الحريري يدرس التقدُّم بتشكيلة وزارية كواحد من خياراته

بري يتمسك به رئيساً للحكومة لبقاء لبنان و{الطائف}

الحريري مجتمعاً مع رؤساء الحكومة السابقين (الوكالة الوطنية)
الحريري مجتمعاً مع رؤساء الحكومة السابقين (الوكالة الوطنية)
TT

الحريري يدرس التقدُّم بتشكيلة وزارية كواحد من خياراته

الحريري مجتمعاً مع رؤساء الحكومة السابقين (الوكالة الوطنية)
الحريري مجتمعاً مع رؤساء الحكومة السابقين (الوكالة الوطنية)

يقول مصدر سياسي لبناني مواكب عن كثب للأجواء التي سادت لقاء رؤساء الحكومات السابقين نجيب ميقاتي، وفؤاد السنيورة، وتمام سلام، بالرئيس المكلف بتشكيل الحكومة سعد الحريري، المعطوفة على المداولات التي تخللت الاجتماع الدوري للمجلس الإسلامي الشرعي، إن تأكيد الحريري على أن جميع الخيارات مطروحة على الطاولة لا يعني في المطلق أن اعتذاره عن تأليفها سيكون على رأس أولوياته، وإن كان لا يزال واحداً من الخيارات ما لم يبادر «رئيس الظل» للجمهورية، زعيم «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل إلى إعادة النظر في أولوياته، بدءاً بوقف رهانه على انهيار البلد كشرط يعيد تأسيس نفسه سياسياً.
ويؤكد المصدر السياسي لـ«الشرق الأوسط» أن ما يشاع حول جنوح الحريري للاعتذار هذا الأسبوع عن تشكيل الحكومة ليس في محله، وهذا ما ينسحب على استعداد نواب كتلة «المستقبل» للاستقالة من البرلمان، ويقول إنه لن يقدّم اعتذاره على طبق من فضة لباسيل ما لم يأت في سياق خطة سياسية متكاملة، لأن الاعتذار لن يحل المشكلة، وبالتالي لن يؤدي إلى إخراج البلد من المأزق السياسي الذي يتخبط فيه؛ خصوصاً أن باسيل في اتباعه سياسة الهروب إلى الأمام أوقع نفسه في أزمة مع رئيس المجلس النيابي نبيه بري بلا أي مبرر.
ويكشف المصدر نفسه أن لدى الحريري خيارات أخرى غير الاعتذار على الأقل في المدى المنظور، ولن يتردد في السير فيها لحشر الرئيس ميشال عون في الزاوية، ولا يستطيع أن يقاوم هذه الخيارات بالمكابرة أو بالعناد، علماً بأن الرئيس المكلف قدّم كل ما لديه من تضحيات قوبلت بالرفض من التيار السياسي المحسوب على باسيل الذي حوّل أحد الأجنحة في القصر الجمهوري إلى «غرفة أوضاع» يدير فيها بغطاء من عون معركته ضد عودة الحريري إلى رئاسة الحكومة التي توسّعت أخيراً لتشمل رئيس البرلمان.
ولم يستبعد المصدر السياسي أن يبادر الحريري إلى التقدُّم من عون بتشكيلة وزارية جديدة بنفس المواصفات والشروط التي التزم بها عندما تقدم بتشكيلته الأولى، وإن كان يعتقد بأن لا شيء نهائياً في هذا الخصوص، كاشفاً أنها واحدة من الأفكار التي طُرحت سابقاً في لقاء رؤساء الحكومات السابقين بالرئيس المكلف.
ويضيف أن مجرد موافقته على أن يتقدم بهذه التشكيلة الوزارية يعني أنه باقٍ على التزامه بالمبادرة الفرنسية التي سعى بري لإنقاذها، لكنه اصطدم برفض باسيل الذي افتعل اشتباكاً سياسياً معه، فيما يلوذ عون بالصمت بعدما أوكل إلى وريثه السياسي مهمة الإطاحة بالحريري لمنعه من تشكيل الحكومة.
ويؤكد المصدر أن باسيل قرر أن يشتبك مع بري ليس لصرف الأنظار عن تحميله مسؤولية تأخير تشكيل الحكومة فحسب، وإنما لأنه يصرّ على فتح ثغرة في الأفق المسدود ليعيد الاعتبار للمبادرة الفرنسية، وهذا ما لا يروق لباسيل ومن خلاله عون، وينقل عن قطب نيابي قوله إن بري يتمسك بالحريري رئيساً للحكومة لأنه يتمسك في المقابل ببقاء لبنان واتفاق الطائف.
ويرى أن باسيل لا يخفي انزعاجه من بري الذي بات يشكل رافعة لتشكيل الحكومة من جهة ويُطبق عليه الحصار السياسي من جهة ثانية، وإلا لماذا تذرّع بتأخّر البرلمان عن إقرار البطاقة التموينية، مع أنه لم يتردد فور إرسال مشروع القانون الموقّع من عون ورئيس الحكومة المستقيلة حسان دياب في هذا الخصوص بطلب إحالته على اللجان النيابية المشتركة لدراسته.
ويلفت إلى أن بري استخدم «الخط العسكري» في إرساله لمشروع القانون هذا، مع أن تمويل كلفة سريان مفعول البطاقة ليستفيد منها مستحقوها سيتم من «حواضر البيت» أي مما تبقى من الاحتياط لدى مصرف لبنان في ظل تلكؤ من يعنيهم الأمر عن الدخول في مفاوضات جدية مع صندوق النقد الدولي.
ويعتبر أن «العهد القوي» لم ينفك عن الخوض في المزايدات الشعبوية لتلبية احتياجات السواد الأعظم من اللبنانيين، مكتفياً بالبيانات الإعلامية اليومية لمكافحة الجوع الذي يدق أبواب اللبنانيين ويهددهم بلقمة عيشهم، ويقول إن «التيار الوطني» دخل على خط المزايدات وأعد اقتراح قانون في هذا الخصوص بعد أيام من تسلم رئاسة المجلس مشروع القانون، وما كان من بري أن ألحقه به وطلب إحالته على اللجان.
لذلك، فإن الاعتذار في حال حصوله سيأتي كخيار أخير من الخيارات المطروحة وسيتلازم مع وضع خطة تحرك ستكون بمثابة بدء معركة مفتوحة مع العهد ووريثه يراد منها رسم الخطوط الحمر لما بعد الاعتذار لا يمكن تجاوزها وتحديداً من قبل من يقدّمون أنفسهم لخلافة الحريري بتشكيل الحكومة، وهم على علاقة مع باسيل.
كما أن الخطة، التي ستُدرج على جدول أعمال المناوئين لـ«العهد القوي» الذي أطاح بالمرجعية التي أمّنها له الدستور ليكون الجامع بين اللبنانيين، ستضع من يطمح لخلافة الحريري في موقع انتحاري إذا ما وجد نفسه في مواجهة مع مرشح بديل يتبنى المواصفات التي تمسك بها الرئيس المكلف؛ خصوصاً أن الرهان على اللقاء التشاوري النيابي كمعارض للحريري لا يعكس الواقع السياسي الراهن بعد انفتاح الأخير على النواب عبد الرحيم، وجهاد عبد الصمد، وعدنان طرابلسي ممثل جمعية المشروعات الخيرية (الأحباش) في البرلمان.
وعليه، فإن إحياء لقاء البياضة الذي جمع المعاونين السياسيين لرئيس البرلمان النائب علي حسن خليل، والأمين العام لـ«حزب الله» حسين خليل، بباسيل، لم يعد ممكناً، بعد أن أقحم الأخير نفسه في اشتباك سياسي غير مسبوق مع بري، قوبل بأعنف هجوم لا مثيل له من قبل قيادات حركة «أمل» وانضمت إليهم لاحقاً المحطة التلفزيونية «الشبكة اللبنانية للإرسال» التابعة لبري في مقدمة نشرتها الإخبارية، مساء أول من أمس، التي شنّت هجوماً من العيار الثقيل.
ويبقى السؤال؛ كيف سيتصرف «حزب الله»؟ وهل تصلح أدواته السياسية السابقة التي كان يستخدمها لإصلاح ذات البين بين حليفين؛ خصوصاً أن إصراره على التموضع في منتصف الطريق يعني أنه ماضٍ بلعب دور «شيخ صلح» بينهما، علماً بأن البادئ في فتح النار على رئيس البرلمان كان باسيل؟
فـ «حزب الله» بات محشوراً في الزاوية، لأنه لا يستطيع أن يرأب الصدع بين حليفيه اللذين لم تعد بينهما كيمياء سياسية يمكن التعويل عليها لإنهاء الخلاف الذي بدأ بالتباين حول تشكيل الحكومة، ولن ينتهي إلا بتوفير الشروط لولادتها.



السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تطلع بلاده إلى وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق وإعلاء مبدأ حسن الجوار، وذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وجدد السيسي «إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «هذه الدول لم تؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل أسهمت في جهود خفض التصعيد ودعمت المفاوضات الإيرانية - الأميركية سعياً للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة».

وأعرب الرئيس المصري، خلال الاتصال، «عن أسف بلاده للتصعيد الراهن وقلقها البالغ من انعكاساته السلبية على استقرار المنطقة ومقدرات شعوبها»، كما استعرض الجهود المصرية المبذولة لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التشديد على «ضرورة التحلي بالمرونة» في هذا السياق، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

جاهزية قتالية متقدمة ويقظة رفيعة في المنظومة الدفاعية لدول الخليج (أ.ب)

وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، إلى أن الرئيس الإيراني أكد «أن بلاده شاركت في جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما شدد على حرص بلاده على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية».

وتناول الاتصال، وفق بيان الرئاسة المصرية، السبل الممكنة لإنهاء التصعيد، وجدد السيسي التأكيد على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، مؤكداً «ضرورة احترام الجميع للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
TT

الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)

منذ 8 أعوام لم يتذوق مختار قاسم، وهو موظف عمومي، الأطعمة الرمضانية إلا في أوقات نادرة، بعد أن أجبره انقطاع راتبه على نقل عائلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مسقط رأسه في ريف محافظة تعز (جنوب غرب)، فيمَ يتنقل هو بين عددٍ من المحافظات للعمل في عدة مهن حسب الطلب.

ويقول قاسم إنه كان في البداية يتحسر على عدم حصوله على الأطعمة الرمضانية، إلا أنه وبعد عمله في نقل مساعدات غذائية خلال الأسابيع الأخيرة إلى مخيمات النزوح في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، شعر بالامتنان لنفسه لأنه يستطيع توفير تلك الأطعمة لعائلته، بعد أن شاهد آلاف النازحين يفطرون بالماء والخبز وقليل من الأرز.

ودفع التدهور المعيشي والاقتصادي الآلاف من العائلات اليمنية في مختلف المحافظات إلى التنازل عن إعداد الأطباق الرمضانية المتنوعة، والاكتفاء بما تيسر لها من وجبات متواضعة، في وضع ساوى بين مختلف الشهور وشهر رمضان الذي يحظى بحميمية خاصة لدى اليمنيين، في حين تراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي وتوقف الكثيرون عن إقامة موائد الإفطار لأقاربهم وأصدقائهم.

تبدي أميرة سلام، وهي ربة منزل ومعلمة في صنعاء، حزنها لعدم قدرتها على إعداد كامل الأصناف الرمضانية المعتادة، واكتفائها كل يوم بصنف واحد تقدمه لعائلتها بعد أن توقف راتب زوجها الذي لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، في حين لا يكفي راتبها لسد كافة الاحتياجات والمتطلبات.

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (أ.ب)

وتكشف عن اكتفاء عائلتها بتناول طبق «الشفوت» يومياً، الذي يتكون من الخبز واللبن الرائب أو الزبادي، أما الشورية والباجية، وهي فلافل يتم تحضيرها من اللوبياء، والكاتلكس (بطاطس محشوة)، والسنبوسة، فيتم تناول كل واحدة منها مرة في الأسبوع، ومثلها الحلويات المسماة بنت الصحن والرواني والشعوبية.

وأوقفت الجماعة الحوثية منذ نحو 10 أعوام رواتب غالبية الموظفين العموميين في مناطق سيطرتها، في حين يشكو الكثير من السكان هناك، تحتكر الإشراف على تقديم المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من المنظمات الدولية وفاعلي الخير للمحتاجين.

تناقض سعري منهك

يتهم خبراء ماليون واقتصاديون الحوثيين بفرض سعر ثابت وغير عادل للعملات الأجنبية (535 ريالاً للدولار)، بهدف الاستفادة من الفارق بين هذا السعر والسعر الحقيقي لصالح الجماعة، في حين تواصل المواد الاستهلاكية ارتفاع أسعارها بدون أي ضوابط.

تراجع المعونات الغذائية لليمنيين خلال السنوات الأخيرة حرمهم من توفير الوجبات الأساسية (أ.ف.ب)

وعلى نقيض ذلك تتحرك الأسعار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وفقاً لأسعار صرف العملات الأجنبية، إلا أن السكان والمختصين الاقتصاديين يقولون إن التعافي الذي شهدته العملة في صيف العام الماضي لم يؤدِ إلى تراجع أسعار المواد الاستهلاكية.

وشهد شهر رمضان هذا العام عزوفاً مضاعفاً عن الاستهلاك، برغم الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية، بعد أسابيع من إخماد التمرد جنوب وشرق البلاد، وما تبع ذلك من وقف الكثير من أعمال الابتزاز بحق التجار والبضائع المنقولة والجبايات غير القانونية.

ويسعى عمار محمد، وهو اسم مستعار لمتعهد مقاولات صغيرة في صنعاء، لإقامة مائدة واحدة على الأقل لعماله خلال الأيام المتبقية من رمضان، بعد أن عجز عن ذلك طوال الأيام الماضية بسبب حرمانه من التصرف بأرصدته البنكية من قبل الجماعة الحوثية، وهو الذي كان يقيم موائد رمضانية يومية في السابق.

من جهته أرسل مختار قاسم لعائلته مبلغاً مالياً منذ أيام، وطلب منها شراء كافة الاحتياجات الضرورية لما تبقى من رمضان مع وعدٍ لها بأن يلتحق بها قبل انقضاء الشهر، ممنياً نفسه بالحصول على بعض الوجبات التي افتقدها خلال السنوات الأخيرة، ودعوة أقاربه إلى إفطار جماعي في منزل والده.

يمنية نازحة تعدّ وجبة فقيرة متواضعة لأطفالها (رويترز)

وبرغم تحسن وضع العملة المحلية نسبياً، فإن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع المعيشي لليمنيين بشكل لافت، فهذا التحسن جاء بإجراءات رسمية اتخذتها الحكومة والبنك المركزي بعد أشهر من التدهور السريع للعملة، لتستعيد جزءاً من قيمتها دون أثر كبير على الأسعار والمعيشة.

إفقار المطبخ اليمني

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، يتحول هاجس السكان نحو تلبية احتياجات العيد، إلا أن العديد منهم يبذلون جهوداً لعدم السماح له بالرحيل دون توفير بعض متطلباته التي لم يستطيعوا توفيرها منذ بدايته، حيث يحاول المغتربون إنجاز أعمالهم والسفر إلى عائلاتهم مبكراً.

يشير الناشط السياسي والاجتماعي في مدينة تعز، صلاح أحمد، إلى أن الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة ألقيا بأثر كبير على مختلف مظاهر الحياة، بما في ذلك المظاهر الاجتماعية الرمضانية وعاداتها الغذائية.

أطفال نازحون يتلقون مساعدات غذائية لعائلاتهم قبل أعوام في الحديدة (أ.ف.ب)

ويبين أن المدينة، وبقدر ما شهدت ظهور الكثير من الأثرياء الجدد الذين صنعت الحرب ثرواتهم باستغلال معاناة سكانها، فإن الغالبية يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة يتضاعف أثرها خلال شهر رمضان الذي افتقر خلال الأعوام الأخيرة لمظاهره المعتادة، وتراجع تكافل الناس فيه بشكل كبير.

وبحسب أحمد، كانت العائلات سابقاً تتبادل الوجبات التي يجري إعدادها، وبرغم التشابه الكبير بينها، فإن لكل ربة منزل لمستها المختلفة، وهو ما كان يجعل كل مائدة في كل منزل تحتوي تنوعاً حتى في الأصناف نفسها المعتادة، ما يضفي حميمية دائمة على الأجواء الرمضانية خسرها الأهالي بسبب الحرب.

وفي حين يبدي الكثير حسرتهم بسبب عدم حصولهم على الوجبات الرمضانية التي تعودوا عليها منذ طفولتهم، يُتَوقع أن تؤثر الأوضاع المعيشية الصعبة على تراث المطبخ اليمني، وتدفع السكان إلى عادات غذائية فقيرة في المستقبل.


حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
TT

حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)

أقدم الحوثيون على تنفيذ حملات تعسف استهدفت بالإغلاق والهدم أسواقاً ومتاجر ومنازل في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، وذلك في سياق عملية مُمنهجة، ظاهرها «إزالة العشوائيات» وباطنها فرض مزيد من الإتاوات غير القانونية.

ووفق ما ذكرته مصادر محلية في إب لـ«الشرق الأوسط»، فإن حملة التعدي التي أطلقتها الجماعة، عبر ما يُسمى «مكتب الأشغال العامة» و«إدارة المرور»، أغلقت سوقين شعبيين وطردت التجار والباعة، كما هدمت منازل عدة بعضها طور الإنشاء في المنطقة الخامسة بمديرية الظهار جنوب مدينة إب (مركز المحافظة).

واشتكى مُلاك منازل ومحلات تجارية طالهم التعسف الحوثي، وأوضحوا لـ«الشرق الأوسط»، أن الجماعة تشنّ حملات تستهدف منازلهم ومصادر عيشهم تحت مبررات غير قانونية.

باعة أرصفة يتعرضون للابتزاز من قبل مسلحين حوثيين (فيسبوك)

وقال مراد، وهو اسم مستعار لمالك بسطة تجارية بمديرية الظهار لـ«الشرق الأوسط»، إن الحملة باغتتهم دون سابق إنذار، موضحاً: «نعتمد على هذه البسطة منذ سنوات لإعالة أسرنا، وفجأة جاءت الجرافات ومعها مسلحون وطلبوا منا إخلاء المكان خلال دقائق قليلة جداً، ثم بدأوا بهدم كل شيء». ولفت إلى أن الإجراءات تمت هذه المرة كسابقاتها بطريقة قاسية، مؤكداً أن كثيراً من المُتضررين لم تُمنح لهم فرصة لنقل ممتلكاتهم أو بضائعهم.

اتساع التعسف

في مديرية العدين (جنوب غرب إب) استخدمت الحملة الحوثية - التي أشرف على تنفيذها قيادات في الجماعة - 4 جرافات لاستهداف مُمتلكات السكان ومصادر عيشهم.

وأوضح سكان لـ«الشرق الأوسط»، أن مشرفين حوثيين برفقة عربات ومسلحين نفذوا حملات دهم استهدفت بالإغلاق «السوق المركزي» الكائن وسط المدينة، إلى جانب تجريف وإزالة لعدد من البسطات والمحلات الصغيرة والأكشاك التي يعتمد عليها مئات المواطنين كمصدر رئيسي للعيش.

تعرض متاجر للهدم الحوثي في مديرية العدين بمحافظة إب (فيسبوك)

وبحسب السكان، فإن هذه الحملات لم تقتصر على إزالة ما تصفه الجماعة بالمخالفات، بل طالت ممتلكات قائمة منذ سنوات، دون تقديم بدائل مناسبة للمتضررين أو مراعاة للأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السكان في ظل تدهور الأوضاع المعيشية.

وأوضح عدد من المتضررين أن الحملة نفذت بشكل مفاجئ، ولم تمنح أصحاب البسطات والعربات أي مهلة لإخلاء مواقعهم، قبل أن تباشر الجرافات بعملية الهدم والتجريف، ما أدى إلى خسائر مادية كبيرة، وقطع مصادر دخل أسر كاملة.

ويتحدث بائع خضروات في سوق العدين لـ«الشرق الأوسط»، عن أن مصدر دخله الوحيد اختفى خلال دقائق جراء حملة التعدي الحوثية، وأضاف: «ليس لدينا عمل آخر. بعد التجريف أصبحنا بلا عمل ولا نعرف كيف سنوفر احتياجات أسرنا».

وبررت الجماعة الحوثية استهدافها أملاك السكان ومصادر رزقهم بأنه ضمن ما تُسميه خُطة لتنظيم المدن وإزالة العشوائيات، إلا أن ناشطين يرون أن الحملة تفتقر إلى أبسط مقومات التخطيط العادل، وتستهدف الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع، دون بدائل ومعالجات حقيقية.

خوف متصاعد

يتخوف السكان في المحافظة اليمنية ذات الكثافة السكانية العالية (إب)، من توسع نطاق هذه الحملات لتشمل بمقبل الأيام أسواقاً ومتاجر في مديريات أخرى، الأمر الذي يُهدد بفقدان المزيد من المواطنين مصادر رزقهم في ظل غياب أي برامج دعم أو تعويض.

قيادات حوثية تشرف على حملات الاستهداف في إب (فيسبوك)

ولفت السكان إلى أن المئات من ملاك الأسواق والتجار والباعة باتوا خائفين لكون مصدر رزقهم مُهدداً، في ظل ظروف معيشية صعبة وقاسية، إذ إن أي خسارة تعني أن أسراً كاملة ستفقد قدرتها على العيش.

وطالب السكان والناشطون في المحافظة بوقف هذه الحملات، وإيجاد حلول تنظيمية تراعي أوضاع المواطنين، وتضمن عدم الإضرار بمصادر عيشهم، مؤكدين أن معالجة العشوائيات وتنظيم المدن يجب أن يتمّا عبر خطط حضرية واضحة وتوفير بدائل مناسبة للمتضررين، وليس عبر المصادرة والهدم المفاجئ والتجريف القسري.