«طبيب أرياف»... تعيد إنتاج الصورة النمطية القديمة

«طبيب أرياف»... تعيد إنتاج الصورة النمطية القديمة

محمد المنسي قنديل على خطى توفيق الحكيم
الأربعاء - 28 شوال 1442 هـ - 09 يونيو 2021 مـ رقم العدد [ 15534]

في روايته الجديدة «طبيب أرياف» الصادرة حديثاً عن دار الشروق، يواصل محمد المنسي قنديل أسلوبه السردي في الجمع بين متعة الحكي، وبراعة الاختزال في رسم الشخصيات، والإيقاع المتدفق، لكنه في هذه الرواية يتخلى عن واحدة من أهم ملامح هذا المشروع وهي الارتحال بعيداً في فضاء المغامرة وتشكيل عالم مختلف بمفردات جديدة قادر على إثارة الدهشة والأسئلة.
منذ العنوان تضعنا الرواية على عتبة تناص مع رواية توفيق الحكيم الشهيرة «يوميات نائب في الأرياف» الصادرة عام 1937، وهي عبارة عن مذكرات يومية كتبها في أثناء عمله وكيلاً للنائب العام بإحدى قري صعيد مصر، مقدماً سيرة ذاتية ومتنوعة للمكان، مترعة بالسخرية والفكاهة من خلال حزمة من المشاهد والوقائع والإحداث عاشها البطل على مدار 12 يوماً هي زمن الرواية، ومعاناته من الفساد والرشوة والجهل والبعوض أيضاً. وفي «طبيب أرياف» نجد تماساً شخصياً مع الكاتب نفسه، فقد تخرج في كلية الطب عام 1975، لكنه اعتزل ممارسته وتفرغ للكتابة.
تدور أحداث الرواية في نهاية السبعينات حين كان الراوي طبيباً شاباً، مكلفاً من قبل الحكومة بتسلم عمله في إحدى القرى بصعيد مصر، حيث تطالعنا الطرق غير الممهدة والعربات المتهالكة التي تثير الغبار على الدوام، والباصات التي تمر بالمكان، وهي تحوي من الحيوانات أكثر مما تحوي من البشر. الوحدة الصحية، مقر عمله، تفتقر للنظافة والنظام وتفوح من أدويتها منتهية الصلاحية رائحة العفونة، والمساعد الرئيسي للطبيب وحارس الوحدة «دسوقي» نموذج تقليدي للموظف الريفي الذي تمتزج فيه الطيبة مع الخبث. أما المرضى فقليلو الحيلة، ينتظرون الطبيب بكل احترام، ويفترشون الأرض في انتظاره.
يقع الطبيب في غرام الممرضة «فرح» وتبادله المشاعر نفسها، لكنها علاقة خطرة نظراً لكونها متزوجة، فضلاً عن طبيعة المجتمع، شديدة الصرامة. لم تتزوج «فرح» عن حب وإنما جرياً على عادات قديمة جعلت من اقترانها بابن عمها خياراً مناسباً. زوجها عيسى معتل الصحة، يزور الراوي من أجل التداوي، كما يريد أيضاً أن يقترض منه بعض المال لدفع نفقات سفره إلى دولة حدودية بهدف العمل وفتح باب للرزق بالاستعانة بأحد سماسرة الهجرة غير الشرعية والذي يعرف خبايا الطرق الصحراوية جيداً. يوافق الطبيب في لحظة أنانية شديدة على مساعدة «عيسى» بهدف التخلص منه حتى يخلو الجو له مع حبيبته، لكن التعليمات تصل إلى قسم الشرطة بتعقب رحلة خارج إطار القانون يقوم بها عدد من أهالي القرية بهدف السفر للخارج. تنطلق حملة الشرطة ويصر المأمور على اصطحاب الراوي معهم بصفته الطبية لمعالجة أي حالة طارئة. تستمر الرحلة وسط مخاطر العواصف الرملية القاتلة وفي النهاية يعثرون على أشلاء جميع من سافروا من القرية وقد فتكت بهم الذئاب والضباع. تعرف «فرح» أن حبيبها الطبيب هو من قام بإقراض زوجها المال للذهاب بعيداً في رحلة الموت، فيتحول الحب في قلبها إلى كراهية شديدة وتقطع علاقتها النهائية به وقد صار عدوها الرئيسي.
