في فلسفة الكتابة الروائية

قوانين أقرب إلى بديهيات قد لا ننتبه إليها في حياتنا اليومية الصاخبة

أليف شافاك
أليف شافاك
TT

في فلسفة الكتابة الروائية

أليف شافاك
أليف شافاك

ربما سيكون من قبيل الكلام غير المسوّغ أن نتحدّث عن قوانين للرواية. الرواية ليست فيزياء أو كيمياء أو رياضيات، والقوانين في نهاية الأمر حقيقة تختصُّ بها المباحث العلمية، بحسب ما ترسّخ في مواضعاتنا الثقافية العامّة. يضافُ إلى هذه الحقيقة حقيقة أخرى، مفادُها أننا سمعنا عن كثير من القوانين التي أراد لها بعضُ الروائيين أن ترتقي لتكون بمثابة قوانين شاملة للكتابة الروائية (هاروكي موراكامي، أليف شافاك، مثلاً)، لكنّ هذه القوانين المدّعاة لا ترقى إلى مرتبة القوانين الشاملة، كونها تختلف اختلافاً بيناً من كاتب لآخر، وبالتالي فهي فاقدة لصفة العمومية الشاملة، ثم إنها مهما بالغت في ادعاء قانونيتها المزعومة، فهي ليست سوى اختيارات تقنية شخصية لا تمثّلُ أكثر من مقاربات محدّدة نحو آلية الكتابة السردية يروّجُ لها أصحابها، ويرون فيها مسالك آمنة في غابة السرد الروائي. الفردانية المفرطة تبقى السمة المميزة لمثل هذه الرؤى الشخصية، حتى لو حقّقت نجاحات لا يمكن نكرانها أو الالتفاف عليها في مواضع محدّدة قليلة من الصنعة الروائية.
ثمة قوانين للإبداع؛ هذه حقيقة خبرتها في حياتي. كل منشط معرفي له قوانينه، لكن ينبغي منذ البدء أن نعرف أنّ هذه القوانين ليست صياغات نهائية، بل تنشأ بموجب التشكيلة العقلية لكلّ مبدع. تصحّ هذه المقايسة على أساطين الفيزياء والرياضيات مثلما تصحّ على مبدعي السرد (والروائيين منهم بخاصة).
قادتني مهنتي الروائية إلى اعتماد قوانين محدّدة في صناعة الشخصية الروائية، وهذه أقربُ إلى موجّهات دليلية عامة في الكتابة الروائية. وسنرى أنّ هذه القوانين أقرب إلى بديهيات، لكنها بديهيات قد لا ننتبه إليها في حياتنا اليومية الصاخبة. كما أنّ هذه البديهيات مستمدّة من علم النفس المعرفي وفلسفة العقل، وليست أفكاراً نابعة من الفضاء السردي ذاته (ولهذا السبب بالتحديد يصحُّ تسميتها بميتافيزيقا الكتابة الروائية، كونها تتماثلُ مع قوانين النظم الشكلية Formal Systems، إذ إنها غير مُسببة، بل نقبلها قبولاً ناشئاً عن قناعتنا بها، مثلما يحصل مع النظم الاعتقادية Belief Systems). أريد القول إنّ الفاعلية الروائية منشط أوسع بكثير من نطاق الدراسات الروائية، بل تتجاوزها إلى دوائر معرفية كثيرة تجعل من الفاعلية الروائية (والسردية عامة) حقلاً معرفياً ينتمي إلى حقل الدراسات المعرفية المشتبكة.
إذا كان أمر انتخاب ما يُوصفُ بأنه قوانين للرواية حتى اليوم (على الشاكلة التي فعلَتْها نخبة من الروائيات والروائيين) جهداً بشرياً مكتنفاً بالفردانية المفرطة، مقتصراً على آليات الكتابة الروائية وموضوعاتها، فما الجدوى إذن من محاولتي تشخيص قوانين للرواية؟ أقولُ إنّ محاولتي تختلف اختلافاً كاملاً عن المحاولات الحثيثة السابقة من جانب روائيات وروائيين على مستوى العالم بأكمله: ما أسعى إليه في القوانين التالية هو رسمُ خريطة مفاهيمية لقوانين محدّدة لكلّ فاعلية روائية (وليس قوانين حاكمة لآليات الكتابة الروائية أو موضوعاتها أو أي تفصيلة أخرى تقع داخل الهيكل السردي للرواية)، وبالتالي يمكن توصيفُ هذه الخريطة المفاهيمية بأنها أقربُ إلى المخطّط المفاهيمي الذي تعبّر عنه القوانين الثلاثة الحاكمة للفيزياء النيوتنية. لن يخفى على القارئ صفة العمومية في هذه القوانين التي ينقادُ لها كلّ عمل روائي، وسيكون الأمر أقرب إلى لعبة ذهنية لذيذة عندما نحاولُ تطبيق هذه القوانين على الأعمال الروائية التي عرفناها (أو سنعرفها) في المستقبل.
سأحدّدُ الآن هذه القوانين المقترحة للرواية، فضلاً عن محاولة توصيفها بعبارات قليلة مختصرة، مع ملاحظة أنّ السرد هنا يعملُ بمثابة جسم معرفي معادل للرواية، على الرغم من أنّ الفاعلية السردية أوسع نطاقاً من الفاعلية الروائية:
القانون الأول (قانون الإمكانية): ومفاده كلّ ما يمكن تخيله يمكنُ تضمينه في سياق فاعلية سردية.
ويحضرني في هذا المقام مَيْلُ مؤسسة «ناسا» الفضائية لتوظيف روائيين معروفين (ليسوا بالضرورة من كُتّاب رواية الخيال العلمي)، وكذلك المخرجين السينمائيين، في جهود تصميم المركبات الفضائية التي تسعى إلى الهبوط على كواكب بعيدة (مثل المريخ)... كيف حصل هذا الأمر؟ يعرف مسؤولو «ناسا» بالتأكيد، عبر تاريخ فكري طويل من الخبرة الممتدة، أنّ العقل الروائي أو ذلك السينمائي الذي يوظّف الجهود الروائية في أعمال مرئية هما بين أفضل العقول التي يمكنها تقديم حلول مناسبة لمعضلات تقنية كبيرة، لأنّ الفاعلية الروائية (وهي نتاج خيال خلاق) إذ تحوّلُ الخيال إلى منتجات روائية، فإنها غالباً ما تختارُ مقاربات ممكنة في إطار الجهد البشري، حتى لو كانت هذه الإمكانية غير متاحة في وقتنا الراهن؛ هذا هو بالضبط ما حصل في الروايات العظيمة (سواء في حقل الخيال العلمي أو سواه).
القانون الثاني: (قانون العوالم المتوازية)، ومفاده أنّ الخيال البشري شيء أكبر من المرئي والمحسوس، وأنّ ما نكتب عنه قد لا يحصل في عالمنا الواقعي، بل في عوالم متوازية.
ويتماثلُ هذا القانون مع فكرة العوالم المتوازية في ميكانيكا الكم، والتمثلُ الروائي لهذه الفكرة هي أنّ الحدث الروائي يمكنُ أن يحصل في عالمٍ موازٍ لعالمنا، بصرف النظر عن مدى معقوليته لنا أو استعصائه على إمكانية التحقق في عالمنا المادي بسبب نقص القدرة التقنية أو لغرائبيته بالنسبة لكينونتنا البشرية. وواضحٌ أنّ مفهوم العوالم المتوازية يمثلُ عنصر شحن لا نظير له في قدرته على الارتقاء بخيالنا البشري وتجاوز كلّ المحدّدات الواقعية التي نضعها أمام إمكانياتنا، وتوسيع تخوم تعاملنا المادي في نطاق وجودنا الفيزيائي المحكوم بمحدّدات طبيعية أو متخيلة.
القانون الثالث: (قانون الاحتمالات المتناقصة)، ومفاده أنّ التشخيص الروائي يقلّل من الاحتمالات الممكنة لمآلات الشخصيات الروائية.
وهنا، تكون الرواية عند خطّ الشروع أشبه بولوجنا عالماً شبكياً (Networked) كثيف التعقيد، مثل عالم «غوغل» مثلاً. ففي اللحظة التي ننقر فيها على البحث في موضوعة محدّدة، نكون قد غادرنا العالم الغوغلي المشتبك نحو فضاء محدّد تكون الروابط الرقمية فيه -بالتبعية- أقلّ تعقيداً واشتباكاً من العالم الغوغلي العام عند نقطة الشروع، ثمّ عندما نقصرُ البحث عن تفاصيل محدّدة من تلك الموضوعة المختارة إنما نكون قد قلّصنا حجم ودرجة تعقيد الاشتباكات الثانوية. وتفيد هذه المقاربة الغوغلية في توصيف ما يحصلُ عند رسم الشخصيات الروائية، ويكمن جزء من البراعة الروائية في انتخاب شخصيات يتفق المتبقّي من روابطها البشرية مع شكل وطبيعة الترسيمة العقلية والنفسية التي يريدها الروائي لها، وبكيفية تخدم العمل الروائي وتعزّزه.
القانون الرابع: (قانون الخبرة و/أو الأخلاقيات)، ومفاده أنّ الرواية تعملُ على تعزيز منسوب الخبرة البشرية لدينا و/أو منسوب الأخلاقيات البشرية.
ما الذي تبتغيه كلّ رواية؟ إنها تبتغي الارتقاء بالخبرة البشرية و/أو تعزيز أخلاقياتنا البشرية في التعامل مع البشر والطبيعة. والخبرة البشرية هنا تعني تحديداً كلّ معرفة من شأنها جعل البشر يعيشون حياة طيبة (طبقاً للمواصفات الفلسفية المتفق عليها)، وبكيفية سعت كثير من الفلسفات القديمة والجديدة لتعزيزها، أو أنّ الخبرة البشرية تعني حلولاً أفضل لمعضلات إنسانية وتقنية. ولا بد في هذا الشأن أيضاً من الإشارة إلى أنّ الأخلاقيات (Ethics) شيء يتمايز عن الأخلاق (Morals): الأخلاقيات هي أقرب إلى أعراف متفق عليها أو مدوّنات سلوكية ترتقي بنوعية العيش البشري.
القانون الخامس: (قانون الأنتروبيا الروائية)، وهو قانون متصل بالقانون الرابع ناتج عن مفاعيله، ومفاده أنّ العمل الروائي يساهمُ في تناقص الأنتروبيا المجتمعية.
ولأوضّح أولاً المقصود بالأنتروبيا (Entropy) الفيزيائية: الأنتروبيا (الشواش أو الفوضى أو التشتت أو اللاانتظام في المكافئ العربي للمفردة) هي إحدى المعالم المميزة للقانون الثاني في الديناميكا الحرارية الذي لعب دوراً عظيم الأهمية في تاريخ العلم، ومفاده أنّ المنظومات الطبيعية تميلُ إلى زيادة الفوضى مع الزمن لو تُرِكت لحالها دونما مؤثر خارجي.
والرواية لأنها تعملُ على تعزيز منسوب الخبرة البشرية و/أو الأخلاقيات البشرية، فإنها تساهمُ في تخفيض مناسيب الحيرة والتشتت والمتاهات الفكرية غير المنتجة، وبالتالي هي تعمل على تقليل منسوب الأنتروبيا المجتمعية الكلية، وجعلها قادرة على العمل الجاد المنظّم الموجّه نحو أهداف كبيرة، وهو الأمر الذي تفتقده -للأسف- المجتمعات الغائصة في وحول التناحر الداخلي والصراع المجتمعي.
الخلاصة من هذه القوانين الروائية: الرواية منتجٌ بشري يمثلُ أحد المنجزات الحضارية الرائعة للإنسان. ولو تفكّرنا في طبيعة القوانين الحاكمة لكلّ الأعمال الروائية، يمكننا حينئذ توظيف الأعمال الروائية الحقيقية في الارتقاء بنوعية الحياة البشرية، وتعزيز ممكنات الفعل الفردي والمجتمعي، وكبحِ منغّصات العيش البشري، أو بعضها في أقل تقدير.



شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

عن دار كنعان للنشر (دمشق - 2026) صدر كتاب «صيدنايا... من مدونة سجون الأسد - شهادات». وتكشف الشهادات مدى العنف والقسوة وانتهاك حقوق الإنسان في زمن نظام الأسد، الأب والابن...، على لسان بعض من عاش تلك التجربة، أي تجربة السجن السوري، سواء كان سجن صيدنايا أو غيره، «أولاً، للتذكُّر، لأن التذكُّر هو دليل عافية، وخطوة أولى للاعتراف بحق هؤلاء الذي اختبروا تلك التجربة الفظيعة، وكمساهمة في التأسيس للعدالة الانتقالية، وأيضاً التذكُّر للحؤول دون تكرار هذه التجربة الرهيبة».

وتضمن الكتاب شهادات لكل من: أميرة حويجة، وحسيبة عبد الرحمن، وعزة أبو ربعية، وأنور بدر، وبدر زكريا، ومحمد إبراهيم، ومحمد برّو، وكريم عكّاري، وعلي الكردي، ونصار يحيى، ومحمود عيسى، وبسام جوهر، وجورج ميخائيل، وحسام الدين كردية، الذين اختبروا سجون الأسد وعانوا أهوالها... وكذلك مساهمتين عن طبيعة سجن صيدنايا كتبهما: مي بركات، وبلال بيلغيلي...جاء في مقدمة الكتاب لماجد كيالي:

«السجن السوري يختلف عن أي سجن في العالم، إذ إن سجون نظام الأسد لا تنتزع من الإنسان حريته، وحقوقه القانونية، وخصوصيته الفردية، وكرامته، وأدميته، فقط، وإنما هو سجن يفقد فيه المعتقل ذاته وروحه، وحتى أحاسيسه. لا يقتصر الأمر على التعذيب المباشر، فالعيش في السجن هو بحدّ ذاته عذاب، ومعاناة لا يمكن تخيّلها، فكيف إذا كان هذا السجن مثل سجن صيدنايا، أو تدمر، أو قبو لجهاز مخابرات، وكلها أمكنة لا تمتُّ إلى الإنسانية بصلة، إذ هي مجرد لبشر منسيين، أو مقابر أحياء، بل وأكثر قسوة ووحشية من ذلك، فهذه أمكنة جهنمية، بكل معنى الكلمة.

متاهة الموت: 
السجن كهيكل كل شيء فيه حديد، وإسمنت مسلح، ويبدو كمبنى مسخ، أو مسلخ، وهو سُمي أخيراً كذلك. ومنذ البداية تجد نفسك في متاهة أو في سلسلة متوالية من بوابات حديدية، كل واحدة تفضي إلى أخرى، ثم تصل إلى (كريدور)، بنوافذ علوية ضيقة، يضم مهاجع عدة، تُغلق بباب حديدي ضخم، وللمهجع فتحات تهوية على الكريدور، من فوق الباب وتحته. علماً أن السجن محاط بأسوار عدة، وهو ممتد على مساحة كبيرة تضاهي مساحة بلدة كاملة، والمشكلة أن وراء كل جدار واحداً آخر، وثمة مع الجدران، حقول ألغام، وأسلاك شائكة، وحرّاس، بمعنى ألا أحد يستطيع الخلاص من هذا السجن.

