موسم المقايضات يهب على «معابر» سوريا... وممراتها

بايدن يبحث مع بوتين وإردوغان المساعدات الإنسانية «عبر الحدود»... وروسيا تركز على الخطوط بين «مناطق النفوذ»

صورة أرشيفية لقافلة أممية تحمل مساعدات بريف دمشق في يونيو 2016 (رويترز)
صورة أرشيفية لقافلة أممية تحمل مساعدات بريف دمشق في يونيو 2016 (رويترز)
TT

موسم المقايضات يهب على «معابر» سوريا... وممراتها

صورة أرشيفية لقافلة أممية تحمل مساعدات بريف دمشق في يونيو 2016 (رويترز)
صورة أرشيفية لقافلة أممية تحمل مساعدات بريف دمشق في يونيو 2016 (رويترز)

ستكون سوريا، بمعابرها الحدودية وممراتها الداخلية، ممدودة على مائدتي قمتي الرئيس الأميركي جو بايدن مع نظيريه التركي رجب طيب اروغان (غداً في بروكسل)، والروسي فلاديمير بوتين (في جنيف الأربعاء).
صحيح أن التركيز سيكون على إغاثة السوريين، مع اقتراب انتهاء صلاحية قرار إيصال المساعدات «عبر الحدود» في 11 يوليو (تموز) المقبل، لكن ملف المساعدات يخفي وراءه صراعاً جيوسياسياً بين واشنطن وموسكو وأنقرة سيشكل اتجاه حسمه مؤشراً للسنوات المقبلة.
وتربط موسكو بين ملفي «المعابر» الخارجية و«الممرات» الداخلية للضغط على الخصوم لفتح «شرايين» سوريا الاقتصادية، ومقابلة الضغوط الخارجية التي تربط فك العزلة ودعم الإعمار بتقدم العملية السياسية.
- روسيا... وتمرير القرار
بعد معركة دبلوماسية، وافقت موسكو في 2014 على تمرير القرار الدولي (2165) لإيصال المساعدات «عبر الحدود» إلى سوريا من خلال معابر «نصيب» مع الأردن، و«اليعربية» مع كردستان العراق، و«باب السلامة» و«باب الهوى» مع تركيا.
روسيا التي كانت قد أعربت عن خشيتها من تكرار سيناريو ليبيا «عبر تدخل الغرب عسكرياً من بوابة المساعدات الإنسانية»، وافقت على عدم استخدام حق النقض (الفيتو) استناداً إلى تطمينات غربية وقراءة للواقع، حيث كانت مناطق سيطرة قوات المعارضة في اتساع على حساب الحكومة. ومع تغير التوازن بعد التدخل العسكري الروسي نهاية 2015، غيرت موسكو من أولوياتها.
وقبل سنة، وفي يوليو (تموز) تحديداً، مع قرب انتهاء صلاحية القرار الدولي، اندلعت «حرب مسودات» في نيويورك، بين واشنطن وحلفائها من جهة، وموسكو وشركائها من جهة أخرى، استقرت على إصدار القرار (2533) لمدة سنة، مع شرط خفض البوابات الصالحة من ثلاث إلى واحدة، هي «باب الهوى» بين إدلب وتركيا (معبر نصيب ألغي بعد عودة قوات دمشق إلى الجنوب في 2018).
ومع بدء العد التنازلي لصلاحية هذا القرار، أشاعت روسيا أنها ستصوت ضد تمديد القرار (2533) كي ترسل الأمم المتحدة مساعداتها عبر دمشق، ضمن تصور روسي واسع يدفع باتجاه «شرعنة التعامل مع الحكومة السورية»، خصوصاً بعد الانتخابات الرئاسية، وفوز الرئيس بشار الأسد بولاية جديدة.
وعلى الرغم من سيطرة دمشق على نحو 65 في المائة من مساحة سوريا، مقابل نحو 25 في المائة لقوات تدعمها أميركا شرق الفرات، ونحو 10 في المائة لفصائل تدعمها أنقرة، لا تزال قوات الحكومة تسيطر فقط على 15 في المائة من الحدود، فيما الـ85 في المائة الباقية خاضعة لسيطرة حلفاء دمشق وخصومها، بما في ذلك سلطات الأمر الواقع في مناطق النفوذ الأخرى التي تسيطر أيضاً على معظم البوابات الحدودية الـ19 بين سوريا والدول المجاورة.

- ماذا عن أميركا؟
مع تسلم إدارة بايدن السلطة، كان واضحاً أن ملف المساعدات أساسي في أولوياتها، مقابل تراجع الملف السياسي والعسكري، إذ إن وزير الخارجية أنتوني بلينكن اختار ترؤس اجتماع في مجلس الأمن في مارس (آذار) الماضي لإطلاق حملة الدعم لتمديد القرار الدولي، بدل المشاركة في مؤتمر بروكسل للمانحين. وقال بلينكن في نيويورك: «أصبح الوصول إلى السوريين دونه عوائق أكثر أهمية من أي وقت مضى، ليس فقط بسبب الأزمة الإنسانية المتزايدة، ولكن أيضاً بسبب التهديد الذي يشكله فيروس (كوفيد - 19)»، بل إن بلينكن رفع سقف التوقعات والمطالب قائلاً: «دعونا نعيد الترخيص للمعبرين الحدوديين الذين تم إغلاقهما (اليعربية مع العراق وباب السلامة مع تركيا)، ونعيد ترخيص المعبر الحدودي الوحيد الذي لا يزال مفتوحاً (معبر باب الهوى مع تركيا)». وتابع: «يجب ضمان حصول السوريين على المساعدات التي يحتاجون إليها».
وقامت مندوبة أميركا في مجلس الأمن، ليندا توماس - غرينفيلد، بجولة على الحدود السورية - التركية لهذا الغرض، في وقت بعث فيه القيمون على لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس رسالة إلى بلينكن لحثه على الضغط على موسكو، جاء فيها: «حملة روسيا للقضاء على إيصال المساعدات الإنسانية عبر الحدود هي جزء من جهد أكبر للحفاظ على الوصول إلى شرق البحر المتوسط، وتشجيع المجتمع الدولي على إعادة تأهيل نظام الأسد، وفتح الباب أمام تمويل إعادة الإعمار الذي من شأنه ترسيخ نظام الأسد في السلطة، وتأمينه موطئ قدم استراتيجياً لروسيا».
وقبل يومين، أعلن مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، جيك سوليفان، عن أن بايدن سيبحث القضايا المتعلقة بسوريا مع بوتين، وقال: «ستكون سوريا على جدول الأعمال؛ موقفنا من قضية وصول المساعدات الإنسانية واضح جداً»، وتابع: «نعتقد أنه يجب أن يكون هناك ممرات إنسانية في سوريا لوصول المساعدات وإنقاذ الأرواح، وهذا بالتأكيد سيناقشه الرئيسان».
- نداء أممي... وقلق
ودعت الأمم المتحدة إلى تمديد العمل بالقرار، إذ أشار أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، في مارس (آذار) الماضي، إلى أن «إغلاق المعبر الحدودي الأخير المتبقي في سوريا سيوقف جهود توزيع لقاحات (كوفيد – 19) عبر شمال غربي البلاد، الأمر الذي سيخلف عواقب خطيرة على المنطقة الأوسع». وقال مارك لوكوك، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية منسق الإغاثة العاجلة: «في الوقت الذي نوفر فيه ألف شاحنة شهرياً من المساعدات عبر الحدود إلى داخل شمال غربي البلاد، لم نر حتى شاحنة واحدة تتجاوز الخط (الفاصل بين مناطق النفوذ)».
وتعد السلامة من الاعتبارات المثيرة للقلق لدى محاولة اجتياز الخط الأمامي. وفي 19 سبتمبر (أيلول) 2016، أفادت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بأن القوات السورية «خططت بدقة ونفذت بقوة» هجوماً ضد قافلة مشتركة بين الأمم المتحدة ومنظمة الهلال الأحمر السورية، ما أسفر عن مقتل 18 مدنياً، وتدمير إمدادات كانت في طريقها إلى مناطق تسيطر عليها المعارضة في حلب.
ونقلت الباحثة ناتا هيل، من «مركز الاستراتيجيات والدراسات الدولية»، عن وكالات إنسانية قولها إن الذين «يعيشون في شمال غربي البلاد يخشون من الأجهزة المشاركة في جهود توزيع المساعدات التي تتولى التنسيق مع الأجهزة الأمنية التابعة للحكومة، الأمر الذي يعرض متلقي المساعدات للخطر. وإنه في عام 2018، بعد انتهاء الحصار الذي استمر 5 سنوات لضواحي دمشق في شرق الغوطة، أعلنت منظمة الصحة العالمية واللجنة الدولية للصليب الأحمر أن الحكومة جردت قوافل مساعدات من 70 في المائة من الإمدادات الطبية».
ولعب مسؤولون أمميون في تركيا دوراً حيوياً خلال مناقشات مكاتب الأمم المتحدة في دمشق وعنتاب وعمّان حول وصف الأوضاع في سوريا. وكانت المنظمات الدولية غير الحكومية في تركيا قد قلصت عملياتها شمال غربي سوريا، ما زاد الاعتماد على الأمم المتحدة. وقد تركت مصالح الحكومة السورية تأثيراً قوياً على مكتب دمشق، في مقابل «حجج» فريق تركيا. ولا شك في أن فقدان العمليات «العابرة للحدود» سيعزز وجهة نظر الحكومة السورية بصورة ممنهجة، في مقابل تقديرات الأمم المتحدة. ويجري تقليص التركيز على احتياجات الأفراد في شمال غربي سوريا، وهو أمر تدفع به روسيا، علماً بأن أميركا عرقلت محاولات لنقل «الثقل الأممي» إلى دمشق.
- «داعش»... و«كوفيد - 19»
وعلى الرغم من أن العمليات العابرة للحدود في شمال شرقي سوريا كانت متواضعة نسبياً، أسهم معبر «اليعربية» في توفير معدات إنسانية وطبية. وقدمت منظمة الصحة العالمية إمدادات منتظمة كل 3 أشهر، تبعاً لاحتياجات سكان المنطقة، بناءً على اتفاق متبادل بين الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية التي تخدم المجتمعات المحلية.
ومنذ انتهاء العمليات عبر الحدود في يناير (كانون الثاني) 2020، تراجعت المهام العابرة للخطوط المتجهة للشمال الشرقي. وأدت الترتيبات إلى منع وكالات الأمم المتحدة العاملة من دمشق من التواصل بحرية مع المنظمات غير الحكومية، وسمحت للحكومة السورية بالتدخل في عمليات توصيل المساعدات، و«تمخض هذا الوضع عن مشكلات أكثر خطورة عما كان متوقعاً» في المدى القصير، حسب هيل. وعلى المدى الطويل، من الممكن أن «تتسبب هذه الأمور في تقويض الاستقرار والأمن في منطقة هيمن عليها من قبل تنظيم داعش».
أما في إدلب، حيث يعيش نحو 3 ملايين شخص، وعلى الرغم من أن أعمال القتال وصلت إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق بعد هدنة إدلب بين موسكو وأنقرة في مارس (آذار) من العام الماضي، فقد شهدت الحاجة للمساعدات ارتفاعاً جراء التشريد طويل الأمد الذي تعرض له كثيرون من دون توافر إمكانية للعودة، إلى جانب الأزمة الاقتصادية المتفاقمة داخل سوريا وجائحة «كوفيد - 19».
وتشير الأرقام إلى أن ما يزيد على ثلثي الـ2.7 مليون شخص في شمال غربي البلاد مشردون داخلياً. ولا يزال أكثر من نصف مليون شخص يعيشون داخل مخيمات، ويعانون من السيول والبرد... والحرارة. وأيضاً، تعد هذه المنطقة معرضة على نحو استثنائي لجائحة «كوفيد - 19» بسبب تداعي المنظومة الصحية فيها، والتكدس الشديد للأفراد، ونقص المياه، وسوء أوضاع الصرف الصحي.
وتضررت الحياة السياسية كذلك، إذ إنه منذ زادت «هيئة تحرير الشام» نطاق سيطرتها على محافظة إدلب في 2019، تحولت الجهات الدولية المانحة من دعم صمود المجتمعات، من خلال مساعدات الاستقرار وبرامج أخرى، إلى توفير دعم إنساني خالص.
وبالنظر إلى تزايد الاعتماد على المساعدات الإنسانية، يقول كثير من عمال المساعدات المحليين إنهم يخشون أن يؤدي أي تقليص في المساعدات إلى مزيد من زعزعة الاستقرار، وأن تعمد الجماعات المتطرفة إلى تأجيج هذا الغضب، الأمر الذي يرفع مستوى التعقيد، حسب «مركز الاستراتيجيات والدراسات الدولية». ثم إن حجم العمليات العابرة للحدود التي تنفذها الأمم المتحدة، ومستوى تعقيد العمل داخل سوريا، يجعلان من الصعب تعويض الدور الأممي. وفي حال انتهاء العمليات العابرة للحدود، فإن الأمم المتحدة ستفقد مكانتها، بصفتها «الملاذ الأخير» في شمال غربي البلاد، ومن المتعذر التنبؤ بمسار المساعدات... وخروج «كوفيد - 19» عن السيطرة. ومن شأن وقوع كارثة إنسانية في خضم وباء عالمي أن يفرض ضغوطاً هائلة على تركيا المجاورة، ومن الممكن بسهولة أن تمتد تبعات ذلك إلى باقي أرجاء الشرق الأوسط وأوروبا.
- ممرات داخلية
في موازاة «معركة المعابر» مع الخارج، هناك صراع خفي بين اللاعبين على «الممرات» بين «الجيوب الثلاثة» في سوريا التي استقرت خطوطها في السنة الأخيرة بعد تغيرات كبيرة، بدءاً من 2011. وإلى جانب المعابر التي نشأت نتيجة الحصار، ظهرت ممرات بين مناطق السيطرة التي انقسمت في البداية بين مناطق النظام والمعارضة، ثم ظهرت بعد ذلك مناطق «داعش»، و«وحدات حماية الشعب» الكردية التي أصبحت مناطق إدارة ذاتية بحماية «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد).
ولاحظ مركز «جسور» للدراسات وجود ما يزيد على 15 معبراً بين مناطق سيطرة «قسد» ومناطق النظام؛ 5 منها على الأقل تعد معابر رسمية تتدفق منها السلع بين الطرفين، ويعد معبرا «التايهة» (جنوب غربي مدينة منبج) و«الهورة» (شرق مدينة الطبقة) أبرز المعابر بين الطرفين. وهذه المعابر تفتح أبوابها وتغلقها حسب الواقع العسكري أو الأمني، أو حسب المزاج السياسي لطرفي النزاع. وقال المركز: «علاوة على المعابر التي يحكمها الطرفان، فإن الحاجة لتمرير سلع بين المنطقتين لا يمكن ضبطها، ما أدى لإنشاء معابر تهريب يخرج ويدخل منها كل من المدنيين والسلع». وفي التصعيد الأخير بين «الإدارة الذاتية» ودمشق، ظهر الترابط بين ممرات شرق الفرات وشمال حلب.
أما في إدلب، فإن «الممرات التجارية» التي كان قد نص عليها اتفاق «خفض التصعيد» بين روسيا وتركيا قبل 3 سنوات تتضمن كثيراً من الأبعاد السياسية بين «منطقة النفوذ التركية» وباقي المناطق السورية. ومع احتدام النزاع بشكل أكبر بين مناطق الحكومة والمعارضة، فإن حركة المدنيين باتت تقتصر على الموظفين وبعض الطلاب، لكن الحركة التجارية مستمرة في أغلب الأوقات، خصوصاً عبر معبر «قلعة المضيق» الذي سيطرت عليه دمشق في منتصف 2019، وكان يسهم في حركة تجارية واسعة، كما حافظت قوات المعارضة وقوات النظام لسنوات طويلة على وجود وسطاء تجاريين بين الطرفين، حسب مركز «جسور».
وتتدفق التجارة أحياناً عبر معابر تهريب، أو من خلال فتح مؤقتٍ لكل من معبري «ميزناز» و«سراقب». كما يتم استخدام معبر «أبو الزندين» قرب مدينة الباب لاستقبال المهجرين من مناطق الحكومة في أغلب الأوقات، وغالباً ما يتم استخدام المعابر بين مناطق «قسد» ومناطق المعارضة بصفتها معابر وسيطة لتحرك السلع والأفراد من مناطق النظام إلى مناطق المعارضة، أو العكس، مروراً بمناطق «قسد» التي تتمتع بأهمية كبيرة للمعارضة لنقل البضائع من وإلى مناطق النظام، وأحياناً لإقامة علاقات تجارية مع العراق. ولا تتدفق السلع مؤخراً بسهولة بين مناطق «هيئة تحرير الشام» في إدلب ومناطق «الجيش الوطني» في حلب.
- موسم المقايضات
أميركا مهتمة باستمرار فتح المعابر الحدودية وزيادتها، خصوصاً إعادة فتح «اليعربية» بين مناطق سيطرتها شرق الفرات والعراق. وتركيا مهتمة باستمرار فتح «باب الهوى» مع إدلب، وإعادة تشغيل «باب السلامة» شمال سوريا، لكنها ليست متحمسة لفتح «اليعربية» وتعزيز «الإدارة الكردية». أما روسيا، فهي غير مهتمة بفتح معابر حدودية جديدة، لكنها مهتمة بتشغيل «الممرات» الداخلية للضغط على الأمم المتحدة والغرب للعمل مع الحكومة السورية عبر دمشق. وكانت تركيا قد ربطت تشغيل «الممرات» بين إدلب وريف حلب من جهة، ودمشق من جهة ثانية، بإغلاق المعابر القائمة بين دمشق والقامشلي.
ولا شك في أن المفاوضات القائمة بين الأميركيين والروس والأتراك حول تمديد القرار الدولي لإيصال المساعدات الإنسانية «عبر الحدود» تتضمن في العمق البحث عن خيط يربط «المعابر» و«الممرات»، ما يفتح الباب على صفقات ومقايضات خلال قمتي بايدن مع كل من بوتين وإردوغان في الأيام المقبلة.



كيف تستفيد مصر من تزايد الاهتمام الأوروبي بالغاز القبرصي؟

مذكرات تعاون في مجال الطاقة بين مصر وقبرص (الرئاسة المصرية)
مذكرات تعاون في مجال الطاقة بين مصر وقبرص (الرئاسة المصرية)
TT

كيف تستفيد مصر من تزايد الاهتمام الأوروبي بالغاز القبرصي؟

مذكرات تعاون في مجال الطاقة بين مصر وقبرص (الرئاسة المصرية)
مذكرات تعاون في مجال الطاقة بين مصر وقبرص (الرئاسة المصرية)

تزامناً مع تزايد الاهتمام الأوروبي بالغاز القبرصي تعول الحكومة المصرية على مزيد من التعاون بين القاهرة ونيقوسيا في مجال الطاقة للنفاذ إلى الأسواق الأوروبية.

وتشكّل البنية التحتية التي تمتلكها مصر في مجال تسييل الغاز، محطة محورية أمام الاستثمارات الأجنبية في حقول الغاز القبرصية، وفق مختصين في مجال الطاقة ودبلوماسيين مصريين أشاروا إلى أن «إجراءات تنمية إنتاج الحقول القبرصية مرهونة بربطها بمحطات التسييل في مصر، قبل إعادة تصديرها إلى الأسواق الأوروبية»، وقالوا إن «تزايد الاستثمارات المشتركة في هذا المجال يعزز من مكانة القاهرة كمركز إقليمي لإنتاج وتداول الغاز والطاقة».

وترتبط مصر وقبرص بشراكة وثيقة خلال السنوات الأخيرة، تتضمن التعاون في مجالات اقتصادية عدة، يأتي في مقدمتها مجال الطاقة. وأكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي «أهمية تفعيل الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الموقعة بين البلدين بما يترجم قوة العلاقات السياسية بمشروعات ومصالح مشتركة ملموسة».

وخلال اتصال هاتفي بين عبد العاطي ونظيره القبرصي كونستانتينوس كومبوس، الجمعة، اتفق الوزيران على «الدفع بالتعاون الثنائي إلى آفاق أرحب، لا سيما في المجالات الاقتصادية والاستثمارية والطاقة».

وتسعى نيقوسيا لتطوير وتنمية إنتاجها من الغاز، وقال وزير الطاقة القبرصي مايكل داميانو إن بلاده «تسعى لتطوير (حقل كرونوس) للغاز، بالشراكة مع شركتَي (إيني) الإيطالية و(توتال إنيرجيز) الفرنسية»، وقال في تصريحات لوكالة «أسوشييتد برس» قبل أيام، إن «المشروع يمثل خطوة مهمة» نحو تحويل بلاده إلى «مصدر بديل للغاز بالنسبة لأوروبا».

ووفقاً لـ«المجلس الأطلسي»، يعزز مشروع «كرونوس» مكانة شرق المتوسط كمصدر إضافي للغاز إلى أوروبا، وتكمن أهميته في تنويع إمدادات الطاقة وتعزيز مرونة الأسواق الأوروبية، وليس في أن يحل محل مصادر الغاز التقليدية بالكامل.

مكاسب اقتصادية وسياسية مصرية وراء الربط الأوروبي بالغاز القبرصي (الخارجية المصرية)

وتعتمد عملية تطوير وتنمية «حقل كرونوس» على إنشاء خط أنابيب يربط الحقل بالبنية التحتية في «حقل ظهر» المصري في شرق المتوسط، وأن يتم نقل الغاز القبرصي إلى محطة التسييل في دمياط (شمال مصر)، ثم شحنه بحراً إلى الأسواق الأوروبية، على أن تبدأ إمدادات الغاز إلى أوروبا بحلول مارس (آذار) 2028.

وتشكّل البنية التحتية التي تمتلكها مصر في مجال تسييل وإنتاج الغاز محطة محورية أمام حقول الغاز القبرصية قبل تصديره للأسواق الأوروبية، وفق أستاذ هندسة الطاقة بالجامعة الأميركية في مصر جمال القليوبي، الذي أشار إلى أن «أعمال تنمية وتطوير الحقول القبرصية تأتي باستثمارات من شركات أوروبية كبرى مثل (إيني) و(شل) و(توتال إنيرجيز)»، لافتاً إلى أن «هذه الشركات تمتلك أيضاً استثمارات في حقول الغاز المصرية. وجزء من تنمية استثماراتها الربط ما بين الغاز القبرصي والبنية التحتية المصرية قبل إعادة التصدير للسوق الأوروبية التي تبحث عن تنويع مصادر الطاقة».

وأوضح القليوبي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أنه «لا يوجد خيار أمام حقول الغاز القبرصية سوى الربط مع محطات التسييل المصرية، لتصنيع الغاز وتصديره لأوروبا»، وأشار إلى أن «مصر تمتلك أكبر محطات إنتاج وتسييل الغاز في المتوسط، كما أنها تمتلك خطوط ربط دولية قادرة على تصدير الغاز إلى الجانب الأوروبي»، منوهاً بأن «القاهرة يمكن أن تشكّل حلقة ربط بين الأسواق الأفريقية والآسيوية والأوروبية».

وتشكّل الاستثمارات القبرصية في مجال الغاز بالشراكة مع مصر مكاسب سياسية واقتصادية للقاهرة، وفق القليوبي الذي قال إن «الربط بين الحقول القبرصية والمصرية يشكّل خطوة أولوية للربط أيضاً مع اكتشافات الغاز في اليونان خلال الفترة المقبلة، في ضوء آلية التعاون الثلاثي التي تجمع الدول الثلاث».

وشدد وزير الخارجية المصري، خلال الاتصال الهاتفي مع نظيره القبرصي، على «أهمية مواصلة تطوير آلية التعاون الثلاثي بين مصر وقبرص واليونان، باعتبارها نموذجاً ناجحاً للتنسيق الإقليمي».

ودشّنت مصر وقبرص واليونان آلية للتعاون الثلاثي على مستوى القمة، وعُقد الاجتماع الأول لها بالقاهرة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، وتناوبت الدول الثلاث استضافة اجتماعاتها بشكل دوري سنوياً، وعُقدت الجولة العاشرة منها في يناير (كانون الثاني) 2025 بالقاهرة.

التعاون في مجال الطاقة يأخذ حيزاً مهماً من العلاقات المصرية - القبرصية (الرئاسة المصرية)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير جمال بيومي أن «قبرص تشكّل نافذة مهمة لمصر نحو الأسواق الأوروبية في مجال الغاز والطاقة»، وقال إن «الحكومة المصرية تستهدف تعزيز الربط مع نيقوسيا في مجال الغاز والكهرباء والبترول، كمحطة مهمة من محطات التعاون الاقتصادي والتجاري مع الجانب الأوروبي».

وهناك مكاسب سياسية واستراتيجية، إلى جانب المكاسب الاقتصادية، تستهدفها القاهرة من تعزيز الشراكة مع الجانب القبرصي في مجال الطاقة، وفق بيومي الذي أكد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «ربط الاستثمارات القبرصية واليونانية بالبنية التحتية المصرية يعزز مكانتها الإقليمية في مجال الغاز، ويساهم في تفعيل (منتدى غاز شرق المتوسط)، ومقره القاهرة»، إلى جانب «تعميق آلية التعاون الثلاثي مع قبرص واليونان في المتوسط».

وعلى مدار السنوات الأخيرة، عززت آلية «التعاون الثلاثي» من تعاون القاهرة مع الجانب القبرصي واليوناني، في مجالات عدة، في مقدمتها قطاع الطاقة؛ إذ وقّعت مصر في أغسطس (آب) 2020 اتفاقاً لترسيم الحدود البحرية مع اليونان، في حين يعود اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع قبرص إلى عام 2003، إلى جانب مشروع الربط الكهربائي مع أوروبا... ودفعت شراكة الدول الثلاث إلى تدشين «منتدى غاز شرق المتوسط» عام 2019.


سوريون في مصر ينتظرون نتائج التنسيق الدبلوماسي بين البلدين

سوريون في مصر ينتظرون نتائج التنسيق الدبلوماسي بين البلدين (مفوضية اللاجئين)
سوريون في مصر ينتظرون نتائج التنسيق الدبلوماسي بين البلدين (مفوضية اللاجئين)
TT

سوريون في مصر ينتظرون نتائج التنسيق الدبلوماسي بين البلدين

سوريون في مصر ينتظرون نتائج التنسيق الدبلوماسي بين البلدين (مفوضية اللاجئين)
سوريون في مصر ينتظرون نتائج التنسيق الدبلوماسي بين البلدين (مفوضية اللاجئين)

ينتظر سوريون يقيمون في مصر، نتائج التنسيق المتزايد بين البلدين، وما قد يترتب عليه من انعكاسات على أوضاعهم، في ظل شكاوى من صعوبات في تجديد الإقامات، وتوالي المناشدات بمنح تسهيلات تتيح للمخالفين تسوية أوضاعهم. وفي المقابل، وجهت السفارة السورية بالقاهرة نداءً إلى مواطنيها دعتهم فيه إلى «الالتزام التام بالقوانين والأنظمة المعمول بها بشأن الإقامة على الأراضي المصرية».

وفي مطلع أغسطس (آب) الحالي تم الإعلان رسمياً عن اعتماد مصر لأوراق السفير يحيى دياب قائماً بأعمال السفير السوري لدى مصر، ومنذ ذلك الحين تعددت الاجتماعات التي عقدها مع مسؤولين مصريين، فيما تحدث وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قبل أيام في تصريحات تلفزيونية، عن اعتزامه زيارة العاصمة السورية دمشق قريباً، مؤكداً أن العلاقات بين مصر وسوريا «طبيعية وتسير بشكل جيد».

وطالبت السفارة السورية في بيان عبر صفحتها على «فيسبوك» مساء الجمعة، مواطنيها الذين انتهت إقاماتهم أو لديهم مخالفات قانونية بـ«المبادرة الفورية إلى تسوية أوضاعهم وعدم تأجيل الإجراءات»، مشددة على «استمرار متابعتها وتنسيقها مع السلطات المصرية لتسهيل الإجراءات ومعالجة الصعوبات التي تواجه أبناء الجالية».

أطفال سوريون خلال نشاط اجتماعي (رابطة سوريات في مصر)

و أكدت السفارة، أنها «تتابع مع الجهات المختصة تقديم مقترحات إلى السلطات المصرية من شأنها تسهيل وتسريع إجراءات الحصول على الإقامات الدراسية والعادية، إلى جانب تسوية أوضاع المخالفين وبحث إمكانية تسوية الغرامات المترتبة عليهم، وفق الأطر القانونية المعتمدة».

وتأمل عضوة «رابطة سوريات في مصر» تهاني الهندي، أن يسفر التنسيق الدبلوماسي عن «تسهيلات تزيل بعض المشكلات التي يواجهها أبناء بلدها»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»، إنها جاءت إلى مصر عام 2012 ولديها صفة وافدة وليست عندها مشكلات في الإقامة.

وأضافت: «لدي مثل الكثير من السوريين وضع مستقر في مصر وأبنائي بمراحل تعليمية مختلفة، كانوا وقت وصولي أطفالاً في عمر 4 سنوات تربوا في مصر وتشبعوا بثقافتها، ولا يمكنني العودة بالوقت الحالي».

وتابعت: «هناك بعض المشكلات التي تحتاج إلى تسهيلات تتعلق بالإقامة التعليمية، ووجود أسر فقيرة لا تتحمل ظروفها رسوم الإقامة أو غرامات التأخير».

وشرعت السلطات المصرية، منذ مايو (أيار) الماضي، في تنفيذ إجراءات جديدة لتقنين أوضاع الأجانب المقيمين على أراضيها، شملت «إلزامهم بسرعة تجديد الإقامة واستخراج بطاقة الإقامة الذكية». ووجَّهت الأجهزة المعنية، تحذيرات بأنَّ «أي أجنبي لا يحمل بطاقة إقامة سارية، أو بطاقة إعفاء رسمية بعد انتهاء المهلة المحددة، لن يتمكَّن من إنهاء معاملاته لدى الجهات الحكومية».

وتقدر «المنظمة الدولية للهجرة» عدد السوريين المقيمين في مصر بنحو مليون ونصف المليون، فيما يبلغ عدد المسجلين لدى «مفوضية اللاجئين» بالقاهرة نحو 98 ألفاً ما بين لاجئ أو طالب لجوء حتى مايو الماضي، بحسب تقرير لـ«المفوضية» في يونيو (حزيران).

مجموعة من السوريات في مصر (رابطة سوريات في مصر)

وتعمل مصر على تفعيل منظومة جديدة خاصة بلجوء أو إقامة الأجانب بالبلاد، الذين يقدر عددهم بنحو 10 ملايين (وفق تقديرات الحكومة المصرية)، عبر قانون «لجوء الأجانب» الذي صدّق عليه الرئيس عبد الفتاح السيسي في ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وأكدت السفارة السورية، أنها «تواصلت مع الجهات المصرية المعنية لمتابعة أوضاع السوريين، ولا سيما ما يتعلق بالإقامة والإجراءات القنصلية»، موضحة أنها لمست «تعاوناً وحرصاً ملموسين من الجانب المصري لمعالجة مختلف الحالات وفق الأطر والقوانين النافذة».

ويرى خبير دراسات الهجرة وشؤون اللاجئين بـ«مركز دراسات الهجرة بالجامعة الأميركية» في القاهرة، الدكتور أيمن زهري، أنه «مهما كان الحديث عن تسهيلات، فإننا أمام وضع قانوني بحت يتطلب الالتزام به»، في إشارة إلى قانون «لجوء الأجانب».

وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «المسجلين لدى مفوضية اللاجئين في مصر، الذين يتناقص عددهم، لهم وضع قانوني تكفله الاتفاقيات والمواثيق الدولية، عدا ذلك لا يمكن اتباع منهج التسوية الشاملة للجميع». وبحسب زهري، فإن «الكثير من غير المسجلين لدى المفوضية وافدون، تتم تسوية كل حالة على حدة، سواء الخاصة بالاستثمار، أو بالتعليم وغيره».


مقر اتحاد الأدباء اليمنيين في مرمى الاستيلاء الحوثي

عنصر حوثي يرفع مسدساً خلال حشد للجماعة بصنعاء (رويترز)
عنصر حوثي يرفع مسدساً خلال حشد للجماعة بصنعاء (رويترز)
TT

مقر اتحاد الأدباء اليمنيين في مرمى الاستيلاء الحوثي

عنصر حوثي يرفع مسدساً خلال حشد للجماعة بصنعاء (رويترز)
عنصر حوثي يرفع مسدساً خلال حشد للجماعة بصنعاء (رويترز)

واجه اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، أحد أقدم الكيانات الثقافية والنقابية في البلاد، محاولة جديدة لانتزاع مقره المركزي في العاصمة المختطفة صنعاء، بعد صدور أمر قضائي حوثي بإخلاء المبنى، بدعوى انتقال ملكيته إلى أحد الأشخاص، في خطوة أثارت مخاوف واسعة من امتداد إجراءات الجماعة إلى ما تبقى من المؤسسات الثقافية والمهنية المستقلة.

وفُوجئ الوسط الثقافي اليمني بوصول أشخاص إلى مقر الأمانة العامة للاتحاد في حي الرقاص وسط صنعاء، حيث طلبوا من حارس المبنى تسليم أمر قضائي صادر عن إحدى المحاكم الخاضعة للحوثيين، يقضي بإخلاء المقر، في حين رفض الحارس التوقيع على تسليم الوثيقة أو تسلّم الأوراق، وفق ما أفادت به قيادة الاتحاد.

وأبلغت هدى أبلان، الأمينة العامة لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، المقيمة حالياً في القاهرة، أعضاء الأمانة العامة والمجلس التنفيذي بالواقعة، وسط مخاوف من أن يكون الإجراء مقدمة للسيطرة على مقر المؤسسة وممتلكاتها ومكتبتها وأرشيفها.

جانب من مقر الأمانة العامة لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين (إعلام محلي)

وتأتي هذه الخطوة في وقت تقول فيه أوساط ثقافية يمنية إن جماعة الحوثي عملت منذ سيطرتها على صنعاء في سبتمبر (أيلول) 2014 على تضييق المجال العام وتجفيف مصادر النشاط الثقافي والفكري، عبر إغلاق أو تعطيل مؤسسات ومنابر كانت تشكّل متنفساً للكتاب والمثقفين والفنانين.

نصف قرن من الذاكرة

لا يمثّل المبنى المستهدف مجرد مقر إداري للاتحاد، إذ ارتبط على مدى عقود بنشاط ثقافي ومهني جمع أجيالاً من الأدباء والكتاب اليمنيين، فيما يعود تأسيس الاتحاد إلى أكتوبر (تشرين الأول) 1970، ليكون واحداً من أقدم المؤسسات الثقافية والمهنية الجامعة في اليمن.

وتقول قيادة الاتحاد إن المقر المركزي في صنعاء تم شراؤه عام 1993، وكان يتألّف في ذلك الوقت من طابقَين، قبل أن يشتري الاتحاد مبنى شعبياً ملاصقاً له ويهدمه، لتشييد قاعة مركزية على نفقة الوزير الراحل أحمد جابر عفيف.

وفي عام 1998، تولى رئيس الوزراء الأسبق محسن العيني، وصديقه السفير محمد القوسي، تكاليف تشييد طابق إضافي للمبنى وتجهيزه وتأثيثه، ليضم مكتبة مركزية للاتحاد، إلى جانب مكاتب إدارية لقيادته وموظفيه.

وقفة تضامنية في باريس مع الصحافيين اليمنيين في سجون الحوثيين (إعلام محلي)

وتؤكد هذه الوقائع، وفق الاتحاد، أن المقر سبق سيطرة الحوثيين على العاصمة بسنوات طويلة، وأن وجوده ارتبط بتاريخ المؤسسة التي تمكنت، قبل أكثر من عقدَين من الوحدة اليمنية عام 1990، من جمع أدباء وكتاب شمال البلاد وجنوبها في إطار ثقافي واحد.

وخلال أكثر من نصف قرن، تحول الاتحاد إلى مساحة جامعة للمثقفين والأدباء على اختلاف توجهاتهم وانتماءاتهم السياسية، واضطلع بدور في دعم حرية الإبداع والتعبير والتعدد والحوار، حسب نقابة الصحافيين اليمنيين.

ويخشى مثقفون يمنيون من أن يؤدي فقدان المقر إلى ضياع جزء من أرشيف الاتحاد ومقتنياته ومكتبته، فضلاً عن تقويض ما تبقى من رمزية المؤسسات الثقافية المستقلة في المناطق الخاضعة للحوثيين.

نقابة الصحافيين تحذّر

دخلت نقابة الصحافيين اليمنيين على خط الأزمة، معبّرة عن «قلق بالغ» إزاء ما وصفته بمحاولة استهداف مقر الأمانة العامة لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين.

وحذّرت النقابة من أن الاستيلاء على مقر الاتحاد وممتلكاته قد يمثّل امتداداً لمسار يستهدف مؤسسات المجتمع المدني والنقابات والاتحادات المهنية والثقافية في مناطق سيطرة الحوثيين.

وقالت إن المساس بالمقر أو مكتبته أو أرشيفه ومقتنياته لا يقتصر على الجانب العقاري، بل يمس جانباً من الذاكرة الثقافية والوطنية لليمن، باعتبار الاتحاد مؤسسة لعبت دوراً بارزاً في الحياة الثقافية والفكرية طوال أكثر من خمسة عقود.

العمل النقابي في اليمن يقتصر نشاطه في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية (إعلام محلي)

وطالبت النقابة سلطات الأمر الواقع في صنعاء بوقف أي إجراءات تستهدف مقر الاتحاد أو ممتلكاته، واحترام شخصيته الاعتبارية وحقوقه القانونية، داعية المثقفين والصحافيين والأدباء والكتاب ومنظمات المجتمع المدني داخل اليمن وخارجه إلى التضامن مع الاتحاد.

إغلاق المنابر الثقافية

تشير الأوساط الثقافية إلى أن محاولة إخلاء مقر اتحاد الأدباء تأتي بعد سنوات من القيود التي فرضتها الجماعة على المشهد الثقافي في مناطق سيطرتها، شملت المكتبات والمسارح ودور السينما وغيرها من المساحات التي كانت توفّر للقراء والفنانين والمثقفين مجالاً للنشاط والتعبير.

فقد أغلقت الجماعة الحوثية، وفق إفادات محلية، مكتبات كانت توفر للقراء الكتب والمطبوعات، كما ضيّقت على الغناء والموسيقى والمسرح، وأغلقت دار السينما الوحيدة التي كانت لا تزال تعمل في صنعاء.

وامتدت القيود إلى المؤسسات التعليمية، مع فرض إجراءات تحدّ من الاختلاط في الجامعات ومعاهد تعليم اللغات، في إطار إجراءات اجتماعية وثقافية أوسع تقول أوساط يمنية إنها أسهمت في تقليص المجال العام.

القبضة الأمنية الحوثية تسببت في توقف الأنشطة النقابية (إ.ب.أ)

وبالتوازي، فقدت النقابات والمنظمات المستقلة قدرتها على العمل من صنعاء، ومن بينها نقابة الصحافيين اليمنيين، التي بات نشاطها يتركز في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة اليمنية.

ويخشى مثقفون من أن يتحول إخلاء مقر اتحاد الأدباء إلى نموذج جديد للتعامل مع المؤسسات التي احتفظت، رغم الحرب والانقسام، بقدر من الاستقلال عن أطراف الصراع.

وفي هذا السياق، وجّه عشرات الكتاب والأدباء مناشدة إلى من وصفوهم بـ«العقلاء» داخل جماعة الحوثي التدخل ووقف إجراءات إخلاء مقر الاتحاد، محذرين من تداعيات المساس بالمؤسسة التي جمعت الأدباء والكتاب اليمنيين على مدى أكثر من خمسة عقود.

ودعا الموقعون الأدباء والكتاب داخل اليمن، واتحاد الأدباء والكتاب العرب، والمثقفين في اليمن والوطن العربي، إلى التحرك للدفاع عن مقر الاتحاد، باعتباره أحد أقدم المؤسسات الثقافية والنقابية التي حافظت على حضورها في الحياة اليمنية منذ سبعينات القرن الماضي.