مالي... حلبة صراع بين باريس وموسكو

شهدت 4 رؤساء و3 انقلابات عسكرية خلال أقل من 10 سنوات

مالي... حلبة صراع بين باريس وموسكو
TT

مالي... حلبة صراع بين باريس وموسكو

مالي... حلبة صراع بين باريس وموسكو

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بالأمس، أن عملية «برخان» العسكرية التي يخوضها جيش بلاده في منطقة الساحل الأفريقي، بما فيها جمهورية مالي، ستنتهي في غضون أسابيع، لتتحول وفق «تغيير عميق» إلى تحالف دولي لمكافحة المتطرفين في المنطقة. وأوضح ماكرون خلال مؤتمر صحافي: «في نهاية المشاورات (...) سنبدأ تغييرا عميقا لوجودنا العسكري في منطقة الساحل»، مؤكدا نهاية «برخان» وإبدال ما سماه تحالفا دوليا يضم دول المنطقة بها.
لقد بدأ التدخل العسكري الفرنسي في منطقة الساحل في يناير (كانون الثاني) 2013، بعملية «سيرفال» لطرد تنظيم «القاعدة» من شمال مالي، لتتحول في أغسطس (آب) 2014 إلى عملية «برخان» التي يبلغ قوامها 5100 جندي فرنسي وتنشط في دول الساحل الخمس، موريتانيا ومالي والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو. ومما ذكره ماكرون إنه في غضون أسابيع ستعلن عن آليات وأجندة لإنهاء هذه العملية العسكرية، وتحويلها إلى قوة دعم للجيوش المحلية الراغبة في ذلك. وكان قد سبق للرئيس الفرنسي أن أعلن خلال العام الماضي رغبته في تقليص عدد القوات الفرنسية الموجودة في الساحل الأفريقي لمحاربة الجماعات الإسلامية المسلحة. كذلك هدد ماكرون بالانسحاب من مالي بعد الانقلاب الذي وقع فيها نهاية مايو (آيار) الماضي. وفي أي حال، يأتي هذا القرار في ظل تصاعد تيار مناهض للوجود العسكري في مالي وبعض دول غرب أفريقيا، ومطالب متصاعدة في مالي، بالذات، بضرورة التعاون العسكري مع روسيا.
عندما انقلب ضباط من الجيش في مالي على الرئيس الانتقالي، نهاية مايو (أيار) الماضي، خرجت مظاهرة مؤيدة لتحركهم، كان في مقدمتها شاب يرفع لافتة تطالب برحيل فرنسا التي تنشر 5100 جندي في البلد لمحاربة الإرهاب، ولكن الشاب المتحمس يقترح إبدال روسيا بفرنسا، لأنه مقتنع بأن مالي عاجزة عن الوقوف وحدها، وعليها أن تختار الوصي عليها من بين القوى العظمى.
مالي، التي تحمل اسم واحدة من أعرق الإمبراطوريات التاريخية في غرب أفريقيا، استقلت عن فرنسا عام 1960. ولكن منذ ذلك الوقت عجز الماليون عن إقامة مشروع «الدولة الوطنية»، بسبب الانقلابات العسكرية والحروب الأهلية، والفشل في تحقيق الوحدة الوطنية بين الجنوب الذي تقطنه قبائل الماندينغ الأفريقية، والشمال الذي يقطنه الطوارق والعرب. ومنذ 2012 دخلت مالي في منعرج خطير، حين سيطر تنظيم «القاعدة» على ثلثي مساحة البلاد في الشمال، وبدأ يزحف نحو العاصمة باماكو في الجنوب. حينها قاد ضباط من أصحاب الرتب المتوسطة انقلاباً عسكرياً أطاح بالرئيس الراحل أمادو توماني توري، لتدخل البلاد في مرحلة انتقالية قادها الرئيس ديونكوندا تراوري، الذي استغاث في شهر يناير (كانون الثاني) 2013 بالرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولاند، طالباً منه التدخل عسكرياً لمنع سقوط العاصمة باماكو في أيدي الإرهابيين، فأطلق هولاند عملية «سيرفال» العسكرية، التي ما تزال مستمرة حتى اليوم تحت اسم «برخان».
طيلة هذه السنوات كان الفرنسيون يتحدثون عن تكاليف بشرية ومادية باهظة للحرب على الإرهاب في مالي، ويعلنون بين الفينة والأخرى نيتهم الانسحاب، بيد أنهم في النهاية رفعوا عدد جنودهم من 3500 جندي عام 2013. ليصل عام 2020 إلى أكثر من 5100 جندي، ونجح الفرنسيون في تصفية عشرات القادة البارزين في «تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، من أبرزهم أمير التنظيم عبد المالك دروكدال.
وخلال شهر سبتمبر (أيلول) 2013 نصّب الماليون إبراهيم بابكر كيتا رئيساً جديداً للبلاد، وكانت مهمته الأولى هي حل المعضلة الأمنية. غير أنه لم ينجح في ذلك رغم أن الماليين أعادوا انتخابه عام 2018، وبعد مرور سنتين من ولايته الثانية و7 سنوات من حكمه، نفد صبر الماليين حين أدركوا أنه بدّل الحرب على «القاعدة» في جبال وعرة بأقصى الشمال، بالمواجهة في وسط البلاد وفي الجنوب. ودخل «تنظيم داعش» المنطقة بقوة، وتكرّس الشرخ الاجتماعي والعرقي في البلاد، وانهار الاقتصاد، فخرجت مظاهرات وبدأ عصيان مدني.
لقد اقترنت معارضة الرئيس كيتا بالموقف المعادي لفرنسا، لأن كيتا في نظر أغلب الماليين هو الرئيس الذي جلبه الفرنسيون، كما أن فشله في تحقيق الأمن هو فشل للجيش الفرنسي. وبالتالي، فإن الانقلاب الذي أطاح بكيتا في أغسطس (آب) الماضي، رافقته مطالب صريحة بطرد القوات الفرنسية. إلا أن فرنسا عارضت انقلاب أغسطس، ودعت الضباط الذين قادوه إلى تسليم الحكم للمدنيين والعودة إلى الوضع الدستوري. وعندها قرر الجيش تعيين رئيس مدني انتقالي، هو باه أنداو، على أن يكون زعيم الانقلاب الكولونيل أسيمي (هاشمي) غويتا، نائباً للرئيس الانتقالي، وحُددت مهلة 18 شهراً لتنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية في البلاد.
ولكن عند منتصف المسافة، بعد مرور 9 أشهر من هذه المهلة، وقعت الانتكاسة. إذ قرر الوزير الأول، بموافقة من الرئيس الانتقالي، يوم الاثنين 24 مايو (أيار) الماضي مباشرة بعد عودة الرئيس من زيارة إلى باريس، إعفاء وزيري الدفاع والأمن الوطني من منصبيهما، وهما ضابطان من أبرز قادة انقلاب أغسطس الماضي. على الإثر، وقع انقلاب جديد، وصفه وزير الخارجية الفرنسي بأنه «انقلاب داخل انقلاب»، أما الرئيس إيمانويل ماكرون فقد هدّد بسحب قواته من مالي، وأعلن رسمياً تعليق التعاون العسكري «مؤقتاً» مع الجيش المالي. واليوم، يتحدث الماليون عن محاولة باريس قلب الطاولة على ضباط محسوبين على موسكو، حين أوعزت إلى الرئيس الانتقالي بإقالتهم من الحكومة، وإبعادهم عن مركز اتخاذ القرار، لكن الضباط كانوا أسرع منه... فأقالوا الرئيس وتحكّموا في مقاليد الحكم.

حلبة الصراع
لم يعد الصراع بين باريس وموسكو في أفريقيا جنوب الصحراء صراعاً خفياً، خاصة بعدما أصبحت روسيا اللاعب الأقوى في جمهورية أفريقيا الوسطى، التي علقت باريس المساعدات التي كانت تقدم لها وأوقفت التعاون العسكري معها، في أعقاب اتهام حكومتها بـ«التواطؤ» في حملة معلومات مضللة ضد باريس تدعمها روسيا. ويعتقد الصحافي الموريتاني موسى ولد حامد، المدير الناشر لصحيفة «بلادي» الناطقة باللغة الفرنسية، أن «روسيا تحاول منذ سنوات دخول أفريقيا جنوب الصحراء، وقد اقتربت بالفعل من أن تنتزع جمهورية أفريقيا الوسطى من النفوذ التقليدي الفرنسي. وعلى الرغم من وجود قاعدة عسكرية فرنسية في هذا البلد، فإن مَن يباشر الحياة السياسية والأمنية هم الروس وأعوانهم، وهناك أكثر من 3 آلاف مقاتل من مجموعة فاغنر (الأمنية) الروسية».
ويرى الصحافي الموريتاني، المتابع لتطور الأحداث في أفريقيا منذ أكثر من عقدين، أن «لدى روسيا خطة محكمة لزيادة نفوذها في أفريقيا، وخاصة مناطق النفوذ الفرنسي». ويؤكد أن التحرك الروسي أخذ أبعاداً دبلوماسية وعسكرية وأمنية، حتى إعلامية، وهو يقوم على استغلال أخطاء الفرنسيين وتحريك مشاعر عدوانية تجاه فرنسا، عبر إحياء ذكريات حقبة الاستعمار.
في المقابل، من المؤكد أن الفرنسيين لن يخسروا معركة النفوذ في هذه المنطقة بسهولة، وهذا ما يؤكده الباحث السياسي المالي الدكتور فاكابي سيسوكو، الذي يعتبر أن الماليين الذين يطالبون بطرد القوات الفرنسية «يتجاهلون أن فرنسا ترسل أبناءها للموت في مالي منذ نحو 10 سنوات، إنها لا تفعل ذلك من أجل عيون الماليين، وإنما لحماية مصالحها».
أما الناشطة السياسية الشابة آدام ديكو، التي تقود جمعية شبابية لترسيخ قيم المواطنة والديمقراطية في مالي، فتعتقد أن «فرنسا لن تتنازل عن مالي، لأنها بوابة تسعى الدول العظمى دخول المنطقة عبرها، وفرنسا تريد التحكم في هذه البوابة».
لكن ولد حامد يرى أن إدارة الرئيس ماكرون في «وضعية حرجة ومأزق حقيقي»، ويفسر ذلك بأن «فرنسا مقبلة على انتخابات رئاسية في غضون عام، وهو ما يحد من الخيارات أمام ماكرون، فلا يمكنه التصرف كما يحلو له»، ومن جهة أخرى «تعرضت السياسات الفرنسية في الساحل لضربة قوية بعد مقتل الرئيس التشادي إدريس ديبي، وما أعقبه من انقلاب عسكري وأوضاع غير مستقرة، في بلد كانت تراهن عليه فرنسا في حربها على الإرهاب».
وتابع الصحافي الموريتاني أن «خروج تشاد من المشهد وضع الفرنسيين في ورطة، لأن مالي وبوركينا فاسو والنيجر ليست دولاً قادرة على أن تكون حليفة في الحرب على الإرهاب. وأكبر مشكلة واجهت الفرنسيين منذ تدخلهم العسكري هي أن مالي نفسها غير موجودة، ولم تنجح في أن تكون شريكاً في هذه الحرب، فهي لا تملك جيشاً ولا سلطة سياسية ثابتة تتمتع بالشرعية. أما موريتانيا فهي البقعة الهادئة الوحيدة في المنطقة، لكن بؤر التوتر تحيط بها من كل جانب».
وهكذا أصبح المستقبل غامضاً أمام مشروع مجموعة دول الساحل الخمس، الذي أسس برعاية فرنسية عام 2014. وهو ما يعقد الأمور أكثر بالنسبة لفرنسا. بل إن الأوضاع ساءت أكثر حين برز التيار المعادي لفرنسا، وتغلغل في الشارع المالي. وهو ما يفسره الصحافي الموريتاني بأنه «موقف نابع من اعتقاد الماليين بأن فرنسا موالية لحركات الطوارق في الشمال، التي تطالب بالانفصال».

حضن «الدب الروسي»
الشاب قاسم كوليبالي يقود حالياً مبادرة سياسية شبابية لدعم الانقلاب الأخير في مالي، وهو ينشط من أجل تدخل عسكري روسي في مالي، مبرراً ذلك بأن «روسيا ستكون شريكاً أفضل لنا. علاقاتنا معها قديمة جداً، ولكن يجب إعادة إحيائها، ووضعها في نفس مستوى التعاون الذي يربطنا مع الشركاء الآخرين، وخاصة فرنسا». ويضيف كوليبالي أنه نظّم رفقة مجموعة من الشباب «المتطوّعين» حملات إعلامية وجولات ميدانية من أجل «شرح الوضع الجيو استراتيجي الصعب الذي توجد فيه مالي، كما وجّهنا رسائل إلى السفارة الروسية في باماكو، وأجرينا اتصالات مع العاملين فيها، لإقناع موسكو بضرورة التحرك جدياً لمساعدة مالي».
وخلال النقاشات التي يجريها كوليبالي مع الماليين في الشوارع، ومع وسائل الإعلام المحلية، فإنه يستحضر موقف الزعيم الاستقلالي الراحل موديبو كيتا، أول رئيس لدولة مالي بعد استقلالها عن فرنسا عام 1960. وكان موديبو كيتا اشتراكياً حتى النخاع، وربطته علاقات قوية مع الاتحاد السوفياتي، وحصل من موسكو على تمويلات كبيرة خلال حقبة الستينات، على حد تعبير قاسم كوليبالي. وفي الوقت ذاته يهاجم كوليبالي الفرنسيين، فيقول: «من الواضح أننا لم نحقق أي نتائج إيجابية من التعاون مع فرنسا والاتحاد الأوروبي. وبعد مرور 10 سنوات تقريباً على الوجود العسكري الفرنسي في الأراضي المالية، الوضع يزداد سوءاً، ولا يمكننا أن نستمر في هذا التوجه»، بل إنه يتفاءل أكثر حين يقول إن «الشراكة مع روسيا من شأنها أن تسرّع في القضاء على الإرهاب».
في المقابل، الناشط السياسي بصيرو بن دومبيا، لديه وجهة نظر مختلفة، إذ يقول: «لا أعتقد أن مغادرة فرنسا ستنهي الإرهاب، حتى مجيء روسيا لن ينهيه. الأزمة أعمق من ذلك، ولكن يجب أن ندرك أنه في مجال التعاون العسكري لا شيء مجاني. وروسيا التي ترتفع المطالب بدخولها إلى مالي، هي التي تدخّلت في سوريا لمنع سقوط نظام بشار الأسد، وهي تدخلت عبر شركات أمنية خاصة، ولم تطلق رصاصة ولا صاروخاً إلا وهناك فاتورة ستدفع مقابله، إنهم تجّار ولا يعطون بالمجّان».
في هذا السياق، يوضح الصحافي الموريتاني موسى ولد حامد أن «روسيا مختلفة عن بقية القوى العظمى الحاضرة في أفريقيا، فهي لا تبحث عن الثروات أو الخيرات أو المواد الأولية، بل تبحث عن سوق لبيع الأسلحة، ومالي تمثل واحدة من أكبر هذه الأسواق في أفريقيا». وهذا ما يعني أن توطين الإرهاب في مالي ومنطقة الساحل، يخدم روسيا أكثر من القضاء عليه. ثم يتابع، أن روسيا والصين «قدمتا أكبر خدمة لقادة انقلاب باماكو، حين اجتمع مجلس الأمن الدولي للحديث عن انقلاب مالي، ولم يتمكن من اتخاذ أي قرار ضد الانقلابيين، بسبب روسيا والصين. وهذا ما أثار الشكوك حول العلاقة بين الانقلابيين وموسكو، خاصة أن هناك من يشير إلى ضباط شباب، من قادة الانقلاب الأخير، تربطهم علاقات وطيدة بروسيا... وسعى عدد منهم لإبرام صفقات سلاح مع موسكو، كانت مثار جدل واسع في الإعلام الفرنسي والمالي».
ورغم الدعوات المتزايدة بضرورة انسحاب فرنسا ودخول روسيا إلى مالي، يرفض المحامي المالي عمر كوناري ذلك السيناريو، فيعلّق: «أنا لست مع الانسحاب المفاجئ للقوات الفرنسية، كما أنني لست مع مجيء مفاجئ وفوضوي للقوات الروسية. موقفي هو أن يكون هناك تفكير معمق للتوصل إلى مخرج يوافق عليه الجميع، مع رفض الخضوع لضغط الشارع». ويقدم المحامي وجهة نظر بدأت تتردد كثيراً في الشارع المالي، وهي إمكانية التعايش بين باريس وموسكو في مالي، ضمن إطار تحالف دولي لمحاربة الإرهاب. ويوضح المحامي أن «الأراضي المالية شاسعة، وفي حين يوجد الفرنسيون والأوروبيون في الشمال والشرق، يمكن لروسيا أن تتدخل عسكرياً في الجنوب أو الغرب... وهذا مهم لمحاربة الإرهاب».
ختاماً، وباختصار، ما يخشاه الماليون هو العودة دوماً إلى المربع الأول. فخلال أقل من 10 سنوات مرّ على البلد 4 رؤساء، و3 انقلابات عسكرية، واقتراعان رئاسيان. وفي كل مرة، عادت الأمور أسوأ مما كانت عليه، وثمة أصوات قليلة تدعو إلى البحث عن «خلل بنيوي» يجب تصحيحه، داعية إلى «إعادة تأسيس» الدولة وفق عقد اجتماعي جديد. هذا على الأرجح ما يراه الماليون، إلا أن القرار سينتظر حسم الصراع بين «الديك الفرنسي» و«الدب الروسي» و«التنّين الصيني» في صحراء مالي الغنية بالعواصف.

أرض مالي الملغّمة!
> مالي التي تحولت إلى ساحة لصراع القوى العظمى، ينتظرها «مستقبل غامض» حسب رأي الصحافي الموريتاني موسى ولد حامد، وبالتالي فإنها لن تكون شريكاً جاداً لأي طرف دولي، سواء كان فرنسا أو روسيا، وإنما قد تكون ساحة للصراع أو سوقاً للبيع.
ويضيف ولد حامد: «لا أعتقد أن الماليين قادرون على الخروج من هذه الأزمة في المنظور القريب، لأنها أزمة داخل كثير من الأزمات. فالبلد يعاني معضلة في التماسك الاجتماعي، وتشكلت هويات صغرى أقوى من الهوية الوطنية. وبالتالي أصبحت الأرضية في مالي ملغّمة، والسلطة المركزية فاقدة للشرعية وغير مستقرة، والطبقة السياسية هشة، والجيش غير موجود، إنها دولة يمكن وصفها بالفاشلة».
ولكن ولد حامد يعتقد أن أخطر ما تواجهه مالي في المستقبل القريب هو «غياب شخصيات سياسية محورية قادرة على أن تجمع الناس، ما عدا الإمام محمود ديكو الذي لا يثق فيه الفرنسيون، ولكنهم قد يضطرون للقبول به، مع أنه لا يملك خطة للخروج بمالي من هذه الوضعية».
أما الناشطة السياسية الشابة آدام ديكو، التي تقود جمعية شبابية لترسيخ قيم المواطنة والديمقراطية في مالي، فتتمسك بالأمل وتعتقد أن الشرط الأول للخروج بمالي من هذه الوضعية هو «احترام المهلة المحددة للفترة الانتقالية، لأن ما نخشاه هو بقاء الانقلابيين في الحكم». وتضيف أن «الفترة الانتقالية ليس مطلوباً منها أن تحل جميع مشكلات مالي، لأن الإصلاح عملية تتطلب الوقت».
ومن جانبه، لا يولي الدكتور فاكابي سيسوكو أي اهتمام للمدة الزمنية للفترة الانتقالية، بل يعتقد أن تنظيم انتخابات شفافة وديمقراطية هو الأهم، ويقول في هذا السياق: «حين نشاهد عسكريين قادرين على اقتحام المجال السياسي بهذه الطريقة، وإقالة رئيس انتقالي هم من اختاروه، وفق آليات هم من وضعوها... فما هو الضامن أنهم لن يعودوا في نهاية الفترة الانتقالية لتغيير قواعد اللعبة من جديد، فيقلبوا نتائج الانتخابات الرئاسية حين يهزم مرشحهم؟ وما هو الضامن بأنهم لن يقرروا في النهاية تمديد الفترة الانتقالية بطريقة أحادية ببساطة، لأنهم يملكون السلاح؟».



هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
TT

هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)

صباح الأربعاء الفائت كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يدلي بتصريح مسهب في العاصمة واشنطن حول الخيارات المطروحة على مكتب الرئيس دونالد ترمب لمعالجة الوضع في كوبا، مشدّداً على أن «سيّد» البيت الأبيض يفضّل الحل السياسي «إلا أنه لن يتردد في اللجوء إلى القوة لإنهاء معاناة الشعب الكوبي». وفي الوقت نفسه تقريباً كان الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل يخاطب مواطنيه في العاصمة الكوبية هافانا معلّقاً على القرار الذي كان صدر عن وزارة العدل الأميركية بتوجيه تهمة القتل العمد إلى سلفه راؤول كاسترو في حادثة إسقاط طائرتين صغيرتين عام 1996 ومقتل أربعة من ركابها كانوا ينتمون إلى إحدى المنظمات غير الحكومية.

الرجلان، الوزير روبيو والرئيس دياز كانيل توقّفا طويلاً عند يوم مفصلي في تاريخ كوبا هو 20 مايو (أيار) من عام 1902.

الوزير روبيو، الذي هو ابن أسرة لاجئة من كوبا، توقّف ليذكّر بأنه في ذلك اليوم رفرفت الراية الكوبية فوق الدولة المستقلة لأول مرة، وبقيت صورتها محفورة في الذاكرة تشهد إلى الأبد على ولادة الجمهورية المستقلة. أما الرئيس دياز كانيل فقد ذكّر بأن ذلك التاريخ «إن شهد على شيء، فهو يشهد على أنه زرع في نفوس الكوبيين مشاعر مناهضة الإمبريالية والصمود في وجه غطرستها».

روبيو عاد إلى ذلك التاريخ بوصفه «لحظة ملحمية»، بينما طلب الرئيس الكوبي من مواطنيه ألا ينسوا التدخل الأميركي المديد في بلاده. وهذه هي حكاية العلاقة بين الولايات المتحدة وكوبا: عراك حول التاريخ واستخلاص العِبَر من محطاته.

تفاقم أزمة الكهرباء... والحصار المزمن

اللافت أنه في الوقت الذي كانت فيه وكالات الأنباء تتناقل ما ورد في تصريحات روبيو ودياز كانيل، كانت مؤسسة الكهرباء الكوبية تعلن أن قدرتها الإنتاجية هي دون نصف الاحتياج الوطني. أي أن الدولة - الجزيرة مقبلة على يوم آخر من انقطاعات التيّار الكهربائي، وأن أمواج الطلاب لن تتدفّق كعادتها على أدراج جامعة هافانا المهيبة، وأن فندق الـ«ناسيونال» Nacional الأسطوري لن يسلم هو أيضاً من العتمة، وأن الأحياء السياحية في العاصمة ستنقطع عنها المياه لساعات طويلة بعدما كادت تفرغ من الزوار الأجانب.

الواقع أنه لم يكن من باب الصدف اختيار الحكومة الأميركية هذا التاريخ، بالذات، لإصدار وزارة العدل قرار الاتهام الفيدرالي بحق الرئيس السابق راؤول كاسترو حول «مسؤوليته» عن إعطاء الأمر بإسقاط الطائرتين يوم 24 فبراير (شباط) 1996.

كاسترو، الشقيق الأصغر لفيديل كاسترو، مؤسس الاشتراكية الكوبية، وخلفه في الحكم، لم يصدر عنه حتى الآن أي تعليق على قرار الاتهام. وللعلم، هو الآن على أبواب الاحتفال بعيد ميلاده الخامس والتسعين. كذلك لا تعليق منه على الوعود التي أطلقها روبيو بقوله إن الولايات المتحدة «تريد مساعدة الكوبيين، ليس على التخفيف من حدة الأزمة المعيشية فحسب، بل أيضاً على بناء مستقبل أفضل».

ما يستحق الإشارة أن الأزمة المعيشية الممتدة في كوبا بلغت ذروة غير مسبوقة عندما ضربت الإدارة الأميركية حصاراً نفطياً على الدولة - الجزيرة في أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي. وأعقبتها بسلسلة من التهديدات اليومية تقريباً، إلى جانب فرض العقوبات على أجهزة المخابرات، والضغط على المؤسسات العسكرية والاقتصادية، وإعلان قيود مالية، إلى أن كانت زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) الأميركية إلى هافانا. وهي التي بيّنت بوضوح أن كوبا لم تعد تشكّل تهديداً للأمن القومي الأميركي، وأيضاً أن الولايات المتحدة التي يقود وزارة خارجيتها اليوم كوبي مولود في ولاية فلوريدا، تريد أن تضع آخر رموز النظام الكاستري تحت مقصلة الإعدام السياسي... وهو على مشارف نهاية حياته!

«خبرة» روبيو الكوبية

وحقاً، لا أحد مثل روبيو يعرف «مسالك» النظام الكوبي داخل الإدارة الأميركية الحالية. ولا شك في أنه، إلى جانب البُعد الشخصي الذي تحمله الجزيرة بالنسبة إليه، يريد أن تكون «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض، هي «إنهاء الثورة الكوبية» الذي عجزت عنه كل الإدارات الأميركية منذ مطالع ستينات القرن الماضي.

بل، يبدو الوزير الأميركي اليميني الشاب مصمّماً الآن على تحميل شقيق فيديل ديون الثورة المستحقّة للشتات الكوبي، عندما يقول: «السبب في أن الجزيرة اليوم تعيش بلا كهرباء أو وقود أو غذاء، هو أن الذين أحكموا قبضتهم عليها طوال عقود قد نهبوا خيراتها عن طريق مؤسسة (غييسا) Gaesa». وللعلم، «غاييسا» هي المجموعة الحكومة المالية الحكومية التي تسيطر على 70 في المائة من اقتصاد كوبا.

لكن خارج التصريحات المتعاقبة على لسان الرئيس ترمب حول كوبا، والتهديدات المتكررة بوضع اليد عليها «في طريق عودة حاملة الطائرات إبراهام لنكولن من إيران»، أو تنصيب ماركو روبيو رئيساً عليها، ليس واضحاً بعد ما هو الهدف الذي وضعته الإدارة الأميركية من وراء تصعيد الحصار على كوبا، أو حتى من إسقاط النظام بواسطة التدخل العسكري المباشر.

الترجيحات والتوقعات لـ«سيناريو» المستقبل

متعدّدة هي الترجيحات والتوقعات في أوساط الخبراء والباحثين في الشأن الكوبي، خاصة أن التجربة الفنزويلية التي يميل كثيرون إلى التشبّه بها في الحالة الكوبية، ما زالت غامضة من حيث أهدافها والصيغة التي ستستقر عليها في نهاية المطاف.

ثمّة من يرى أن اختيار تاريخ إعلان استقلال الجمهورية الكوبية لتوجيه التهمة إلى راؤول كاسترو، يحمل دلالة «التأسيس لدولة جديدة» تدور كلياً في فلك واشنطن، وهذا بعدما استنهضت إدارة ترمب «شرعة مونرو» لإحكام السيطرة على «حديقتها الخلفية» - التي هي القارة الأميركية - وإبعادها عن التأثيرات الخارجية.

ويذهب آخرون إلى القول إن إدارة ترمب، في ضوء طبيعة العلاقات التي تنسجها مع القيادات اليمينية المتطرفة في المنطقة والعالم، قد تكون عاقدة النية على إرجاع الدولة - الجزيرة إلى عهد الديكتاتور فولخنسيو باتيستا، عندما كانت كوبا شبه محمية أميركية.

الكوبيون، من ناحيتهم، في حالة من القلق الشديد والتوتر لجهلهم المقصود من كلام الرئيس الأميركي عندما يتكلّم عن «تحرير كوبا» أو عن «فجر جديد للجزيرة». وهم يعيشون منذ خمسة أشهر تحت أشدّ الضغوط التي تعرّضوا لها على أيدي الإدارات الأميركية الاثنتي عشرة التي تعاقبت على البيت الأبيض منذ انتصار الثورة الكوبية.

ضغوط غير مسبوقة

آندي غوميز، المدير السابق لمعهد الدراسات الكوبية في جامعة ميامي الأميركية، الذي تتواصل معه «الشرق الأوسط» منذ أشهر حول الأزمة الكوبية، يقول إن «الضغوط التي تمارسها إدارة ترمب على الجزيرة، منذ مطلع هذه السنة، لا سابق لها في تاريخ الإدارات الأميركية من حيث قسوتها وتجاوزها بعض المحظورات والخطوط الحمر الإنسانية في السياسة الخارجية الأميركية».

ويضيف غوميز، الذي كان «مهندس العلاقات بين واشنطن وهافانا على عهد باراك أوباما: «لقد وضعت إدارة ترمب حبل المشنقة حول عنق الحكومة الكوبية، لكنها وضعته أيضاً حول أعناق أبناء الشعب الكوبي الذي لم يسبق أن عانى كما اليوم من السياسات الأميركية».

ويرى غوميز أن مؤسسة «غاييسا»، التي تصوّب إدارة ترمب سهامها عليها الآن، هي الأداة الرئيسة التي استخدمها راؤول كاسترو لإحكام سيطرته على النظام، لكنها ليست هي أداة النظام للسيطرة على كوبا، موضحاً: «كانت كوبا في البداية تحت قبضة فيديل (كاسترو)، ومن بعده تحت قبضة راؤول، والقول إن الدولة الكوبية مُلحقة بسلطة اقتصادية ضخمة خطأ فادح. هذه المؤسسة لا يزيد عمرها على عشرين سنة، وهي كانت دائماً وسيلة راؤول لبسط هيمنته على النظام، وعلى النخبة العسكرية التي لها الكلمة الفصل في كل شأن كوبي».

بديل روبيو المقترح

في المقابل، قال وزير الخارجية الأميركي روبيو في الكلمة التي خاطب بها الكوبيين، الأربعاء الماضي: «إن الرئيس ترمب يعرض عليكم إقامة علاقات جديدة مع الولايات المتحدة. علاقات مباشرة لا عبر الحكومة. ونحن جاهزون لفتح صفحة جديدة بين الشعبين والبلدين، لكن العائق الوحيد اليوم في الطريق نحو مستقبل أفضل هم الذين يسيطرون على كوبا».

هذا الكلام يدلّ على أن الصيغة التي يطرحها روبيو تقوم على علاقة تلتفّ على الدولة الكوبية عن طريق تعزيز القطاع الخاص والجهات المستقلة في كوبا. وعلى أن إدارة ترمب لا تريد توجيه الاستثمارات التجارية والسياحية الأميركية الموعودة في الدولة - الجزيرة عبر المؤسسات المرتبطة بالقوات المسلحة الكوبية، بل عن طريق المؤسسات الخاصة ورجال الأعمال المستقلين عن النظام، ما يهدف في نهاية المطاف إلى تغيير جذري في معادلة السلطة.

أمام هذا التوجّه، الذي ما زال يفتقر إلى الكثير من التفاصيل، يكمن اللغز الأكبر بالنسبة للكوبيين، ولمن يتابعون الشأن الكوبي، في هذه المواجهة التي انفتحت أبوابها في أعقاب العملية العسكرية في فنزويلا؛ أي العملية التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ودفعت بكوبا إلى صدارة قائمة المرشحين لهجوم أميركي جديد. بالتالي، كيف ستكون طبيعة العلاقة مع رئيس أميركي سارع في ولايته الأولى إلى هدم كل ما بنته إدارة باراك أوباما لترميم العلاقات بين واشنطن وهافانا؟ هذا لغز يزداد غموضاً مع كل تصريح يصدر عن ترمب وكبار معاونيه بشأن كوبا.

«قانون هيلمز - برتون»

يذكّر بعض الخبراء الأميركيين أن القانون الذي يحكم الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة على كوبا، والمعروف باسم «قانون هيلمز - برتون»، يشترط عملياً لرفع الحصار الاقتصادي عن الجزيرة تغيير النظام. وهذا يعني أن ترمب، حتى وإن رغب، لا يستطيع رفع الحصار ما لم يتغيّر النظام في كوبا، ومن ثم، فأقصى ما يمكن أن تذهب إليه الإدارة الحالية لا يتجاوز بكثير ما ذهبت إليه إدارة أوباما.

بمعنى آخر، ما يقوله هؤلاء إن الكرة في ملعب النظام الكوبي. والسؤال هو: ما الخطوات التي بمقدور النظام الكوبي الإقدام عليها لتسهيل مهمة ترمب وروبيو... وإجهاض احتمال التدخل العسكري المباشر؟

الرسائل التي يطلقها النظام الكوبي، على الأقل في تصريحاته العلنية، تتأرجح بين التشدّد تارة والاستعداد للتعاون تارة أخرى، ثم عودة إلى التشدد، تبعاً لوتيرة التهديدات التي تصدر عن واشنطن. والرد الأخير من الرئيس دياز كانيل على تصريحات روبيو جاء فيه قوله: «ارفعوا الحصار وتعالوا لنتكلّم». لكنه كان توعّد منذ أيام، بعد تهديد ترمب الأخير، بأن التدخل العسكري المباشر «سيؤدي إلى حمّام دم».

استطراداً، بعض الأوساط المقرّبة من روبيو في صفوف «الشتات الكوبي» الناشط سياسياً والنافذ اقتصادياً في الولايات المتحدة، تقول إنه إذا واصلت الإدارة الأميركية تصعيد الضغوط على كوبا من غير الحصول على تنازلات من النظام، فسيصبح التدخل العسكري أمراً محتوماً، وبخاصة أن المنحى الراهن يسير في اتجاه مرحلة طويلة من المعاناة وتدهور الأوضاع الإنسانية من دون تغيير حقيقي بالنسبة للمواطنين.

بناء عليه... كيف تتوقع واشنطن أن يحصل هذا التغيير؟ أعبر اتفاق اقتصادي؟ أو المزيد من التدابير القسرية؟ أم تقديم مساعدات مشروطة بتنازلات؟ أم الذهاب إلى الخيار العسكري؟

الحال أنه أياً كانت الإجابة... لا بد من سؤال آخر: هل سيؤدي التغيير المفروض بضغط أميركي فعلاً إلى تغيير حقيقي في أوضاع المواطنين الكوبيين ... أم أنه لن يكون سوى الاستعاضة عن السلطة الحالية بأخرى مرهونة للمصالح الاقتصادية والجيوسياسية الأميركية؟ يريد روبيو أن يكون «إنهاء الثورة الكوبية» بمثابة «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض


نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
TT

نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»

من أروقة الأمم المتحدة ودهاليز الوساطات المعقدة في منطقة الشرق الأوسط، برز اسم السياسي البلغاري المخضرم نيكولاي ملادينوف في ملفات النزاع الإقليمي ممثلاً أعلى لـ«مجلس السلام» في قطاع غزة، لا سيما وسط اتهامات متبادلة وتباين واضح في المواقف بينه وبين حركة «حماس»، طفت على السطح أخيراً إثر اعتبار «مجلس السلام»، الذي أسّسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الحركة «العقبة الرئيسة» أمام تنفيذ المرحلة الثانية من الهدنة في القطاع، حسب تقرير قدِّم أخيراً إلى مجلس الأمن الدولي.

يجمع نيكولاي ملادينوف بين الخلفية الأمنية والدبلوماسية والأكاديمية. ولقد استطاع خلال مسيرته المهنية التي بدأت منذ تسعينات القرن الماضي، الانتقال بسلاسة من السياسة الأوروبية المحلية إلى ملفات الدبلوماسية الدولية، في بغداد والقدس وغزة، متبنياً خطاباً يقوم على الحوار والتهدئة في ملفات عدة. وهذا مع أنه لم يَسْلَم مع الانتقادات والاتهامات بالانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية، لا سيما مع خلفيته اليمينية ودعمه التطبيع و«الاتفاقات الإبراهيمية».

نزع سلاح «حماس»

ملادينوف، الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام»، الذي يشرف على وقف إطلاق في قطاع غزة، رَهَن في تصريحات صحافية أخيراً، استمرار الهدنة بنزع سلاح حركة «حماس». وقال إن «مرور أشهر دون إحراز تقدم في تنفيذ الاتفاق لا يخدم مصالح إسرائيل ولا الفلسطينيين». وبعدما حمّل ملادينوف «حماس» المسؤولية عن تعرّض اتفاق وقف إطلاق النار للشلل لرفضها تسليم سلاحها، قال: «نحن لا نطلب من (حماس) أن تختفي كحركة سياسية... لكن ما هو غير قابل للتفاوض أن تبقى فصائل مسلحة أو ميليشيات تمتلك هياكل قيادة عسكرية خاصة بها، وترسانات أو شبكات أنفاق خاصة بها، بالتوازي مع سلطة فلسطينية انتقالية».

هذا الأمر رفضته «حماس»، داعيةً السياسي والدبلوماسي البلغاري إلى إلزام إسرائيل بتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار.

بدايات «المجلس»

أُنشئ «مجلس السلام» لغزة في إطار خطة ترمب لوقف إطلاق النار في غزة، التي أُقرَّت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لكنها لم تتجاوز بعد مرحلتها الأولى. إذ ترفض «حماس» تسليم السلاح، بينما تواصل إسرائيل احتلالها القطاع وشن غارات جوية على سكانه، الأمر الذي يعقّد مهمة ملادينوف في متابعة تنفيذ الاتفاق.

في رأي ملادينوف، فإن خطة ترمب للسلام في غزة «نجحت في تحقيق ما عجزت عنه جهود سابقة». وقال في ندوة نظمها «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إن «الخطة لا تعالج الاحتياجات الإنسانية الملحّة فحسب، بل تُرسي توافقاً حول إقامة حوكمة جديدة في غزة ضمن إطار انخراطٍ إقليمي أشمل».

لكنه منذ اللحظة الأولى لتوليه مهامه في «مجلس السلام»، كان يرى أن «تجاهل (حماس) لمطالب نزع السلام يؤكد أن الوقت ينفد أمام المجتمع الدولي لبناء منظومة حوكمة شرعية تُعزّز صمود وقف إطلاق النار... وأن المسار الأجدى لمنع انبعاث (حماس) هو إصدار قرارٍ من مجلس الأمن بإنشاء قوة متعددة الجنسيات لمواجهة أي تمرد في غزة»، حسب تصريحاته في ندوة «المعهد».

... من صوفيا إلى البرلمان الأوروبي

وُلد نيكولاي ملادينوف في العاصمة البلغارية صوفيا يوم 5 مايو (أيار) 1972، في فترة كانت فيها بلغاريا ضمن المعسكر الشرقي. ونشأ في بيئة سياسية وأمنية، حيث كان والده يعمل في قطاع الأمن الدبلوماسي إبان الحقبة الشيوعية، كما انخرط عمه في السلك الدبلوماسي. ولكن مع سقوط الاتحاد السوفياتي، تحول سياسياً نحو اليمين الليبرالي وشارك في عملية التحوّل الديمقراطي لبلاده.

دراسياً، أنهى تعليمه الثانوي في المدرسة الإنجليزية بصوفيا عام 1990، وتخرّج في جامعة الاقتصاد الوطني والعالمي (في صوفيا) عام 1995 متخصّصاً في العلاقات الدولية. ثم حصل على درجة الماجستير في دراسات الحرب من كلية «كينغز كوليدج» بلندن، مما انعكس لاحقاً على مقارباته للملفات الأمنية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط.

ومهنياً، بدأ ملادينوف مسيرته المهنية فور تخرجه في الجامعة، حيث عمل مديراً للبرامج في إحدى مؤسسات المجتمع المدني بصوفيا. وعام 1999 أسس «المعهد الأوروبي» في صوفيا لتعزيز اندماج بلغاريا في الاتحاد الأوروبي، كما عمل مع البنك الدولي ومؤسسات بحثية وسياسية أوروبية.

برلماني يميني

وفي مطلع الألفية دخل الحياة السياسية من بوابة البرلمان، عضواً في برلمان بلاده، ثم في البرلمان الأوروبي خلال الفترة ما بين عامي 2007 و2009 عن حزب «مواطنون من أجل تنمية بلغاريا أوروبياً» اليميني المحافظ.

وخلال تلك الفترة عمل ملادينوف على ملفات العراق وإسرائيل وأفغانستان والعلاقات الأوربية مع الشرق الأوسط. ومن البرلمان انتقل إلى السلطة التنفيذية في بلغاريا، ليتولى وزارة الدفاع عام 2009، وهو في السابعة والثلاثين من عمره، ثم حقيبة الخارجية في الفترة ما بين عامي 2010 و2013. وتبنى خطاباً مؤيداً للتكامل الأوروبي، ودفع إلى تعزيز حضور بلغاريا داخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي «ناتو».

مهام أممية

بعدها كان التحول الأكبر في مسيرته المهنية عام 2013، مع تعيينه ممثلاً خاصاً للأمم المتحدة في العراق ورئيسا لبعثة (UNAMI)، في فترة صعود تنظيم «داعش» الحرجة. وحقاً، لعب ملادينوف دوراً في تشكيل حكومة وحدة وطنية وفي اتفاقات النفط بين بغداد وأربيل. وبعد أقل من سنتين، تولى مسؤولية الملف الأعقد والأكثر حساسية في المنطقة مع تعيينه منسقاً خاصاً لعملية السلام في الشرق الأوسط بين عامي 2015 و2020. وارتبط اسمه خلال هذه الفترة بمحاولات «بناء الثقة» والوساطة بين إسرائيل من جهة والسلطة الفلسطينية والفصائل الفلسطينية من جهة أخرى، مع مساعٍ مستمرة لتثبيت التهدئة في قطاع غزة.

كان ملادينوف يرى أن القدس هي «حجر الزاوية لجميع الصراعات في المنطقة»، وفق ما نقلته عنه مواطنته وسفيرة بلغاريا في إسرائيل روميانا باتشفاروفا، عقب زيارتها له في القدس إبّان فترة عمله ممثلاً للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط. يومذاك دافع الرجل عن «حل الدولتين»، بوصفه السبيل الوحيد لتحقيق السلام الدائم، ودعا إلى رفع القيود عن قطاع غزة، وإعماره وتحسين الأوضاع الإنسانية، كما انتقد التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، لأنه «يقوّض فرص السلام».

من ناحية ثانية، وحسب مراقبين، تميّز في الأروقة الدبلوماسية بـ«أسلوب هادئ يعتمد الاتصالات والوساطات غير المعلنة»، وحافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف. ووصفه بعض هؤلاء بأنه «لاعب منصف يدرك حساسية جميع الأطراف وشخص جاد ملمٌّ بكل الملفات». لكن تلك الفترة لم تسلم من انتقادات، لا سيما اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية» في إدارة الصراع وإهمال السلطة الفلسطينية، والتركيز على حركة «حماس». وفي المقابل اتهمه إسرائيليون بـ«التساهل» مع الحركة.

نشط في الكواليس

في الواقع أدى ملادينوف ما يتطلبه المنصب من مهام، وكان نشطاً في كواليس الوساطات بعيداً عن أعين الإعلام، وفي حوار مع صحيفة «نيويورك تايمز» بعد مغادرته منصبه الأممي، قال إنه صدم عند وصوله إلى القدس من قلة أهمية المنصب. من ناحية أخرى، لملادينوف مقالات عدة يشرح فيها رؤيته للسلام في المنطقة، بصفته زميلاً متميزاً زائراً في «معهد واشنطن» (المتهم بأنه قريب سياسياً من تل أبيب). وسبق له أن أشار في مقال نشره عام 2024 إلى «إمكانية أن تلعب دول الخليج دوراً أكثر أهمية في مبادرات السلام والأمن نظراً لنفوذها الاقتصادي والسياسي الكبير».

دعم الاتفاقات الإبراهيمية

لكن اسم ملادينوف ارتبط أيضاً بالتسريبات المالية الشهيرة المعروفة بـ«وثائق باندورا» عام 2021، حيث تبيّن أنه أسس «شركة أوفشور» في جزر سيشل عام 2013 عبر وسيط سويسري. ودافع عن نفسه حينذاك بالقول إن الشركة أُسِّست قبل انضمامه رسميّاً إلى الأمم المتحدة، وإنها لم تقم بأي أنشطة مالية أو تجارية فعليّة.

ومن أروقة السياسة وقيادة عملية السلام انتقل إلى أروقة الأكاديمية السياسية، حيث عُيِّن مديراً لـ«أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية» في دولة الإمارات عام 2021، ليبرز كصوت داعم لـ«الاتفاقات الإبراهيمية» و«نموذج السلام الإقليمي».

وفي مطلع عام 2026 برز اسمه مجدداً في ملف الصراع العربي - الإسرائيلي مع تعيينه ممثلاً سامياً لـ«مجلس السلام» لغزة، الذي أسسه الرئيس ترمب.

أخيراً، يوصف ملادينوف بأنه «شخص عملي للغاية، يركز على تحقيق النتائج أكثر من الإجراءات البيروقراطية، ويؤمن بالحوار والتوافق». لكنّ هذه الصفات لا تكفل له، حسب متابعين، النجاح في مهمته الحالية المعقدة، لا سيما مع ما تشهده الأوضاع على الأرض من تعقيد، اعترف به ملادينوف نفسه. إذ قال في تصريحات صحافية أخيراً: «لدينا وقف لإطلاق النار، لكنه ليس مثالياً، وهو أبعد من أن يكون مثالياً». وأردف: «هناك انتهاكات يومية، وبعضها خطير جداً... وإعادة إعمار غزة ستستغرق جيلاً كاملاً».


«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)
TT

«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)

في يناير (كانون الثاني) الماضي وقَّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام» على هامش «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس بسويسرا، متعهداً بالتنسيق مع الأمم المتحدة، والتعامل مع تحدّيات عالمية أخرى غير الهدنة في قطاع غزة. وبعد نحو شهر من توقيع الميثاق عقد الاجتماع الأول للمجلس في واشنطن بحضور ممثلين عن 47 دولة. وجاءت غزة على قمة أولويات المجلس.

ترمب أعلن أن بلاده ستقدم 10 مليارات دولار لـ«مجلس السلام» لغزة، وأشار إلى تعهدات أخرى بلغت 7 مليارات دولار من أعضاء المجلس، مع توقعات بزيادة المساهمات. لكن بعد أكثر من ثلاثة أشهر من تشكيل المجلس لا تزال هناك فجوة بين التعهدات المالية والأموال المطلوب صرفها بموجب «خطة ترمب لإعمار غزة» التي تقدر تكلفتها بنحو 70 مليار دولار.

تقرير من «مجلس السلام» إلى مجلس الأمن الدولي نشرته وكالة «رويترز» أخيراً، ذكر أن «الفجوة بين الالتزامات والصرف يجب سدّها على وجه السرعة... وأن الأموال التي تعهّدت بها الدول ولم تصرفها بعد، تمثل الفارق بين إطار عمل موجود على الورق، وآخر يحقق نتائج ملموسة على أرض الواقع لشعب غزة». ومن ثم دعا التقرير الدول والمنظمات غير الأعضاء في المجلس إلى تقديم مساهمات لإعادة الإعمار.

ينص ميثاق «مجلس السلام» على أن عضوية الدول تقتصر على ثلاث سنوات ما لم يدفع كل منها مليار دولار لتمويل أنشطة المجلس والحصول على عضوية دائمة، وحتى الآن لم تعلن أي دولة دفع رسوم العضوية، بحسب «رويترز». هذا، وجاء تشكيل «المجلس» برئاسة ترمب في إطار «خارطة طريق» تضم 20 نقطة أعلنها الرئيس الأميركي «لتحقيق السلام والاستقرار وإعادة الإعمار والازدهار الدائم في المنطقة». وبعدها، أقر مجلس الأمن الدولي تلك الخطة.

فيدان (تاس)

وفقاً لموقع البيت الأبيض فإن «مجلس السلام» سيلعب «دوراً محورياً» في تحقيق جميع بنود الخطة العشرين، «من خلال توفير الإشراف الاستراتيجي، وتعبئة الموارد الدولية، وضمان المساءلة خلال انتقال غزة من الصراع إلى السلام والتنمية». ولتحقيق رؤية «مجلس السلام» أعلن ترمب، في يناير الماضي تشكيل «مجلس تنفيذي» تأسيسي، يضم من وصفوا بـ«قادة ذوي خبرة في مجالات الدبلوماسية والتنمية والبنية التحتية والاستراتيجية الاقتصادية». واختير فيه كل من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ومبعوث ترمب للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، إلى جانب جاريد كوشنر، وتوني بلير، ومارك روان، وأجاي بانغا، وروبرت غابرييل.

ومهمة «المجلس التنفيذي» الإشراف على بناء القدرات الإدارية، والعلاقات الإقليمية، وإعادة الإعمار، وجذب الاستثمارات، والتمويل واسع النطاق، وتعبئة رأس المال. وقد عين ترمب كلاً من أرييه لايتستون وجوش غرينباوم مستشارين لـ«مجلس السلام»، مكلفين بقيادة الاستراتيجية والعمليات اليومية، وترجمة تفويض المجلس وأولوياته الدبلوماسية إلى تنفيذ منضبط.

وأيضاً عيّن الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف عضواً في «المجلس التنفيذي» و«ممثلاً أعلى» (مفوضاً سامياً) في غزة «يعمل كحلقة وصل ميدانية بين مجلس السلام والمجلس الوطني لإدارة غزة». ومعه، عُين اللواء جاسبر جيفرز قائداً لقوة الاستقرار الدولية في غزة، لقيادة العمليات الأمنية، ودعم نزع السلاح الشامل، وإيصال المساعدات الإنسانية ومواد إعادة الإعمار بشكل آمن، وفق موقع البيت الأبيض.

وأخيراً، دعماً لمكتب الممثل الأعلى و«المجلس الوطني لحكومة غزة»، شُكل «مجلس تنفيذي لغزة»، يضم كلاً من: ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وهاكان فيدان، وعلي الذوادي، والفريق حسن رشاد، وتوني بلير، ومارك روان، وريم الهاشمي، ونيكولاي ملادينوف، وياكير غاباي، وسيغريد كاغ.