«المؤثرون»... صناعة الصور غير الواقعية والتسويق الإلكتروني

شخصيات مختلقة صممتها أجهزة الذكاء الصناعي تتبعها آلاف مؤلفة

«المؤثرون»... صناعة الصور غير الواقعية والتسويق الإلكتروني
TT

«المؤثرون»... صناعة الصور غير الواقعية والتسويق الإلكتروني

«المؤثرون»... صناعة الصور غير الواقعية والتسويق الإلكتروني

لا توجد ظاهرة ثقافية ملكت عقول البشر على امتداد المعمورة خلال ربع القرن الأخير كما فعلت وسائل التواصل الاجتماعي على الإنترنت. فخلال وقت قصير نسبياً من عمر التاريخ، تغيرت أشياء كثيرة لدى مليارات البشر نتيجة تفشي استعمال تلك التطبيقات بينهم: من طريقة تعبير الأفراد عن ذواتهم، وكيفية تواصلهم مع عوائلهم وأصدقائهم ومع الآخرين، إلى تسليتهم، واستحصالهم للمعارف بشأن عالمهم، بل أيضاً المتاجرة شراء وبيعاً، وغيرها من الأغراض الكثيرة التي كانت تنجز عبر أدوات كثيرة، وانتهت جميعها في مكان افتراضي واحد يمكن الوصول إليه عبر هاتف ذكي متنقل أو جهاز كومبيوتر شخصي.
وكما أمر كل ظاهرة اجتماعية ثقافية عريضة، تستولد بحكم علاقتها الديالكتيكية مع المجتمع ظواهر تالية، نَمَتْ في ظل شجرة تطبيقات التواصل الاجتماعي المنغرسة عميقاً في تربة ثقافة الاستهلاك الرأسمالي المعولم ظواهر فرعية مشتقة، تمدد بعضها حتى أصبح عوالم افتراضية موازية، لها قواعدها وأبطالها، وجمهورها وأشجانها. «المؤثرون» ربما كانت بينها الأكثر إثارة للجدل، لا سيما بعدما تضاعفت القيمة المالية لهذه الظاهرة من 8 مليارات دولار أميركي في عام 2019 إلى أكثر من 15 مليار متوقعة مع حلول العام المقبل، وتضخم جمهور بعض حسابات السوبر - مؤثرين بأكثر من حسابات أهم الصحف ومواقع الأخبار العالمية (مثلاً كيم كاردشيان -لا وظيفة معروفة لديها سوى أنها مؤثرة- يتابعها ما يزيد على 221 مليون شخص على تطبيق «إنستغرام»، بينما يتابع صفحة جريدة «نيويورك تايمز» على تطبيق «تويتر» 49 مليوناً، ويشترك في نسختها الإلكترونية أقل من 7 ملايين شخص).
«المؤثر/ة» ببساطة هو شخص بنى سمعة وقاعدة متابعين من خلال مشاركة محتوى شخصي غالباً على الإنترنت. وبالنسبة لجمهورهم، فإن هؤلاء يصبحون بمثابة صانعي الذوق، ورواد الاتجاهات، والخبراء الموثوق بهم الذين تطلب آراؤهم وتحترم بشأن مسائل معينة. وبحسب قرار قضائي صدر حديثاً في بريطانيا، فإن 30 ألفاً من المتابعين كافين لتأهيل أحدهم مؤثراً ينبغي له الالتزام بمضمون قانون الإعلانات الذي يحظر مثلاً الترويج للأدوية، والإبلاغ عن دخله جراء «تأثيره» للسلطات الضريبية.
ولعل جذور ظاهرة «المؤثرين» بدأت بالتشكل سريعاً بعد إطلاق شبكة الإنترنت العالمية في عام 1991، إذ شرع المستخدمون من ذوي الاهتمامات المتقاربة بالتلاقي افتراضياً، بداية على ما كان يعرف بمنتديات الشبكة ولوحات الإعلانات، ولاحقاً على مواقع التدوين، ثم -منذ عام 2005 تحديداً- على وسائل التواصل الاجتماعي. وبحاستهم العجائبية لفرص تعظيم الربح، بدأ خبراء الإعلان والتسويق باستكشاف تلك الفئة الطالعة من المدونين الأكثر شهرة ومشرفي المنتديات الأكثر استقطاباً للجمهور، والاتفاق مع بعضهم على طرائق لترويج المنتجات بداية ربما مقابل بضائع مجانية، ولاحقاً مقابل بدلات مالية تزداد طردياً بزيادة أعداد المتابعين. وقد تضخمت تلك الممارسات بعد إطلاق تطبيقات التواصل الاجتماعي (بداية مع يوتيوب في 2005)، فيما هناك اليوم جيش عرمرم من المؤثرين: مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي -وأغلبهم من النساء- الذين ينجحون في استقطاب أعداد كبيرة من المتابعين المخلصين، ويمنحون أتباعهم إمكانية الوصول إلى نسخة منسقة بعناية من حياة نجومهم المختارين. وقد أثبت هؤلاء مرة بعد مرة أنهم أداة فعالة لتصريف المنتجات -ارتفع الطلب على تصميم معين من الأحذية بمعدل 4900 في المائة خلال ساعات قليلة من وضع مغنية مشهورة لديها 136 مليون متابع صورة لها على موقع «إنستغرام» وهي ترتديه- مما حدا بكبار الشركات إلى إعادة النظر في توزيع ميزانيات إعلانها لمصلحة التسويق الإلكتروني، لا سيما عبر «المؤثرين»، ودائماً على حساب وسائل الإعلام التقليدية التي وجدت خلال سنوات قليلة أن مصدر دخلها «التجاري» من الإعلانات أصابه الضمور، وكاد يجف تماماً، كما في حالة الصحف مثلاً.