تمتلئ الرواية بعشرات المشاهد والحبكات الفرعية، لكنها ليست سوى إعادة إنتاج لصور نمطية ودراما مستهلكة سبق للمتلقي أن صادفها كثيراً: «ما إن يتوقف الأتوبيس حتى تندفع الحيوانات قافزة من النوافذ، وينحشر الناس عند الباب، أنتظر حتى يهبط الجميع ثم أنهض منهكاً ومتكاسلاً، أشم رائحة الناس والبيوت وروث البهائم».
حتى عالم الغجر الذين يقطنون في مساحة خاوية على أطراف القرية يتم تقديمه بالصورة القديمة النمطية نفسها التي تكتفي بالقشرة الخارجية: «عالم صاخب وسط موات الليل، يضج بالحركة والضوء، بعيداً عن صمت البلدة في الخلف، مشاعل كثيرة تضيء» الجرن «المكان الذي وقع عليه الاختيار، تنعكس أضواء اللهب على كل الوجوه فتجعلها متوهجة، مصبوغة بحمرة الحياة، يحل رنين الصاجات ودق الطبول».
يبدو بطل الرواية مهزوماً على الصعيدين العاطفي والسياسي. لقد سبق له وأحب حباً يبدو الأكثر عمقاً وصدقاً وإيلاماً، لكن المحبوبة تتضايق من أفكاره التقدمية، كما أنها لم تكن مستعدة أن تنتظر تحسّن ظروفه المادية السيئة كشاب في مقتبل العمر يتلمس خطواته الأولى على درب المهنة والحياة. تفشل قصة الحب وينهار مشروع الارتباط العاطفي للسبب التقليدي الأزلي نفسه: عدم جاهزية البطل مادياً، فضلاً عن عدم التوافق في الرؤى بين الطرفين. على المستوى السياسي، يبدو البطل قادماً من خلفية يسارية تنشد العدل والمساواة، فيصطدم بالسلطة ويكون مصيره المعتقل كسجين رأي. ويبدو أن إدراك المؤلف مدى «تقليدية» مثل هذا الخطوط هو ما جعله يمر عليها سريعاً دون أن يعطيها مساحة كبيرة فجاءت مثل صدى بعيد لبطل يتذكر البدايات الأولى على نحو سريع وعابر: «وحدة مطلقة لا يؤنسها أحد، لا يزيدها التحقيق إلا وحشة، أسئلة غامضة وتهم وهمية، ورحلة عبثية بين الزنزانة ومكتب التحقيق، وكل شيء خاضع لمزاج المحقق، أحياناً يكون متعاطفاً حتى أعتقد أنه سيفرج عني في اليوم التالي، وفي أكثر الأحيان يكون غاضباً حتى يصيبني اليأس».
تنعكس هذه النمطية على مسارات السرد ومناخ الرواية، حيث يفتر الوهج الشديد الذي أضاء رواياته السابقة، وتتراجع روح المغامرة والذهاب إلى عوالم جديدة على القارئ مثل روايته «كتيبة سوداء»، وهي محاولة لإعادة كتابة تاريخ أوروبا في القرن الثامن عشر ببراعة شديدة من خلال عيون بعض المجندين من مصر والسودان والجزائر الذين انخرطوا في كتيبة عسكرية بعث بها حاكم مصر هدية إلى بعض نظرائه في أوروبا، أو كما نجد في روايته «قمر على سمرقند»، حيث الراوي يخوض مغامرة روحية وبوليسية في آسيا الوسطى وتحديداً أوزبكستان... وغيرهما من الأعمال التي حققت له مكانة بين كتاب الرواية في مصر.


Art

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة