موسم المقايضات يهب على «معابر» سوريا... وممراتها

بايدن يبحث مع بوتين وإردوغان المساعدات الإنسانية «عبر الحدود»... وروسيا تركز على الخطوط بين «مناطق النفوذ»

صورة أرشيفية لقافلة أممية تحمل مساعدات بريف دمشق في يونيو 2016 (رويترز)
صورة أرشيفية لقافلة أممية تحمل مساعدات بريف دمشق في يونيو 2016 (رويترز)
TT

موسم المقايضات يهب على «معابر» سوريا... وممراتها

صورة أرشيفية لقافلة أممية تحمل مساعدات بريف دمشق في يونيو 2016 (رويترز)
صورة أرشيفية لقافلة أممية تحمل مساعدات بريف دمشق في يونيو 2016 (رويترز)

ستكون سوريا، بمعابرها الحدودية وممراتها الداخلية، ممدودة على مائدتي قمتي الرئيس الأميركي جو بايدن مع نظيريه التركي رجب طيب اروغان (غداً في بروكسل)، والروسي فلاديمير بوتين (في جنيف الأربعاء).
صحيح أن التركيز سيكون على إغاثة السوريين، مع اقتراب انتهاء صلاحية قرار إيصال المساعدات «عبر الحدود» في 11 يوليو (تموز) المقبل، لكن ملف المساعدات يخفي وراءه صراعاً جيوسياسياً بين واشنطن وموسكو وأنقرة سيشكل اتجاه حسمه مؤشراً للسنوات المقبلة.
وتربط موسكو بين ملفي «المعابر» الخارجية و«الممرات» الداخلية للضغط على الخصوم لفتح «شرايين» سوريا الاقتصادية، ومقابلة الضغوط الخارجية التي تربط فك العزلة ودعم الإعمار بتقدم العملية السياسية.
- روسيا... وتمرير القرار
بعد معركة دبلوماسية، وافقت موسكو في 2014 على تمرير القرار الدولي (2165) لإيصال المساعدات «عبر الحدود» إلى سوريا من خلال معابر «نصيب» مع الأردن، و«اليعربية» مع كردستان العراق، و«باب السلامة» و«باب الهوى» مع تركيا.
روسيا التي كانت قد أعربت عن خشيتها من تكرار سيناريو ليبيا «عبر تدخل الغرب عسكرياً من بوابة المساعدات الإنسانية»، وافقت على عدم استخدام حق النقض (الفيتو) استناداً إلى تطمينات غربية وقراءة للواقع، حيث كانت مناطق سيطرة قوات المعارضة في اتساع على حساب الحكومة. ومع تغير التوازن بعد التدخل العسكري الروسي نهاية 2015، غيرت موسكو من أولوياتها.
وقبل سنة، وفي يوليو (تموز) تحديداً، مع قرب انتهاء صلاحية القرار الدولي، اندلعت «حرب مسودات» في نيويورك، بين واشنطن وحلفائها من جهة، وموسكو وشركائها من جهة أخرى، استقرت على إصدار القرار (2533) لمدة سنة، مع شرط خفض البوابات الصالحة من ثلاث إلى واحدة، هي «باب الهوى» بين إدلب وتركيا (معبر نصيب ألغي بعد عودة قوات دمشق إلى الجنوب في 2018).
ومع بدء العد التنازلي لصلاحية هذا القرار، أشاعت روسيا أنها ستصوت ضد تمديد القرار (2533) كي ترسل الأمم المتحدة مساعداتها عبر دمشق، ضمن تصور روسي واسع يدفع باتجاه «شرعنة التعامل مع الحكومة السورية»، خصوصاً بعد الانتخابات الرئاسية، وفوز الرئيس بشار الأسد بولاية جديدة.
وعلى الرغم من سيطرة دمشق على نحو 65 في المائة من مساحة سوريا، مقابل نحو 25 في المائة لقوات تدعمها أميركا شرق الفرات، ونحو 10 في المائة لفصائل تدعمها أنقرة، لا تزال قوات الحكومة تسيطر فقط على 15 في المائة من الحدود، فيما الـ85 في المائة الباقية خاضعة لسيطرة حلفاء دمشق وخصومها، بما في ذلك سلطات الأمر الواقع في مناطق النفوذ الأخرى التي تسيطر أيضاً على معظم البوابات الحدودية الـ19 بين سوريا والدول المجاورة.

- ماذا عن أميركا؟
مع تسلم إدارة بايدن السلطة، كان واضحاً أن ملف المساعدات أساسي في أولوياتها، مقابل تراجع الملف السياسي والعسكري، إذ إن وزير الخارجية أنتوني بلينكن اختار ترؤس اجتماع في مجلس الأمن في مارس (آذار) الماضي لإطلاق حملة الدعم لتمديد القرار الدولي، بدل المشاركة في مؤتمر بروكسل للمانحين. وقال بلينكن في نيويورك: «أصبح الوصول إلى السوريين دونه عوائق أكثر أهمية من أي وقت مضى، ليس فقط بسبب الأزمة الإنسانية المتزايدة، ولكن أيضاً بسبب التهديد الذي يشكله فيروس (كوفيد - 19)»، بل إن بلينكن رفع سقف التوقعات والمطالب قائلاً: «دعونا نعيد الترخيص للمعبرين الحدوديين الذين تم إغلاقهما (اليعربية مع العراق وباب السلامة مع تركيا)، ونعيد ترخيص المعبر الحدودي الوحيد الذي لا يزال مفتوحاً (معبر باب الهوى مع تركيا)». وتابع: «يجب ضمان حصول السوريين على المساعدات التي يحتاجون إليها».
وقامت مندوبة أميركا في مجلس الأمن، ليندا توماس - غرينفيلد، بجولة على الحدود السورية - التركية لهذا الغرض، في وقت بعث فيه القيمون على لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس رسالة إلى بلينكن لحثه على الضغط على موسكو، جاء فيها: «حملة روسيا للقضاء على إيصال المساعدات الإنسانية عبر الحدود هي جزء من جهد أكبر للحفاظ على الوصول إلى شرق البحر المتوسط، وتشجيع المجتمع الدولي على إعادة تأهيل نظام الأسد، وفتح الباب أمام تمويل إعادة الإعمار الذي من شأنه ترسيخ نظام الأسد في السلطة، وتأمينه موطئ قدم استراتيجياً لروسيا».
وقبل يومين، أعلن مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، جيك سوليفان، عن أن بايدن سيبحث القضايا المتعلقة بسوريا مع بوتين، وقال: «ستكون سوريا على جدول الأعمال؛ موقفنا من قضية وصول المساعدات الإنسانية واضح جداً»، وتابع: «نعتقد أنه يجب أن يكون هناك ممرات إنسانية في سوريا لوصول المساعدات وإنقاذ الأرواح، وهذا بالتأكيد سيناقشه الرئيسان».
- نداء أممي... وقلق
ودعت الأمم المتحدة إلى تمديد العمل بالقرار، إذ أشار أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، في مارس (آذار) الماضي، إلى أن «إغلاق المعبر الحدودي الأخير المتبقي في سوريا سيوقف جهود توزيع لقاحات (كوفيد – 19) عبر شمال غربي البلاد، الأمر الذي سيخلف عواقب خطيرة على المنطقة الأوسع». وقال مارك لوكوك، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية منسق الإغاثة العاجلة: «في الوقت الذي نوفر فيه ألف شاحنة شهرياً من المساعدات عبر الحدود إلى داخل شمال غربي البلاد، لم نر حتى شاحنة واحدة تتجاوز الخط (الفاصل بين مناطق النفوذ)».
وتعد السلامة من الاعتبارات المثيرة للقلق لدى محاولة اجتياز الخط الأمامي. وفي 19 سبتمبر (أيلول) 2016، أفادت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بأن القوات السورية «خططت بدقة ونفذت بقوة» هجوماً ضد قافلة مشتركة بين الأمم المتحدة ومنظمة الهلال الأحمر السورية، ما أسفر عن مقتل 18 مدنياً، وتدمير إمدادات كانت في طريقها إلى مناطق تسيطر عليها المعارضة في حلب.
ونقلت الباحثة ناتا هيل، من «مركز الاستراتيجيات والدراسات الدولية»، عن وكالات إنسانية قولها إن الذين «يعيشون في شمال غربي البلاد يخشون من الأجهزة المشاركة في جهود توزيع المساعدات التي تتولى التنسيق مع الأجهزة الأمنية التابعة للحكومة، الأمر الذي يعرض متلقي المساعدات للخطر. وإنه في عام 2018، بعد انتهاء الحصار الذي استمر 5 سنوات لضواحي دمشق في شرق الغوطة، أعلنت منظمة الصحة العالمية واللجنة الدولية للصليب الأحمر أن الحكومة جردت قوافل مساعدات من 70 في المائة من الإمدادات الطبية».
ولعب مسؤولون أمميون في تركيا دوراً حيوياً خلال مناقشات مكاتب الأمم المتحدة في دمشق وعنتاب وعمّان حول وصف الأوضاع في سوريا. وكانت المنظمات الدولية غير الحكومية في تركيا قد قلصت عملياتها شمال غربي سوريا، ما زاد الاعتماد على الأمم المتحدة. وقد تركت مصالح الحكومة السورية تأثيراً قوياً على مكتب دمشق، في مقابل «حجج» فريق تركيا. ولا شك في أن فقدان العمليات «العابرة للحدود» سيعزز وجهة نظر الحكومة السورية بصورة ممنهجة، في مقابل تقديرات الأمم المتحدة. ويجري تقليص التركيز على احتياجات الأفراد في شمال غربي سوريا، وهو أمر تدفع به روسيا، علماً بأن أميركا عرقلت محاولات لنقل «الثقل الأممي» إلى دمشق.
- «داعش»... و«كوفيد - 19»
وعلى الرغم من أن العمليات العابرة للحدود في شمال شرقي سوريا كانت متواضعة نسبياً، أسهم معبر «اليعربية» في توفير معدات إنسانية وطبية. وقدمت منظمة الصحة العالمية إمدادات منتظمة كل 3 أشهر، تبعاً لاحتياجات سكان المنطقة، بناءً على اتفاق متبادل بين الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية التي تخدم المجتمعات المحلية.
ومنذ انتهاء العمليات عبر الحدود في يناير (كانون الثاني) 2020، تراجعت المهام العابرة للخطوط المتجهة للشمال الشرقي. وأدت الترتيبات إلى منع وكالات الأمم المتحدة العاملة من دمشق من التواصل بحرية مع المنظمات غير الحكومية، وسمحت للحكومة السورية بالتدخل في عمليات توصيل المساعدات، و«تمخض هذا الوضع عن مشكلات أكثر خطورة عما كان متوقعاً» في المدى القصير، حسب هيل. وعلى المدى الطويل، من الممكن أن «تتسبب هذه الأمور في تقويض الاستقرار والأمن في منطقة هيمن عليها من قبل تنظيم داعش».
أما في إدلب، حيث يعيش نحو 3 ملايين شخص، وعلى الرغم من أن أعمال القتال وصلت إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق بعد هدنة إدلب بين موسكو وأنقرة في مارس (آذار) من العام الماضي، فقد شهدت الحاجة للمساعدات ارتفاعاً جراء التشريد طويل الأمد الذي تعرض له كثيرون من دون توافر إمكانية للعودة، إلى جانب الأزمة الاقتصادية المتفاقمة داخل سوريا وجائحة «كوفيد - 19».
وتشير الأرقام إلى أن ما يزيد على ثلثي الـ2.7 مليون شخص في شمال غربي البلاد مشردون داخلياً. ولا يزال أكثر من نصف مليون شخص يعيشون داخل مخيمات، ويعانون من السيول والبرد... والحرارة. وأيضاً، تعد هذه المنطقة معرضة على نحو استثنائي لجائحة «كوفيد - 19» بسبب تداعي المنظومة الصحية فيها، والتكدس الشديد للأفراد، ونقص المياه، وسوء أوضاع الصرف الصحي.
وتضررت الحياة السياسية كذلك، إذ إنه منذ زادت «هيئة تحرير الشام» نطاق سيطرتها على محافظة إدلب في 2019، تحولت الجهات الدولية المانحة من دعم صمود المجتمعات، من خلال مساعدات الاستقرار وبرامج أخرى، إلى توفير دعم إنساني خالص.
وبالنظر إلى تزايد الاعتماد على المساعدات الإنسانية، يقول كثير من عمال المساعدات المحليين إنهم يخشون أن يؤدي أي تقليص في المساعدات إلى مزيد من زعزعة الاستقرار، وأن تعمد الجماعات المتطرفة إلى تأجيج هذا الغضب، الأمر الذي يرفع مستوى التعقيد، حسب «مركز الاستراتيجيات والدراسات الدولية». ثم إن حجم العمليات العابرة للحدود التي تنفذها الأمم المتحدة، ومستوى تعقيد العمل داخل سوريا، يجعلان من الصعب تعويض الدور الأممي. وفي حال انتهاء العمليات العابرة للحدود، فإن الأمم المتحدة ستفقد مكانتها، بصفتها «الملاذ الأخير» في شمال غربي البلاد، ومن المتعذر التنبؤ بمسار المساعدات... وخروج «كوفيد - 19» عن السيطرة. ومن شأن وقوع كارثة إنسانية في خضم وباء عالمي أن يفرض ضغوطاً هائلة على تركيا المجاورة، ومن الممكن بسهولة أن تمتد تبعات ذلك إلى باقي أرجاء الشرق الأوسط وأوروبا.
- ممرات داخلية
في موازاة «معركة المعابر» مع الخارج، هناك صراع خفي بين اللاعبين على «الممرات» بين «الجيوب الثلاثة» في سوريا التي استقرت خطوطها في السنة الأخيرة بعد تغيرات كبيرة، بدءاً من 2011. وإلى جانب المعابر التي نشأت نتيجة الحصار، ظهرت ممرات بين مناطق السيطرة التي انقسمت في البداية بين مناطق النظام والمعارضة، ثم ظهرت بعد ذلك مناطق «داعش»، و«وحدات حماية الشعب» الكردية التي أصبحت مناطق إدارة ذاتية بحماية «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد).
ولاحظ مركز «جسور» للدراسات وجود ما يزيد على 15 معبراً بين مناطق سيطرة «قسد» ومناطق النظام؛ 5 منها على الأقل تعد معابر رسمية تتدفق منها السلع بين الطرفين، ويعد معبرا «التايهة» (جنوب غربي مدينة منبج) و«الهورة» (شرق مدينة الطبقة) أبرز المعابر بين الطرفين. وهذه المعابر تفتح أبوابها وتغلقها حسب الواقع العسكري أو الأمني، أو حسب المزاج السياسي لطرفي النزاع. وقال المركز: «علاوة على المعابر التي يحكمها الطرفان، فإن الحاجة لتمرير سلع بين المنطقتين لا يمكن ضبطها، ما أدى لإنشاء معابر تهريب يخرج ويدخل منها كل من المدنيين والسلع». وفي التصعيد الأخير بين «الإدارة الذاتية» ودمشق، ظهر الترابط بين ممرات شرق الفرات وشمال حلب.
أما في إدلب، فإن «الممرات التجارية» التي كان قد نص عليها اتفاق «خفض التصعيد» بين روسيا وتركيا قبل 3 سنوات تتضمن كثيراً من الأبعاد السياسية بين «منطقة النفوذ التركية» وباقي المناطق السورية. ومع احتدام النزاع بشكل أكبر بين مناطق الحكومة والمعارضة، فإن حركة المدنيين باتت تقتصر على الموظفين وبعض الطلاب، لكن الحركة التجارية مستمرة في أغلب الأوقات، خصوصاً عبر معبر «قلعة المضيق» الذي سيطرت عليه دمشق في منتصف 2019، وكان يسهم في حركة تجارية واسعة، كما حافظت قوات المعارضة وقوات النظام لسنوات طويلة على وجود وسطاء تجاريين بين الطرفين، حسب مركز «جسور».
وتتدفق التجارة أحياناً عبر معابر تهريب، أو من خلال فتح مؤقتٍ لكل من معبري «ميزناز» و«سراقب». كما يتم استخدام معبر «أبو الزندين» قرب مدينة الباب لاستقبال المهجرين من مناطق الحكومة في أغلب الأوقات، وغالباً ما يتم استخدام المعابر بين مناطق «قسد» ومناطق المعارضة بصفتها معابر وسيطة لتحرك السلع والأفراد من مناطق النظام إلى مناطق المعارضة، أو العكس، مروراً بمناطق «قسد» التي تتمتع بأهمية كبيرة للمعارضة لنقل البضائع من وإلى مناطق النظام، وأحياناً لإقامة علاقات تجارية مع العراق. ولا تتدفق السلع مؤخراً بسهولة بين مناطق «هيئة تحرير الشام» في إدلب ومناطق «الجيش الوطني» في حلب.
- موسم المقايضات
أميركا مهتمة باستمرار فتح المعابر الحدودية وزيادتها، خصوصاً إعادة فتح «اليعربية» بين مناطق سيطرتها شرق الفرات والعراق. وتركيا مهتمة باستمرار فتح «باب الهوى» مع إدلب، وإعادة تشغيل «باب السلامة» شمال سوريا، لكنها ليست متحمسة لفتح «اليعربية» وتعزيز «الإدارة الكردية». أما روسيا، فهي غير مهتمة بفتح معابر حدودية جديدة، لكنها مهتمة بتشغيل «الممرات» الداخلية للضغط على الأمم المتحدة والغرب للعمل مع الحكومة السورية عبر دمشق. وكانت تركيا قد ربطت تشغيل «الممرات» بين إدلب وريف حلب من جهة، ودمشق من جهة ثانية، بإغلاق المعابر القائمة بين دمشق والقامشلي.
ولا شك في أن المفاوضات القائمة بين الأميركيين والروس والأتراك حول تمديد القرار الدولي لإيصال المساعدات الإنسانية «عبر الحدود» تتضمن في العمق البحث عن خيط يربط «المعابر» و«الممرات»، ما يفتح الباب على صفقات ومقايضات خلال قمتي بايدن مع كل من بوتين وإردوغان في الأيام المقبلة.



استثمارات ناجحة تُظهر «وجهاً مُشرقاً» للوجود السوداني في مصر

أسرة سودانية فرَّت من الحرب إلى مصر (منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»)
أسرة سودانية فرَّت من الحرب إلى مصر (منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»)
TT

استثمارات ناجحة تُظهر «وجهاً مُشرقاً» للوجود السوداني في مصر

أسرة سودانية فرَّت من الحرب إلى مصر (منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»)
أسرة سودانية فرَّت من الحرب إلى مصر (منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»)

وجه آخر للوجود السوداني في مصر، أظهره تدفق الاستثمارات ورؤوس الأموال في قطاعات اقتصادية متنوعة، ليغيِّر صورة تقليدية بشأن أعباء الوافدين، وبينهم تجمعات السودانيين الفارين من الحرب.

وانتقل عديد من رؤوس الأموال السودانية للاستثمار في مصر بعد الحرب التي اندلعت منتصف أبريل (نيسان) 2023، حسب مصادر سودانية، تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، عن حجم الأعمال السودانية في السوق المصرية، وقدَّرتها بملايين الدولارات، يتركز الجزء الأكبر منها في السوق العقارية، إلى جانب نشاط صناعي وتجاري.

وبسبب الحرب السودانية، بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، فرّ نحو مليون و200 ألف سوداني، إلى المدن المصرية، حسب إحصائيات رسمية، إلى جانب ملايين آخرين يعيشون في ربوع مصر منذ سنوات.

إحدى رحلات قطار عودة السودانيين من القاهرة (مجلس الوزراء المصري)

وأثار ازدياد الوجود السوداني في الأحياء المصرية، جدلاً واسعاً، على وقع بعض الانتقادات الإعلامية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، خصوصاً في بداية الحرب بسبب «التكتلات السودانية» في مناطق شعبية، وتأثيرها على «ارتفاع إيجارات الوحدات السكنية» والضغط على موارد الدولة.

وأشاد رئيس «مجلس السيادة» السوداني، الفريق عبد الفتاح البرهان، خلال لقائه مع الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، في مدينة العلمين (على ساحل المتوسط)، الأحد الماضي، بدعم القاهرة السياسي والإنساني لبلاده، وثمن «استضافة أعداد كبيرة من السودانيين الذين اضطروا لمغادرة بلادهم بسبب الحرب»، حسب الرئاسة المصرية.

وتراجعت موجة الانتقادات للوجود السوداني المكثف، بعد ازدياد أعداد العودة الطوعية للسودانيين إلى بلادهم خلال الأشهر الأخيرة، بتسهيلات من سلطات البلدين، غير أن هذه الرحلات لم تسفر عن عودة جميع الفارين من الحرب، خصوصاً بعد ارتباط عديد من الأسر السودانية بالإقامة في مصر، لاعتبارات الدراسة لأبنائهم، أو انخراطهم في أعمال داخل البلاد.

ولا توجد قدرة دقيقة على إحصاء حركة رؤوس الأموال السودانية بشكل إجمالي، ذلك أن جزءاً كبيراً من الأعمال يتم خارج المسارات الرسمية، وفق السفير المصري الأسبق في السودان حسام عيسى، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن «العقوبات الاقتصادية المفروضة على السودان، تدفع كثيراً من السودانيين إلى إدارة رؤوس أموالهم بعيداً عن التحويلات البنكية».

عشرات السودانيين قبل انطلاق إحدى رحلات العودة للبلاد عام 2025 (مجلس الوزراء المصري)

ويرى عيسى أن «الشواهد الخاصة باستثمارات السودانيين في مصر تشير إلى أن استثماراتهم تقدَّر بملايين الدولارات، بالنظر إلى طبيعة وخصائص المقيمين في مصر حالياً»، مشيراً إلى أن «نسبة كبيرة من النخب ورجال الأعمال وكبار المسؤولين وسفراء ورؤساء الأحزاب يشكلون نسبة كبيرة من الوجود السوداني حالياً، وغالبيتهم لجأوا إلى الاستثمار في العقارات في المقام الأول»، إلى جانب «الاستثمار في قطاعات أخرى، مثل تجارة الخدمات».

وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قال حسن الخطيب، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية المصري، إن حجم الاستثمارات السودانية في مصر بلغ نحو 79 مليون دولار خلال عام 2024، بنمو قدره 39 في المائة مقارنةً بالعام السابق.

وأضاف خلال فعاليات منتدى الأعمال المصري - السوداني، أن أكثر من 3320 شركة سودانية تعمل في السوق المصرية، مما يعد مؤشراً إيجابياً على تطور العلاقات الاقتصادية بين البلدين.

ولم يقتصر الوجود السوداني بعد الحرب على العاصمة القاهرة ومدن رئيسية مثل الإسكندرية (شمالاً)، أو أسوان (جنوباً)، لكنه امتد ليشمل غالبية المدن الجديدة، وفق الأمين العام لاتحاد الغرف الصناعية السودانية، عباس علي السيد، الذي قال إن «كثيراً من الأسر فضلت البقاء في محل إقامتها بمصر وعدم العودة رغم تحسن الأوضاع في بعض الولايات بالسودان لأنها ارتبطت بأعمال واستثمارات داخل البلاد».

ويتصدر القطاع العقاري استثمارات السودانيين وفق تقدير السيد، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»: «إلى جانب السوق العقارية، ارتفعت أعمال السودانيين في المجال الصناعي والتجاري، فمعظم الصناعات السودانية أقامت خطوط إنتاج بشراكات مع مصانع مصرية، لا سيما في المنتجات الغذائية»، إلى جانب «أنشطة صغيرة في التجارة والخدمات».

الملتقى المصري - السوداني لرجال الأعمال عام 2024 (مجلس الوزراء المصري)

وأصبحت مصر من الوجهات الأولى لحركة رؤوس الأموال السودانية ما بعد الحرب، وفق تقدير المستشار الاقتصادي ومدير مركز المعلومات بوزارة المالية السودانية سابقاً، عادل عبد العزيز الفكي، الذي قال إن «الروابط الاقتصادية القديمة والقرب الجغرافي، ساعدا في انتقال عديد من الاستثمارات السودانية إلى السوق المصرية».

ويرى الفكي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الاتجاه الأول في الاستثمار كان في السوق العقارية، بالنظر إلى مكاسبه المضمونة»، لكنه أشار إلى أن «هناك عديداً العلامات التجارية السودانية انتقلت للتصنيع في مصر، حيث أصبحت موطناً لها، منها اللحوم المجمدة والسلع الغذائية مثل السمسم والطحينية»، مشيراً إلى أن «هذه المنتجات يتم توزيعها على الجالية المقيمة في مصر، ويذهب الجزء الآخر منها إلى السودان».

واستضافت القاهرة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، الملتقى المصري-السوداني لرجال الأعمال من البلدين، لبحث إقامة مشروعات استثمارية مشتركة في السوق المصرية، خصوصاً في مجالات التصنيع والنقل والموانئ.

ويتركز أغلب استثمارات السودانيين في السوق العقارية، في المدن الجديدة، خصوصاً مناطق «التجمع الخامس والرحاب ومدينتي» (شرق القاهرة)، وفق مدير وحدة العلاقات الدولية بـ«المركز السوداني للفكر والدراسات الاستراتيجية»، مكي المغربي، الذي قال إن «الاستثمار السوداني في السوق العقارية المصرية ليس جديداً، لكنه كان يتركز قبل الحرب، في أحياء القاهرة والجيزة الرئيسية مثل الزمالك والمهندسين وفيصل».

من رحلات العودة الطوعية للسودانيِّين إلى بلادهم (لجنة الأمل للعودة الطوعية)

وإلى جانب السوق العقارية والصناعات التحويلية، تتجه استثمارات السودانيين إلى المراكز التعليمية والمدارس الخاصة، وفق المغربي، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عديد من المراكز التعليمية التي ما زالت تمارس نشاطها داخل مصر لأبناء الجالية، رغم قيام السلطات المصرية بإغلاق المدارس التي لا تنطبق عليها معايير النشاط التعليمي داخل البلاد».

وشملت إجراءات الإغلاق مدرسة «الصداقة» التي دشنتها السفارة السودانية بالقاهرة في عام 2016، ومدارس خاصة، قبل أن تعلن السفارة السودانية بالقاهرة، استئناف الدراسة في مدرسة «الصداقة» مرة أخرى، بدايةً من ديسمبر 2024.


2750 عملية خلال يوم واحد... و«فجر اليمن» تضيّق الخناق على الحوثيين

جنود من ألوية العمالقة الحكومية اليمنية خلال حملتهم ضد الحوثيِّين قرب باب المندب (أ.ب)
جنود من ألوية العمالقة الحكومية اليمنية خلال حملتهم ضد الحوثيِّين قرب باب المندب (أ.ب)
TT

2750 عملية خلال يوم واحد... و«فجر اليمن» تضيّق الخناق على الحوثيين

جنود من ألوية العمالقة الحكومية اليمنية خلال حملتهم ضد الحوثيِّين قرب باب المندب (أ.ب)
جنود من ألوية العمالقة الحكومية اليمنية خلال حملتهم ضد الحوثيِّين قرب باب المندب (أ.ب)

دخلت عملية «فجر اليمن» يومها السادس، السبت، على وقع اتساع الضربات الجوية التي تستهدف القدرات العسكرية للحوثيِّين، بالتوازي مع استمرار تقدُّم القوات الحكومية في الساحل الغربي ومأرب، في وقت أحبطت فيه ألوية العمالقة هجوماً للجماعة شمال مطار ذوباب، بينما لا تزال مئات العناصر الحوثية متحصنة في جيوب خلف الألغام والخنادق في منطقة باب المندب وجزرها.

وتعكس التطورات انتقال المعركة إلى مرحلة ملاحَقة ما تبقَّى من جيوب المقاومة الحوثية في المواقع التي استعادت القوات الحكومية السيطرة عليها لتثبيت المكتسبات، مع استمرار محاولات الجماعة فك الحصار عن عناصرها، وسط تقدُّم عسكري حذر يستهدف استكمال تطهير المنطقة وتثبيت المكاسب الميدانية، بالتزامن مع ضربات جوية تتجاوز خطوط المواجهة إلى مواقع عسكرية ومخابئ للصواريخ في عمق مناطق سيطرة الحوثيِّين.

وفي أحدث التطورات الميدانية، تصدَّت ألوية العمالقة الجنوبية لهجوم شنَّته الجماعة الحوثية على مواقعها شمال مطار ذوباب، وكبَّدتها خسائر في الأرواح والعتاد، بالتزامن مع غارات لطيران «تحالف دعم الشرعية» استهدفت تعزيزات عسكرية دفعت بها الجماعة إلى المنطقة، في محاولة لتعزيز مواقعها ومساندة عناصرها المُحاصَرة.

القوات الحكومية اليمنية تسعى إلى تأمين باب المندب ومواصلة معركة الساحل الغربي (أ.ب)

وتأتي المواجهات غداة عملية واسعة استهدفت استكمال تحرير ما تبقَّى من منطقة باب المندب والجزر التابعة لها، حيث تواصل الوحدات العسكرية عمليات التمشيط والتعامل مع الألغام والتحصينات، وسط تقديرات بوجود مئات من العناصر الحوثية في جيوب متفرقة، ما يجعل استكمال التطهير وتثبيت السيطرة أولوية ميدانية في المرحلة الحالية.

ضربات في العمق

بالتوازي مع المعارك البرية، أعلن الجيش اليمني تنفيذ أكثر من 2750 عملية استهداف دقيقة خلال الساعات الـ24 الماضية، طالت تحصينات ومواقع دفاعية ونقاط مراقبة واستطلاع ومرابض مدفعية ومخازن أسلحة وذخائر ومستودعات إمداد وتموين وتعزيزات عسكرية للحوثيِّين في مختلف محاور القتال.

وقال الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن العمليات التي نُفِّذت في إطار «فجر اليمن» شملت أيضاً أهدافاً عسكرية، وصفها بـ«المشروعة وعالية القيمة»، في عمق مناطق سيطرة الجماعة.

المسلحون الحوثيون يتعرَّضون لحملة جوية واسعة في مناطق سيطرتهم كافة (إعلام عسكري)

وأوضح أن التقديرات الميدانية الأولية تشير إلى تحييد أكثر من 1400 عنصر حوثي، وتدمير أو إعطاب أكثر من 250 آلية ووسيلة قتالية ومعدة عسكرية، بما أضعف قدرة الجماعة على المناورة والإسناد ومواصلة عملياتها القتالية.

وأضاف النزيلي أن القوات البرية تمكَّنت من اختراق دفاعات الحوثيِّين وتحصيناتهم، واستعادة مواقع مرتفعة ذات أهمية عملياتية، وتثبيت مكاسبها، ومواصلة الهجوم وفق الخطط العسكرية المقررة.

من جهته، أعلن «تحالف دعم الشرعية» تدمير 136 هدفاً عسكرياً ضمن عملية واسعة استهدفت عناصر الجماعة وقدراتها في مناطق سيطرتها. وقال المتحدث باسم التحالف، اللواء الركن تركي المالكي، إن التحالف يعمل على تفكيك وتدمير شبكة الصواريخ الباليستية الحوثية، مؤكداً استمرار الإسناد الجوي للوحدات العسكرية اليمنية على مدار الساعة.

استنزاف في مأرب

في محافظة مأرب (شرق صنعاء) واصلت القوات الحكومية والمقاومة الشعبية عملياتها على امتداد خطوط التماس، ونفَّذت هجمات على مواقع حوثية في الجبهات الجنوبية، تمكَّنت خلالها من انتزاع مواقع بعد اختراق التحصينات والتعامل مع حقول الألغام التي زرعتها الجماعة.

وذكر المركز الإعلامي للقوات المسلحة اليمنية أن المواجهات كبَّدت الحوثيِّين خسائر في الأرواح والعتاد، بالتزامن مع استمرار العمليات الهجومية في الجبهات الشمالية والشمالية الغربية، وتنفيذ أعمال رصد واستطلاع لتحركات الجماعة وتعزيزاتها.

مقاتلو القوات الحكومية اليمنية يلاحقون الحوثيِّين في مديرية ذوباب (أ.ب)

وأضاف أن الطيران الحربي والمسيّر، إلى جانب المدفعية وراجمات الصواريخ، واصل استهداف مواقع وتجمعات حوثية ومراكز قيادية ومخازن أسلحة ومرابض نيران ومواقع لتشغيل الطائرات المسيّرة، على امتداد خطوط المواجهة وفي المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة.

وفي المقابل، أشار المركز إلى مقتل وإصابة العشرات من العناصر الحوثية خلال المواجهات، ومقتل 22 من أفراد القوات المسلحة والمقاومة الشعبية وإصابة آخرين.

معركة استعادة الدولة

على وقع التطورات الميدانية، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، عبد الرحمن المحرّمي، أن القوات الحكومية قدَّمت نماذج من الثبات والقتال، عاداً أن المواجهات تمثل جزءاً من معركة استعادة الدولة ومؤسساتها، والتصدي للمشروع الحوثي المدعوم من إيران.

وقال المحرّمي، في منشور على «فيسبوك»، مخاطباً القوات المرابطة في الساحل الغربي وباب المندب وسائر الجبهات، إن المعركة تتطلب مواصلة الصمود حتى تحقيق أهدافها، مشيداً بدور المقاتلين في مواجهة الحوثيِّين وحماية أمن المنطقة. كما جدَّد تقديره لـ«تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، مؤكداً أن القوات اليمنية والتحالف يخوضان معركةً مشتركةً، ويتقاسمان أعباءها وتضحياتها.

آلية قتالية حوثية سيطرت عليها القوات الحكومية اليمنية بالقرب من باب المندب (إعلام عسكري)

من جانبه، أشاد عضو مجلس القيادة الرئاسي، الفريق أول ركن محمود الصبيحي، بأداء القوات المسلحة والمقاومة الشعبية في مختلف جبهات القتال، وقال إن المواجهات تجسِّد الدفاع عن النظام الجمهوري ومؤسسات الدولة في مواجهة الجماعة الحوثية.

وأشار الصبيحي إلى الدور الذي تضطلع به ألوية العمالقة، وقوات درع الوطن والدعم والإسناد والمقاومة الوطنية، والقوات المشتركة، في جبهات الساحل الغربي والصبيحة والمناطق الممتدة باتجاه الوازعية ومناطق أخرى في تعز ولحج.

وخصَّ بالذكر تضحيات قبائل الصبيحة التي قدَّمت أكثر من 170 قتيلاً و700 جريح خلال المواجهات. كما أثنى على دور القيادات العسكرية والميدانية، وجهود الحكومة والسلطات المحلية في عدن ولحج في دعم الجبهات، مُجدِّداً تقديره للدعم السعودي المُقدَّم للقوات الحكومية.


الحوثيون يلاحقون الاتصالات ويوسعون شبكات التجسس جنوب تعز

مدينة تعز باتت تحت الحصار الحوثي مجدداً بعد سيطرة الجماعة على مدينة التربة جنوباً (أ.ف.ب)
مدينة تعز باتت تحت الحصار الحوثي مجدداً بعد سيطرة الجماعة على مدينة التربة جنوباً (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يلاحقون الاتصالات ويوسعون شبكات التجسس جنوب تعز

مدينة تعز باتت تحت الحصار الحوثي مجدداً بعد سيطرة الجماعة على مدينة التربة جنوباً (أ.ف.ب)
مدينة تعز باتت تحت الحصار الحوثي مجدداً بعد سيطرة الجماعة على مدينة التربة جنوباً (أ.ف.ب)

تشهد مناطق واسعة في محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب) انقطاعاً في خدمات الإنترنت والاتصالات، بالتزامن مع تصعيد عسكري حوثي في جنوب المحافظة، فيما لجأ سكان إلى شبكات محلية تعتمد على خدمة الإنترنت الفضائي «ستارلينك»، التي سارعت الجماعة إلى مصادرة أجهزتها في المناطق التي سيطرت عليها أخيراً، ضمن إجراءات أمنية ورقابية شملت أيضاً كاميرات المراقبة والهواتف الجوالة.

وذكرت مصادر محلية في مدينة التربة، حيث مركز مديرية الشمايتين جنوب تعز، لـ«الشرق الأوسط»، أن الجماعة الحوثية شنت حملة واسعة لمصادرة أجهزة «ستارلينك» خلال الأيام الأولى لسيطرتها على المدينة، بعد تحريات مسبقة أجرتها خلاياها الاستخباراتية بشأن مالكي تلك الأجهزة، قبل وصول قواتها بأيام.

وتتعامل الجماعة الحوثية مع خدمة «ستارلينك» بوصفها تهديداً لنفوذها على قطاع الاتصالات؛ فإلى جانب حرمانها من جانب من العائدات التي تجنيها منه، تمنعها من ميزة مراقبة الاتصالات والتحكم في تدفق المعلومات.

وسبق للجماعة أن اتخذت إجراءات مماثلة عقب سيطرتها على مدينة المخا، التي كان عدد من سكانها يعتمدون على الخدمة.

ولم تقتصر إجراءاتها في التربة على مصادرة أجهزة الإنترنت الفضائي؛ بل امتدت إلى كاميرات المراقبة المثبتة أمام المحال التجارية والمباني السكنية.

محافظة تعز بدأت تعاني من نقص السلع والمواد الأساسية بفعل التصعيد العسكري الحوثي (أ.ف.ب)

وأبلغت الجماعة الحوثية مالكي الكاميرات بأن مصادرتها إجراء مؤقت، إلى حين استكمال ربط أنظمة المراقبة بأجهزتها الرقابية، وطالبتهم بالسماح لها بالوصول إلى أجهزة التخزين، محذرة من ربط أي كاميرات بالإنترنت دون إذن منها.

وقال مالك متجر لـ«الشرق الأوسط»، إن الجماعة أزالت كاميرات المراقبة الموجهة نحو الشوارع من دون استئذان أصحابها، بسبب إغلاق غالبية المحال التجارية، إلا أن ملاك المحال القليلة التي فتحت أبوابها فوجئوا بدورهم بذلك الإجراء، ولم يسمح لهم بالنقاش حوله.

وتعيش مدينة التربة حالة من الشلل في الأنشطة التجارية، وسط رفض لوجود الجماعة الحوثية، التي لجأت إلى التهديد بفتح المحال المغلقة بالقوة.

تحكم بالخدمات

في مدينة تعز المحاصرة، أفاد سكان بتوقف خدمات الإنترنت والاتصالات التابعة للشبكات العاملة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، أو تعرضها لانقطاعات واسعة أثرت في قدرة المواطنين على التواصل والوصول إلى الإنترنت.

مدينة تعز باتت تحت الحصار الحوثي مجدداً بعد سيطرة الجماعة على مدينة التربة جنوباً (أ.ف.ب)

ويأتي هذا الانقطاع بالتزامن مع التصعيد العسكري الحوثي في محافظة تعز، وما تلاه من إطلاق الحكومة عملية «فجر اليمن»، وسط تغيرات ميدانية في عدد من المديريات والمناطق، وانعكاسات متزايدة للتطورات الأمنية على الخدمات العامة وحركة السكان.

ويحاول الأهالي في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة، الوصول إلى خدمة الإنترنت عبر أجهزة «ستارلينك» التي تتوفر لدى عدد محدود منهم، يشاركون جيرانهم هذه الخدمة بمقابل مالي أو مجاناً.

ورغم أنه لم تتضح أسباب تعطل خدمات الاتصالات والإنترنت في مدينة تعز، فإن السكان يربطونه بالتصعيد العسكري في المحافظة.

وتخضع البنية الرئيسية للاتصالات في اليمن للجماعة الحوثية التي تسيطر على مقرات ومنشآت شبكة الاتصالات اليمنية في صنعاء، ما يمنحها قدرة واسعة على التحكم في الخدمات والوصول إلى المعلومات.

قادة حوثيون في مدينة «التربة» بعد السيطرة عليها (إعلام حوثي)

وبالتوازي مع الإجراءات المتعلقة بالاتصالات، شرعت الجماعة الحوثية، منذ سيطرتها على عدد من مديريات جنوب تعز، في توسيع إجراءاتها الأمنية والاستخباراتية، مستعينة بمصادر محلية لجمع المعلومات عن السكان ورصد تحركاتهم.

إنشاء شبكات تجسس

كشفت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، أن مشرفي الجماعة الحوثية الذين وصلوا إلى المديريات التي أُخضعت لسيطرتها أخيراً، التقوا أعياناً ومشايخ قرى، أو وجهوا إليهم خطابات تطالبهم بالعمل بوصفهم مصادر استخباراتية محلية، تتولى رفع تقارير دورية عن حركة السكان، ورصد المتنقلين بين القرى والمناطق، وتتبع زيارات الأقارب والأصدقاء، والإبلاغ عن أي أشخاص تشتبه الجماعة في أنشطتهم.

ووفقاً للمصادر، حمّل المشرفون الحوثيون الأعيان ومشايخ القرى مسؤولية وقوع أي نشاط مناهض للجماعة في مناطقهم، في حال عدم إبلاغهم مسبقاً عن القائمين به، في إجراء يضع الشخصيات الاجتماعية تحت ضغط المشاركة في منظومة الرقابة الأمنية.

وتعتمد الجماعة، بحسب المصادر، على شبكة من المتعاونين المحليين، بينهم شخصيات اجتماعية متواطئة معها، وأشخاص أُفرج عنهم من السجون عقب سيطرتها على تلك المناطق، إضافة إلى آخرين كانوا فارين من العدالة في مناطق نفوذها.

قادة حوثيون داخل أحد مقرات السلطة التنفيذية في مدينة التربة بعد السيطرة عليها (إعلام حوثي)

ولم تقتصر إجراءات الرصد على التحركات الميدانية؛ إذ وجهت الجماعة خلاياها التجسسية بمراقبة مواقع التواصل الاجتماعي، والإبلاغ عن كل من ينشر معلومات أو بيانات تتعلق بالأوضاع في المناطق التي سيطرت عليها أخيراً.

كما نفذت حملات عشوائية لتفتيش الهواتف الجوالة في الشوارع، بحثاً عن تطبيقات للمراسلة ترى الجماعة أنها تتيح اتصالات غير خاضعة لرقابتها، أو برامج الشبكات الخاصة الافتراضية (VPN) التي تُستخدم لتجاوز الحجب.

وقالت المصادر إن هذه الحملات تستهدف، إلى جانب التحقق من التطبيقات الموجودة على الهواتف، كشف الأشخاص الذين يعملون لمصلحة الجيش والحكومة اليمنيين، أو يتواصلون مع قيادات ومسؤولين فيهما، فضلاً عن الذين يتصلون بجهات إعلامية وحقوقية للإبلاغ عن ممارسات الجماعة، أو يستخدمون حسابات بأسماء مستعارة على مواقع التواصل الاجتماعي.