أيضاً، في كل واحد من هذه المهاجع، كان يعيش عشرات من المعتقلين معاً، فيها يمضون أوقاتهم، وتضيع حياتهم، خارج العالم، وفي عزلة عنه، يعيشون كل نفس منهم، وكل مشاعرهم، جنباً إلى جنب، فهنا ينامون ويقومون ويتحدثون ويأكلون، ويمشون، ويقضون حاجاتهم في ركن في الزنزانة، في البرد وفي الحر، وفي اليأس وفي الأمل.

في المهاجع كانت هناك ثياب متناثرة على الأرض، تلك التي كان المعتقلون يرتدونها داخل السجن قبل تحريرهم، وقد تركوها عندما خرجوا، عندما انهار نظام السجن السوري، مع الأسد الفار، كنت أرى كأن كل قطعة ثياب تحكي قصة عن فظائع هذا السجن».

وكانت لوحة الغلاف للفنانة عزة أبو ربعية.


كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو
TT

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً. وحظي الكتاب، الذي يضمّ مذكرات كامو بين عامي 1935 إلى 1942، بمراجعتين بارزتين باللغة الإنجليزية، من كاتبين مختلفين.

جاءت المراجعة الأولى بقلم إيه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكان ليبينغ قد ربطته أواصر الصداقة بكامو، عندما زار الكاتب الفرنسي ـ الجزائري أميركا عام 1946. وأُعجب ليبينغ، المولع بالثقافة الفرنسية، بشكل خاص بأعمال كامو خلال الحرب العالمية الثانية، بصفته محرراً لمجلة المقاومة «كومبا». ووصف ليبينغ مذكرات كامو بأنها «ممتعة وعميقة»، و«كتاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريباً، وهو على يقين من أنه سيشعر بمتعة».

أما المراجعة الثانية، فجاءت بقلم سوزان سونتاغ، في دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس». استهلت سونتاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجاً أو عشاقاً». وكان كامو، بفضل هدوئه وعقلانيته الظاهرية، كما أشارت سونتاغ، «الزوج المثالي بين الأدباء المعاصرين». (لم يكن بمقدور سونتاغ معرفة هذا على وجه اليقين، فحسب سيرته الذاتية اللاحقة، فإنه خان زوجتيه مراراً، الممثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسين فور).

أما بقية مراجعة سونتاغ، فحملت نقداً لاذعاً لكامو بصفته روائياً وفيلسوفاً. وكتبت سونتاغ: «هل كان كامو مفكراً ذا شأن؟» «الجواب: لا». وبعد ذلك، كالت مزيداً من الانتقادات اللاذعة إلى كتاب «الدفاتر الكاملة» نفسه، واصفةً إياه بالسطحية وافتقاره إلى الطابع الشخصي و«غير الجيد».

ظهرت مجلدات أخرى من دفاتر ملاحظات كامو على مرّ السنين، وجُمعت كاملةً للمرة الأولى في كتاب «الدفاتر الكاملة». عندما أمسكت بالكتاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ المتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قراءة صفحاته التي تقارب 700 صفحة، فوجئت بأنني، وأنا من أشدّ المعجبين بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها.

ولكن ينبغي الخلط بين دفاتر كامو، التي امتدت من عام 1935 إلى 1959، وبين اليوميات، فهي تكاد تخلو تماماً من أي شيء يخص أصدقائه أو عائلته، أو تجاربه خلال الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجلاً شديد الخصوصية، ينفر من النميمة والاعترافات.

في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957، في الـ44 من عمره، وكان أحد أصغر الكتاب الذين حصلوا عليها، كتب في دفتر ملاحظاته: «خائف مما يحدث لي، مما لم أطلبه». وذكر أنه كان يعاني من نوبات هلع. وبعد بضعة أيام كتب: «لا تتحدث أبداً عن عملك» و«أولئك الذين لديهم حقاً ما يقولونه لا يتحدثون عنه أبداً».

تحتوي هذه المذكرات على ملاحظات فلسفية لرواياته المنشورة خلال حياته -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُعدّ استكشافات فريدة من نوعها، وهي لا تقتصر على عبثية الوجود فحسب، بل تتناول كذلك العزلة والشعور بالذنب والخلاص والصمود. وقد رُويت هذه الملاحظات بوضوح وعمق مؤثر.

مثل كثير من القراء، عدتُ إلى رواية «الطاعون» (عنوانها بالفرنسية «La Peste» أكثر رعباً وضوحاً) خلال جائحة كوفيد-19، فوجدتُ فيها بعضاً من العقلانية المرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل المثال، ينفي طبيب يعمل بشجاعة ودأب في البلدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الطاعون، عن نفسه صفة البطولة. وقال بكلمات تعكس كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام 2020: «الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. قد يبدو الأمر فكرة سخيفة، لكن السبيل الوحيد لمكافحة الطاعون هو التحلي بالأخلاق».

علاوة على ذلك، تحتوي دفاتر كامو على مقتطفات من قراءاته المتعمقة، لأعمال كتّابٍ من أمثال ميلتون وغوته إلى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفتراً شخصياً للملاحظات. كان كامو في حالة بحث دائم عن جوهر الأشياء، وعاش في عالمه الداخلي أكثر من معظم الناس. وما يبرز بشكل خاص إحساسه بالرسالة الأدبية، فقد كان يُحفّز نفسه باستمرار. ومن بين المقولات النموذجية المعبرة عنه: «انعزل تماماً واركض في طريقك الخاص».

وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفةً وتحمل منظوراً داخلياً، ولا يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حرّر الدفاتر الأولى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعةً واحدة). إنها ليست مناسبةً للقارئ العادي.

مع ذلك، فقد سُرّ هذا القارئ العادي بالاطلاع عليها، حتى وإن كان البحث عن الأجزاء الأكثر وضوحاً وإثارةً للاهتمام أشبه بالتنقيب عن الذهب. ومن بعض أشهر ما ورد هنا، سرد لرحلات كامو في الولايات المتحدة عام 1946 وفي أميركا اللاتينية عام 1949، سبق نشره في كتب أخرى، أولها بعنوان «يوميات أميركية» (1987)، ثم في ترجمة جديدة بعنوان «رحلات في الأميركتين» (2023).

ثمة مواد أخرى جديرة بالثناء هنا. من حين لآخر، كان كامو يعلق بين الحين والآخر على منتقديه، فكتب عام 1942: «ثلاث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت لاحق: «الحقد هو الصناعة الوحيدة في فرنسا التي لا تعاني من البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل الأشخاص الملتزمين على الأدب الملتزم».

وجاءت بعض التعليقات ساخرة ومضحكة. مثلاً، كتب عام 1949: «أتساءل دائماً: لماذا أجذب النخبة الاجتماعية. كل تلك القبعات؟!».

أما البعض الآخر من الملاحظات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابط بين الرجال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يبدو أكثر أناقةً وهو يدخن سيجارة من معظم رجال عصره. إلا أنه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصاً أن الشعور بالمرض موضوع متكرر في هذه الدفاتر- كان من المفترض ألا يدخن على الإطلاق.

وتتجلى روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط، خصوصاً في حبه للسباحة والشمس. كان يحب السفر، لكنه لم يكن يُحب الترف المُبهرج. وكتب في إحدى مذكراته المبكرة: «الخوف هو ما يجعل السفر ذا قيمة» -ينبغي أن يكون «تجربة زاهدة». كما كان يزدري المطاعم الفاخرة في الغالب، مشيداً بمدينة وهران الجزائرية، بوصفها مكاناً «لا يزال بإمكانك فيه العثور على مقاهٍ استثنائية ذات طاولات مطلية بطلاء مُتسخ، مُغطاة بأجزاء ذباب: ساق، جناح، حيث تُقدَّم لك المشروبات في أكواب مُتشققة».

وتشبه دفاتر كامو إلى حد ما تلك الطاولات. لم يتبقَّ لنا سوى الأغصان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إلا أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كان في الرابعة والعشرين، في إحدى أمسيات الربيع: «هناك أيام يكذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة».

* خدمة: «نيويورك تايمز»


أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
TT

أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة

شُيّد قُصير عمرة في بادية الأردن خلال القرن الثامن، وتحوّل مع الزمن إلى خربة مهجورة إلى أن خرج من الظلمة إلى النور في مطلع القرن العشرين، فتوالت الدراسات التي تناولت جدارياته وسعت إلى تحليلها وفك أسرارها. بقيت هوية صاحب هذا القصير الفريد موضع بحث إلى أن ظهر اسمه خلال حملة ترميم جرت في مايو (أيار) 2012، وبات من المؤكّد أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك أقام في هذا المبنى يوم كان ولياً للعهد في زمن خلافة هشام بن عبد الملك. يظهر هذا الأمير في لوحتين تحتلان موقعاً رئيسياً في الجداريات التي تزيّن قاعة الاستقبال المؤلّفة من ثلاثة إيوانات معقودة. نراه ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ونراه متربّعاً على عرشه في ركن يقع في عمق الإيوان الأوسط.

يُعرف هذا الركن بـ«ركن العرش»، وفيه يظهر الأمير على الحائط الجنوبي تحت قبة تزينها مجموعة من القامات المنتصبة. فقدت هذه اللوحة الكثير من عناصرها للأسف، وما تبقّى منها يكشف عن رجل يتربّع على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي يُعرف بالطراز «الإمبراطوري». شاع هذا الطراز في العالم الروماني كما في العالم البيزنطي الذي تبنّاه من بعده، وتشكّل لوحة قصير عمرة استمرارية مبتكرة لهذا النسق الذي انتشر بشكل واسع في سائر أنحاء ضفّتي العالم المتوسّطي. يحضر الأمير جالساً في وضعية المواجهة على أريكة عريضة تعلو عرشاً شُيّدت قواعده من الخشب المرصّع بالأحجار، كما توحي شبكة النقوش التي تزيّنها. ظهْرُ هذا العرش مستطيل، ويعلوه قوس يشكّل مساحة نصفة دائرية يرتفع في وسطها رأس الأمير. تحيط بهذه الهامة هالة دائرية، ترمز في الفن الروماني إلى السلطة الملكية، وقد دخلت في هذا المعنى في الفن المسيحي الأول، ثمّ تحوّلت إلى رمز للقداسة في القرن الخامس، ويبدو أن الفن الأموي تبنّاها بمعناها الأوّل في هذه الجدارية.

وجه الأمير مشوّه، ويكشف الرسم التوثيقي عن وجه ملتح ضاعت ملامحه، يعلوه شعر أسود تحدّه مساحة دائرية بيضاء رفيعة، تبدو أشبه بعمرة بسيطة. يبدو اللباس كذلك بسيطاً، وقوامه جبة طويلة حمراء تزيّنها شبكة من المكعبات المرصوفة، يعلوها معطف أزرق، ينسدل على الكتفين، ويمتدّ أفقياً بين الذراعين. ترتفع اليد اليمنى نحو الصدر، وتقبض على صولجان يتمثّل هنا بعصا قصيرة ونحيلة. ترتفع اليد اليسرى في حركة موازية، وتظهر أصابعها ملتفّة على راحتها. تخرج القدم اليمنى من خلف طرف الجبّة الأسفل، كاشفة عن حذاء مزخرف بنقوش هندسية، وتبدو القدم الأخرى ممحوة، وما تبقّى من أثرها الطفيف يوحي بأنّها صُوّرت في وضعيّة مماثلة. يرتفع العرش الملكي وسط عمودين يعلو كلاً منهما تاج عريض، وتعلو هذه العناصر المعمارية خطوط ملتوية تحاكي شكل الرخام الأحمر. يشكّل هذان العمودان قاعدةً لقوس يُعرف في قاموس الفن الكلاسيكي باسم «قوس المجد»، وهو هنا على شكل مساحة زرقاء تعلوها كتابة بالخط الكوفي ضاع جزء كبير من أحرفها، ويشير نصّ ما تبقّى منها إلى دعاء بالعافية والرحمة للولي الجالس على العرش، ونصّه يقول: ««اللهـ(م) أ(غفر) لولي (عـ)هد المسلمين والمـ(سلـ)مات (...) وعافية من الله ورحمة (...)». عند طرفي هذا القوس، يظهر طائران متواجهان صوّرا في وضعية جانبية، ويوحي تكوينهما بأنّهما من فصيلة الدراج.

