حجي جابر: أردت في روايتي رؤية النسخة الحبشية من رامبو

الروائي الإريتري يقول إنه يريد إعادة كتابة قصته الأولى لأنها {تبدو قاصرة وهزيلة}

الروائي حجي جابر
الروائي حجي جابر
TT

حجي جابر: أردت في روايتي رؤية النسخة الحبشية من رامبو

الروائي حجي جابر
الروائي حجي جابر

يشكل التاريخ حجر الرؤية ومدارات السرد في تجربة الكاتب الروائي الإريتري حجي جابر، ويبدو ذلك جلياً في روايته «رامبو الحبشي»، وهي الخامسة له، والتي يتتبع فيها السنوات الأخيرة في حياة الشاعر الفرنسي آرتور رامبو، بمنطقة القرن الأفريقي التي استقر بها في ثمانينات القرن التاسع عشر.
حاز حجي بروايته الأولى «سمراويت» جائزة الشارقة للإبداع العربي، كما فازت روايته «رغوة سوداء» على جائزة كتارا للرواية العربية، وترجمت أعماله إلى لغات عدة، منها الإنجليزية، والإيطالية، والفرنسية، والكردية.
هنا حوار معه، حول تجربته ومسارات السرد الإريتري، ودوافع ولعه بالتاريخ:

> حدثنا عن تلك الشرارة أو الومضة الأولى التي تتبعت خيطها حتى كان عالم «رامبو الحبشي»؟
- لم يكن يخطر ببالي وأنا أقرأ كتاب آلان بورير «رامبو في الحبشة» أني سأعثر بين سطوره على فكرة روايتي المقبلة، حتى قابلتني جملة تحكي عن رفيقة الشاعر الفرنسي آرثر رامبو في الحبشة على لسان أحد أصحابه يقول فيها «وكانت لديه حبيبة حبشية أحسن معاملتها». أذكر أني طويت الكتاب ووضعته جانباً كي أتفرّغ للأسئلة التي تتقافز في رأسي؛ لماذا لم يذكر اسمها؟ ولِمَ إحسان معاملتها يستحق التنويه، أوليس هذا هو الطبيعي؟ ثم كيف حبيبة لرجل اشتهر بمثليته؟ هنا أدركت أني أمام قصة منزوية في الظل تنتظرني لأحملها إلى الضوء، وهو ما أتمنى أني استطعتُ فعله.
> رغم أن الرواية تحمل اسم «رامبو الحبشي» فإن السرد لا يجري على لسان آرتور رامبو، كان حضوره يتشكل عبر فعل التدوين وحيوات الآخرين، لما اتخذت هذا القرار وأنت تبني عالم الرواية؟
- كانت عيني دائماً على المساحة التي أستطيع التحرّك فيها بحرية خارج دائرة الوقائع المثبتة. لم أشأ أن أخدش التاريخ بحجة التخييل؛ لذا سعيت صوب المناطق الرخوة التي أستطيع إعادة تشكيلها دون أن يمسّ ذلك بسياق صلب. أردتُ رؤية النسخة الحبشية من رامبو، وذلك لم يكن ليتأتى بظني لو ملكته دفَّة السرد. كان الذهاب إلى هامش الحكاية ضمانة لخلق عين جديدة على الرجل، ومنه أيضاً. ثم كان لا بد لي من اختيار تقنية تلائم خطاب الرواية الذي يبغي إعادة الاعتبار للفتاة المهملة، لـ«ألماز» التي لم يستطع الرائي أن يراها وهي لصقه. كنتُ سأزيدها تهميشاً لو منحت رامبو الدور هذه المرة أيضاً، وهو لم يبرح مكانه عبر التاريخ ليقوم بدور البطولة!
> اخترت مقاطع من أشعار «رامبو» فواصل بين محطات السرد، هل كان من بين تحضيراتك للرواية قراءة وتأمل مشروع «رامبو» الشعري لانتقاء تلك المقاطع التي تتماهى مع سياقك السردي؟
- قرأت كل ما استطعتُ الوصول إليه من الكتب التي تتحدث عن رامبو عموماً، وليس فقط عن حياته خارج فرنسا. كان ذلك ضرورياً ليس ليساعدني في انتقاء ما سأكتبه، وإنما ليخبرني بما يتوجب علي تجاهله أو التحرك خلاله. إذ لم أشأ لكتابي أن يكون نسخة أخرى من كتب سابقة. أما عن لجوئي إلى تلك المقاطع الشعرية فقد كان بنية تبديد الغرابة في أن يتناول كاتب سيرة الرجل دون المرور على إرثه الشعري. هو عمل تعويضي ليس إلا كوني آثرت ألا تأتي الحكاية على هذا الجانب من حياة آرثر رامبو، ولا بأس أن تقوم عتبات الفصول بذلك.
> تصديرك لصوت بطلتك «ألماز» يحمل ثمة انتصار لحكايات الهامش المُتساقطة من متن التاريخ؟ هل تجد في التجوّل بين التاريخ والتاريخ الموازي والمُتخيل أحد مواطن الإلهام لمشروعك الأدبي؟
- هذا بالضبط ما أعتقده، هذه المساحة هي منطقة عامرة بالاحتمالات، وهذا أكثر ما يرفد الروائي بموضوعاته، خصوصاً في إريتريا ومنطقة القرن الأفريقي، حيث المشتركات فيما يخص الإرث التاريخي، ثم فترة الاستعمار والانتقال إلى الدولة الحديثة وما تواجهه من عقبات أوصل بعضها إلى حالة الفشل. وبظني أنّ المراوحة بين التاريخ والتاريخ الموازي تتيح الإضاءة على الحاضر بأكثر مما يفعل التناول المباشر له.
> جعلت من مجتمع «هرر» بخصوصيته التاريخية والدينية والاجتماعية والتجارية بطلاً في حد ذاته بالرواية، له صوته ومركزيته، حدثنا عن غواية هذا المكان والمجتمع كمسرح لعملك؟
- أشعر أنه كان من الواجب أن يقوم أحد ما بالانتباه لهذه المدينة روائياً، وكنتُ محظوظاً بما يكفي لأفعل هذا. أذكر أني ظللت وقتاً أسأل باستغراب كيف لم يحدث هذا من قبل! ذلك لأنه بظني يصعب على أي مشتغل بالسرد أن يُفوّت مكاناً بهذا الثراء إذا حدث وصادفه. المدينة تنوء بإرثها التاريخي وبحاضرها على السواء، بسورها الذي لا يكفّ يذكّرها بانعزالها وفوقيتها، وبإذلالها الكبير في الوقت نفسه، بإنسانها الذي تجاهل اللغة المحلية وشكّل خليطاً من اللغات ليجعلها لغته من فرط اعتداده بنفسه. وقعتُ في غرام هذه المدينة، وكتبتها بحبّ، لكنه إذا جاز لي القول، حبّ وحشي يلائم طباعها التي رأيت.
> «رامبو الحبشي» تعد أول عمل مُغاير لرواياتك السابقة. هل كان من بين دوافعك في الكتابة هنا خوض أراضٍ وسياقات أدبية جديدة؟
- هذا صحيح إلى حد ما. أنا مشغول على الدوام بأن يحمل كل كتاب لي شيئاً مختلفاً، التفتُ إلى الوراء كي أتأكد أني لا أكرر نفسي. لكن مع هذا، باعتقادي، أنّ ثمة خيطاً ينتظم مجموعة أعمالي، بما فيها رامبو الحبشي؛ ذلك أنّ المشروع الذي أعمل عليه لا تحدّده الجغرافيا فقط، بل أمور عدة إلى جوارها. ولعلك انتبهت إلى أنّ الرواية الأخيرة لم تخل من تلك الثيمات التي ظلّت تشغلني في الروايات السابقة. ما أود قوله إنني أستطيع كتابة رواية إريترية دون أن تكون الأحداث تجري في إريتريا، طالما أنّ شيئاً في بنيتها الداخلية يُخبر عن ذلك.
> فكرة التهميش أو الحدود التي ترسمها الجغرافيا والسياسة أثرتها عبر عالم «هرر» بالرواية، ولكن تلك الفكرة أصيلة ولها أصداءها الذائعة في أعمالك السابقة. أليس كذلك؟
- نعم، هذا صحيح، وباعتقادي أن أي كاتب سيجد نفسه يدور في هواجس بعينها، سواء أكان واعياً بذلك أم لا. ثمة انشغالات هي الأعلى لدي وأجدها تتسرّب إلى كتابتي مهما كان الموضوع الذي أتناوله. قد يكون ذلك من تأثير الشتات الذي عشته رفقة عائلتي، والحياة معظم عمري في بلاد الآخرين، وهي حياة لها شروطها النفسية القاسية بحيث تبقيني دائماً على حواف الأشياء مهما سعيت لأكون في متنها.
> خرجت من «مُصوّع» مبكراً جداً... صف لنا هذا الحضور المُقيم الذي تُجدده تلك المدينة «المهد» بظهورها في أعمالك؟
- دائماً ما كانت مصوّع في وجداني، ذلك المكان الوحيد الذي أملكه في مقابل كل الأماكن التي لم أستطع الانتماء لها. لم أعش في مصوع ولا أعرفها حقاً، لكن يكفيني منها الشعور أنها المكان الذي سيقبل احتضاني آخر المطاف. دعيني أخبرك بأمر قد يبدو غريباً؛ فأنا أشعر بامتنان نحو مصوّع لأنها كانت مسقط رأسي. ماذا لو أني وُلدت في أحد الأماكن التي أمعنت في نبذي؟ ستكون تلك قسوة فوق احتمالي. لذا؛ دائماً ما أذكّر نفسي إزاء كل خيبة في مكان جديد، بأنني على الأقل أملك مصوّع، وهذا قد يكون كافياً! لذا؛ فمشروعي المؤجل على الدوام والذي أتهيّبه أيضاً هو الكتابة عن تلك المدينة الحاضرة عبر غيابها. أريد أن أقول لها شكراً لأنها خففت عني الكثير ولا تزال.
> الهجرة، النجاة، الوطن، الذكرى «ثيمات» يتكرر صداها في مشروعك الأدبي، لكنك تنزع في كل مرة لتجريب تقنيات حكي مُغايرة، هل تعتبر ألعاب السرد واشتغالاته طوق نجاة من الوقوع في فخ التكرار، خاصة أن معظم أعمالك تدور في الفلك الإريتري؟
- ليست التقنيات وحدها، بل الروح الداخلية والهواجس. مدّدت الأرضية الإريترية لتكون حيث يعيش الإريتري ويعاني ويموت. وإذا انتبهنا أننا شعب مُوزع على المنافي ستبدو مهمتي أكثر يسراً. الحقيقة أني لا أتفادى التكرار وحسب، بل أسعى لتعويض غيابي عن إريتريا ونقص الشعور والمعلومة بتراب الأرض وناسها. لا أستطيع العودة إلى إريتريا بسبب ما أكتبه، لكنّ ما أكتبه يتطلّب وجودي هناك. وهذا التنويع على مستوى الثيمات والتقنيات والجغرافيا والهواجس ليس إلا احتيالاً على المسافة القاهرة التي تفصلني عن إريتريا.
> هل حقاً فكرت في إعادة كتابة روايتك الأولى «سمراويت» من جديد؟
- نعم، أنوي فعلاً إعادة كتابة روايتي الأولى؛ لأنها وأسوة بكل عمل أول تبدو قاصرة وهزيلة. هناك من أحبها وأريد ككاتب لها أن أصبح مثله، أحبها أفضلها وأقترحها على القراء، وهذه أمور لا أستطيع فعلها بوضعها الحالي. سأحاول الإبقاء على روحها وقصتها الأساس، مع عمل بعض التعديلات الضرورية.
> في إهداءات وسطور رواياتك نرى أطياف الجدة والأب... ماذا تركت عائلة حجي جابر في ذاكرتك ومعينك الأدبي؟
- فقدت الكثير بوفاة والدي وجدتي لأبي. مات أبي والكثير من الأمنيات لم تتحقق. ترك بلاده وهو يظنّ أنه سيعود قريباً، لكن تلك العودة المأمولة لم تحدث أبداً فمات في بلاد غريبة. الأمر يُشبه أن يموت الواحد في الطريق، وهو ينتظر، لا هو الذي وصل ولا الذي لم ينو التحرّك بالأساس. والدي كان صاخباً في مصوّع، لكنه انزوى وخمد حين غادرها. أما جدتي فكانت غاضبة بطريقتها. غاضبة من الحرب ومن الشتات. ظلّت طوال الوقت ترفض التواؤم مع الغربة وتستدعي البلاد، والبلاد لم تكن سوى إريتريا. لم تُخطئ مرة وتُطلق هذا الاسم على غيرها. يحضران في أعمالي دائماً لأنهما لم يغادراني أصلاً!



أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».