رسائل «تحذير» لروسيا والصين في ختام قمة «السبع»

بايدن أشاد بعودة أميركا الكاملة إلى الساحة الدولية

جونسون يترأس اجتماعا لقمة السبع في كاربيس باي أمس (أ.ف.ب)
جونسون يترأس اجتماعا لقمة السبع في كاربيس باي أمس (أ.ف.ب)
TT

رسائل «تحذير» لروسيا والصين في ختام قمة «السبع»

جونسون يترأس اجتماعا لقمة السبع في كاربيس باي أمس (أ.ف.ب)
جونسون يترأس اجتماعا لقمة السبع في كاربيس باي أمس (أ.ف.ب)

كرّست «قمة السبع»، التي اختتمت أعمالها، أمس، في كورنوال، عودة الولايات المتحدة إلى تحالفاتها التقليدية، ودورها «القيادي» في الساحة الدولية، كما وجّهت تحذيرات صريحة لروسيا، ودعوات حازمة للصين، باحترام حقوق الإنسان، والسماح بتحقيق شفاف في منشأ فيروس «كورونا».
وشهدت القمة التي استمرت ثلاثة أيام، جنوب غربي إنجلترا، وهي الأولى منذ نحو عامين، دفعاً باتّجاه دينامية جديدة تقوم على تعدد الأقطاب، تقودها الولايات المتحدة. كما سعى قادة «دول السبع» إلى إظهار وحدة صف حول الملفات الكبرى التي تواجه العالم، بدءاً بالتغيّر المناخي وإنعاش الاقتصاد وتجاوز الجائحة، وصولاً إلى التصدي لممارسات روسيا والصين.
- ترحيب بـ«عودة» أميركا
بدا الرئيس الأميركي جو بايدن راضياً عن نتائج القمة، في مؤتمره الصحافي الختامي، أمس، إذ أراد أن يعلن من خلال زيارته الخارجية الأولى عودة الولايات المتحدة إلى الساحة الدولية بعد «انعزالها» في عهد دونالد ترمب، ورصّ صفوف حلفائه البريطانيين والفرنسيين والألمان والإيطاليين واليابانيين والكنديين في مواجهة موسكو وبكين.
وأشاد بايدن بالقمة التي عكست (على حد قوله) «تعاوناً وإنتاجية استثنائيين». وقال للصحافيين قبل مغادرته للقاء الملكة إليزابيث الثانية في ويندسور أمس: «عادت أميركا إلى الساحة بحضور كامل»، في الشؤون الدولية، مشيراً إلى أن الدفاع المتبادل عن حلف شمال الأطلسي «واجب مقدّس»، وأن القوى الديمقراطية تخوض «منافسة مع تلك الاستبدادية».
من جهتها، اعتبرت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، أن وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض أعطى «زخماً جديداً» لأعمال المجموعة. وقالت ميركل التي كانت علاقاتها صعبة جداً مع الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، للصحافة، إن «انتخاب جو بايدن رئيساً للولايات المتحدة لا يعني أنه لن يعود لدينا مشاكل في العالم، لكن بات بإمكاننا العمل بزخم جديد لحلّها»، كما نقلت عنها «وكالة الصحافة الفرنسية».
وبعد مغادرته بريطانيا، يتجه الرئيس الأميركي إلى بروكسل للمشاركة في قمة لحلف شمال الأطلسي، قبل لقاء مرتقب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بعد غد (الأربعاء)، في جنيف.
- دعوات حازمة لبكين
هيمنت التحديات التي تطرحها الصين على أعمال القمة الحضورية الأولى لقمة السبع منذ قرابة عامين. وحضّ القادة بكين على التعاون مع «منظمة الصحة العالمية» لإجراء تحقيق «شفاف» في مرحلته الثانية بشأن مصدر وباء «كوفيد - 19». وقالت الدول الصناعية السبع في بيانها الختامي: «ندعو إلى تحقيق شفاف وعلمي في مرحلته الثانية يقوده خبراء، وتجريه (منظمة الصحة العالمية) بشأن مصدر (كوفيد – 19) يشمل، بحسب توصيات تقرير الخبراء، الصين».
إلى ذلك، دعت مجموعة السبع الصين إلى «احترام حقوق الإنسان» في كل من إقليم شينجيانغ (غرب) حيث تتهم بكين بارتكاب انتهاكات ضد الأقليات، وهونغ كونغ حيث تستهدف الناشطين المدافعين عن الديمقراطية.
وجاء في البيان الختامي: «سنشجّع على قيمنا، بما في ذلك دعوة الصين إلى احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية، خصوصاً فيما يتعلق بشينجيانغ و(احترام) تلك الحقوق والحريات ودرجة عالية من الحكم الذاتي لهونغ كونغ»، وهو أمر ينصّ عليه اتفاق تسليم بريطانيا للمدينة عام 1997.
وفيما اعتبر بيان القمة رسالة تحذير لبكين، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أمس إن مجموعة الدول السبع «ليست نادياً مناهضاً للصين». وأوضح ماكرون خلال مؤتمر صحافي، أن «تجمع الديمقراطيات» يسعى إلى «العمل مع الصين بشأن كافة القضايا العالمية» بمعزل عن الخلافات.
- تحذير مباشر لموسكو
إلى جانب الصين، عبّرت «مجموعة السبع» عن موقف موحد من موسكو، وطالبتها بـ«وقف أنشطتها المزعزعة للاستقرار» بما في ذلك التدخلات، كما دعتها إلى احترام حقوق الإنسان، متوعّدة بـ«محاسبة» المسؤولين عن تنفيذ هجمات إلكترونية انطلاقاً من الأراضي الروسية.
وأعلن قادة دول المجموعة في البيان الختامي: «ندعو روسيا إلى إجراء تحقيق عاجل وإلى تقديم شرح ذي مصداقية وإعطاء توضيحات ذات مصداقية حول استخدام أسلحة كيميائية على أراضيها، وإلى وضع حد للقمع الممنهج للمجتمع المدني ولوسائل الإعلام المستقلة، وإلى كشف المسؤولين عن شن هجمات إلكترونية بواسطة برمجيات الفدية من داخل أراضيها».
وتمهيداً للقائه مع بوتين الأربعاء، تعهد بايدن بأن يكون «واضحاً بدرجة كبيرة» مع نظيره الروسي بشأن مجموعة قضايا تثير قلق الولايات المتحدة حيال موسكو. ودافع الرئيس الأميركي عن قراره عدم الظهور علناً إلى جانب بوتين خلال اجتماعهما المرتقب في جنيف، قائلاً إن الأمر «ليس سباقاً بشأن مَن يستطيع القيام بأداء أفضل في مؤتمر صحافي نحاول خلاله أن يحرج واحدنا الآخر. الأمر يتعلق بتوضيح موقفي بدرجة كبيرة بشأن ماهية شروط تحسين العلاقة مع روسيا. لا نسعى إلى نزاع».
وتابع أن بوتين كان محقاً في قوله إن العلاقات بين بلديهما تدهورت. وأضاف بايدن للصحافيين في ختام قمة دول مجموعة السبع: «اسمحوا لي بأن أوضح أنه على حق؛ لقد تدهورت (العلاقات)، ويعتمد الأمر على كيفية تصرفه بما يتماشى مع المعايير الدولية، وهو ما لم يفعله في كثير من الحالات».
- طي صفحة «كوفيد ـ 19»
كانت خطة تجاوز أزمة «كوفيد - 19» من أبرز عناوين هذه القمة، إذ تعهدت مجموعة السبع بتوزيع أكثر من مليار جرعة من اللقاحات المضادة لفيروس «كورونا» بحلول نهاية العام 2022، على أمل القضاء على الجائحة، وفق ما أعلن رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، أمس.
وقال جونسون خلال مؤتمر صحافي: «طالبت نظرائي بالمساعدة في تحضير الجرعات اللازمة وتوفيرها من أجل تلقيح العالم بحلول نهاية عام 2022». وأضاف: «لقد تعهد قادة الدول توفير أكثر من مليار جرعة» عبر التمويل أو آلية «كوفاكس».
من جهته، قال شارل ميشال، رئيس المجلس الأوروبي، الذي شارك في أعمال القمة إن «مجموعة السبع» وافقت على تكثيف إنتاجها من اللقاحات المضادة لـ«كوفيد - 19»، وتسليمها في أنحاء العالم. وأضاف ميشال، في رسالة مصورة على «تويتر»: «الأولوية هي ضمان قدرتنا على تلبية الطلب على اللقاحات، وهنا يتولى الاتحاد الأوروبي زمام القيادة. وانضم لنا شركاء الآن لتسريع إنتاج اللقاحات وتوزيعها في أنحاء العالم».
- تعهدات بيئية
ركزت أعمال القمة، أمس، على المناخ، وهو تحدّ كبير بالنسبة للمملكة المتحدة التي تستضيف في نوفمبر (تشرين الثاني) قمة الأمم المتحدة الكبيرة حول المناخ «كوب 26». وينوي قادة «مجموعة السبع» وقف تدهور التنوع البيولوجي بحلول عام 2030، عبر حماية 30 في المائة على الأقل من الأراضي والبحار، فيما ستُطلق لندن صندوقاً بقيمة 500 مليون جنيه إسترليني (أكثر من 582 مليون يورو) لحماية المحيطات والنظم البيئية البحرية، في دول مثل غانا وإندونيسيا.
وصرّح جونسون بأن «حماية كوكبنا هو الأمر الأهمّ الذي يمكن أن نفعله كقادة من أجل شعوبنا. هناك علاقة مباشرة بين تخفيض الانبعاثات، وترميم البيئة، وخلق الوظائف وضمان نمو اقتصادي على المدى الطويل».
وكرّر القادة أيضاً التزامهم تخفيض انبعاثات الغازات الدفيئة إلى النصف بحلول عام 2030، ووقف اعتباراً من هذا العام المساعدات الحكومية لمحطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم. والهدف من هذه الإجراءات هو الحدّ من ارتفاع حرارة الأرض إلى ما دون 1.5 درجة مئوية مقارنة بالمستوى المسجل قبل الثورة الصناعية، وهو عتبة يعتبر العلماء أن بتخطيها سيصبح التغيّر المناخي خارج عن السيطرة.
وحذّر عالم الطبيعة المخضرم ديفيد إتنبراه (95 عاماً) من أن «القرارات التي نتخذها خلال هذا العقد (...) هي من بين الأكثر أهمية في التاريخ البشري». ويرى الناشطون البيئيون أن هذه الإعلانات «ضعيفة»، فهم يريدون أن تكون هناك أفعال أكثر وكلام أقل، كما ذكّروا بشكل صاخب أثناء مظاهرات في كورنوال.
- صندوق البنى التحتية
تطرّقت «مجموعة السبع»، أمس، أيضاً، إلى الشقّ البيئي من خطة عالمية واسعة النطاق للبنى التحتية طُرحت السبت من أجل الدول الفقيرة في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، للتشجيع على نمو أخضر عبر تحفيز الاستثمارات في الطاقات المتجددة والتكنولوجيا النظيفة، بحسب رئاسة الوزراء البريطانية.
وأكّد بايدن أن صندوق البنى التحتية العالمي سيكون «أكثر إنصافاً بكثير» من «مبادرة حزام وطريق» الصينية، داعياً بكين لاحترام المعايير الدولية. وقال إن مشروع الدول الصناعية السبع الذي أطلق عليه «إعادة بناء العالم بشكل أفضل» لتطوير البنى التحتية في الدول النامية يُعدّ «التزاماً بالغ الأهمية». وتابع: «على الصين أن تبدأ التصرف بشكل أكثر مسؤولية فيما يتعلّق بالمعايير الدولية المرتبطة بحقوق الإنسان والشفافية».
وأُطلق هذا المشروع بناء على مبادرة قام بها بايدن الذي تمثل مواجهة الصين أولوية في برنامجه السياسي. ويُفترض أن ينافس المشروع «طرق الحرير الجديدة»، وهو استثمار ضخم قامت به بكين لزيادة نفوذها في الخارج. وسُمّي المشروع «إعادة بناء العالم بشكل أفضل»، ومن شأنه أن يساعد الدول المعنية فيه على التعافي من أزمة وباء «كوفيد - 19»، عبر التركيز على المناخ والصحة والقطاع الرقمي ومكافحة التفاوتات.
- إصلاح النظام الضريبي
دعمت مجموعة الدول الصناعية السبع، أمس، تأسيس نظام ضريبي «أكثر إنصافاً»، يفرض حداً أدنى للضرائب على الشركات، ويشمل حملة مشتركة ضد التهرّب الضريبي، في إطار ما وصفتها بجهود رامية لتقليص عدم المساواة. واتفق القادة خلال القمة على «ضمان ازدهارنا المستقبلي عبر الدفاع عن تجارة أكثر حرية وإنصافاً، في إطار نظام تجاري يتم إصلاحه واقتصاد عالمي أكثر مرونة، ونظام ضريبي عالمي أكثر إنصافاً».


مقالات ذات صلة

مقتل 22 شخصاً على الأقل جراء أمطار غزيرة في البرازيل

العالم طرق مغطاة بالطين في جنوب شرقي البرازيل بعد هطول أمطار غزيرة (د.ب.أ)

مقتل 22 شخصاً على الأقل جراء أمطار غزيرة في البرازيل

كشفت السلطات المحلية اليوم الثلاثاء أن ما لا يقل عن 22 شخصاً لقوا حتفهم بعد هطول أمطار غزيرة على ولاية ميناس جيرايس جنوب شرقي البرازيل.

«الشرق الأوسط» (برازيليا)
يوميات الشرق الشتاء في فنلندا يستمر ما بين مائة ومائتي يوم (رويترز)

حيث لا يذوب الجليد: ما أكثر دول العالم برودة؟

تشهد ولايات عدة في شمال شرقي الولايات المتحدة حالياً عاصفة ثلجية قوية، دفعت السلطات إلى إصدار تحذيرات لأكثر من 40 مليون نسمة، بسبب سوء الأحوال الجوية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الولايات المتحدة​ باراك أوباما مع ترمب خلال جنازة الرئيس جيمي كارتر (أ.ف.ب)

ترمب ينقض قرارات أوباما المناخية بعدّها «عملية احتيال»

نقض الرئيس الأميركي دونالد ترمب قرارات اتخذها سلفه باراك أوباما عام 2009 كأساس لجهود الولايات المتحدة في تنظيم انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

إدارة ترمب ستلغي الأساس القانوني للتشريعات الأميركية المتصلة بالمناخ

من المقرر أن يلغي الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، نصاً يُشكّل الأساس القانوني للتشريعات التي تُكافح انبعاث غازات الدفيئة في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
بيئة سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

أعلن مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي ومعهد «بيركلي إيرث» الأميركي، الأربعاء، أن 2025 كان ثالث أحرّ الأعوام المسجلة على مستوى العالم.

«الشرق الأوسط» (باريس)

إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
TT

إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)

فُقد ثلاثة بحّارة إندونيسيين بعد غرق سفينة قاطرة، الجمعة، في مضيق هرمز، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية الإندونيسية.

وأفادت الوزارة في بيان أن «ناجياً إندونيسياً يعالَج حالياً من حروق بمدينة خصب في عُمان. وما زالت السلطات المحلية تبحث عن الإندونيسيين الثلاثة الآخرين»، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وشهدت السفينة قبل أن تغرق انفجاراً تسبّب في اندلاع حريق، وفق بيان الوزارة التي أشارت إلى فتح تحقيق.

 

 

وأثارت الحرب اضطرابات في الأسواق العالمية وارتفعت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ عدة سنوات مع إغلاق مضيق هرمز فعلياً.


في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

يتخوّف العالم من تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، ومن احتمال توسّعها، ودخول أطراف أخرى فيها لتتحوّل إلى حرب عالمية تحمل الرقم ثلاثة، مع العلم أن ثمة من يرى أن هذه الحرب بدأت قبل سنوات من دون أن تتخذ الطابع العسكري والجغرافي الكلاسيكي المباشر.

وفي السياق، يتساءل كثيرون في واشنطن عمّا يعنيه الهجوم على إيران بالنسبة إلى الصين. وهؤلاء هم من «صقور» السياسة الذين يضعون روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران في محور واحد موحّد يعمل لضرب قوة الولايات المتحدة، وإعادة تشكيل النظام الدولي.

من هنا ترى بعض الأوساط المتشددة في واشنطن أن الحرب الراهنة تشكّل في بُعدها الأعمق خطوة استراتيجية ضد الصين التي لا خلاف في أروقة السياسة الخارجية الأميركية على كونها الخصم الأول الذي يهدّد مكانة بلادهم، ومرتبتها الأولى في الاقتصاد، والسياسة، والقوة العسكرية، وباختصار في النفوذ العالمي.

ما هي إذن أسباب الصدام المحتمل بين أميركا والصين واحتمالات وقوعه؟

مقاتلتان أميركيتان من طراز «إف 18 - هورنيت» تقلعان من حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

السباق الاقتصادي

دخل الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين مرحلة حاسمة في عامي 2025 وبداية 2026، عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة، وهدنة هشة لاحقة أسفرت عنها محادثات في جنيف. وكانت هذه الحرب التجارية التي انطلقت في عام 2018 قد تصاعدت حدتها منذ عودة دونالد ترمب إلى سدّة الرئاسة في أوائل عام 2025.

بلغة الأرقام، يبلغ الناتج المحلي الصيني 20.6 تريليون دولار مع نمو متوقع نسبته 5 في المائة في 2026، مقابل 31.4 تريليون دولار، ونسبة نمو متوقع 2.2 في المائة في 2026 للولايات المتحدة. ويتوقع محللو «سيتي غروب» أن يتجاوز حجم الاقتصاد الصيني نظيره الأميركي في منتصف ثلاثينات القرن الحالي، تبعاً لوتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي في كل من البلدين. لكن آراء أخرى تقول إن الاقتصاد الصيني قد لا يتجاوز الاقتصاد الأميركي، أقلّه في المدى المنظور، بالنظر إلى القوة الهائلة، والمزايا الجيوسياسية التي تتمتع بها الولايات المتحدة على الصين.

ويقول الباحث يانجونغ هوانغ في تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية (مقرّه نيويورك): «قبل سنوات، تحدث الرئيس الصيني شي جينبينغ عن صعود الشرق وتراجع الغرب للدلالة على أن الصين، بعد أن نهضت وتجددت، كانت على وشك أن تحل محل الحضارة الغربية المتراجعة، التي تمثلها الولايات المتحدة». إلا أن الموازين تبدّلت نسبياً، خصوصاً في مرحلة ما بعد جائحة «كوفيد 19»، إذ تعافى الاقتصاد الأميركي بقوة، في حين تعثر الاقتصاد الصيني، وتراجعت وتيرة نموّه، بحيث صار بعيداً عن نسبة 7 في المائة وما فوق التي حققها على مدى سنوات.

مهما يكن من أمر، سيبقى السباق الاقتصادي قائماً ومحموماً بين الجانبين اللذين يملك كل منهما أدواته: الصين تتسلح بروح الابتكار، والولايات المتحدة تستثمر نفوذها وجبروتها على مستوى العالم. ولا شك في أن واشنطن وبكين تنظر إحداهما إلى الأخرى بعين الحذر والتخوّف، لذا تمضي الأولى في سياسة التضييق على الثانية التي تمضي في سياسة بناء القوة العسكرية لتحصّن نفوذها الذي لا بد منه لتواصل تقدّمها الاقتصادي.

نقاط الاشتباك

في موازاة الاشتباك الاقتصادي–التجاري (الرسوم والمعادن النادرة ومبادرة «الحزام والطريق» وسوى ذلك...)، هناك نقاط اشتباك قد تتحول إلى فتائل اشتعال وتفجير يمكن تعدادها على النحو الآني:

1- بحر الصين الشرقي: تعيش الصين واليابان حالة توتر حاد في بحر الصين الشرقي، وطالما أن الولايات المتحدة تؤكد أن جزر سينكاكو (تسميها الصين دياويو) يجب أن تديرها اليابان -أي إنها تقع تحت مظلة الحماية التي يوفرها التحالف الأميركي الياباني-، فإن احتمال وقوع صدام بين بكين وواشنطن يبقى قائماً. بل إن اندلاع قتال بين الصين واليابان قد يرغم واشنطن على دعم طوكيو، وخوض مواجهة عسكرية مباشرة مع بكين.

2-بحر الصين الجنوبي: يصف الكاتب السياسي الأميركي روبرت كابلان بحر الصين الجنوبي بأنه «مرجل آسيا». وهو مسرح توتر دائم بين والصين والدول المشاطئة الأخرى، خصوصاً تايوان، والفلبين، وماليزيا، وبروناي، وإندونيسيا، وفيتنام، حليفة الولايات المتحدة. فمع إعلان بكين ما يُعرف بخط النقاط التسع الذي يقول عملياً إن المنطقة بحيرة صينية شاسعة، يبقى احتمال أن يشعل أي احتكاك أزمة أكبر قد تشعر الولايات المتحدة بأنها مضطرة للتدخل فيها، خصوصاً أن حجم الرهانات في هذه المياه كبير، لأن سلعاً تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات تسلك هذا الممر البحري الحيوي، وقد تكون تريليونات أخرى من الموارد كامنة تحته في شكل نفط، وغاز طبيعي، ومعادن ثمينة.

«لياوننغ» أول حاملة طائرات صنعتها الصين التي تملك الآن 3 حاملات (أرشيفية - رويترز)

3- تايوان: معلوم أن الصين لم تتخلَّ عن سياسة «صين واحدة» التي تؤكد أن تايوان جزء لا يتجزأ منها، وأنها ستستعيدها عاجلاً أم آجلاً عبر «إعادة التوحيد السلمي» في إطار دولة واحدة ونظامين، لكنها ترفض استبعاد استخدام القوة العسكرية، لا سيما إذا أعلنت تايوان استقلالها، أو تدخلت قوى أجنبية في الخلاف الذي قد يتحوّل إلى نزاع.

ومعلوم أيضاً أن الولايات المتحدة تتبنى سياسة «الصين الواحدة» التي تعترف بجمهورية الصين الشعبية مع تعزيز علاقات قوية وغير رسمية مع تايوان، بهدف الحفاظ على الوضع الراهن، ومعارضةً أي تغييرات أحادية الجانب من أي من الجانبين، مع تقديم الدعم العسكري الدفاعي لتايوان، ودعم مشاركتها في المنظمات الدولية من دون الاعتراف بها كدولة.

4- حادث عرَضيّ: قد يؤدي أي حادث عرضيّ في البحار أو الأجواء بين أميركا والصين إلى احتكاك عسكري فاشتباك، وربما ما هو أوسع. والموقع الأخطر في هذا السياق هو المحيط الهادئ، الأكبر في العالم، والذي يشكل ممراً حيوياً، بل شريان حياة للاقتصاد الصيني. فمن دون حرية الملاحة هناك ستصاب حركة التصدير ومعها الاقتصاد الصيني ككل بمقتل. ويجب ألا ننسى أن تحالف «أوكوس» الأمنيّ الثلاثي بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الذي أُعلن إنشاؤه في 15 سبتمبر (أيلول) 2021 يحمل هدفاً معلناً هو جعل المحيطين الهندي والهادئ مساحة مفتوحة، وآخر مضمراً هو إقفال ما أمكن من المسالك المائية في وجه الصين وطموحاتها.

العالم يترقّب

الواضح أن الصين التي نكرر أنها تعمل بدأب على تعزيز قوتها العسكرية التقليدية والنووية وبالطبع السيبرانية، تتجنب اتخاذ مواقف حادة وصدامية فيما يدور من صراعات، إلا أن صراعها الاقتصادي المرير مع الولايات المتحدة مستمر ومتصاعد. وبالتالي يجدر السؤال: هل يمكن لصاحبي الاقتصادين الأول والثاني في العالم ألا يتصادما؟

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

رغم أن فكرة وقوع هذا الصدام تبدو بعيدة، فإن عدد نقاط التوتر التي قد تشعل النزاع كبير بما يكفي لعدم استبعاد هذا الاحتمال تماماً، خصوصاً إذا قررت الصين اعتماد استراتيجية جيوسياسية مماثلة لما تعتمده أميركا...

هل سيعمل الطرفان النوويان على إيجاد سبل لخفض التوترات التي قد تقود إلى مواجهة عسكرية مباشرة ستشارك فيها أطراف أخرى مصطفة علناً وضمناً في عالم يعجز عن الخروج من سياسة المحاور والاستقطابات؟

تلك هي المسألة...


أميركا تضغط على سريلانكا لعدم الإفراج عن بحارة إيرانيين

سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
TT

أميركا تضغط على سريلانكا لعدم الإفراج عن بحارة إيرانيين

سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)

أظهرت برقية داخلية لوزارة الخارجية الأميركية، اطلعت عليها وكالة «رويترز» للأنباء، اليوم (الجمعة)، أن واشنطن ضغطت على حكومة سريلانكا لعدم إعادة الناجين من السفينة الحربية الإيرانية التي أغرقتها أميركا هذا الأسبوع، بالإضافة إلى طاقم سفينة إيرانية أخرى محتجزة لدى سريلانكا.

وأغرقت غواصة أميركية السفينة الحربية «آيريس دينا» في المحيط الهندي على بُعد نحو 19 ميلاً بحرياً من مدينة غالي الساحلية بجنوب سريلانكا، يوم الأربعاء، مما أسفر عن مقتل عشرات البحارة وتوسيع نطاق ملاحقة واشنطن للبحرية الإيرانية بشكل كبير.

وبدأت سريلانكا، أمس الخميس، في إنزال 208 من أفراد طاقم سفينة إيرانية ثانية، وهي سفينة الإمداد البحرية «آيريس بوشهر»، التي علقت في المنطقة الاقتصادية الخالصة لسريلانكا، لكن خارج حدودها البحرية.

وقال رئيس سريلانكا، أنورا كومارا ديساناياكي، إن بلاده تتحمل «مسؤولية إنسانية» لاستقبال الطاقم.

ويُعدّ استهداف الغواصة «دينا» بطوربيد -الذي وصفه وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث بأنه «موت هادئ»- أول عمل من نوعه تقوم به الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، ودليلاً واضحاً على اتساع النطاق الجغرافي للصراع الإيراني.

وذكرت البرقية الداخلية لوزارة الخارجية الأميركية المؤرخة في 6 مارس (آذار)، ولم تُنشر سابقاً، أن جاين هاول، القائمة بالأعمال في السفارة الأميركية في كولومبو، أكدت لحكومة سريلانكا ضرورة عدم إعادة طاقم «بوشهر» ولا الناجين من «دينا»، وعددهم 32، إلى إيران.

وجاء في البرقية: «ينبغي على السلطات السريلانكية الحد من محاولات إيران استخدام المعتقلين لأغراض دعائية».

ولم ترد وزارة الخارجية الأميركية بعد على طلب من «رويترز» للتعليق. ولم يتسنَ الحصول على تعليق فوري من ممثلي مكتب ديساناياكي ووزارة الخارجية السريلانكية.

وأفادت البرقية بأن هاول أبلغت السفير الإسرائيلي لدى الهند وسريلانكا بعدم وجود أي خطة لإعادة طاقم السفينة إلى إيران. وأضافت أن السفير سأل هاول عما إذا كان هناك أي تواصل مع الطاقم لتشجيعه على «الانشقاق».

ولم يرد ممثل السفارة الإسرائيلية في نيودلهي بعد على طلب للتعليق.

وقال نائب وزير الصحة والإعلام السريلانكي لـ«رويترز»، يوم الأربعاء، إن طهران طلبت من كولومبو المساعدة في إعادة جثامين ضحايا السفينة «دينا»، لكن لم يُحدد بعد إطار زمني لذلك.

وشاركت السفينة «دينا» في مناورات بحرية نظّمتها الهند في خليج البنغال الشهر الماضي، وكانت في طريق عودتها إلى إيران عندما أُصيبت بطوربيد أميركي.

وصرح مسؤول أميركي -شريطة عدم الكشف عن هويته- لـ«رويترز»، بأن السفينة «دينا» كانت مسلحة وقت استهدافها، وبأن الولايات المتحدة لم تُصدر أي تحذير قبل تنفيذ الضربة.

وأفادت برقية «الخارجية الأميركية» بأن السفينة الثانية، «بوشهر»، ستبقى رهن احتجاز سريلانكا طوال فترة النزاع.

وصرحت السلطات السريلانكية، الجمعة، بأنها تُرافق «بوشهر» إلى ميناء على الساحل الشرقي، وتنقل معظم طاقمها إلى معسكر للبحرية قرب كولومبو.