ولم يُخلق كل المؤثرين متساوين، إذ يعتمد كثير منهم -الأكثر شهرة- مثل كيم كاردشيان وبيلا حديد على الجاذبية الشخصية حصراً، لكن آخرين أصبحوا مشهورين -وأثرياء- من خلال نشر محتوى متخصص على وسائل التواصل الاجتماعي: أمثال لوغان بول أو بيوديباي أو زوي سوغ الذين يتحدث كل منهم إلى عشرات الملايين من الناس. كذلك، فإن خبراء التسويق الآن يصنفون المؤثرين درجات، بحسب أعداد متابعيهم، فهناك مؤثرون نانو (أقل من 10 آلاف متابع)، ومؤثرون سوبر (أكثر من مليون)، وما بينهما مؤثرون مايكرو (أقل من مائة ألف) وماكرو (أكثر من مائة ألف حتى المليون). والمقلق أن الغالبية المطلقة من المتابعين ينتمون إلى الفئات العمرية الشابة، وهؤلاء بشكل عام يسهل التأثير عليهم، وتشكيل وعيهم الاجتماعي بشكل غير مباشر.
ولتخيل حجم هذه الصناعة، فإن 50 مليوناً من البشر يعملون بوظائف مرتبطة بشكل أو آخر بالمؤثرين، وقد أصبح لهؤلاء مجالس لتمثيلهم أشبه بالنقابات المهنية (في الولايات المتحدة كما في بريطانيا)، ويمكن لبعض أشهرهم، مثل كايلي جينر (233 مليون متابع على «إنستغرام»)، كسب ما يصل إلى مليون دولار أميركي لكل مشاركة. وقد لجأت الحكومة البريطانية -الدولة التي اخترعت البروباغاندا المعاصرة- إلى بعضهم لترويج تطبيق أطلقته لتتبع مصادر إصابات «كوفيد - 19» بين متابعيهم.
إن فكرة الحصول على أموال طائلة من خلال تقاسم صور شخصية لافتة أو الثرثرة بشأن هواية أو لعبة معينة قد يبدو أمراً رائعاً، لكنه في الحقيقة يتطلب جهداً وطاقة سيكولوجية ليست بالقليلة، إذ إن هنالك ساعات لا تنتهي من التحضير المتطلب والتحكم بالمشاعر لإضافة لقطة أو حلقة أخرى في صيغة لا تتعارض مع نموذج الحياة المتصنع الذي أحبه المعجبون، وترضي في الآن ذاته توقعات المعلنين. وهناك أيضاً ضغط دائم على الأعصاب جراء المنافسة الحادة، والسعي الدائم لتعظيم الإيرادات، من خلال استقطاب مزيد من المتابعين. لكن الأخطر من ذلك كله حالة الاغتراب التي ينتهي إليها أولئك المؤثرون -أقله بعد مرور بعض الوقت- نتيجة عبثهم في مساحة التقاطع بين العبودية للنزعة الاستهلاكية وفقدان الشعور بالقيمة الذاتية مقابل الشخصية الافتراضية البديلة، وتكلس النمو العاطفي الذاتي، والانخراط في نشر نسخ غير واقعية من الجمال والنجاح والعافية تشوه وعي الناشئة، وتسوقهم مخفورين إلى أحضان المصالح الرأسمالية الجشعة مستهلكين شرهين لما يحتاجون إليه وما لا يحتاجون.
ظاهرة المؤثرين استولدت بدورها، وبحكم تفاعلها مع المجتمع، ظاهرة الصورة المصطنعة للمرأة الجميلة. فهناك اليوم ما يعرف بوجه «إنستغرام»: وجه شاب -بغض النظر عن العمر الحقيقي لصاحبته- مع بشرة بلاستيكية رائقة على الدوام بلا تجعدات أو بثور -غالباً بفضل مرشحات الصور (الفلاتر) وصناعة جراحة التجميل- مع شفاه أكبر وعيون واسعة وعظام خدود عالية وانحناءات أنثوية مبالغ بها، ولون أبيض صافٍ أو مطعم بتلميح لألوان غرائبية لا جذور محددة لها.
هذه الصورة المركبة المصطنعة المفلترة للمرأة التي أنتجها اللقاء الآثم بين أحدث منتجات تكنولوجيا الاتصالات وجشع الرأسمالية المتأخرة قد تعني تضخماً في ثروات بعض من منتجي الترفيه والأزياء والمنتجات الاستهلاكية وأطباء التجميل، كما كبار المؤثرين، لكنه ربح يأتي بالضرورة على حساب نساء الطبقات الفقيرة والوسطى: إنفاقاً إضافياً على حساب أولويات أخرى، وشعوراً دائماً بالاغتراب تجاه الذات، والنقص تجاه الآخرين، وتقلص مساحات تقبل الاختلاف والتنوع والتباين.
إلى أين ستمضي ظاهرة «المؤثرين»؟ لا أحد يعلم بالطبع. لكن المؤكد أن هذه الظاهرة تمثل عدة شخصيات مختلقة بالكامل من قبل أجهزة الذكاء الصناعي أصبح لحساباتها على مواقع التواصل آلاف مؤلفة من المتابعين، وهي باقية تتمدد في الزمن المنظور، ولن تكون مجرد «موضة» عابرة سرعان ما تنتهي وتنسى.



لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
TT

لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ

لا نقرأ. هذه هي الخلاصة الموجعة التي تلخص علاقة العربي المعاصر بالمعرفة. التقارير الدولية لا تكذب، وأرقام القراءة في وطننا العربي لا تحتاج إلى استدعاء معهد استطلاع لتخبرنا بأننا أمة تقف في آخر قائمة قراءة الكتاب. لكن هذه الحقيقة، على قسوتها، لا تعني أننا أمة صامتة أو منقطعة عن المعرفة؛ قد تعني أكثر أننا نتلقى المعنى على نحو مختلف. القصيدة المسجلة، الصورة، الدراما، المسرح، الأغنية، البرامج الحوارية، البودكاست، كلها صارت أكثر حضوراً من الكتاب. كثيرون لا يتفرغون لقراءة كتاب في التاريخ أو الفلسفة، لكنهم يحفظون مشهداً درامياً، ويرددون بيتاً مغنّى، ويتأثرون بحكاية سينمائية. وهنا المفارقة التي تحتاج إلى وقفة: بدل أن نتحسر على زمن الكتاب والحنين إلى الورق، علينا أن نسأل: كيف نجعل ما يشاهده الملايين ويسمعونه راقياً، حاملاً للثقافة، مغذياً للروح والعقل؟

العالم كله يسير نحو تكثيف المعرفة بصيغ بصرية وسمعية. الكتاب بجلالة قدره تحول إلى مسموع، والمحاضرة إلى فيديو، والسرد إلى بودكاست. ربما الفارق - ولو كان نسبياً - أن مجتمعات أخرى تمتلك قاعدة قراءة صلبة تعود إليها، بينما نكتفي نحن غالباً بالملخص أو الانطباع السريع، فنخسر العمق. وهنا تحديداً تبرز أهمية الفنون بوصفها الحلقة المفقودة بين المتعة والعمق، بين الشغف الجماهيري والمحتوى الهادف.

والأمثلة من واقعنا العربي ليست نادرة. حين غنى كاظم الساهر «زيديني عشقاً» في فيديو كليب لم يقدم مجرد ألحان عذبة ومشاهد جميلة، بل جعل ملايين العرب يحفظون قصيدة نزار قباني عن ظهر قلب، محولاً قصيدة النخبة إلى أهزوجة في الأحياء المنسية. وحين جسّد محمود مرسي شخصية أبو العلاء البشري في مسلسل «رحلة السيد أبو العلاء البشري»، لم يكن يقدم دراما ترفيهية فحسب، وإنما حوّل التلفزيون إلى مدرسة أخلاقية شعبية تجسد قيم الصدق والوفاء والإنسانية في وجه المادية والتناقضات. أما في النحت، فقد حوّل جواد سليم «نصب الحرية» في ميدان التحرير ببغداد إلى ملحمة وطنية حفرت في الذاكرة الجمعية قيم الصمود والانعتاق، متفوقاً بذلك على آلاف الصفحات التي لم تُقرأ. وعلى الجانب الآخر، فتح السوري فاتح المدرس بوابة الحداثة التشكيلية العربية إلى العالمية بريشته السريالية، معيداً تعريف اللغة البصرية العربية وناقلاً تجربته من المتاحف العالمية الكبرى إلى روح الشباب العربي دون أن يفقدوا هويتهم.

أيضاً، حين كتب الشاعر الفلسطيني محمود درويش قصائد مثل «سجل أنا عربي» و«بطاقة هوية» وسجّلت بصوته الرصين، حوّل الشعر إلى نشيد وجداني يردده الملايين في الميادين والمدارس دون الحاجة إلى ديوان. وحين ألف الروائي السوداني الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال»، جعل الرواية درساً ثقافياً عميقاً وصل إلى المجالس قبل الجامعات. أما في المسرح، فقد قدمت فيروز مع الرحابنة مسرحيات غنائية خالدة، حوّلت المسرح إلى تجربة جوانية عميقة وصلت إلى قلوب الملايين. ومن المملكة العربية السعودية، برز عملاقان في الأغنية: محمد عبده ذاكرة وجدانية لأجيال، وطلال مداح، نبض العاطفة المشتركة، فكانا معاً جسراً موسيقياً ينقل جمال السعودية إلى ملايين القلوب دون الحاجة إلى كتاب أو ديوان.

هذه النماذج تؤكد أن الفن، حين ينجح، يصبح أستاذاً بديلاً خصوصاً في زمن تراجع فيه الأستاذ الورقي. الأغنية يمكن أن تحمل اللغة الرفيعة، والدراما يمكن أن تكون مدرسة للضمير، والسينما يمكن أن توسع الخيال الأخلاقي، والمسرح يمكن أن يعيد صياغة الأسئلة الكبرى أمام جمهور حي.

وما يضاعف حاجتنا في وطننا العربي إلى الفنون أن مجتمعاتنا تمر بتحولات كبرى: عولمة جارفة، هويات بديلة، انقسامات طائفية، وأزمات تعليمية حادة. في هذا الفراغ، لا يعود الفن رفاهية، إنما ضرورة تربوية ومدنية. نحن بحاجة إلى فن يعلّم من غير وعظ، ويربي الحس من غير استعلاء، ويقترح نماذج للانتماء والمسؤولية من داخل المتعة ذاتها. القيمة حين تُلقى في خطبة قد تُنسى، لكنها حين تتجسد في شخصية درامية أو لحن شجي أو صورة مدهشة، تصبح أقرب إلى القلب وأبقى في الذاكرة.

في حقيقة الأمر، نحتاج إلى الفنون أكثر من غيرنا، لكن الإنفاق العام عليها في كثير من الدول العربية لا يزال محدوداً، وغالباً أقل من نظائره في عدد من الدول المتقدمة، بينما تُترك الساحة للابتذال والاستهلاك السريع. ومع ذلك، هناك بصيص أمل: معارض مثل «إثراء» في الظهران، وبينالي الشارقة، ومتحف اللوفر أبوظبي، أثبتت أن الجمهور العربي يتعطش للفن الرفيع حين يُقدم له باحترام. الحرفي التقليدي الذي كان مهمشاً يعاد اكتشافه اليوم، والفنان التشكيلي العربي يحجز مكانه في المتاحف العالمية. لكن هذا لا يكفي؛ نحتاج إلى سياسات ثقافية طموحة تدمج الفنون في المناهج، وتدعم المبدعين، وتجعل من التذوق الفني قيمة مجتمعية.

والآن، وبعد هذا كله، ما العمل؟ المسؤولية تقع على المبدع أن يحترم عقل متلقيه، وعلى المؤسسة أن تمول الثقافة لا أن تسلّعها، وعلى المثقف أن ينزل من برجه العاجي ويدخل إلى المنصات الرقمية بلا استعلاء. والسؤال الأهم هو سؤال القارئ نفسه، المواطن، المشاهد: متى كانت آخر مرة دفعت فيها ثمن تذكرة مسرح، أو اشتريت لوحة لفنان عربي، أو شجعت ابنك على دراسة الموسيقى أو أن يحفظ قصيدة أو يصمم فيديو؟

النهضة لا تصنعها الخطابات وحدها، بل الممارسات اليومية الصغيرة. والفن أولها. إذا أردنا مجتمعاً أكثر وعياً، وأشد تماسكاً، وأرقى ذائقة، فعلينا أن نصنع فناً يعكسنا ويعلّمنا ويقودنا. عندها فقط لن يكون الفن ترفاً، فالفن هو الدم الذي يجري في عروق الحضارة؛ وإذا جفّ هذا الدم، جفّت الحضارة نفسها. ولماذا نحن العرب بالتحديد؟ لأننا أمة توحدنا اللغة وتسكننا بيوت الشِعر ونسكنها.

يحسن بنا القول إن الفن ليس بديلاً عن الكتاب، بل هو طريق منه وإليه. حين يبكيك مشهد درامي، أو يهتز قلبك للحن، أو تجذبك لوحة، ينفتح باب واسع من المعرفة. نحن العرب، أمة «اقرأ»، نستحق أن نقرأ ونُقرأ بالكلمة وبالصورة وباللحن.

* كاتب سعودي


«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي
TT

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

على الرغم من وطأة الأزمة الصحية التي تلمّ بالباحثة نادية هناوي، فإن إرادتها في مجابهة المرض عبر بوابة الإبداع تظل الوقود الذي يغذي استمرارية عطائها النقدي. فلقد صدر لها حديثاً عن مؤسسة «أبجد» للتوزيع والنشر كتابان جديدان، واحد منهما في السرديات ما بعد الكلاسيكية هو «سرديات رواية التاريخ: التأريخ، الميتا - تاريخ، التاريخ النسوي»، والكتاب الآخر بعنوان «طوفان فلسطين». ويمثل الكتابان إضافة نوعية إلى مجمل ما ألفته الباحثة من كتب نقدية، وصل تعدادها إلى 42 كتاباً مطبوعاً.

يتألف الكتاب الأول «سرديات رواية التاريخ»، البالغة صفحاته أكثر من 350 صفحة، من تمهيد نظري تتلوه أربعة فصول، تدور حول مقتضيات هذا النوع الأدبي الفنية وتحديد اشتراطات المتنوعة من خلال مباحث عدة، بعض منها نظري صرف، وبعضها الآخر نظري إجرائي. وفيها تستكمل الباحثة هناوي جهودها النظرية التي كانت قد أسست لها قبل سنوات بكتابها «السرد القابض على التاريخ» 2018. وتركز فصول الكتاب الجديد على العلاقة الجدلية بين مفاهيم التاريخ - الواقع - التخييل بوصفها ثالوثاً إبداعياً ومعرفياً مترابطاً ترابطاً لا مجال فيه لفصل أحدها عن الآخر على أساس أن العلاقة بين الكتابة والتاريخ قديمة قدم الفلسفة، وعن ذلك تقول المؤلفة: «إن مبتدأ هذه العلاقة عند هيرودتس الذي ألف أول كتاب في التاريخ فكان الأب الشرعي له. وبالرغم من التطورات التي شهدتها البشرية على طول تاريخها؛ فإن تلك العلاقة ظلت قائمة بدعائم مهمة وأكيدة تجعل أي عملية لتوصيفها أو التعريف بها متجهة صوب التناظر الذي به يصبح تسريد التاريخ أو ترخنة السرد واحداً، فيمسي الروائي مؤرخاً والمؤرخ روائياً وبوعي فلسفي بالاثنين الإنسان والزمان».

وتدور أطروحة الكتاب حول مفهوم «رواية التاريخ» استناداً إلى فرضية أنه إذا كانت الرواية التاريخية توظف التاريخ بمعناه الكلاسيكي استعادةً وتوثيقاً وبطريقة يُجاري فيها السرد القصصي التاريخ الموثق الرسمي وغير الرسمي؛ فإن في «رواية التاريخ» نزعة ما بعد حداثية، معها يغدو التاريخ شكلاً سردياً، يشتغل فنياً على المراكز كأنساق يتم تقويضها وخلخلة أطرها بقصد توكيد الجانب الجمالي وتعرية مستورات التاريخ ومنغلقاته من دون انحياز إلى الشكل ولا تغلّيب للمحتوى.

وتتمحور أطروحة الكتاب الثاني «طوفان فلسطين»، كما واضح من العنوان، حول قضية فلسطين في مرحلتها الحالية والتحديات التي تواجهها هذه القضية على مختلف الصعد. والهدف هو وضع القراء أمام طبيعة تطورات معركة «طوفان الأقصى»، وما أسفرت عنه من مستجدات وتداعيات وأصداء على المستوى العربي ومستوى الرأي العام العالمي.

وجاء في الكتاب: «ما الملتجأ الذي إليه يفر العرب، وأمامهم الوحشية الإمبريالية والصهيونية، ومن ورائهم نار الأصولية؟ وإلى متى يظلون كائنات مسجونة في دواخلها وضائعة؟ ولماذا لا نستثمر الحرية الناعمة المتاحة لنا افتراضياً في امتلاك التفكير الحر والواعي؟ وهل يمكن لنا أن نتحرر من سباتنا مطوعين فكرنا ـ الذي شوشته دوائر الثقافة والإعلام المضادة عقوداً ليكون في خدمتنا، منتفضين على كل القيود التي كبلتنا وأرعبتنا حتى صرنا سجناء فيها بالوهم والتزييف وأسارى اليأس والخيبة؟ ومتى تعتلي شعوبنا العربية دفة حكم التاريخ؟ وأين الشجاعة والثبات والبطولة التي كانت عليها الأجيال السابقة لها؟ وما الذي ستدخره وتحفظه من خيبات وتنازلات للأجيال القادمة؟».


هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة