تحليل إخباري: غموض يلف تفاهم ماكرون ـ إردوغان حول «انسحاب القوات الأجنبية» من ليبيا

تحليل إخباري: غموض يلف تفاهم ماكرون ـ إردوغان حول «انسحاب القوات الأجنبية» من ليبيا

الرئيس الفرنسي تجنب الإشارة إلى القوات التركية الموجودة هناك
الأربعاء - 6 ذو القعدة 1442 هـ - 16 يونيو 2021 مـ رقم العدد [ 15541]
الرئيس ماكرون خلال مشاركته أول من أمس في قمة الناتو (أ.ب)

تبدو باريس مرتاحة للنتائج، التي توصل إليها الرئيس إيمانويل ماكرون خلال اجتماعه بنظيره التركي رجب طيب إردوغان، على هامش قمة الحلف الأطلسي أول من أمس في بروكسل بخصوص الملف الليبي. وتبين تصريحات ماكرون، عقب انتهاء القمة، وما تسرب من مصادر فرنسية وغير فرنسية، أن باريس وأنقرة توافقتا على مجموعة من النقاط، التي يمكن أن تشكل ما يمكن تسميته «خريطة طريق» لليبيا للأسابيع والأشهر المقبلة، انطلاقاً من رغبة الطرفين في التخلي عن المقاربات والسياسات السابقة، و«العمل معها» في ملف بالغ التعقيد.

وتكمن أهمية الاجتماع بالنسبة للجانبين، في أنه يأتي في سياق السعي العام المشترك للتقريب بين مواقف الطرفين في الملفات الخلافية؛ تمهيداً لاجتماعين رئيسيين: الأول اجتماع «برلين 2» حول ليبيا، حيث مصلحة الطرفين أن يعبرا إليه بعيداً عن التشنجات والتصريحات النارية. أما الاستحقاق الثاني فهو القمة الأوروبية يومي 24 و25 يونيو (حزيران) الحالي في بروكسل، حيث سيكون الملفان التركي والليبي على جدول مباحثات القادة الأوروبيين. وبناءً على ما تقدم، تعتبر المصادر المشار إليها أن إردوغان استبق الاستحقاقين، وتبنى مواقف «لينة» من شأنها الحد من الانتقادات الشديدة التي واجهت سياسته الليبية على المستوى الأوروبي، وخصوصاً الفرنسي، وهو ما يفسر «الإيجابيات» التي عكستها مواقفه العلنية الأخيرة، وأجواء لقاءاته في العاصمة البلجيكية.

ثمة ثلاثة مواضيع رئيسية تم التفاهم حولها بين إردوغان وماكرون: الأول يتناول تعزيز وقف إطلاق النار، الذي تم التوصل إليه في شهر أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي. والثاني التمسك بإجراء الانتخابات العامة في ليبيا نهاية ديسمبر (كانون الأول) المقبل، والذي ترى فيه باريس استحقاقاً رئيسياً لأنه سيوفر «شرعية جديدة لا خلاف بشأنها» للسلطات التي ستنبثق من نتائج الانتخابات. والثالث توفير الدعم للمجلس الرئاسي وللحكومة الليبيين، و«مواكبتهما» في الأسابيع والأشهر المقبلة.

بيد أن ملفاً رابعاً حظي بتفاهم «جزئي» بين الرئيسين، تناول تواجد القوات الأجنبية والمرتزقة على الأراضي الليبية. وقال ماكرون بخصوصه «سنعمل معاً في الصيف المقبل، وفي مرحلة أولى، على انسحاب المقاتلين الأجانب والمرتزقة في أسرع وقت... وهذا يعد تقدماً مهماً، وقد اتفقنا على العمل سوياً لإنجازه». لكن الرئيس الفرنسي لم يشر أبداً إلى القوات التركية الموجودة على الأراضي الليبية، والتي ترفض أنقرة انسحابها. معتبرة أنها موجودة في ليبيا بطلب من السلطات الليبية، بموجب الاتفاق الذي تم بين حكومة فائز السراج والسلطات التركية في خريف عام 2019. والحال أن باريس طالبت دوماً بخروج القوات الأجنبية من ليبيا، وليس فقط الميليشيات أو المرتزقة الأجانب، وجاءت آخر مطالبة على لسان ماكرون نفسه، بمناسبة المؤتمر الصحافي المشترك مع رئيس الحكومة الليبية عبد الحميد الدبيبة، حيث ذكر بالاسم «القوات التركية».

من هنا، تأتي أهمية إشارة ماكرون إلى «المرحلة الأولى» من الانسحابات، التي لن تطال القوات التركية الرسمية، التي أخرجت مؤقتاً مع الجهات التي عليها ترك الأراضي الليبية. وفي أي حال، ثمة اعتقاد راسخ في باريس بأن أروغان عازم على إبقاء قواته في ليبيا لأنها الضمانة الرئيسية للمحافظة على مصالح بلاده، والوقوف إلى جانب الفريق الذي يضمنها له.

وتجدر الإشارة إلى أن تركيز وزيرة الخارجية الليبية، نجلاء المنقوش، على ضرورة انسحاب القوات التركية أثار انقسامات واضحة في صفوف الحكومة، بين مناصر لبقائها ومصرّ على انسحابها. لكن، في أي حال، فإن قبول تركيا سحب الميليشيات والمرتزقة، الذين جاءت بهم إلى ليبيا، يعد مكسباً فرنسياً؛ لأن باريس كانت دائمة الخوف من أن يكون بين هؤلاء متطرفون إسلامويون قد يتسللون إلى أوروبا والأراضي الفرنسية للقيام بأعمال إرهابية. كما حذرت فرنسا مراراً من أن الوجود التركي في ليبيا من شأنه أن يسيء إلى استقرار شمال أفريقيا وبلدان الساحل.

ويرى الجانب الفرنسي، أن باب الحوار قد فتح مع تركيا. لكن باريس لا تعتبر أن التطور الذي وصفه ماكرون بـ«الإيجابي» يعني أن المشاكل مع أنقرة قد حلت؛ لأن هناك ملفات أخرى ليست أقل تعقيداً من الملف الليبي. وهذه الملفات متداخلة فيما بينها، مثل ملف الهجرات الذي تستخدمه تركيا وسيلة ضغط على الاتحاد الأوروبي، واتهامات باريس لأنقرة بأنها عازمة على التدخل في الشؤون الانتخابية الفرنسية عبر جاليتها المقيمة في فرنسا، ناهيك عن ملف النزاع في مياه المتوسط الشرقي، ووقوف باريس إلى جانب اليونان وقبرص بمواجهة تركيا.

من هنا، تكمن أهمية كلمة وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، الذي كرر مراراً أنه فيما يتعلق بتركيا فإن «ما يهم هو الأفعال وليس التصريحات».


تركيا فرنسا تركيا أخبار فرنسا

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة