حجي جابر: أردت في روايتي رؤية النسخة الحبشية من رامبو

الروائي الإريتري يقول إنه يريد إعادة كتابة قصته الأولى لأنها {تبدو قاصرة وهزيلة}

الروائي حجي جابر
الروائي حجي جابر
TT

حجي جابر: أردت في روايتي رؤية النسخة الحبشية من رامبو

الروائي حجي جابر
الروائي حجي جابر

يشكل التاريخ حجر الرؤية ومدارات السرد في تجربة الكاتب الروائي الإريتري حجي جابر، ويبدو ذلك جلياً في روايته «رامبو الحبشي»، وهي الخامسة له، والتي يتتبع فيها السنوات الأخيرة في حياة الشاعر الفرنسي آرتور رامبو، بمنطقة القرن الأفريقي التي استقر بها في ثمانينات القرن التاسع عشر.
حاز حجي بروايته الأولى «سمراويت» جائزة الشارقة للإبداع العربي، كما فازت روايته «رغوة سوداء» على جائزة كتارا للرواية العربية، وترجمت أعماله إلى لغات عدة، منها الإنجليزية، والإيطالية، والفرنسية، والكردية.
هنا حوار معه، حول تجربته ومسارات السرد الإريتري، ودوافع ولعه بالتاريخ:

> حدثنا عن تلك الشرارة أو الومضة الأولى التي تتبعت خيطها حتى كان عالم «رامبو الحبشي»؟
- لم يكن يخطر ببالي وأنا أقرأ كتاب آلان بورير «رامبو في الحبشة» أني سأعثر بين سطوره على فكرة روايتي المقبلة، حتى قابلتني جملة تحكي عن رفيقة الشاعر الفرنسي آرثر رامبو في الحبشة على لسان أحد أصحابه يقول فيها «وكانت لديه حبيبة حبشية أحسن معاملتها». أذكر أني طويت الكتاب ووضعته جانباً كي أتفرّغ للأسئلة التي تتقافز في رأسي؛ لماذا لم يذكر اسمها؟ ولِمَ إحسان معاملتها يستحق التنويه، أوليس هذا هو الطبيعي؟ ثم كيف حبيبة لرجل اشتهر بمثليته؟ هنا أدركت أني أمام قصة منزوية في الظل تنتظرني لأحملها إلى الضوء، وهو ما أتمنى أني استطعتُ فعله.
> رغم أن الرواية تحمل اسم «رامبو الحبشي» فإن السرد لا يجري على لسان آرتور رامبو، كان حضوره يتشكل عبر فعل التدوين وحيوات الآخرين، لما اتخذت هذا القرار وأنت تبني عالم الرواية؟
- كانت عيني دائماً على المساحة التي أستطيع التحرّك فيها بحرية خارج دائرة الوقائع المثبتة. لم أشأ أن أخدش التاريخ بحجة التخييل؛ لذا سعيت صوب المناطق الرخوة التي أستطيع إعادة تشكيلها دون أن يمسّ ذلك بسياق صلب. أردتُ رؤية النسخة الحبشية من رامبو، وذلك لم يكن ليتأتى بظني لو ملكته دفَّة السرد. كان الذهاب إلى هامش الحكاية ضمانة لخلق عين جديدة على الرجل، ومنه أيضاً. ثم كان لا بد لي من اختيار تقنية تلائم خطاب الرواية الذي يبغي إعادة الاعتبار للفتاة المهملة، لـ«ألماز» التي لم يستطع الرائي أن يراها وهي لصقه. كنتُ سأزيدها تهميشاً لو منحت رامبو الدور هذه المرة أيضاً، وهو لم يبرح مكانه عبر التاريخ ليقوم بدور البطولة!
> اخترت مقاطع من أشعار «رامبو» فواصل بين محطات السرد، هل كان من بين تحضيراتك للرواية قراءة وتأمل مشروع «رامبو» الشعري لانتقاء تلك المقاطع التي تتماهى مع سياقك السردي؟
- قرأت كل ما استطعتُ الوصول إليه من الكتب التي تتحدث عن رامبو عموماً، وليس فقط عن حياته خارج فرنسا. كان ذلك ضرورياً ليس ليساعدني في انتقاء ما سأكتبه، وإنما ليخبرني بما يتوجب علي تجاهله أو التحرك خلاله. إذ لم أشأ لكتابي أن يكون نسخة أخرى من كتب سابقة. أما عن لجوئي إلى تلك المقاطع الشعرية فقد كان بنية تبديد الغرابة في أن يتناول كاتب سيرة الرجل دون المرور على إرثه الشعري. هو عمل تعويضي ليس إلا كوني آثرت ألا تأتي الحكاية على هذا الجانب من حياة آرثر رامبو، ولا بأس أن تقوم عتبات الفصول بذلك.
> تصديرك لصوت بطلتك «ألماز» يحمل ثمة انتصار لحكايات الهامش المُتساقطة من متن التاريخ؟ هل تجد في التجوّل بين التاريخ والتاريخ الموازي والمُتخيل أحد مواطن الإلهام لمشروعك الأدبي؟
- هذا بالضبط ما أعتقده، هذه المساحة هي منطقة عامرة بالاحتمالات، وهذا أكثر ما يرفد الروائي بموضوعاته، خصوصاً في إريتريا ومنطقة القرن الأفريقي، حيث المشتركات فيما يخص الإرث التاريخي، ثم فترة الاستعمار والانتقال إلى الدولة الحديثة وما تواجهه من عقبات أوصل بعضها إلى حالة الفشل. وبظني أنّ المراوحة بين التاريخ والتاريخ الموازي تتيح الإضاءة على الحاضر بأكثر مما يفعل التناول المباشر له.
> جعلت من مجتمع «هرر» بخصوصيته التاريخية والدينية والاجتماعية والتجارية بطلاً في حد ذاته بالرواية، له صوته ومركزيته، حدثنا عن غواية هذا المكان والمجتمع كمسرح لعملك؟
- أشعر أنه كان من الواجب أن يقوم أحد ما بالانتباه لهذه المدينة روائياً، وكنتُ محظوظاً بما يكفي لأفعل هذا. أذكر أني ظللت وقتاً أسأل باستغراب كيف لم يحدث هذا من قبل! ذلك لأنه بظني يصعب على أي مشتغل بالسرد أن يُفوّت مكاناً بهذا الثراء إذا حدث وصادفه. المدينة تنوء بإرثها التاريخي وبحاضرها على السواء، بسورها الذي لا يكفّ يذكّرها بانعزالها وفوقيتها، وبإذلالها الكبير في الوقت نفسه، بإنسانها الذي تجاهل اللغة المحلية وشكّل خليطاً من اللغات ليجعلها لغته من فرط اعتداده بنفسه. وقعتُ في غرام هذه المدينة، وكتبتها بحبّ، لكنه إذا جاز لي القول، حبّ وحشي يلائم طباعها التي رأيت.
> «رامبو الحبشي» تعد أول عمل مُغاير لرواياتك السابقة. هل كان من بين دوافعك في الكتابة هنا خوض أراضٍ وسياقات أدبية جديدة؟
- هذا صحيح إلى حد ما. أنا مشغول على الدوام بأن يحمل كل كتاب لي شيئاً مختلفاً، التفتُ إلى الوراء كي أتأكد أني لا أكرر نفسي. لكن مع هذا، باعتقادي، أنّ ثمة خيطاً ينتظم مجموعة أعمالي، بما فيها رامبو الحبشي؛ ذلك أنّ المشروع الذي أعمل عليه لا تحدّده الجغرافيا فقط، بل أمور عدة إلى جوارها. ولعلك انتبهت إلى أنّ الرواية الأخيرة لم تخل من تلك الثيمات التي ظلّت تشغلني في الروايات السابقة. ما أود قوله إنني أستطيع كتابة رواية إريترية دون أن تكون الأحداث تجري في إريتريا، طالما أنّ شيئاً في بنيتها الداخلية يُخبر عن ذلك.
> فكرة التهميش أو الحدود التي ترسمها الجغرافيا والسياسة أثرتها عبر عالم «هرر» بالرواية، ولكن تلك الفكرة أصيلة ولها أصداءها الذائعة في أعمالك السابقة. أليس كذلك؟
- نعم، هذا صحيح، وباعتقادي أن أي كاتب سيجد نفسه يدور في هواجس بعينها، سواء أكان واعياً بذلك أم لا. ثمة انشغالات هي الأعلى لدي وأجدها تتسرّب إلى كتابتي مهما كان الموضوع الذي أتناوله. قد يكون ذلك من تأثير الشتات الذي عشته رفقة عائلتي، والحياة معظم عمري في بلاد الآخرين، وهي حياة لها شروطها النفسية القاسية بحيث تبقيني دائماً على حواف الأشياء مهما سعيت لأكون في متنها.
> خرجت من «مُصوّع» مبكراً جداً... صف لنا هذا الحضور المُقيم الذي تُجدده تلك المدينة «المهد» بظهورها في أعمالك؟
- دائماً ما كانت مصوّع في وجداني، ذلك المكان الوحيد الذي أملكه في مقابل كل الأماكن التي لم أستطع الانتماء لها. لم أعش في مصوع ولا أعرفها حقاً، لكن يكفيني منها الشعور أنها المكان الذي سيقبل احتضاني آخر المطاف. دعيني أخبرك بأمر قد يبدو غريباً؛ فأنا أشعر بامتنان نحو مصوّع لأنها كانت مسقط رأسي. ماذا لو أني وُلدت في أحد الأماكن التي أمعنت في نبذي؟ ستكون تلك قسوة فوق احتمالي. لذا؛ دائماً ما أذكّر نفسي إزاء كل خيبة في مكان جديد، بأنني على الأقل أملك مصوّع، وهذا قد يكون كافياً! لذا؛ فمشروعي المؤجل على الدوام والذي أتهيّبه أيضاً هو الكتابة عن تلك المدينة الحاضرة عبر غيابها. أريد أن أقول لها شكراً لأنها خففت عني الكثير ولا تزال.
> الهجرة، النجاة، الوطن، الذكرى «ثيمات» يتكرر صداها في مشروعك الأدبي، لكنك تنزع في كل مرة لتجريب تقنيات حكي مُغايرة، هل تعتبر ألعاب السرد واشتغالاته طوق نجاة من الوقوع في فخ التكرار، خاصة أن معظم أعمالك تدور في الفلك الإريتري؟
- ليست التقنيات وحدها، بل الروح الداخلية والهواجس. مدّدت الأرضية الإريترية لتكون حيث يعيش الإريتري ويعاني ويموت. وإذا انتبهنا أننا شعب مُوزع على المنافي ستبدو مهمتي أكثر يسراً. الحقيقة أني لا أتفادى التكرار وحسب، بل أسعى لتعويض غيابي عن إريتريا ونقص الشعور والمعلومة بتراب الأرض وناسها. لا أستطيع العودة إلى إريتريا بسبب ما أكتبه، لكنّ ما أكتبه يتطلّب وجودي هناك. وهذا التنويع على مستوى الثيمات والتقنيات والجغرافيا والهواجس ليس إلا احتيالاً على المسافة القاهرة التي تفصلني عن إريتريا.
> هل حقاً فكرت في إعادة كتابة روايتك الأولى «سمراويت» من جديد؟
- نعم، أنوي فعلاً إعادة كتابة روايتي الأولى؛ لأنها وأسوة بكل عمل أول تبدو قاصرة وهزيلة. هناك من أحبها وأريد ككاتب لها أن أصبح مثله، أحبها أفضلها وأقترحها على القراء، وهذه أمور لا أستطيع فعلها بوضعها الحالي. سأحاول الإبقاء على روحها وقصتها الأساس، مع عمل بعض التعديلات الضرورية.
> في إهداءات وسطور رواياتك نرى أطياف الجدة والأب... ماذا تركت عائلة حجي جابر في ذاكرتك ومعينك الأدبي؟
- فقدت الكثير بوفاة والدي وجدتي لأبي. مات أبي والكثير من الأمنيات لم تتحقق. ترك بلاده وهو يظنّ أنه سيعود قريباً، لكن تلك العودة المأمولة لم تحدث أبداً فمات في بلاد غريبة. الأمر يُشبه أن يموت الواحد في الطريق، وهو ينتظر، لا هو الذي وصل ولا الذي لم ينو التحرّك بالأساس. والدي كان صاخباً في مصوّع، لكنه انزوى وخمد حين غادرها. أما جدتي فكانت غاضبة بطريقتها. غاضبة من الحرب ومن الشتات. ظلّت طوال الوقت ترفض التواؤم مع الغربة وتستدعي البلاد، والبلاد لم تكن سوى إريتريا. لم تُخطئ مرة وتُطلق هذا الاسم على غيرها. يحضران في أعمالي دائماً لأنهما لم يغادراني أصلاً!



حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل
TT

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

رغم أن جذورها تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، فإن دمية العروس في مصر تحمل في نسختها الشعبية العديدَ من الأشكال والمفارقات، تتنوع ما بين دلالات وطقوس وحكايات تدعو للتأمل.

هذا ما تؤكده الفنانة التشكيلية والباحثة سماء يحيى في كتابها «العروسة في الفن والحياة»، الصادر أخيراً عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» ضمن سلسلة «آفاق الفن التشكيلي»، لافتة إلى أن الدُمى كانت توضع في حقب زمنية سابقة في قبور الأطفال الصغار، وكأنها تبعد عنهم الوحشة، وهو ما يعكس قوة حضورها في الثقافة الشعبية.

تشير المؤلفة إلى أن «العروسة» هي تشكيل نحتي يُصنع على هيئة إنسان أو حيوان بحجم صغير وخامات مختلفة لأغراض اللعب أو لأغراض تزينيية وطقسية وفنية، وتعد واحدة من أقدم التشكيلات النحتية التي صنعها الإنسان، ويعود تاريخها في رأي بعض الباحثين إلى ما قبل ظهور الحضارة.

ومن الواضح أن افتتان الإنسان الأول بالجسد وخيالاته الأولى في التجسيد جعله يحاول تقريب صور الطبيعة لكي تشبه شكله وأشكال مخلوقات أخرى مألوفة لديه ليخلق في مخيلته اعتقاداً بأنه يستطيع أن يقترب منها أو يقوم بطقس ليتقي شرها، فكانت هناك عرائس لموسم الحصاد في بداية عصر الزراعة والأمطار وأخرى لجلب الرزق والصيد في المجتمعات الرعوية، كذلك عرائس منحوتة كتمائم وآلهة صُنعت من القش والعظم وعرائس لأغراض الخصوبة والإنجاب.

نجد أيضاً أن الإنسان الأول صنع تشكيلات من خامات البيئة المحلية مثل الطين والبوص والأخشاب في محاولة لتجسيد الآباء الراحلين الأعزاء على نحو يجعله قادراً على أن يتواصل معهم ويحدثهم بما يجول في خاطره. حتى في الطقوس السحرية والإيذاء، كانت صناعة دمية على شكل العدو أمراً شائعاً في عصور ما قبل التاريخ، حيث تخلق الدمى نوعاً من التواصل الحسي والحركي مع البيئة وتفتح المجال للخيال ونمو العقل لدى الأطفال، فالظروف البيئية في العصر الحجري على سبيل المثال كانت من العوامل المهمة التي قامت حولها طائفة من العقائد والطقوس القديمة.

حرف وصناعات

تلفت سماء إلى أنه ترتب على ذلك قيام مجموعة من الحرف والصناعات والفنون لنجد أن الطقوس الدينية أو السحرية اتخذت من تلك الحرف وسيلة لحفظ هذا التراث الإنساني من الضياع، بل ربما كانت ضماناً لارتقاء تلك الحرف والصناعات.

عُثر على العديد من نماذج الدمى في العصور الأولى المبكرة للحضارة المصرية القديمة، لا سيما في كل من «نقادة» و«البداري»، كما وُجدت بأحجام وخامات وأشكال منوعة في سيبيريا ووسط آسيا والبلطيق، وابتُكرت في أشكال مختلفة بملابس أو من دون، وألبست حلياً تشبه تلك التي يستخدمها أهل المنطقة ولُوّنت في بعض الأحيان مثل الدمى السومرية الملونة، كما وُجدت منها نماذج فرعونية مكسوة بالذهب والمطعمة بالملابس.

ومع هذا التاريخ العظيم الثري من استخدام العرائس والدمى في التعبير الفني والثقافي والمجتمعي في مصر، فإن المؤلفة تلاحظ أن النظر إلى «العروسة» كعنصر مهم من الممكن الاستفادة منه في الفن التشكيلي المصري الحديث بكل مجالاته، وهذا لم يلق العناية الكافية من الفنانين التشكيليين المصريين المعاصرين.

وبينما اقتصرت أغلبية الأعمال التشكيلية المعاصرة في مصر على «تيمة عروس المولد» في أعمال نحتية وتصويرية، لم يهتم إلا قليلون باستخدام مفاهيم وتشكيلات أخرى لدمى مصرية لها خصوصية متفردة واستلهامها في تطوير أساليب وأعمال فنية ذات فرادة، وفي الوقت نفسه يقبل على مشاهدتها الجمهور العادي لأنها ليست غريبة على ثقافته وذائقته، وإن كان هذا لا ينفي قيام بعض التشكيليين بمحاولات رائدة في هذا السياق مثل جمال السجيني، وعبد الغني الشال، وممدوح عمار، ومصطفى الرزاز، وفرغلي عبد الحفيظ، ورمزي مصطفى، وعصمت داوستاشي، وحلمي التوني.

أشهر النماذج

تعد «دمية فرن الخبز» أشهر عروس في منازل المصريين الذين كانوا حتى وقت قريب يصنعون الخبز في منازلهم، من وجه بحري حتى أقاصي الصعيد، وهى تُصنع من قطعة صغيرة من العجين، وتخلطها الأمهات والجدات بالسمن وبعض السكر، ثم يشكلها الأطفال على هيئة دمى بدائية قريبة الشبه جداً بتلك التي شُكلّت في عصور فرعونية قديمة تعود إلى ما قبل الأسرات.

تخرج «عروسة الخبيز» وقد نضجت بنار الفرن فيفرح بها الصغار ويلهون بها قبل أن يأكلوها في طقس بسيط يحمل معاني البهجة والاحتفال، وربما كان متوارثاً من أعياد ومناسبات سحيقة لا يُعرف عنها شيء الآن.

أما ثاني الدمى المهمة في الحياة الاجتماعية المصرية فهي «عروس القمح»، أو باللهجة الشعبية «عروس الغلة»، التي تُصنع من سنابل القمح الخضراء المضفرة في تركيبة تشبه علامة «العنخ» أو «مفتاح الحياة» المصري القديم، التي تعلّق على أبواب المنازل وفوق النوافذ للاحتفال وجلباً للخير.

وكانت الدمية تُقدم ومعها وعاء من القمح كقربان للإلهة «رنتوتت» في مصر القديمة كنوع من الشكر لها على بركة الحصاد، وهى الآن تُصنّع وتباع في أعياد «شم النسيم» ويطلق عليها «مشط الفريك» وتعلق على الشرفات والعتبات.

وتذكر سماء أنه من أشهر الدمى الشعبية في هذا السياق «خيال المآتة» وهي تشكيل يوضع في الحقول الزراعية لتخويف الطيور يتكون من خشبتين متصالبتين، ويصنع لهما رأس من القماش أو يلبس قبعة من القش، وقديماً كان يُصنع لها رأس مخيف من الطين ويطلق عليه لقب «أبو خف».

أيضاً توجد دمية الحسد الورقية الشهيرة التي تُقص من ورقة على شكل إنساني، ثم تخرم بالإبرة الغشيمة التي ليس لها عين ثقباً باسم كل من تحوم حوله الشكوك في أنه حاسد أو يحمل شراً، ثم تُحرق في موقد صغير مع بخور الحسد ولبان وشبّة، ثم يخطو المحسود فوق الموقد سبع مرات ويقال إنه تظهر في رماد الدمية وجوه الحساد.

وهناك كذلك «عروسة الخماسين» المصنوعة من القش وورق الشجر، التي يصنعها الأطفال أيام رياح الخماسين في أرياف الدلتا ويُلبسونها جلباباً قديماً مثل «خيال المآتة»، ثم يزفونها ليلاً على عرصة فرن حديدية بمركب في النهر، ومع مطلع الفجر يأخذونها للشاطئ ويشعلون فيها النار ثم يقفزون في الماء وهم يغنون: «عروسة الخماسين... سنة بيضة على الفلاحين».


الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري
TT

الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري

صدر عن دار «العين» للنشر في القاهرة كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» للدكتورة نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة، والحاصلة على جائزة الدولة التقديرية العام الماضي. ويسعى الكتاب لمقاربة صورة الشخصية القبطية على مدار عقود طويلة، ولدى أجيال مختلفة من الأدباء، ويتَّخذ من ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 مرحلةً مفصليةً في تحولات تمثيل هذه الشخصية في الأعمال الروائية.

يبدأ الكتاب بمقدِّمة مقتضبة كتبها الروائي المصري نعيم صبري، ثم مقدمة المؤلفة التي تشرح فيها تاريخ اهتمامها بالموضوع، بدءاً من دراسة مطولة نشرتها في إحدى المجلات في عام 1999، ثم عودتها مؤخراً لهذه الدراسة وتحويلها إلى كتاب، ومحاولتها رصد وتحليل معظم الأعمال الروائية التي تقدم الشخصية القبطية عقب 2011، وما حدث في تقديمها من اختلاف بين روايات القرن الماضي وروايات ما بعد الثورة.

يتكوَّن الكتاب من 3 فصول رئيسية، الأول نظري بعنوان «الشخصية القبطية بين تاريخين»، تشير فيه إلى أنَّ هناك اهتماماً كبيراً منذ يناير 2011 بالكتابة عن الأقباط، وأن أبرز أهداف هذا الاهتمام هو محاولة النفاذ إلى داخل المجتمع القبطي، وجعل الأقباط يعبِّرون عن أنفسهم، بدلاً من الكتابة عنهم وعن مجتمعهم من خارجهم. وكذلك إعادة قراءة تاريخ بعض الشخصيات القبطية الأكثر خلافية، فضلاً عن توثيق وإضاءة المساحات غير المعروفة في حياة الأقباط.

الفصل الثاني بعنوان «الشخصية القبطية في الأدب المصري قبل ثورة يناير 2011»، وتتوقَّف فيه عند عدد كبير من الروايات، ومنها روايات لنجيب محفوظ ويحيى حقي، ويوسف إدريس، وإدوار الخراط، وإبراهيم عبد المجيد، وبهاء طاهر، وسلوى بكر، ونعيم صبري، ونبيل نعوم، وغيرهم. وتخلص من خلال دراسات هذه الروايات إلى 17 نقطة تلخص خصائص تقديم الشخصية، ومنها خلو تلك الأعمال من خصائص شكلية ينفرد بها الأقباط، كما تخلو من صفات ذاتية تلازمهم، كما كانت الشخصية القبطية تتخلل مختلف أنحاء الوطن وسائر الأعمال والمهن، كما تتخلل رقائق النسيج الاجتماعي المصري في الواقع، وتتضافر مع خيوطه في جديلة واحدة.

النقطة الأخيرة، ضمن النقاط الـ17، تتصل بالبُعدَين الوطني والقومي للشخصية القبطية، وموقف الأقباط من العروبة. وتشير المؤلفة إلى أنَّ «الأقباط ليست لهم مشكلة مع العروبة، بل يجدون أنفسهم في إطارها، ولا يحسنون التعبير عن ذواتهم إلا بلسانها». وتشير إلى مواقف الأقباط الواضحة «من القضايا القومية عموماً، ومن القضية القومية المركزية، أو الصراع العربي - الإسرائيلي خصوصاً، وكيف تفاعلت الشخصيات القبطية بكل عمق مع تطورات هذا الصراع».

الفصل الثالث «الشخصية القبطية في الأدب المصري بعد ثورة 2011»، قراءة في 28 رواية قدَّمت هذه الشخصية عقب الثورة. وتُخصِّص الكاتبة مقالاً منفرداً عن كل رواية، وتخلص من هذه القراءات إلى ظهور نزعة واضحة للتمرُّد على السلطة الأبوية للكنيسة بعد الثورة، رغم أنَّ نوازع هذا التمرد على السلطة البطريركية كانت موجودة قبل هذا التاريخ، لكن الفرق في المساحة التي أخذت تتمدَّد فيها روح التمرُّد بعد الثورة.


هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
TT

هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس

ليس مؤلماً في موت الفلاسفة أن أجسادهم ترحل؛ بل أن أفكارهم تُستدعى في لحظة الوداع لتُحاكم على ضوء العالم الذي خلَّفوه وراءهم. هكذا يغادر عالمنا يورغن هابرماس، آخر حرّاس الحداثة الكبار، في وقت يبدو فيه العقل الذي دافع عنه طويلاً عاجزاً عن تسمية المذبحة في غزة، والحوار الذي بشّر به ضيقاً عن احتواء صراخ الضحايا. فماذا يبقى من «العقلانية التواصلية» حين تتكلم القنابل، ويختار المفكّر أن يختار ذاكرة أوروبا على كونية الإنسان؟

مات الفيلسوف الألماني في اللحظة التي كان فيها إرثه أحوج ما يكون إلى محكمة، لا إلى تأبين. فالرجل الذي أمضى عمره يدافع عن المجال العام، وعن حق البشر في بلوغ الحقيقة عبر الحوار الحر، انتهى في لحظة غزة إلى لغة تضيق بالحقيقة، وتضع للضحايا سقفاً أخلاقياً لا يجوز لهم تجاوزه. لذلك يأتي رحيله بوصفه لحظة كاشفة لمصير تقليد فلسفي كامل: تقليدٍ أراد إنقاذ الحداثة، ثم وجد نفسه عاجزاً عن إنقاذ إنسانها المستعمَر من العمى الأوروبي القديم.

توفي هابرماس -حسبما أعلن ناشره- السبت الماضي، 14 مارس (آذار) 2026، مخلِّفاً وراءه إرثاً فكرياً ضخماً هيمن على الساحة الفلسفية والاجتماعية الغربيّة أكثر من ستة عقود، أهّله ليكون الوريث الأبرز لمدرسة فرانكفورت النقدية، والشخصية التي حاولت ترميم مشروع التنوير الأوروبي، وإعادة الثقة في العقلانية بعد الفظائع التي شهدها القرن العشرين.

وُلد عام 1929 في مدينة دوسلدورف، وعاش طفولته في ظل صعود النازية، وهي التجربة التي شكّلت وعيه السياسي المبكر. وقد عانى من تشوه خلقي في الحنك (الشفة الأرنبية)، ما سبب له صعوبات في النطق، ربطها متابعوه باهتمامه العميق لاحقاً بمفهوم «التواصل» واللغة. تلقى تعليمه في جامعات بون وغوتينغن وزيوريخ، وعمل مساعداً للفيلسوف تيودور أدورنو في معهد البحوث الاجتماعية بفرانكفورت.

تمثل أعمال هابرماس -وخصوصاً «نظرية الفعل التواصلي» و«التحول البنيوي للمجال العام»- محاولات جادة لصياغة ديمقراطية تقوم على مبدأ الحوار الحر، فطرح فكرة أن المجتمعات الحديثة تعاني من «استعمار العالم المعيش» أي تغلغل منطق الربح المادي والآليات الإدارية الجافة إلى تفاصيل حياتنا اليومية وقيمنا الأخلاقية؛ فيتم تنحية «الحوار»، وإبراز «المال» و«السلطة» كوسائل وحيدة للتنظيم. وبدلاً من أن يتفاهم البشر حول غاياتهم المشتركة، تُحيلهم البيروقراطية إلى مجرد «زبائن»، وتُحوّلهم الرأسمالية إلى «مستهلكين»، ما يؤدي إلى تآكل الروابط الاجتماعية وفقدان المعنى. ونظّر بأن الخلاص يكمن في استعادة الإنسان لقدرته على التفاهم العقلاني، وبناء سد منيع من «الديمقراطية التداولية» يحمي المساحات الإنسانية من طغيان الأنظمة البيروقراطية والرأسمالية.

ارتبط اسمه بالماركسية منذ بداياته في مدرسة فرانكفورت، ولكنه قدم قراءة نقدية وتعديلية واسعة للماركسية التقليدية. فبينما ركّز ماركس على «العمل» و«قوى الإنتاج» كمحرك للتاريخ، رأى هابرماس أن ذلك يغفل جانباً حيوياً هو «التفاعل اللغوي» أو «التواصل»، وزعم أن التحرر الإنساني لا يتحقق فقط عبر تغيير علاقات الملكية أو السيطرة على الطبيعة؛ بل عبر تحرير اللغة من الزيف والإكراه. وقد خلص إلى أن «دولة الرفاهية» في الغرب استطاعت امتصاص حدة الصراع الطبقي الماركسي التقليدي، ما يوجب نقل المعركة إلى «المجال العام» لضمان شرعية ديمقراطية حقيقية. في هذا السياق، كان يسمي نفسه «ماركسياً» من حيث الالتزام بالتحرر ونقد الرأسمالية المتأخرة، ولكنه يرفض الحتمية الاقتصادية، ويفضل عليها ما أطلق عليها وصف «العقلانية التواصلية».

تمحورت فلسفته حول مفهوم «العقلانية التواصلية» هذا، مفرقاً بين نوعين من العقلانية: «العقلانية الأداتية» التي تهتم بالوسائل لتحقيق الأهداف والسيطرة، و«العقلانية التواصلية» التي تهدف إلى الوصول إلى تفاهم مشترك. ويُنسب إليه ابتكار مفهوم «المجال العام»، أي تلك الفضاءات التي يلتقي فيها الأفراد كمواطنين لمناقشة القضايا العامة بحرية، معتبراً أن الديمقراطية الحقيقية تعتمد على جودة هذا النقاش وقدرة «الحجة الأفضل» على الإقناع دون استخدام القوة. كما طوّر «أخلاقيات الخطاب»، وهي القواعد التي تجعل الحوار عادلاً، مثل حق الجميع في المشاركة، وصدق المتحدثين، وخلو النقاش من الضغوط الخارجية.

مثلت علاقته بالفلاسفة المعاصرين صراعاً بين «بقاء الحداثة» و«ما بعد الحداثة». في مواجهة ميشيل فوكو، انتقد هابرماس اختزال كل شيء في «علاقات القوة»، وأصر على وجود معايير عقلانية كونية يمكن الاحتكام إليها، متهماً الفيلسوف الفرنسي الراحل بأنه يقدم تشريحاً للسلطة يفتقر إلى معيار أخلاقي للتغيير.

أما في سجاله مع جاك دريدا، فقد انتقد «التفكيك» الذي قد يؤدي إلى العدمية، مفضلاً بناء جسور التفاهم. وبالنسبة لجان فرنسوا ليوتار، رفض هابرماس فكرة «نهاية السرديات الكبرى»، معتبراً الحداثة «مشروعاً لم يكتمل» يحتاج إلى مواصلة العمل بدلاً من التخلي عنه. وفي مقارنته مع حنا أرنت، يتفق معها لناحية أهمية الفعل السياسي في الفضاء العام، ولكنه يضيف إليها شروطاً تداولية وقانونية أكثر صرامة.

يأتي غيابه في وقت يشهد فيه إرثه الفكري هزة عنيفة بسبب مواقفه السياسية الأخيرة تجاه الحرب في غزة؛ إذ كان قد أصدر بياناً بعنوان «مبادئ التضامن» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، دافع فيه عن رد الفعل العسكري الإسرائيلي، وصوره «مبرراً من حيث المبدأ». هذا الموقف أثار موجة عارمة من النقد؛ حيث رأى كثيرون في هذا البيان «احتراقاً» لكامل مشروعه الفلسفي.

يجد النقاد -ومن بينهم أساتذة من المدرسة النقدية نفسها- أن هابرماس خان أهم مبادئه في هذا الموقف. فالفيلسوف الذي قضى حياته يبشر بـ«الكونية» الإنسانية، سقط في فخ «الخصوصية» الألمانية، بعد أن ربط التضامن مع الدولة العبرية بالهوية الديمقراطية الألمانية، وضرورة التكفير عن «الهولوكوست»، ما اعتبره بعض المفكرين نوعاً من عمى «المركزية الأوروبية» التي ترى ضحايا «الهولوكوست» وتعمى عن ضحايا الاستعمار والاحتلال.

وبينما طالب في كتبه بفتح المجال العام لكل الأصوات، يرى منتقدوه أنه ساهم في إغلاق هذا المجال في ألمانيا. فالبيان الذي أصدره حاول وضع حدود لما يجوز قوله، معتبراً أن توجيه تهمة الإبادة الجماعية لإسرائيل يمثل «انزلاقاً في المعايير»، في تناقض تام مع فكرته عن «الحوار غير المشروط»؛ إذ وضع قيوداً مسبقة على البحث عن الحقيقة؛ خصوصاً مع تحرك القانون الدولي ومحكمة العدل الدولية للنظر في هذه التهم بجدية.

تجلّت في موقفه أزمة فلسفية تتعلق بتعريف «الآخر»، واتهمه باحثون بأنه يميز بين «الآخر الأقرب» (الأوروبي أو الذي يشبهه) وبين «الآخر الأقصى» (الفلسطيني أو غير الأوروبي). إن تواصلية هابرماس التي يفترض أن تكون عالمية، بدت في لحظة غزة وكأنها حوار حصري بين الأوروبيين حول مآسيهم الخاصة، مع تجاهل تام للمعاناة الفلسطينية والظلم التاريخي الواقع عليهم.

أدى هذا الموقف إلى شعور تلاميذه في العالم العربي والجنوب العالمي بالخذلان. فإذا كان الفيلسوف الذي يُنظر إليه كحارس للقيم الديمقراطية والكرامة الإنسانية يعجز عن مد هذه القيم لتشمل شعباً يرزح تحت القصف والحصار، فإن مصداقية «الكونية الأوروبية» برمتها تصبح محل شك. ووصف البعض هذا التحول بأنه «إفلاس أخلاقي» للفلسفة الغربية؛ حيث يتم التضحية بالعقل النقدي لصالح الحسابات السياسية وسياقات «الشعور بالذنب» المحلية.

يمضي يورغن هابرماس تاركاً خلفه مفارقة كبرى؛ فبينما تظل أدواته التحليلية عن المجال العام والفعل التواصلي ضرورية لفهم أعطاب المجتمعات الرأسمالية المعاصرة، فإن تطبيقه الشخصي لهذه الأدوات في لحظة الحقيقة التاريخية كشف عن فجوة عميقة بين النظرية والممارسة. وسيبقى في ذاكرة الفكر بوصفه الفيلسوف الذي حاول بناء عالم من الحوار، ولكنه تعثر في فهم لغة الألم خارج حدود قارته، فاحترقت فلسفته في أتون غزة قبل أن يوارى الثرى.