يحوط بهذا الأمير المتربّع على عرشه شابان أمردان يقفان في وضعية نصف جانبية، في حركة واحدة جامعة، يرفع كل من هذين الخادمين فوق هامة الأمير مروحة تتألّف من قضيب طويل ونحيل، تعلوه رزمة من الريش. تفوق مقاييس الأمير في حجمها قامتَي خادميه مما يعمّق صورة مكانته، ويعكس هذا الأسلوب طرازاً معروفاً اتّبع في الشرق القديم، كما في العالمين الروماني والبيزنطي. يتشابه هذا الخادمان بشكل كبير، وتبدو صورتاهما واحدة. الوجه فتي ونضر، تحيط به خصل من الشعر الأسود، تعلوها عمرة بيضاء بسيطة. يتكوّن اللباس من جبة طويلة زرقاء يعلوها معطف فضفاض، ويزيّن طرف أعلى هذا الرداء شريط يأخذ شكل طوق تعلوه سلسلة من الدوائر اللؤلؤية. يحضر الأمير وسط خادميه في بناء تعادلي محكم، ويحيط بهذه اللوحة إطار مقوّس تزيّنه سلسلة طيور متراصة بلغ عددها العشرين. تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية ثابتة، وتماثل في تكوينها صورة الطيرين المتواجهين عن طرفي قوس المجد.

تستقر هذه اللوحة فوق لوحة مستطيلة ممحوة، ويتبيّن أن هذه اللوحة دخلت متحف الفن الإسلامي ببرلين، بعد أن حملتها معها البعثة التشيكية التي قامت باستكشاف قصير عمرة في مطلع القرن. فقدت هذه العينة الكثير من معالمها، وما تبقّى منها يشير إلى منظر طبيعي بحري، يشابه مناظر أخرى تحضر في أماكن متعدّدة من قصير عمرة، وحضور هذه المشاهد البحرية في برنامج هذا الموقع التصويري الشاسع يثير الحيرة، ودلالاته الافتراضية تبقى موضع بحث مستمر.

يظهر الأمير ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ويظهر من أمامه خادم يرفع من فوقه مروحة، ويعكس تأليف هذا المشهد أثر الفن الساساني الإيراني، غير أن الأسلوب المتبع في التجسيم يبدو أقرب إلى الأسلوب المتوسّطي. في المقابل، يحضر الأمير في «ركن العرش» في تأليف روماني صرف شاع في العالم البيزنطي، ويحلّ هنا في قالب محلّي مبتكر. تعكس هاتان الصورتان تعدّدية المنابع التي نهل منها مصورو جداريات قصير عمرة، وتشهدان للاستمرارية الخلاقة التي تميّز بها الفن الأموي بفروعه المتنوّعة.

تستقرّ لوحة الأمير المتربّع على عرشه تحت قبّة تأخذ شكل قنطرة زيّن سقفها وجدارها بحلّة تصويرية حافظت على العديد من عناصرها التشكيلية. تحتاج هذه الحلّة إلى قراءة متأنيّة، وليس بالأمر السهل استنباط معانيها ودلالتها متعدّدة الأوجه، نظراً لغياب أي كتابات تسمّي مجموعة الأشخاص الحاضرة فيها.