رسائل من «داعش» تستهدف المرأة السعودية بالشحن العاطفي

رسائل من «داعش» تستهدف المرأة السعودية بالشحن العاطفي

حدد وظائف للمرأة أبرزها «الجهاد المتعيّن» في حالة هجوم العدو
الاثنين - 12 جمادى الأولى 1436 هـ - 02 مارس 2015 مـ
إن توجيه الخطاب للمرأة السعودية على وجه الخصوص يؤكد أن هذا التنظيم يضع البلاد في مرمى هدفه دائما

تستهدف رسائل إعلامية إرهابية، كتبت تحت مظلة تنظيم داعش، النساء السعوديات، من أجل استقطابهن واستدراجهن للزج بأزواجهن وأبنائهن وأشقائهن إلى مناطق الصراع والانضمام لتلك الجماعات، وذلك بغرض التبيان للحال المعيشية للمرأة في تنظيم داعش، عن طريق الشحن العاطفي الممنهج المدعوم بالآيات القرآنية والأحاديث، من خلال منشور تحريضي، نشر محتواه عبر وسائل التواصل الاجتماعي أخيرا. ويزعم المنشور، تحت مُسمى «كتيبة الخنساء»، أنه «سيكشف التوحيد المزوّر في الجزيرة العربية» من جانب محافظة المرأة على الدين والحقوق، وذلك بعد عرضه نماذج مقارنة بين المرأة في المجتمعات الإسلامية، وكذلك في المجتمعات الغربية، والمرأة في المناطق التي أعلنها التنظيم المتطرف «دولة خلافة»، حسب زعمه. وتدخل المقارنة في إطار الدعاية لتنظيم «داعش» لاستقطاب مزيد من النساء له، واستفزاز عواطفهن للتأثير على أبنائهن وإخوانهن وأزواجهن والدفع بهم نحو الالتحاق بصفوف هذه التنظيمات.


حدّد ما احتواه منشور «كتيبة الخنساء»، التابع لتنظيم داعش، في مسعاه لاستقطاب النساء واستدراجهن للزج بأزواجهن وأبنائهن وأشقائهن في مناطق الصراع، وظائف للمرأة المسلمة التي تخدم المجتمع في مواطن عدة، أبرزها «الجهاد المتعيّن»، في حالة هجوم العدو على بلدها ولم تحصل بالرجال الكفاية، واستشهدت بالنسوة في العراق والشيشان. غير أن أحمد الموكلي، الباحث السعودي في شؤون الجماعات المتطرفة، قال لـ«الشرق الأوسط» إن المنشور الذي ظهر عبر وسائل التواصل الاجتماعي حاول تصوير حياة المرأة في مناطق الصراع والقتل وكأنها حياة رغد ونعيم، يسودها الأمن والأمان والعدل، وكأننا في عالم آخر لا ندري ماذا يحدث لإخواننا وأخواتنا وأطفالنا في مناطق القتال في العراق والشام وغيرهما.

وتابع الموكلي «إن اللافت في ما حمله المنشور مقارنته بين حياة المرأة في السعودية وبينها في مناطق الصراع، حيث أشار معدوه إلى الخوف الذي يعتري المرأة في السعودية، وكذلك الفقر الذي تتعرض له المرأة في السعودية، على الرغم من أن التقارير الدولية التي تقول إن الشعب السعودي إجمالا من أكثر شعوب العالم سعادة، على عكس التقارير التي ترد من مناطق الصراع التي تبين الحال الذي وصلت إليه تلك المناطق، خصوصا المرأة التي تتعرض لأنواع من المآسي والأذى هناك».

كذلك أشار الموكلي إلى أن التنظيمات الإرهابية وأبرزها «داعش» حرصت على تجنيد المرأة لأسباب عدة، من ضمنها تراجع أعداد العناصر التي التحقت بهذه التنظيمات بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001، التي استهدفت الولايات المتحدة، مقارنة بما كانوا عليه من قبل، حيث يرون أن المرأة أحد هذه المعوقات، وهو ما أشار إليه يوسف العييري، القائد الميداني لتنظيم القاعدة في السعودية (قتل في مواجهات أمنية في تربة 2003)، في ورقة له بعنوان «دور النساء في جهاد الأعداء». وأضاف «تسعى هذه الجماعات إلى إقناع المرأة بمشروعية أعمال هذه التنظيمات، وأن ما يقومون به جهاد؛ فهي عائق كأم وأخت وبنت وزوجة في التحاق الأبناء والإخوان والأزواج بهذه الجماعات، حيث توجهوا في خطاباتهم مباشرة نحو المرأة، حتى تكون الداعم الوحيد نحو الالتحاق بهذه الجماعات بدعوى الجهاد في سبيل الله».

ومن جهتها، قالت الدكتورة هيا المنيع، عضو مجلس الشورى السعودي، لـ«الشرق الأوسط»، إن تحريض النساء على الجهاد في رسالة «داعش» الإعلامية يمكن اعتباره تدرجا طبيعيا يتفق مع توجّه هذا التنظيم الذي يسعى بقوة لتكوين شبكة للسيطرة على مفاصل الدول العربية والإسلامية، ومن ثم تكوين قوة دولية، حيث إن أيمن الظواهري زعيم التنظيم الأصل في أفغانستان طالب النساء بالبقاء في بيوتهن، في حوار معه نشر في مجلة دورية تابعة لتنظيم القاعدة، حيث لو حصل التحريض العلني قبل الآن لتم رفضه في الخطاب الإسلامي المؤيد لهذا الفكر المتشدد. ولكن مع تغلغل تنظيم «داعش» وتداخله مع فكر ووجدان الكثير من الشباب، بات تحريض النساء مقبولا، وربما جزءا من تمكين هذا التنظيم وتحقيق أهدافه، خصوصا أن التحريض يأتي من خلال شبكات التواصل الاجتماعي التي تمثل محورا مهما في التعريف بهذا التنظيم وتوصيل خطابه للعالم.

وأردفت الدكتورة المنيع أن «إشراك المرأة في التنظيمات الإرهابية يزيد من عمق التنظيم في المجتمع العالمي، ويجعل منه تنظيما عالميا، وإن تلبّس الإسلام دينا في ظاهره، وربما في ذلك تأكيد آخر على قدرته في الارتقاء بمستوى خطابه وتماهيه مع الخطاب العالمي بضرورة إشراك المرأة وتمكينها».

ولفتت عضو مجلس الشورى السعودي إلى أن توجيه الخطاب للمرأة السعودية على وجه الخصوص يؤكد أن هذا التنظيم يضع البلاد في مرمى هدفه دائما، فقد حاول استهداف الشباب السعودي، ونجح في فتره ماضية في ذلك، حيث إن الوعي المجتمعي مع قوة المؤسسة الأمنية في عملياتها الاستباقية ساعدا على إضعاف انخراط الشباب في هذا التنظيم، وتوجههم للمرأة السعودية يأتي في إطار خطتهم لخلخلة المجتمع السعودي وزعزعة استقراره.

وأضافت «المرأة تمثل من ناحية المعيشة مناخا خاصا، حيث تجد معاملة خاصة من المؤسسات الأمنية؛ تقديرا لكونها امرأة ومراعاة للأعراف والعادات الاجتماعية.. بل إن إحدى المتعاونات مع الإرهابيين أُطلِق سراحها عطفا عليها وعلى أبنائها، بمجرد أن تعهدت أسرتها بعدم عودتها لهذا الطريق، ولأنها مؤمنة بهذا الفكر عادت إلى الفكر الإرهابي مرة أخرى، فيما تركت أخرى عملها الأكاديمي لتلتحق بتنظيم داعش. وتشير هذه النماذج، مع وجود محيط اجتماعي يراعي المرأة حقا ويتعامل معها برفق، إلى وجود محيط ثقافي يكرّس لثقافة الطاعة العمياء لولي الأمر؛ زوجا كان أو أخا أو أبا وإن كان على باطل، مما جعل من هؤلاء النساء صيدا سهلا».

جدير بالذكر أن من هم وراء منشور «كتيبة الخنساء» أطلقوا أربع رسائل؛ اثنتين منها موجهتين للمرأة؛ إحداهما للمرأة داخل تنظيم داعش، وتتضمن القول «بادرن بتنشئة أبناء الخلافة على التوحيد الخالص، وبناتها على العفة والحشمة، واعلمن أنكن أمل هذه الأمة، فمن بين أيديكن يخرج لنا حراس العقيدة وحماة الأرض والعرض». ووجهت الرسالة الثانية إلى النساء في كل مكان وتتضمن «ليكن في خبركن أن أمة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) لن تنهض من دون سواعدكن، فلا تخذلن الخلافة، واخدمنها ولو بكلمة، وليكن أبناؤكن حجارة أو لبِنات في صرح المجد ومنارات دولة الإسلام». ومعروف أن التنظيمات الإرهابية في مناطق القتال الجديدة في العراق وسوريا حرصت على استغلال النساء في أعمال أخرى تدعم هذه التنظيمات من الناحية الفكرية والمادية، من خلال جمع الأموال وإرسالها لهم، والعمل الإعلامي الداعم لتلك التنظيمات؛ فهن مجرد أدوات ينفذن ما يمليه عليهن قادة التنفيذ. ويذكر أن «أم أسامة» (مصرية الجنسية)، وهي إحدى نساء تنظيم القاعدة في السعودية - وقد أطلق سراحها بعد انتهاء محكوميتها، وجرى ترحيلها إلى مصر - أكدت بعد إطلاق سراحها في وسائل الإعلام أنه ليس هناك أي تواصل أو معرفة مع قائد التنظيم، وليست هناك أي روابط مباشرة، وإنما تطلع على المواضيع والبيانات التي تنشر في المواقع الإلكترونية، وتطبّق ما فيها.

وحسب الدكتورة المنيع فإن ما تطرحه التنظيمات في رسائلها الإعلامية يكشف تطور أساليبها وتجديد خطابها في قراءة مختلفة للواقع، وأيضا للتراث الإسلامي، مستفيدين من موروث فقهي حان وقت تفكيكه بخطاب وقراءة واعية وناضجة قبل أن يصبح مرتكزا يُشوّه الإسلام من خلاله، حيث يستمدون بعض فتاواهم من بعض الأحداث التاريخية من العصور الإسلامية من بدء الرسالة، مرورا بعهد الصحابة رضوان الله عليهم، والتابعين، والدول الإسلامية، وصولا إلى المرحلة الحالية بخطاب متشدد. وأضافت «لا يتردد في حال وجد الحاجة للاستشهاد بنماذج معاصرة ما دامت تخدم أهدافه وتكرّس صورته الذهنية في وجدان الشباب من الجنسين، وهو فعلا يستشهد بحوادث واقعية من التاريخ الإسلامي، لتمكين المرأة في الجهاد والتطبيب؛ ليستطيع إعطاء مشاركة المرأة بعدا شرعيا، وإن كان أساس التنظيم بأكمله باطلا».

أما الباحث الموكلي فيرى أن التناقض واضح في أفكار هذه الرسائل؛ فهي من جانب تركّز على أن عمل المرأة الأساسي هو القرار في بيتها وتربية أطفالها، بينما في جانب آخر تعرض نماذج دعائية لحياة المهاجرات في المناطق التي يسيطر عليها تنظيم داعش، وكأنها دعوة للنساء للالتحاق بركب المهاجرات هناك. كما أنها تذكر أن المجتمع الإسلامي المثالي لا يُراد منه سبر أغوار المادة، ولكن يُراد أن يحقق التوحيد، بينما تستشهد في موضع آخر بموقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، للسعودية ريما الجريش، التي تزعم أنها وصلت إلى سوريا، وتتحدث عن الحياة التي تعيشها المهاجرات في ظل ما توفره لهن الدولة من أثاث وغيره.

وأوضح الباحث أن عرض المنشور ما كتبته السعودية ريما الجريش في مواقع التواصل الاجتماعي «تويتر» كنموذج لعيش المهاجرات هناك «أسلوب قديم تتبعه هذه التنظيمات، إذ سبق أن صوروا لنا حياتهم في مناطق الصراع التي خاضوا فيها حروبا سابقة وكأنها حياة أخرى غير التي نعرف بروزها بالكرامات والرؤى والأحلام، وكان هذا الأسلوب واحدا من أهم أساليب الاستقطاب. وهو ما حاولت هذه الورقة أن تصوره عن حياة ريما الجريش في سوريا في ظل المناطق التي يسيطر عليها (داعش)، حيث يدل على ضعف خبرتهم في آليات الاستقطاب. وهنا نتساءل: هل ذهبت الجريش إلى هناك من أجل الأثاث الذي ذكرته، أو من أجل المواد الغذائية التي يصرفها لهم تنظيم داعش، أو المصروف الشهري أو المازوت للتدفئة؟!».

واستشهد الموكلي بالطرق التي لجأ إليها كوادر تنظيم القاعدة في السعودية، لتجنيد النساء. فمثلا حاول تنظيم القاعدة من خلال الصوت الإعلامي للتنظيم - آنذاك - مجلة «صوت الجهاد»، تجنيد المرأة من خلال المرأة نفسها، فظهرت هناك بعض الأسماء مثل «أم أسامة» و«أخت الشهيد»، ثم أسس التنظيم مجلة موجهة للنساء أطلق عليها اسم «الخنساء» كأول إصدار نسائي متشدد، ترأس تحريرها امرأة هي «أم رعد التميمي» التي ذكرت في إحدى مقالاتها «نطمح أن نؤدي مهمتنا الأساسية وهي تقديم الأسود للساحات ندفعهم كما الخنساء».

الدكتورة المنيع، في جانب آخر، ترى أن واقع المرأة السعودية يمثل مجالا خصبا لكل شيء، لأنها بثقافتها الدينية ومنهجها المحافظ هدف لهذه الجماعات الإرهابية، وهي بحراكها الاجتماعي والثقافي وسعيها لتمكين نفسها في مواقع صناعة القرار وبناء مكانة لها في مجالات التنمية والعمل والتعليم، مع غياب بعض الحقوق، تمثل مجالا خصبا للمؤسسات النسوية والحقوقية. وأضافت «يجب ألا نقلل من تلك الرسائل والمحاولات الإعلامية التي تتبناها التنظيمات الإرهابية، بل علينا مواجهتها بخطاب أقوى، خاصة مع الجيل الشاب الذي علينا تحصينه بوعي ديني متطور يستوعب


أخبار ذات صلة



اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة