمها خلال هذه الفترة. وشدد البيان على أن «الخارجية» ستواصل اتصالاتها مع الشركاء المعنيين للحصول على إيضاحات إضافية بشأن هذه المسألة، مؤكدةً التزامها الثابت بصون كرامة مواطنيها وحماية حقوقهم في الخارج.