الشراكة بين السلطة.. والمثقف

ملامح الحداثة في الثقافة العراقية منذ الأربعينات

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

الشراكة بين السلطة.. والمثقف

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

صدر عن «منشورات الجمل» كتاب «تمثّلات الحداثة في ثقافة العراق» للناقدة فاطمة المحسن وهو استكمال لموضوع بحثها السابق «تمثلات النهضة في العراق الحديث» ورؤيتها لمفهوم الحداثة العالمية الذي نشأ بفضل جيل من المثقفين العراقيين الذين اتصلوا مباشرة باللغات الغربية، ونهلوا من آدابها وعلومها مباشرة، كما تركز الناقدة على مصطلحات الطليعية والمثقف الثوري ودورهما في الحداثة العراقية من دون أن تهمل المثقف الأكاديمي وأهمية الأبحاث التي كتبها في ميادين مختلفة وعلى رأسها التاريخ وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا.
يتألف الكتاب من خمسة فصول رئيسية أولها «ثقافة المؤسسة وتمردات الحداثة» الذي تركِّز فيه على مرحلة الأربعينات من القرن الماضي وتعتبرها مرحلة حاسمة في تاريخ العراق لأسباب متعددة أبرزها عودة الدارسين من الجامعات الغربية بعد حصولهم على الشهادات العليا، واستقطاب عدد من الفنانين البولونيين الهاربين من جعجعة الحرب العالمية الثانية أمثال ماوتشيك، جابسكي، زيكمونت وياريما إضافة إلى عدد من الكُتّاب والآثاريين والمستشرقين أبرزهم كنث وود، دزموند ستيوارت، أغاثا كريستي وزوجها ماكس مالون، وظهور حركة الشعر الحر بين التجمعات الطلابية في كلية الآداب والتربية بسبب دراساتهم للأنماط العالمية للكتابة الشعرية، ونزوح الأدباء من الموصل والبصرة وبقية المحافظات العراقية إلى بغداد ورفد صحفها ومجلاتها بالكثير من النتاجات الأدبية والمقالات والدراسات الرصينة، وتفاعل المرأة مع الرجل في المعاهد والجامعات العراقية الحديثة، ودخول النساء إلى تجمعات المثقفين العراقيين أمثال الرسامة مديحة تحسين عمر، نزيهة سليم، عالية القرغولي وروز ماري خيّاط. وتنظيم المركز الثقافي البريطاني ببغداد لعدد من معارض الفن التشكيلي لعطا صبري، حافظ الدروبي، أكرم شكري وجواد سليم مُجترحًا بذلك مظهرًا جديدًا من مظاهر الحداثة في المشهد الثقافي العراقي. وفي السياق ذاته حاول الرسامون والأدباء تجاوز القيم الأخلاقية السائدة فرسموا أماكن اللهو ومنازل اللذات العابرة فيما تناول الشعراء ثيمات جريئة كانت محجوبة أو مسكوت عنها في الأقل.
تختم فاطمة المحسن هذا الفصل بالإشارة إلى العنف الذي استشرى في العراق وأفضى إلى مغادرة غالبية ممثلي الجيل الخمسيني إلى خارج العراق مثل فرمان والتكرلي والبياتي وبلند الحيدري وعلي الشوك، بينما صمت في الغربة بعض المثقفين أمثال عدنان رؤوف وأنيس زكي حسن ونهاد التكرلي.
الطليعة الثقافية
تشير فاطمة المحسن إلى أن أحزاب اليسار تستعمل كلمة «طليعة» باعتبارها مُعبِّرة عن هموم الشعب وناطقة باسمه. ومع أن الجواهري كان متصدرًا المشهد الثقافي آنذاك إلا أن أدوات تعبيره ظلت كلاسيكية، وأن طليعيته كانت تستمد الكثير من لغة الماضي، بل إن صوته كان صوت الجماعة القديمة.
ثمة شراكة بين السلطة والمثقف كما ترى المحسن، فلقد سعى ذو النون أيوب والجواهري إلى الحصول على عضوية مجلس النواب استنادا إلى مكانتهما الأدبية، كما حصل عبد الحق فاضل وهو محام وأديب ومترجم على منصب دبلوماسي مرموق، وأصبح رفائيل بطي وزيرا في الخمسينات، وأشرف حسين الرحّال على الإذاعة الأمر الذي يكشف عن وجود مثل هذه الشراكة المعلنة.
نأى الرسام عن استنساخ المناظر الطبيعة، وابتعد النحّات عن تقليد النماذج المرئية، وعزف الشعراء المحدثون عن الموضوعات القديمة فكتب السياب «أنشودة المطر» 1953 وهي من أهم التجارب اللافتة في الحداثة الشعرية العربية رغم أن مشعل الحداثة حمله البياتي وبلند الحيدري إلى جانب السياب. أعرب عبد الملك نوري عن إعجابه المفرط بالأدب الإنجليزي وحاول اجتراح طريقة جديدة في كتابة القصة لكن وجوده الخاطف سرعان ما انتهى في الثقافة العراقية. كما ينطبق الأمر نفسه على الرسام محمود صبري الذي غادر العراق ثم تبنّى «واقعية الكم» وقدّم نتاجات شكّلت قطيعة مع ماضيه الفني.
لكن المؤلفة تذكر من ناحية أخرى أن المثقف العراقي كان بالضياع والعزلة والاغتراب وهو في وطنه فلا غرابة أن يشعر علي الشوك بأنه «مثقف معزول» لأنه غريب عن مجتمعه، ومغترب وهو في بيته ومدينته، ولهذا عاش البريكان عزلة مكتملة كان ينتصر عليها بالاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية، كما كان يفعل نجيب المانع، ومحمود صبري، وجواد سليم ونهاد التكرلي وغيرهم. هذا الولع بالموسيقى سوف يتحول إلى كتابة انطباعية أو نقدية عنها على أيدي شعراء وكتّاب عراقيين مثال علي الشوك، نجيب المانع، صلاح نيازي، فوزي كريم وقتيبة الشيخ نوري.
لم تكْفِهم صفات الغربة والضياع والتشتت فبحثوا عن العبثية واللاجدوى والمنحى الوجودي وأسسوا مقاهي وجماعات فنية من بينها مقهى «الواق الواق» التي استمدتها مخيلاتهم من قصص «ألف لية وليلة» وجماعة «الوقت الضائع». ينتمي جيل عبد الملك نوري، ونازك الملائكة، وفؤاد ونهاد التكرلي، ورفعت الجادرجي وجواد سليم وقتيبة الشيخ نوري وغيرهم إلى الفئات المتمكنة ماديا ولكنهم كانوا يصرّون على أنهم يعانون من الضياع، ويمعنون في الهرب من الواقع. حاول بعضهم أمثال عبد الملك نوري وعائد خصباك ومهدي عيسى الصقر إبراز عيوب وتشوهات المجتمع البرجوازي، كما حاول التكرلي إبراز تصوراته الوجودية وتجسيد فكرة الإحساس بالضياع والشعور بالعبث.
تناولت المحسن في هذا الفصل الشخصية «الداندية» كإنسان «متأنق ومتشاوف ومترفع»، كما قدمت عددًا من الأدباء الأكاديميين العراقيين الذين اصطبغوا بالصبغة القومية ودخلوا في صراعات مريرة مع اليسار العراقي برمته، كما أشارت إلى منظمة «حرية الثقافة» ومؤسسة فرانكلين في الستينات التي دعمت عددًا من الأدباء والكتاب ونشرت ترجماتهم ومن بينهم السياب. وتُنهي المحسن هذا الفصل بالحديث عن تداخل الثقافة العارفة بالشعبية حينما كتب النوّاب بعض شعره بمحكية أهل الهور ونشر ديوانه الأول «الريل وحمد» الذي تحوّل إلى أيقونة ثقافية بعد أن قال عنه سعدي يوسف «أضع جبين شعري كله على الريل وحمد» ثم عززت هذا المنحى الشعبي لميعة عباس عمارة وغيرها من الشعراء بينما اعتبر القوميون إدخال المحكية إلى الأدب تجاوزًا على الفصحى وانتهاكًا لها.
ثقافة المدينة الحديثة
ترصد فاطمة المحسن في الفصل الثالث المعالم الجديدة لبغداد وصعود العوائل الميسورة بعد عودة أبنائها من الدراسة في الخارج أمثال محمد مكية ورفعت الجادرجي ودورهما في تحديث بغداد. يؤرخ خالد السلطاني ظهور العمارة الحديثة في العراق بين منتصف الأربعينات والخمسينات وأشار إلى عدد من المباني التي صممها مهندسون عراقيون مثل «سوفير» و«مشغل الهلال الأحمر» و«خان باشا». توقفت المحسن عند شارع الرشيد الذي يعتبر أنموذجًا للعمارة الهجينة والحداثة العراقية حيث يجمع هذا الشارع بين الجوامع ذات الطرز الإسلامية، والسوق العربي، والمقاهي العثمانية، والأبنية الحكومية الحديثة.
ترى المحسن أن الحداثة قد فرضت شروطها في مفصلين أساسيين وهما تقريب الأماكن وتوحيد الزمن. وتتوقف عند بعض الجماعات الفنية مثل «جماعة بغداد للفن الحديث» التي أصدرت بيانها الذي يتمحور حول مفهوم التراث والمعاصرة وجماعة البدائيين ورغبتهم في التجريب. كما تُعرّج على السرد في بعض الروايات المهمة لعبد الملك نوري وفرمان والتكرلي التي تدور في الأحياء الشعبية الفقيرة وقد اعتبرت الناقدة رواية «النخلة والجيران» أقرب إلى مرثية لبغداد القديمة الموشكة على الأفول. وتختم المحسن هذا الفصل بالحديث عن عفيفة إسكندر التي مزجت بين المرح واللذة والأنوثة الناعمة والغناء بالفصحى. كما توقفت عند المونولجست عزيز علي الذي كان يسخر من البرلمان والفساد وهيمنة الاستعمار عبر أغانيه الذكية التي أحبها المثقفون وعامة الناس على حد سواء.
المشروع الأكاديمي
تكمن أهمية الفصل الرابع «الدرس التعليمي والمشروع الأكاديمي» في عدد من الظواهر المفصلية أولها أن المناهج الدراسية الحكومية قد تعممت بصيغتها الحديثة بعد هزيمة «الكتاتيب» ووصول المدارس إلى البوادي والأرياف علمًا بأن الدولة لم ينافسها في نهضة التعليم سوى بعض المدارس اليهودية والمسيحية وهي قليلة جدًا في مجتمع غالبيته مسلمة.
صاغ البريطانيون المناهج الأولى للتعليم بمساعدة ساطع الحصري فتنوع الدرس البحثي المتصل بالطرائق الغربية. ركزت المحسن في هذا الفصل على أربع شخصيات أكاديمية مهمة أولها جواد علي الذي قدّم أطروحة نادرة عنوانها «المهدي المنتظر عند الشيعة الإثني عشرية» 1938 التي تُرجمت إلى العربية عام 2005 وقد استعمل فيها الباحث المنهج الاستقرائي باعتباره جدلية تاريخية بين تصارع الروايات. لم يبتّ الباحث في الروايات ولم يدحضها ولكنه ينبه إلى مصدرها، وأزمنة القائلين بها، وأخطاء المؤرخين أنفسهم. وهدفه هو الفصل بين الحقيقة التاريخية والأسطورة. وقد اعتبرت المحسن هذا الكتاب بأنه يصل الدرس الثقافي بدقة المعلومة أو الرواية.
أما عبد العزيز الدوري فكانت أطروحته «تاريخ العراق الاقتصادي في القرن الرابع الهجري» الذي ربط فيه التاريخ بالسوسيولوجيا بالاقتصاد وهي أطروحة متفردة غير أنه في كتابه الثاني «دراسات في العصور العباسية المتأخرة» يرى أن النظر في التاريخ يقوّي ملكة النقد، ويوسع أفق التفكير، ويمهد لمعرفة نفسية الأمة. ورغم نزعته القومية واتهام بعض طروحاته بالتعصب للعرب والعروبة إلا أنه سجن في عهد البعث الثاني فقرر الخروج من العراق وعدم العودة إليه طوال ما تبقى من حياته.
لم تسلم الشخصية الثالثة على أهميتها من التعسف فرغم المنجزات والخدمات الجليلة التي قدّمها طه باقر للثقافة العراقية فإن البعثيين زجّوه في السجن فانقطع عن الكتابة لعقد ونصف العقد وهو صاحب المؤلفات الأربعة التي ظلت باقية في الذاكرة الجمعية العراقية وأبرزها ترجمته لملحمة «كلكامش» وتعريفاته المتواصلة بالأدب العراقي القديم والكتابة عن تراثنا اللغوي وما اكتنفته من أشياء دخيلة.
أما الشخص الرابع فهو علي الوردي الذي حاز على شعبية كبيرة نافست شعبية كبار الشعراء، بل أصبح أيقونة من أيقونات الثقافة العراقية، ويعتقد البعض أن سبب شهرته هو عدم تعاليه على قرّائه وقدرته على تحويل الأفكار والنظريات إلى حكايات وقصص جاذبة لا تخلو من الإثارة. تخلص المحسن إلى القول بأنه كان حداثيًا وطليعيًا وجريئًا جدًا في طريقة طرحه لوجهات النظر في الكتابة النقدية.
مجازات الحداثة
يمكن قراءة الملامح الجديدة للحداثة من خلال موضات الملابس، وقصّات الشعر، والفرق الموسيقية والغنائية، وارتياد صالات السينما، وظهور التلفزيون الذي أعلن عن حداثة جديدة في الحياة العراقية. ركزت المحسن على ظاهرة حسون الأميركي، الداندي الذي عوّضته الأفلام الأميركية عن الرحيل إلى عالم الغرب المسحور. ومغني الجاز إلهام المدفعي الذي كان يتحدث بلكنة مواطن إنجليزي تعلّم اللغة العربية وزاوج بين التراث والمعاصرة في أغانية. وفي الجانب الأدبي توقفت المحسن عند البيان الشعري الذي كتبه فاضل العزاوي ووقعه سامي مهدي وفوزي كريم وخالد علي مصطفى وانطوى على عدد من الرؤى والأفكار الجمالية التي أثارت سجالاً طويلاً بينهم وبين الأجيال السابقة واللاحقة. كما أصدر التشكيليون بيانهم الأول الذي جمع عددًا من التشكيليين العراقيين أبرزهم هاشم سمرجي ومحمد مهر الدين ورافع الناصري.
أشارت المحسن إلى أهمية جماعة كركوك ودورهم في صناعة الحداثة الأدبية والفنية ودخلوا في صراعات مع سامي مهدي الذي اتهمهم اتهامات شتّى بحجة انتمائهم إلى قوميات كردية وتركمانية وآشورية وحقيقة الأمر أن الكثير من الذين كتبوا الأدب الحداثي أو السوريالي على وجه التحديد كانوا عربًا أيضًا نذكر منهم فاضل عباس هادي، جليل حيدر، عبد القادر الجنابي، عبد الرحمن طهمازي، هذا إضافة إلى جماعة كركوك وأبرزهم فاضل العزاوي، سركون بولص، مؤيد الراوي، أنور الغساني وآخرين. تختم المحسن حديثها عن بعض الشخصيات النسوية الجريئة مثل عالية ممدوح التي وصفتها الناقدة بأنها أكثر جرأة من الأديبات اللبنانيات، كما توقفت عند سالمة صالح وبثينة الناصري وسعاد العطار ودورهن الواضح في المشهد الحداثي العراقي. بكلمة أخيرة يشكِّل هذا الكتاب إضافة جدية إلى الأبحاث العراقية الرصينة في الجانبين النقدي والفكري على حدٍ سواء.



كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو
TT

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً. وحظي الكتاب، الذي يضمّ مذكرات كامو بين عامي 1935 إلى 1942، بمراجعتين بارزتين باللغة الإنجليزية، من كاتبين مختلفين.

جاءت المراجعة الأولى بقلم إيه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكان ليبينغ قد ربطته أواصر الصداقة بكامو، عندما زار الكاتب الفرنسي ـ الجزائري أميركا عام 1946. وأُعجب ليبينغ، المولع بالثقافة الفرنسية، بشكل خاص بأعمال كامو خلال الحرب العالمية الثانية، بصفته محرراً لمجلة المقاومة «كومبا». ووصف ليبينغ مذكرات كامو بأنها «ممتعة وعميقة»، و«كتاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريباً، وهو على يقين من أنه سيشعر بمتعة».

أما المراجعة الثانية، فجاءت بقلم سوزان سونتاغ، في دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس». استهلت سونتاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجاً أو عشاقاً». وكان كامو، بفضل هدوئه وعقلانيته الظاهرية، كما أشارت سونتاغ، «الزوج المثالي بين الأدباء المعاصرين». (لم يكن بمقدور سونتاغ معرفة هذا على وجه اليقين، فحسب سيرته الذاتية اللاحقة، فإنه خان زوجتيه مراراً، الممثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسين فور).

أما بقية مراجعة سونتاغ، فحملت نقداً لاذعاً لكامو بصفته روائياً وفيلسوفاً. وكتبت سونتاغ: «هل كان كامو مفكراً ذا شأن؟» «الجواب: لا». وبعد ذلك، كالت مزيداً من الانتقادات اللاذعة إلى كتاب «الدفاتر الكاملة» نفسه، واصفةً إياه بالسطحية وافتقاره إلى الطابع الشخصي و«غير الجيد».

ظهرت مجلدات أخرى من دفاتر ملاحظات كامو على مرّ السنين، وجُمعت كاملةً للمرة الأولى في كتاب «الدفاتر الكاملة». عندما أمسكت بالكتاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ المتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قراءة صفحاته التي تقارب 700 صفحة، فوجئت بأنني، وأنا من أشدّ المعجبين بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها.

ولكن ينبغي الخلط بين دفاتر كامو، التي امتدت من عام 1935 إلى 1959، وبين اليوميات، فهي تكاد تخلو تماماً من أي شيء يخص أصدقائه أو عائلته، أو تجاربه خلال الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجلاً شديد الخصوصية، ينفر من النميمة والاعترافات.

في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957، في الـ44 من عمره، وكان أحد أصغر الكتاب الذين حصلوا عليها، كتب في دفتر ملاحظاته: «خائف مما يحدث لي، مما لم أطلبه». وذكر أنه كان يعاني من نوبات هلع. وبعد بضعة أيام كتب: «لا تتحدث أبداً عن عملك» و«أولئك الذين لديهم حقاً ما يقولونه لا يتحدثون عنه أبداً».

تحتوي هذه المذكرات على ملاحظات فلسفية لرواياته المنشورة خلال حياته -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُعدّ استكشافات فريدة من نوعها، وهي لا تقتصر على عبثية الوجود فحسب، بل تتناول كذلك العزلة والشعور بالذنب والخلاص والصمود. وقد رُويت هذه الملاحظات بوضوح وعمق مؤثر.

مثل كثير من القراء، عدتُ إلى رواية «الطاعون» (عنوانها بالفرنسية «La Peste» أكثر رعباً وضوحاً) خلال جائحة كوفيد-19، فوجدتُ فيها بعضاً من العقلانية المرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل المثال، ينفي طبيب يعمل بشجاعة ودأب في البلدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الطاعون، عن نفسه صفة البطولة. وقال بكلمات تعكس كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام 2020: «الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. قد يبدو الأمر فكرة سخيفة، لكن السبيل الوحيد لمكافحة الطاعون هو التحلي بالأخلاق».

علاوة على ذلك، تحتوي دفاتر كامو على مقتطفات من قراءاته المتعمقة، لأعمال كتّابٍ من أمثال ميلتون وغوته إلى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفتراً شخصياً للملاحظات. كان كامو في حالة بحث دائم عن جوهر الأشياء، وعاش في عالمه الداخلي أكثر من معظم الناس. وما يبرز بشكل خاص إحساسه بالرسالة الأدبية، فقد كان يُحفّز نفسه باستمرار. ومن بين المقولات النموذجية المعبرة عنه: «انعزل تماماً واركض في طريقك الخاص».

وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفةً وتحمل منظوراً داخلياً، ولا يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حرّر الدفاتر الأولى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعةً واحدة). إنها ليست مناسبةً للقارئ العادي.

مع ذلك، فقد سُرّ هذا القارئ العادي بالاطلاع عليها، حتى وإن كان البحث عن الأجزاء الأكثر وضوحاً وإثارةً للاهتمام أشبه بالتنقيب عن الذهب. ومن بعض أشهر ما ورد هنا، سرد لرحلات كامو في الولايات المتحدة عام 1946 وفي أميركا اللاتينية عام 1949، سبق نشره في كتب أخرى، أولها بعنوان «يوميات أميركية» (1987)، ثم في ترجمة جديدة بعنوان «رحلات في الأميركتين» (2023).

ثمة مواد أخرى جديرة بالثناء هنا. من حين لآخر، كان كامو يعلق بين الحين والآخر على منتقديه، فكتب عام 1942: «ثلاث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت لاحق: «الحقد هو الصناعة الوحيدة في فرنسا التي لا تعاني من البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل الأشخاص الملتزمين على الأدب الملتزم».

وجاءت بعض التعليقات ساخرة ومضحكة. مثلاً، كتب عام 1949: «أتساءل دائماً: لماذا أجذب النخبة الاجتماعية. كل تلك القبعات؟!».

أما البعض الآخر من الملاحظات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابط بين الرجال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يبدو أكثر أناقةً وهو يدخن سيجارة من معظم رجال عصره. إلا أنه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصاً أن الشعور بالمرض موضوع متكرر في هذه الدفاتر- كان من المفترض ألا يدخن على الإطلاق.

وتتجلى روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط، خصوصاً في حبه للسباحة والشمس. كان يحب السفر، لكنه لم يكن يُحب الترف المُبهرج. وكتب في إحدى مذكراته المبكرة: «الخوف هو ما يجعل السفر ذا قيمة» -ينبغي أن يكون «تجربة زاهدة». كما كان يزدري المطاعم الفاخرة في الغالب، مشيداً بمدينة وهران الجزائرية، بوصفها مكاناً «لا يزال بإمكانك فيه العثور على مقاهٍ استثنائية ذات طاولات مطلية بطلاء مُتسخ، مُغطاة بأجزاء ذباب: ساق، جناح، حيث تُقدَّم لك المشروبات في أكواب مُتشققة».

وتشبه دفاتر كامو إلى حد ما تلك الطاولات. لم يتبقَّ لنا سوى الأغصان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إلا أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كان في الرابعة والعشرين، في إحدى أمسيات الربيع: «هناك أيام يكذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة».

* خدمة: «نيويورك تايمز»


أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
TT

أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة

شُيّد قُصير عمرة في بادية الأردن خلال القرن الثامن، وتحوّل مع الزمن إلى خربة مهجورة إلى أن خرج من الظلمة إلى النور في مطلع القرن العشرين، فتوالت الدراسات التي تناولت جدارياته وسعت إلى تحليلها وفك أسرارها. بقيت هوية صاحب هذا القصير الفريد موضع بحث إلى أن ظهر اسمه خلال حملة ترميم جرت في مايو (أيار) 2012، وبات من المؤكّد أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك أقام في هذا المبنى يوم كان ولياً للعهد في زمن خلافة هشام بن عبد الملك. يظهر هذا الأمير في لوحتين تحتلان موقعاً رئيسياً في الجداريات التي تزيّن قاعة الاستقبال المؤلّفة من ثلاثة إيوانات معقودة. نراه ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ونراه متربّعاً على عرشه في ركن يقع في عمق الإيوان الأوسط.

يُعرف هذا الركن بـ«ركن العرش»، وفيه يظهر الأمير على الحائط الجنوبي تحت قبة تزينها مجموعة من القامات المنتصبة. فقدت هذه اللوحة الكثير من عناصرها للأسف، وما تبقّى منها يكشف عن رجل يتربّع على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي يُعرف بالطراز «الإمبراطوري». شاع هذا الطراز في العالم الروماني كما في العالم البيزنطي الذي تبنّاه من بعده، وتشكّل لوحة قصير عمرة استمرارية مبتكرة لهذا النسق الذي انتشر بشكل واسع في سائر أنحاء ضفّتي العالم المتوسّطي. يحضر الأمير جالساً في وضعية المواجهة على أريكة عريضة تعلو عرشاً شُيّدت قواعده من الخشب المرصّع بالأحجار، كما توحي شبكة النقوش التي تزيّنها. ظهْرُ هذا العرش مستطيل، ويعلوه قوس يشكّل مساحة نصفة دائرية يرتفع في وسطها رأس الأمير. تحيط بهذه الهامة هالة دائرية، ترمز في الفن الروماني إلى السلطة الملكية، وقد دخلت في هذا المعنى في الفن المسيحي الأول، ثمّ تحوّلت إلى رمز للقداسة في القرن الخامس، ويبدو أن الفن الأموي تبنّاها بمعناها الأوّل في هذه الجدارية.

وجه الأمير مشوّه، ويكشف الرسم التوثيقي عن وجه ملتح ضاعت ملامحه، يعلوه شعر أسود تحدّه مساحة دائرية بيضاء رفيعة، تبدو أشبه بعمرة بسيطة. يبدو اللباس كذلك بسيطاً، وقوامه جبة طويلة حمراء تزيّنها شبكة من المكعبات المرصوفة، يعلوها معطف أزرق، ينسدل على الكتفين، ويمتدّ أفقياً بين الذراعين. ترتفع اليد اليمنى نحو الصدر، وتقبض على صولجان يتمثّل هنا بعصا قصيرة ونحيلة. ترتفع اليد اليسرى في حركة موازية، وتظهر أصابعها ملتفّة على راحتها. تخرج القدم اليمنى من خلف طرف الجبّة الأسفل، كاشفة عن حذاء مزخرف بنقوش هندسية، وتبدو القدم الأخرى ممحوة، وما تبقّى من أثرها الطفيف يوحي بأنّها صُوّرت في وضعيّة مماثلة. يرتفع العرش الملكي وسط عمودين يعلو كلاً منهما تاج عريض، وتعلو هذه العناصر المعمارية خطوط ملتوية تحاكي شكل الرخام الأحمر. يشكّل هذان العمودان قاعدةً لقوس يُعرف في قاموس الفن الكلاسيكي باسم «قوس المجد»، وهو هنا على شكل مساحة زرقاء تعلوها كتابة بالخط الكوفي ضاع جزء كبير من أحرفها، ويشير نصّ ما تبقّى منها إلى دعاء بالعافية والرحمة للولي الجالس على العرش، ونصّه يقول: ««اللهـ(م) أ(غفر) لولي (عـ)هد المسلمين والمـ(سلـ)مات (...) وعافية من الله ورحمة (...)». عند طرفي هذا القوس، يظهر طائران متواجهان صوّرا في وضعية جانبية، ويوحي تكوينهما بأنّهما من فصيلة الدراج.

يحوط بهذا الأمير المتربّع على عرشه شابان أمردان يقفان في وضعية نصف جانبية، في حركة واحدة جامعة، يرفع كل من هذين الخادمين فوق هامة الأمير مروحة تتألّف من قضيب طويل ونحيل، تعلوه رزمة من الريش. تفوق مقاييس الأمير في حجمها قامتَي خادميه مما يعمّق صورة مكانته، ويعكس هذا الأسلوب طرازاً معروفاً اتّبع في الشرق القديم، كما في العالمين الروماني والبيزنطي. يتشابه هذا الخادمان بشكل كبير، وتبدو صورتاهما واحدة. الوجه فتي ونضر، تحيط به خصل من الشعر الأسود، تعلوها عمرة بيضاء بسيطة. يتكوّن اللباس من جبة طويلة زرقاء يعلوها معطف فضفاض، ويزيّن طرف أعلى هذا الرداء شريط يأخذ شكل طوق تعلوه سلسلة من الدوائر اللؤلؤية. يحضر الأمير وسط خادميه في بناء تعادلي محكم، ويحيط بهذه اللوحة إطار مقوّس تزيّنه سلسلة طيور متراصة بلغ عددها العشرين. تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية ثابتة، وتماثل في تكوينها صورة الطيرين المتواجهين عن طرفي قوس المجد.

تستقر هذه اللوحة فوق لوحة مستطيلة ممحوة، ويتبيّن أن هذه اللوحة دخلت متحف الفن الإسلامي ببرلين، بعد أن حملتها معها البعثة التشيكية التي قامت باستكشاف قصير عمرة في مطلع القرن. فقدت هذه العينة الكثير من معالمها، وما تبقّى منها يشير إلى منظر طبيعي بحري، يشابه مناظر أخرى تحضر في أماكن متعدّدة من قصير عمرة، وحضور هذه المشاهد البحرية في برنامج هذا الموقع التصويري الشاسع يثير الحيرة، ودلالاته الافتراضية تبقى موضع بحث مستمر.

يظهر الأمير ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ويظهر من أمامه خادم يرفع من فوقه مروحة، ويعكس تأليف هذا المشهد أثر الفن الساساني الإيراني، غير أن الأسلوب المتبع في التجسيم يبدو أقرب إلى الأسلوب المتوسّطي. في المقابل، يحضر الأمير في «ركن العرش» في تأليف روماني صرف شاع في العالم البيزنطي، ويحلّ هنا في قالب محلّي مبتكر. تعكس هاتان الصورتان تعدّدية المنابع التي نهل منها مصورو جداريات قصير عمرة، وتشهدان للاستمرارية الخلاقة التي تميّز بها الفن الأموي بفروعه المتنوّعة.

تستقرّ لوحة الأمير المتربّع على عرشه تحت قبّة تأخذ شكل قنطرة زيّن سقفها وجدارها بحلّة تصويرية حافظت على العديد من عناصرها التشكيلية. تحتاج هذه الحلّة إلى قراءة متأنيّة، وليس بالأمر السهل استنباط معانيها ودلالتها متعدّدة الأوجه، نظراً لغياب أي كتابات تسمّي مجموعة الأشخاص الحاضرة فيها.


معجب العدواني: صراع الأنواع الأدبية أصبح وجودياً

معجب العدواني
معجب العدواني
TT

معجب العدواني: صراع الأنواع الأدبية أصبح وجودياً

معجب العدواني
معجب العدواني

يُعد الناقد الأكاديمي السعودي الدكتور معجب العدواني من أصحاب البصيرة النقدية النافذة، التي تتجلى في متابعته للمشهد الثقافي العربي، وقضايا التراث، ومستجدات النظرية الأدبية الغربية، وتطورات المناهج النقدية الحديثة. صدر له عدد من المؤلفات المهمة، منها «إعادة كتابة المدن العربية»، و«قراءات في السرد العربي»، و«بلاغة الإعاقة البصرية»، و«مفهوم العامة»، و«الحداثة في الأدب السعودي»، وله أكثر من كتاب عن التناص... هنا حوار معه عن أبرز مؤلفاته، ورؤيته للمشهد الثقافي العربي.

> بدا كتابك «مفهوم العامة: الجلي والخفي» منشغلاً بإزالة الصورة السلبية عن العامة... فكيف ترى تقسيم العالم لثنائية ضدية بين النخبة والعامة؟

- ربما حرص ذلك المدخل الطويل إلى حدّ ما في كتاب «مفهوم العامة: الجلي والخفي» على إبراز تلك العيوب الناتئة في وجه ثقافتنا العربية، ولم يتجاهل غيرها من الثقافات؛ ذلك أن التقسيم هنا كان نتيجة فعل منهجي، يتلمس تحديد تلك العيوب كي يكشفها عن فئة ما، قد يكون هذا الكشف صعباً أو مستحيلاً، طالما بقي مفهوم العامة مستنداً -في موقعه التاريخي- إلى تلك الثنائية التي تتشكل من العامة والنخبة، إنها الثنائية التي أجادت تحييده ثقافياً، ونجحت في خلق فجوة ليس من السهل ردمها، فأكدت استمرار صرامتها بتفعيل ما وُصف بالمركز، وإهمال ما وُصم بالمهمش؛ لذا يمكن القول: إن كسر تلك الثنائية يقتضي إزالة الشوائب السلبية التي تحجب النظر عن أولئك، مقابل فحص الإيجابيات التي تؤكد أهمية هؤلاء، وتدعم مركزيتهم الثقافية.

> في مقدمة كتابك عن الحداثة في الأدب السعودي، انتقدت تحول الكثيرين إلى كتابة الرواية، لكن هناك توجهاً «جماهيرياً» من «عامة القراء» نحو قراءتها... فكيف ترى هذه المفارقة؟

- لم يكن النقد في هذه الإشارة، التي اقتنصتها، موجهاً إلى القراء، بل كان متجهاً إلى بعض الكتاب، أولئك الذين بُني وعيهم الفني بصورة أحاديّة، على التعامل مع الكتابة الإبداعية بوصفها منتجاً استهلاكياً، فأرادوا التوجه إلى كتابة الرواية، لا لحاجتهم إليها، وإنما لمحاكاتهم غيرهم، فكانت تجربتهم قاصرة؛ إذ لم تفلح في استنطاق الجنس الروائي بتعدده واختلافه، ولم تذهب عمقاً في الاشتغال على الأشكال التي ألِفوها من قبل، كي يحدثوا بعداً إبداعياً لتطويرها، أو تقديمها بصورة استثنائية.

أظن أن تلك القفزات الأفقية لا تضيف إلى الإبداع في معظم التجارب؛ ومع أنها ستسهم في لصق مصطلح «الأديب» على ذلك المتحول، لكنها ستبعد عنه مسافة الكشف الرأسي في عمق التجربة، ومن ثم فلن يكون شاعراً مبدعاً أو روائياً متميزاً أو قاصاً خلاقاً. ولا يتعارض ذلك مع مبدأ حرية الاختيار، ذلك المبدأ الذي يستند إليه شرط الكتابة؛ لأن تلك الحرية ستصبح إشكالاً مضاعفاً في تنقل الكاتب بين الأجناس، وكأنه يخرج من سجن كتابي إلى آخر، فيعجز عن فك أسره في كليهما، وفقاً لحالة الرواج التي تحدث، فيترك الأول، ويفقد كسر المعتاد من قوانينه، ويجعل منه ذلك التنقل معتاداً على الأبنية التي يقدمها «السجن» الجنس الأدبي.

> الآن انقلبت الآية، وأصبحت كلمات مثل «نخبة» و«نخبوي» بمثابة سُبة... فكيف يمكن ضبط المسافة بين النخبة والجماهير بحيث لا تهمش إحداهما الأخرى أو تقصيها وتدينها؟

- هذا صحيح، فاللحظة المعاصرة قادت إلى التخفيف من وهج فئة على حساب أخرى، وذلك نتيجة عوامل أبرزها اهتزاز العوامل الثقافية والاقتصادية التي تشكل هذين المكونين، ومع أن المسافة مهما ضاقت بين النخبة والجماهير تبقى عبئاً ثقافياً، ومسألة إشكالية ينبغي ألا تميل، غير أن اللحظة المعاصرة نجحت في خلخلة التوازنات، وكسر الثوابت، ومن ثم أرجو أن مشكلة الفروق تبدو مترسخة في أذهان الأفراد فحسب، كي تؤكد أن ذلك الانحياز السلبي قد فقد بوصلته في هذا الاتجاه.

> كيف ترى صراع الأنواع الأدبية وما يقال عن تراجع الشعر والقصة القصيرة في مقابل صعود «زمن الرواية» أو أنها أصبحت «ديوان العرب»؟

- يبدو لي أن هذا الصراع لا تنحصر نتائجه في قائمة أعداد القراء فحسب، لكنه صراع وجودي للجنس الأدبي نفسه، يتصل بالبعد الحضاري، فالشعر مهما حدث فسيظل له بعده التجذيري التأصيلي القابع في روح الأمة، والرواية حاملة مشعل التنوير سيظل لها بعدها الحداثي التنويري، الذي لا ينكره أحد. وهنا، لا يمكن مقارنة القصة القصيرة بقطبي الأدب: الشعر والرواية، كثير من المثقفين يصرّ على أن المشكلة ليست موجودة، لكنها مشكلة جلية، تستدعي التوقف عندها والتأمل فيها، حتى الكاتبة الكندية أليس مونرو، الفائزة بجائزة نوبل عام 2014م، أشارت إلى بهجتها بذلك الفوز، وأملها في أن يتزايد القراء الذين يتابعون القصة القصيرة، فقالت بُعيد الإعلان عن الجائزة، إنها تأمل «أن تكون الجائزة جالبة لمزيد من القراء لأعمالي، كما آمل أن يحدث هذا ليس لي فحسب، بل للقصة القصيرة عامة». وفي هذا وعي دقيق بحجم قرائها، يتباعد عن المبالغات التي نتبناها في أعداد قراء القصة القصيرة، ومع ذلك سأكون سعيداً جداً لو ثبت لي أن القصة القصيرة لم تتراجع، وأنها محط اهتمام القراء.

> «احتباس الضوء: بلاغة الإعاقة البصرية» كتاب شائق من عنوانه... لكن هل ثمة فارق جوهري بين بلاغة وجماليات النص الذي يكتبه المبصر وغير المبصر... بما يكفي لتدشين نظرية؟

- لا أزعم أن هذا الكتاب يضم نظرية مكتملة، إنه محاولة نقدية تأبى تصنيف التجارب الإبداعية في رفٍّ واحد، وتدعو إلى وجوب التشكيك في ادعاء أن حالة إبداعية لكفيف تماثل نظيرتها لمبصر... وتصل إلى أن كل تجربة لكفيف تستحق أن تُدرس على حدة، وفي هيئة مستقلة، وأن تتشكل أدواتها بما يلائمها، أو لنقل: بما يحايثها، من أجل مزيد من نجاعة الفحص النقدي؛ لذا يضم الكتاب سلسلة من درس الحالات التي بنيت على نبذ الآخرية التي أقيمت استهلالاً؛ لتستند إلى تلك المصطلحات التي قد يكون مبعثها الشفقة، وتهدف إلى التخفيف والمواساة، فنتبناها، ومن ثم تؤمن بها بعض المؤسسات الثقافية، مثل: «أصحاب الهمم» أو «ذوي الاحتياجات». إن هذا التمييز لا يُلغي التصنيف، الذي يقود إلى آخرية مُدَّعاة، أو مبتغاة من نوع ما، وهذا المستوى الأول يشكل أساساً أولياً للتمييز المستتر، ومن ثم كانت إقامة القراءات النقدية مستوى آخر لا ينبغي تجاهله.

> لك كتابات كثيرة عن التناص، مثل «القراءة التناصية الثقافية» و«الكتابة والمحو» و«الموروث وصناعة الرواية»، فكيف ترى حوار الشاعر الراهن مع أشباح سلفه الشاعر القديم؟

- التناص، في معظم ما كتبت، كان حالة مركبة لها عدد من الأوجه، وتتنافى مع الحالات الجزئية كالاقتباس أو غيره، لكنها تتوافق مع «النص» بوصفه جزءاً من المصطلح الدال على التداخل والتفاعل، وباكتماله تبدأ دورة ترحله من ثقافة إلى أخرى، فرسم الطيور المتناثرة في لوحة فن تشكيلي، تتفق في كونها طيوراً، ولا فرق بين ما كان يطير منها منفرداً أو بصورة جماعية؛ لأن كلتا الحالتين تجعل الطير حاضراً. وتنبغي الإشارة إلى أن التناص يظل حالة «هدمية» قد نراها متحققة في دراسة هارولد بلوم عن قلق التأثير، فالنص التالي هادم افتراضي لما أنتج في النص الأول، أما التعامل الجزئي مع التناص بصورة جزئية فيظل نظراً إلى شظايا نصية لدينا من المصطلحات التراثية ما يفي بمعالجتها. هل نجح شعراؤنا في التفاعل مع منتج أسلافهم؟ الإجابة ستكون: نعم، ولكن بصورة جزئية في أغلب ما جرى توظيفه.

> بوصفك مفكراً منشغلاً بالحداثة وما بعدها، هل مجتمعنا العربي مواكب لهذه التطورات العالمية أم أنه يقف عند حدود «التحديث» المادي وليس الحداثة؟

- لديّ اهتمام لا بأس به بالحداثة وما بعدها، لكنه لا يصنفني مفكراً، كل قراءة عن هذه العوالم تسوغ التوافق مع ما تفضلت بالإشارة إليه عن المجتمع العربي، في كونه يدخل في التحديث المادي. لقد نجح مصطلح الحداثة وما بعدها في عالمنا العربي مرتين؛ مرة بذلك التوافق العلمي عليه، والأخرى بكونه جاء متوازياً، إلى حد ما، مع ما هو شائع في العالم الغربي، وفي رأيي إن الإشكال النقدي يتمثل في غياب النظر إلى أن الحداثة وما بعدها طائران لا يقومان إلا على جناحين: أولهما ما يتصل بالفلسفة والانتماء، والآخر ما يتمثل في الاتكاء على المصطلحات والإسهام مع الأسماء التي لها منجزها في النظرية وتطبيقاتها.

> كتابك المهم «إعادة كتابة المدينة العربية» يحاول كشف التمثيل الاستعماري للمدن العربية... لماذا يرانا العالم الغربي بهذه الصورة وكيف يمكن تغييرها؟

- تبنّى هذا الكتاب التتبع النقدي لظاهرة سائدة في عدد من الأعمال الروائية المكتوبة بالإنجليزية؛ وهي الكتابة السلبية عن المدن في الشرق الأوسط، ومن ثمّ كان الوقوف على النماذج والتصنيفات التي يمكن أن تخضع لها في إطار مفاهيم منهجيّة محددة، في أعمال صدرت بين عامي 1957م و2013م، كانت جنسيات كتّابها البريطانية والأميركية، لكنها تتفق في الارتهان إلى خطاب يميل إلى إنتاج تمثيلات سلبية عن الشرق عامة، وقد خصص الكتاب لتلك المساءلة جانبين: الأول فرعي، ويتصل بتمثيلات القبح والتقبيح، والتمثيلات الشبقية، والغرائبية، وكان الجانب الآخر مركزياً عالج تمثيلات الكراهية التي تعود جذورها إلى الخطابات الدينية والسياسية والاقتصادية، وعليّ أن أضيف: إنه يتبدّى أن تلك الرؤية الغربية ليست مقتصرة على المدن العربية فحسب، لكنها تمتد إلى المدن الشرقية بصورة عامة، نتيجة خطاب استعماري له جذوره التاريخية.

> أخيراً، ما رؤيتك للمشهد الثقافي العربي مع بزوغ عصر «السوشيال ميديا» وتراجع دور المثقف التقليدي؟

- هناك تراجعات كبيرة للأدوار التقليدية في المرحلة الحالية من مثقف أو غيره، وبدا لي أن «السوشيال ميديا» أضحت مقرونة مع عوالم الذكاء الاصطناعي في حياتنا جزء من تعاظم آلي، يقابله تراجع لم يعد خاصاً بالمثقف وحده، بل امتد إلى الإنسان الذي بات متصلاً بالأجهزة الصناعية؛ التي تحيط به، وتلقنه، وتقدم له ما يحتاج إليه من عشرات المثقفين في لحظة واحدة، ويضيف إلى ذلك قدرته على إدارة حوار بينها، ومناظرة؛ إذ أصبح الإنسان الحالي كائناً معدلاً يجمع بين الإنسان والتقنية (السايبورغ)، وهي الظاهرة التي نعيشها في أدق تفاصيلها، بما يتصل بنا من تقنية تحيط بنا وتشكّلنا، أما إيجابياتها فتتجلى في كونها سترفع مستوى الوعي عالياً، ليعود هذا الإنسان «الاستثنائي» فيكتب مزيداً من الإنتاج الثقافي أو العلمي، كي يُضيف بوصفه آلة إلى ما لدى الآلات المحيطة، وهكذا نصبح في دوامة من التقنية التي يُخشى أن تُسهم في تغييب شمس الإنسان وانحسار صوته رمزياً.