عقيل الموسوي: روايتي أنجبت «دارا الزرادشتي» وكان أذكى مني!

الروائي البحريني يقول إنه لا يكتب سيرة ذاتية لكن شيئاً يتسرب منه

الروائي البحريني عقيل الموسوي
الروائي البحريني عقيل الموسوي
TT

عقيل الموسوي: روايتي أنجبت «دارا الزرادشتي» وكان أذكى مني!

الروائي البحريني عقيل الموسوي
الروائي البحريني عقيل الموسوي

وسط العزلة التي فرضها وباء «كورونا»، كتب الروائي البحريني عقيل الموسوي، روايته الثانية «دارا الزرادشتي»، التي استحضر فيها متحف الملل والنحل والثقافات والحضارات التي تكتنزها بلاد فارس، مستلهماً شخصية الزاهد المتصوف «دارا» الذي اتخذ من الترحال والسفر والتنقل عبر الأمكنة وسيلته للاستكشاف، قاطعاً المسافات من أجل التزود بالمعرفة والعلم والإيمان.
رأى الناقد البحريني د. فهد حسين، «أن رواية (دارا الزرادشتي) تؤكد ما يمتلكه الكاتب من موهبة حقيقية في الكتابة الإبداعية من جهة، ورؤيته لهذا الجنس الإبداعي وكيف يوظف الأبعاد المختلفة داخل فضاء العمل، فهو بهذا النص يملك ناصية اللغة، وسبكها وربط جملها بحرية سلسة، وبعفوية من دون تكلف، بل أعتقد أنه كتبها بحب وشغف ورغبة وتفاعل حقيقي من أجل إبراز بعضٍ من تاريخنا الإنساني».
في حين وصفها الناقد جعفر المدحوب، بأنها «رواية من طراز فريد، وصوت مغاير بين أصوات السرد البحريني».
عقيل الموسوي كاتب ومصور فوتوغرافي، ويعمل طبيب أسنان منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وقبل هذه الرواية أصدر روايته البكر «أريامهر نامه»، التي صدرت عن «دار الفارابي».
هنا حوار معه عبر وسائل التواصل، جراء التباعد الذي فرضته جائحة «كوفيد - 19».

> أصدرتَ مؤخراً روايتك الثانية «دارا الزرادشتي»، هي ثاني تجربة بعد روايتك الأولى «أريامهر نامه: سيرة نور الآريين»، كلا الروايتين تحملان عمقاً ثقافياً وفلسفياً ومشبعتان بالتاريخ... ماذا يجمع بين هاتين الروايتين؟
- ما يجمع بين الروايتين هو تفاعلي بعمق مع التاريخ. لا يستطيع أي روائي أن يكون مبدعاً دون أن يكون مستثاراً من موضوع روايته، دون أن ينغمس فيه، ويكون جزءاً منه. وأنا مرتبط بفكرة التاريخ في الرواية، ليس بوصفي أميل لأخلاق هذا الدين أو ذاك، وليس بوصفي متعاطفاً مع أمة ضد أخرى، بل بوصفي روائياً مهتماً لأعرف النفس البشرية، وأتلمس ما يحدث في دواخل الإنسان. ثمة رغبة جامحة عند البشر للحكم على شخصيات التاريخ، إما أخياراً أو أشراراً، وذلك ليس شأني، لا تقدم رواياتي أحكاماً جاهزة، بل تستعرض فهماً مختلفاً للتاريخ وشخصياته.
> أيضا كلا الروايتين تحملان مشاهد باذخة من الحضارة الفارسية. كيف تسنى لك توظيف كل هذه المحتوى والاستفادة منه، رغم تعقيداتها التاريخية والسياسية والقومية؟
- يجب ألا نغفل عن حقيقة أن كل أمة تسعى لتحتكر التاريخ، وكل دين يحتكر الحقيقة. وإذا كنت قد نجحت في تحميل أعمالي «مشاهد باذخة»، فذلك لأن الرواية في شكلها السردي تتبع حال الإنسان وتقلباته أكثر مما تتبع حال الدول، وذلك خلاف ما تفعله في العادة كتب التاريخ أو كتب الدين. ولقد لاحظ تلك الحقيقة الروائية الباحث علي الديري، ونشرها سابقاً: «أن السرد الروائي الذي جاء في رواية (دارا الزرادشتي) أتاح لنا برؤيته المتسعة أن نتحرر من فهم كُتب الملل والنحل».
هناك من قال «إنه زمن الرواية»، وذلك ببساطة لأن الرواية تقول ما يمكن للرواية وحدها أن تقوله. أما التعقيدات السياسية والقومية التي ذكرتها، فهي في الأخير مقص يحمله رقيب غليظ. ولتجنب ذلك المقص، لجأت إلى عدة حيل سردية مثل معظم الروائيين. الكاتب البحريني أحمد خلف رأى أنه يمكن اعتبار رواية «أريامهر نامه» جسراً أدبياً يصل بين الثقافتين العربية والفارسية. وفي رواية «دارا الزرادشتي»، تمكن بعض القراء من أن يلاحظوا إسقاطات الماضي على الحاضر العربي، وعبروا عن ذلك على قنوات التواصل الاجتماعي بجرأة تفوق ما ذهبت إليه الرواية.
> هناك من رأى أن رواية «دارا الزرادشتي» تحمل بعضاً من سيرتك الشخصية. وعلى رأي أمبرتو إيكو، فإن أجزاء من حياة المؤلف تنتقل إلى رواياته بوحي أو في غفلة منه... أين نجد ظل الكاتب في فضاء الرواية؟
- ما تقوله روايتي شيئاً مختلفاً عني، فلست أتحدث في الرواية باسمي، أو باسم أفكاري الخاصة، ولا باسم أحدٍ آخر. أتفق مع الفرنسي فلوبير حين قال إن الروائي هو الشخص الذي يختفي خلف عمله الإبداعي. مع ذلك، شيء لا بد تسرب مني في غفلة مني، ليس من الأنا اليومية لطبيب الأسنان فحسب، ولكن من الأنا العميقة غير الواعية كذلك. أختي الفوتوغرافية، عديلة الموسوي، رأت ظلي في الرواية وكتبت في صحيفة «الأيام» البحرينية أن شغف بطل الرواية «دارا» بالسفر والكتب، مستوحى من حياتي الخاصة، ولعل صيغة المتكلم (أنا)، وليست صيغة الراوي العليم (هو)، أحدثت تماهياً بين شخصيتي كروائي وشخصية البطل. أما الكاتب جعفر المدحوب فقد كتب في مجلة «أوان» الإلكترونية أن شيئاً من سيرة الغربة لوالدي المرحوم، قد تسربت من وعيي الباطن، وظهرت في حياة «دارا». أحب أن أضيف هنا أني اخترت أن يتحدث «دارا» بلسانه، بسبب الطبيعة السيكولوجية للرواية التي اضطرتني إلى تلك الصيغة لسبر أغوار نفس بطلي، واستعراض مونولوجات داخلية. لكن استخدام الصوت السردي (أنا) جعل القراء يتقاسمون الرؤية مع البطل، فوجدوا أنفسهم متماهين مع الأنا التي يقرؤونها كما وكأنهم هم المتلفظون بها.
> كيف أثْرَتْ اللغة الصوفية هذه الرواية؟
- اللغة الصوفية يمكنها أن تمارس سحراً حقيقياً على المسلمين، وهي بالفعل أَثْرَتْ نصي، بعض القراء لاحظوا ذلك، كثير منهم راق لهم ذلك. ثمة قبول جميل للتصوف بين شباب المسلمين اليوم. وينبغي أن أوضح هنا أن تأثر «دارا» بالشعر الصوفي منطقي ومبرر، لأنه زرادشتي أصيل، أول حكمة عرفها كانت شعراً كتبه زرادشت.
لست مؤمناً بالإلهام
> قلت ذات مرة إنك ذهبت لصحراء الربع الخالي تفتش عن التيه والضياع، ولكنك أخفقت فاهتديت للطريق مجدداً... هل هذا ما حدث لـ«دارا الزرادشتي»، حيث الارتحال بين الأديان مثل ممارسة للتيه حتى يتحقق اليقين؟
- ينبغي أن أعترف هنا أني لم أكتب الرواية في نفس واحد، كتبت الجزء الأول الخاص بالزرادشتية، ثم غصت في بطون الكتب، أبحث لبطلي عن طريق مقنعة إلى رحاب الإسلام، ولم يكن في تصوري أن «دارا الزرادشتي» الذي قرأتموه هو الشكل النهائي. كنت أتأمله، وأعيد كتابته باستمرار. كان دارا يتغير، ومنطق الرواية يتضح أكثر، ثمة شخصيات تخرج من النص، وأخرى تدخل، وفهمي للمذاهب يتعمق في معمعة البحث/ الكتابة الدؤوب. لم يسبق دارا كل ذلك، بل ولد أثناء كل ذلك. ليس ثمة إلهام خارق تملكني، ولن أمل من تكرار أني لست مؤمناً بالإلهام في الكتابة. أثناء الكتابة، كنت مثل دارا، عقلي مفتوح على الأديان، أرتحل معه من مذهب إلى آخر، وقناعاته تتبدل، تتغير، لا ضرر في أن نتغير، من الطبيعي أن نتغير، قال دارا في نهاية حياته: «ثلاثة وثمانون عاماً مرت، عمرٌ كان ينبغي أن يغير من هيئة فارس، لكن فارس هي التي غيرتني». وليس ثمة يقين مطلق في نهاية الرواية، لكن هناك يقين نسبي، الكشف الأخير الذي يحرزه الإنسان في نهاية عمره، ويرتاح أن يموت به.
> إلى أي مدى كانت رحلة البحث عن المعنى في مسيرة «دارا» بين زوايا التاريخ والأديان والثقافات تمثل هموم الإنسان الحاضر وتطلعاته نحو الحقيقة؟
- عندما نقول رواية تاريخية فإننا نقصد أنها تتكئ على مادة التاريخ، تقدم للقارئ المعاصر هموم الماضين وتطلعاتهم نحو الحقيقة. كروائي كنت أفكر في آلام بطلي «دارا» الزرادشتي الذي عاش مهمشاً في فارس في القرن الثالث عشر، تقمصت ثقافة الأمة الفارسية برمتها لكي أجعله ينطق، تخيلت سلمان الفارسي يفكر في أمر الإسلام، تخيلت الفلكي البيروني يقرأ بذهول وصف القرآن الكريم للكون، تخيلت الفردوسي يعاني بين إسلامه واعتداده الفارسي، تخيلت عمر الخيام مهرطقاً هائماً في سكراته، تخيلت البسطامي وابن المقفع وابن سينا، جميع هؤلاء حضروا معي وأنا أسعى مع دارا من أجل الحقيقة. لست أدري من فيهم الذي ألهمني عندما قال دارا: «في فارس أتذوق نكهة زرادشت». إنها ليست أفكاري الخاصة، بل حكمة فارس، وفي نصي هي منطق الرواية.
الغريب أني حين رجعت لنصي بعد مدة، كدت لا أصدق أني كتبته، وشعرت أنه أذكي مني، وارتحتُ لأنه أذكى مني، فلا ينبغي أن يكون الروائي أكثر ذكاء من أعماله، حسبما يزعم ميلان كونديرا.
> هل كانت الرواية تشير إلى أن القمع الذي واجهته الجماعة الزرادشتية، كان مجرد مثال لصورة القمع السائد في المجتمعات الشرقية تجاه المختلف. يقول «دارا» حينما وصل إلى شيراز بعد خروجه من يزد وخراسان: «عشت بينهم غريباً، أخفي ديانتي كما لو كانت وباء، أسير في السوق حذراً مثل قط، وسرعان ما أفر إلى غرفة صغيرة استأجرتها في مسافر خانه، أقفلها على أسراري، في الداخل تغيب شيراز، وتشرق أريانا».
- تشير الرواية إلى القمع الديني الذي واجهته جماعات عديدة، لكني لست أكتب بصفتي مدافعاً عن جماعة بعينها، فمعظم الجماعات اضطهدوا الآخرين في عهودهم الذهبية، وأولهم الزرادشتيون. ولست أكتب لأقارن بين الأديان، فأنا لست باحثاً، بل أكتب بصفتي روائي - روائي يبحث فيما يمكن أن يؤول إليه الزرادشتي، فيما هو قادر على التفكير فيه، لهذا كان منطق الرواية هو منطق دارا، والذي يسميه ميلان كونديرا حكمة الرواية، فكان دارا موبذاً في صميم أعماقه، حتى آخر يوم في حياته.
> ألا تجد تبايناً في المعنى، فالنص واضح في التحريض على نقد الثقافة السائدة أسوة بما فعله الفلاسفة والشعراء والعلماء والمثقفون. لكنه يشير في موقع آخر للمصير المأساوي للفلاسفة التنويريين فالحلاج قتلته بغداد، والشيخ السهروردي قتلته حلب، وطردت شيراز الشيخ البلخي.
- الرواية تقدم حقيقة مختلفة عما هو متفق عليه في الثقافة السائدة، ولا شأن لها بالتحريض ضد أحد ولا بالانتصار لأحد، كما قلت سابقاً. ولكن هذا لا يعني أني أملك أن أمنع القراء عن تأويلاتهم الخاصة. وليس فقط الحلاج والسهروردي اللذان قتلتهما الدول الرسمية، رشيد الدين الهمذاني كذلك قتلته السلطنة الإيلخانية، بسبب أصوله اليهودية، وقتلت «دارا» بسبب سابقته في الزرادشتية.
> كيف تناولت الرواية من خلال رحلة «دارا» حياة المهمشين والصراع الأزلي للإنسان نحو العدالة والكرامة؟
- لم يكن مقدراً لبطلي دارا أن يعيش مهمشاً، كان موبذاً، وتأهل ليكون رئيس أو دستور الجماعة الزرادشتية، لكن طلاب الحقيقة مثل دارا لا يختارون إلا حياة المهمشين، فكانت حياته سيرة طويلة من الغربة والخوف والجوع. في يزد، وتناولتها بالألقاب، لدي اهتمام خاص بالألقاب، حمل دارا كثير منها: أوشتادارا، العتال، الغندورا، الدرويش المجذوب، المريد، العطار، السائس، الجاسوس، الأسير. كان العذاب ينتظره في كل مدينة، ولكنه لا يبالي، يلاحق النور والأولياء مستصغراً المخاطر.



«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب
TT

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

على غرار «موت المؤلف» للناقد الفرنسي رولان بارت، أطلق الشاعر عمر شهريار على كتابه الصادر أخيراً اسم «موت المثقف»، وهو رسالة علمية يناقش فيها حضور المثقف ودوره عبر تمثيلات الإنتلجنسيا في السرد الروائي، متخذاً من إبداع الروائي المصري الراحل علاء الديب نموذجاً للرصد والتحليل والتطبيق، وفي ظلال رؤية نقدية كاشفة لطبيعة المثقف ووقوعه في حبال التناقض، ما بين أقصى المع والضد. لكن لماذا موت المثقف، وهو أمر يفضي إلى العدم، وليس انتحاره، باعتباره موقفاً رافضاً للحياة وعبثيتها؟ هل أحكمت دوائر الاغتراب والاستلاب على روحه وجسده فأصبح غريباً عن ذاته وواقعه وأحلامه في عالم تتعدد فيه المفاهيم والرؤى، وتتشابه النصوص وطرائق النسج، ويحتار الإنسان ثقافياً ومعرفياً في البحث عن بوصله توصله للحقيقة؟!

صدر الكتاب عن «بيت الحكمة» بالقاهرة، ويقع في 258 صفحة من القطع التوسط، ويستهله شهريار بمقدمة، يؤكد فيها أن المثقف شخصية إشكالية بطبيعتها، لافتاً إلى أن المثقف العربي بشكل عام، والمصري بشكل خاص، قد مرّ بمراحل فارقة وتحولات حادة في النصف الثاني من القرن العشرين، وبدايات القرن الحادي والعشرين، زادت من همومه وإحساسه بالاغتراب وعدم التآلف مع كل المحيطين به، كما تعمق إحساسه بعدم قدرته على الاندماج مع المجتمع. ثم يناقش دور ومفهوم المثقف، في اللغة والثقافة، وفي أفكار وآراء كثير من الباحثين والمفكرين العرب والأجانب، مثل إدوارد سعيد، وبرهان غليون، ومحمد عابد الجابري، وعلى شريعتي، وغرامشي، ويرى أنهم جميعاً ينطلقون «تقريباً من الربط بين المثقف ودوره، وليس بما يمتلكه من معرفة، ومن ثم فإن المثقف يأخذ جدارته ووجوده من دوره النقدي المناوئ لكل ما هو تقليدي ومستقر». السؤال الذي يطرح نفسه هنا من باب التعليق على هذه الآراء: أَليس امتلاك المعرفة من أهم الأدوار والأسلحة التي تعزز دور المثقف، في مواجهة العسف والقمع والنفي؟! ثم إن المثقف لا يرتقي بأفكار الطبقة التي صعد إليها بحسب غرامشي، أياً كانت هويتها، وإنما يرتقي ويصعد بأفكاره هو، بما يحلم به، وما يريده لواقعه والعالم من حوله أن يكون. الثقافة ليست مرمية على قارعة الطريق، إنما هي علم ومعرفة وبناء، تصعد وترتقي بتراكم الخبرات والتجارب وتعدد زوايا النظر والرؤية.

ومن باب رصد أفعال الشخصية ومدى تفاعلاتها بأفكارها وعواطفها وواقعها سياسياً واجتماعياً، يدلف شهريار إلى صورة المثقف في إبداع علاء الديب، ويرى أن المثقف في أعماله الروائية ينتمي للطبقة المتوسطة بكل شرائحها، التي عصفت بأحلامها تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية عنيفة، شهدها الواقع المصري على مدار نحو نصف قرن، منذ حقبة الخمسينات، مروراً بهزيمة 67، مثل: منير عبد الحميد فكار في رواية «أطفال بلا دموع »، لافتاً إلى أن المثقف في ظل هذه الحقبة الممتدة حتى الثمانينات يظل حاضراً بوعيه وقدرته قادراً على رؤية المجتمع الذي يكتسحه الطوفان، لكنه غير قادر على الفعل، ما يضاعف من إحساسه بالعجز والهزيمة.

المثقف العربي بشكل عام والمصري بشكل خاص، مرّ بمراحل فارقة وتحولات حادة في النصف الثاني من القرن العشرين

يعاين المؤلف ردود فعل هذا العجز، من داخل طبيعة المثقف نفسه ليضعنا أمام أنماط متنوعة من النكوص تؤطر شخصيته، فهناك المثقف المنسحب، مثل: عبد الخالق المسيري بطل رواية «زهرة الليمون »، وهناك «المثقف الخائن» الذي يخون أفكاره وينفر من طبقته، ويتحين الفرصة للحاق بالطبقة الأعلى، وهناك «المثقف المستَلب» الذي يواجه إحساساً بالعجز والاغتراب عن الواقع ما يدفعه إلى الرضوخ والتعايش معه كأمر واقع، فوعيه يظل دائماً مستلباً بقوة اللامبالاة واللاشعور، مثل شخصية الدكتورة سناء فراج بطلة رواية «قمر على المستنقع» فهي تحكي الرواية كمونولوج طويل عن مشاعرها وانكسارها، وإحساسها الممض بالهزيمة. وهناك «المثقف المسخ» الذي يمثله ناصر منير فكار بطل وسارد رواية «عيون البنفسج»، فهو شخصية مشوهة شديدة التناقض، وبرغم كونه شاعراً ومثقفاً لا يستطيع أن يتجاوز تناقضاته، بدءاً من علاقته بزوجته المستَلبة وبالواقع والوطن، وهناك «المثقف المقاوم» الذي يحوّل ضعفه وانهزامه إلى قوة يواجه بها ما حوله من قبح وفوضى وعشوائية، ثم «المثقف المتمرد فردياً»، مثل فتحي بطل رواية «القاهرة»، فهو غير قادر على التواؤم مع ما يحيط به من أوضاع اجتماعية والتعايش معها، فظل في حالة اغتراب تام عن كل المحيطين به. ثم «المثقف المبعد» كما في شخصية أمين الألفي بطل رواية «أيام وردية» المؤمن بعدالة القضية الفلسطينية إلى حد القلق والأرق، وأخيراً «المثقف المهاجر» سواء من هاجر إلى الخليج المتباهي بأمواله والمنشغل بها دائماً، على عكس المهاجر إلى الغرب، الذي يجد نفسه أمام نموذج مجتمع حر، متقدم علمياً وإنسانياً.

ويرصد الكتاب في فصله الثالث علاقة المثقف والجماعة، عبر دوائر عدة، لافتاً إلى أنه لا يمكن فهم المثقف بمعزل عن هذه الدوائر، وفي مقدمتها طبقته، أو جماعة المثقفين التي ينتمي إليها، فهي تؤثر من بعيد أو قريب في موقفه ورؤيته لذاته وللعالم، ويرى أن هذا يتجلى ويتعمق في روايات علاء الديب، سواء في الحدث أو في بناء الشخصيات، وطرائق توظيف المكان والزمان، فالمثقف، في الغالب الأعم، يعاني حالة من عدم التآلف مع الجماعة، ومع الأمكنة والزمن، ثم إن ما يشهده العالم من تحولات يبدو أعنف وأكبر من قدرته على التكيف أو التعايش. ومن ثم يتكشف عبر هذه الروايات الانفصال والقطيعة بين أبطالها المثقفين وكل شخوص الرواية.

لكن هل للمثقف أمكنة تخصّه، وكيف يتم التعامل معها روائياً؟ في الفصل الرابع «أمكنة المثقف» يركز الكتاب على فاعلية المكان في السرد وتحريكه، وتهيئته للشخوص لتلعب أدوارها، بل تولد من رحمه أحياناً، لافتاً إلى أهمية المكان، ليس كخلفية للحدث، إنما كعنصر حكائي قائم بذاته، تربطه وشائج قوية بالزمن الروائي، وبقية العناصر الأخرى المكونة للفعل الروائي.

ويؤكد شهريار على ضرورة دراسة التشكيل الجمالي للمكان في روايات علاء الديب، لفهم شخصية المثقف التي تحتل مكانة مركزية، وكذلك معرفة مدى تناغم هذه الأمكنة مع التكوين النفسي لهذه الشخصية. فالمكان يعتبر تجسيداً مادياً للشخصية التي تسكنه. ويتطرق إلى الطبيعة المادية للأمكنة، وما تتميز به، وتتشابه من خلاله، فهناك المكان المقفل مثل البيت، والمفتوح كالشوارع والميادين، والمكان المؤقت كالمقاهي والبارات، والمكان الملاذ والأثر، والمكان المأمول والمستعاد وغيرها، مؤكداً أن الأماكن في أعمال علاء الديب واقعية، ولها وجود حقيقي عاينه المثقف، ورآه وعاش فيه يوماً ما، لكنها تتجاوز هذا الوجود الفيزيقي، إلى وجود ذهني، وظلت تسكنه أكثر مما يسكنها، فبخلاف بيت الطفولة ثمة أمكنة كثيرة في روايات الديب، يستعيدها أبطالها كذكرى بعيدة تركت آثاراً فيهم، كما تركوا آثارهم فيها، وعادة ما يكون هذا المكان مرتبطاً بالبحر وبالطبيعة، وأيضاً بحبّ قديم لم يزل يعيش عليه البطل. يقول على لسان البطل مستعيداً جماليات المكان والمشهد في رواية «زهرة الليمون»: «الماء أزرق والرمال بيضاء، أقدامه العارية، وأقدامها تتلاقيان في ماء دافئ، وجسدها القوي الحر المليء بالأسرار يبعث فيه نشوة وهدوءاً».


«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ
TT

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

يحيلنا الروائي العراقي خضير فليح الزيدي في روايته الجديدة «عين الهراتي» إلى فضاء سردي مشتبك مع بؤر التاريخ المنسي، من خلال توظيف التاريخ مع حفريات الذاكرة الشعبيّة، ومن منظور وذاكرة تعدّدت فيهما مستويات السرد التي ارتكزت على تعدّد الرواة، ودفق الحكايات، والبؤر الثانويّة التي تنافذت وتضافرت مع الحكاية الإطارية، والمضمون المركزي الذي تصدّى لقصّة بناء سفينة القصب (دجلة) وتهيئتها إلى «الطيران»، ومن ثم تعرّضها للحرق على سواحل جيبوتي عام 1978، وما بين أيام البناء، وتحقيق كل المستلزمات من قبل عالم الأعراق والحضارات القديمة (تور هيرالد) وبمساعدة (الشيخ مسعد)، إلى اشتباكه مع العشائر والعمّال في منطقة القرنة.

تبدأ أحداث الرواية من سعي الشخصية المحورية (أحمد فؤاد فتاح) لنيل شهادة الدكتوراه حول هذه السفينة الفضائية العجائبيّة وكشف أسرارها وعلاقتها بأساليب الإبحار في الحضارات الرافدينية، وما دار حولها من حكايات ومرويّات وشخصيّات، وقد كلّفه أستاذه (أكرم مصطفى الشاوي) أستاذ الحضارات القديمة بقسم الأنثروبولوجيا المستحدث في الجامعة فضلاً، عن وصيّة الأب وتمنيّاته الشخصيّة في البحث عن الآثار والعلوم الإنسانية. وبذلك تبدأ مسيرة الرحلة المضنية والغامضة والعصيّة من قبل طالب الدكتوراه لسبر أغوار التاريخ والحوادث، والتقاط كلّ ما من شأنه أن يعمّق دراسته لنيل الشهادة. واقتضى منه الأمر القيام برحلة شائكة إلى مدينة البصرة للبحث عن شخصية الدكتور (عبد الغني مجيد) الذي يوجد في مقهى بمنطقة العشار: «هذا الرجل كان ظلاًّ لهيرالد وهو الكنز المدفون وعارفاً بأدق الأسرار، والكثير مما خُفي عن السفينة ورحلتها، والرجل كان محكوماً بالإعدام، والغريب في قصته أنّه خرج من السجن بعد سقوط النظام، وقبيل لحظة التنفيذ في أبريل (نيسان) 2003 ينجو من الموت بأعجوبة. ويحاول الدارس إقامة علاقة معه لفكّ أسرار هذه الرحلة» (الرواية: 28).

وقبل الخوض في البؤر والأبعاد والتقنيات والظواهر الفنيّة، يتوجّب التوقف عند دلالة العنوان «عين الهراتي»، وما ينطوي عليه من إشارات ودلالات، فهو عنوان متعدّد الدلالات ومفتوح على التأويل والإحالة، وقد وردت معانٍ مختلفة له في الرواية.

و«الهراتي» هو نوع من الديكة القوية، وثاقبة البصر يتم استخدامها في حلبات الصراع أو النزالات بين الديكة، بمراهنات اشتهرت بها أجواء المقاهي والأماكن الخاصة بهذا النوع الذي يعتمد على المقامرة والرهان، وما يحدث فيها من تنافس على الفوز وربح المال. و(زعبول الهراتي) هو الديك الذي كان يراهن به (سمير القاص) أو (صاحب الهراتي)، وهو مفتاح خزانة الأسرار لأنّه الأقرب إلى شخصيّة (عبد الغني)، ولا يمكن الوصول إليه إلّا من خلاله، فيما الديك الهراتي يمكن أن يرمز إلى فكرة المغامرة أو المقامرة التي قام بها عالم الأعراق النرويجي (تور هيرالد) في أجواء مشحونة وعوالم غائرة بشعبيتها وخرافاتها وأساطيرها، إذ تتفشّى التقاليد العشائرية الحاكمة والخرافة التي تحكم السلوكات والسحر والصراعات الاجتماعية.

وعلى وفق هذه الملامح فإنّ الرواية تمثّل نمطاً من السرد القائم على البحث والتحرّي، وسبر أغوار الألغاز والطلاسم والأسرار، وهي ثيمة شاعت في مثل هذا النوع من الروايات، وأصبحت ثيمة كونيّة كما حصل في رواية «اسم الوردة» لأمبرتو إيكو، والبحث عن أسرار الكهنة والدير والتحقيق في الجرائم التي ارتكبت فيه، ونجدها في رواية «الخيميائي» لكويلو، وعربياً نجدها في «الطريق» لنجيب محفوظ، و«المخاض» لغائب طعمة فرمان، إذ يبحث البطل في هذه الرواية عن أهله وتاريخه بعد ردح من الغربة.

ورواية البحث والتحرّي وكشف الأسرار تحقّق نوعاً من التشويق والإثارة، وتتّخذ من المهمّة طابعاً بوليسياً، وبؤرة للكشف عن المخفي، والمسكوت عنه والمدهش، ممّا ينتج طاقة لجذب استقطاب المتلقّي، وإسهامه ذهنياً في التشبّع، ومتعة الكشف عمّا خُفي من التاريخ. وهذه المعطيات تحمل كثيراً من المحمولات الجمالية والفكريّة والإحالات والإشارات المتعدّدة، أي توظيف الشكل البوليسي وشكل السرد القائم على التحرّي، وجعله فضاءً ومساحة يمرّر بها الكاتب كثيراً ممّا يرمي إليه من أفكار ورؤى، وكشف وإحالات، وبما يعزّز المعنى الكلي للعمل الروائي المؤطّر بهذا الشكل من البناء الفني القادر على التعبير عن التناقضات والثنائيات المتضادة. وذلك ما نجده قد تجلّى في رواية «عين الهراتي» من مفارقة الصدام بين «الخرافة والعلم» في مجتمع القرنة العشائري والشعبي، بين عالم الأعراق «تور هيرالد» وبين الصراع الاجتماعي القائم بين الشخصيّات داخل هذا المجتمع، وانتشار الحسد والسحر والانتقام الغريزي، وبين مهمة السفينة التي تسعى للبرهنة على التواصل بين الحضارات عبر التاريخ، والغوص في تاريخ الحضارات القديمة، وربطها بمنجزات العصر، واختيار علومها ومنجزاتها. ونلحظ من الخصائص الفنية في الرواية، ارتكازها على السرد الذاتي بصيغة ضمير المتكلّم، على لسان الشخصيّة (أحمد فؤاد فتاح) ووصف كلّ تفاصيل رحلة الاستكشاف في مجاهيل وحوادث قديمة وملتبسة.

وبحسب تصنيف «جيرالد جينيت» فإنّ بطل الرواية ينتمي إلى النمط المتماثل حكائياً أي السارد المشارك «الضمني» في أحداث ووقائع الرواية، غير أن لعبة السرد تنقلب فجأة حيث يتحوّل (أحمد فؤاد) إلى مرويّ له، من قبل سارد أو راوٍ جديد هو (سمير القاص) الذي يروي ويسرد الأحداث ويتعمق في سيرة (عبد الغني) وإيداعه في السجن والاعتقال بسبب رسالة وصلته من زوجة (تور هيرالد) تبلّغه بموت الأخير، ممّا جعل السلطات تتهمّه بالتجسس، ويحكم عليه بالإعدام مع (سرحان الماركسي) و(الحاج عبد) الشخصيّة الدينية، وبإشراف الضابط المكلف بالإعدام (عبد المجيد مري).

يجسد (سمير القاص) نمطاً من الحكّاء الماهر المخاتل، وهو رمز للحقيقة المخاتلة وهشاشة المرويات، ويمكن الاستدلال على توصيف السرد داخل الرواية بأنه سرد يرتكز على استلهام تقنيّة النسق الكرنفالي، وذلك لميل الرواية إلى استثمار المفارقة الحادّة والدالة، بدءاً من التناقض بين المجتمع في القرنة، وبين شخصيّة القادم من النرويج، وتصادم البيئتين، والرواية تتعمّق في توليد سلسلة من المفارقات التي تتضمّن البعد الساخر عبر المفارقة، وقد تصل بحمولتها أحياناً إلى الكوميديا أو التهكم المرّ، لا سيما قصّة الحب والعشق بين الفتاة الريفية (غالية) وعشقها للعالم أو صانع السفينة (هيرالد) النرويجي، ومن ثم المرويات المتناقضة حول انتحارها حرقاً، أو أنّها وقعت ضحية «القيل والقال»، والمفارقة أنّ (أحمد فؤاد) يهدي جهده العلمي إلى روح (غالية)، وهي رمز الحقيقة التي يغتالها التناقض، أو يعبث بها الرواة الحّكاءون المهرة، فالإهداء يقول: «إلى روح (غالية) أنثى هذه الأطروحة، البنت التي ظلمها (القيل والقال)، أرفع لروحها الطاهرة أسمى آيات التقدير والتبجيل يوم ضاع دمها بين القبائل المتشاطئة ما بين نهري دجلة والفرات في مدينة القرنة، عند نقطة التقائهما، إذ حدث ما لا يصدّقه العقل، حتّى غدت البنت كبش فداء هذا العالم، لولاها لما توَصّلتُ إلى اكتشافات مهمّة حول سفينة بُنيت من قصب، وأبحرت على نحو من (عفو الخاطر) حتى أصبح للسفينة المعنى الجديد من أصل هذه الدراسة» (الرواية:7).

وتتولد أنساق المفارقة الكرنفالية أيضاً بإطلاق سراح (عبد الغني) من حبل المشنقة والإعدام مع (سرحان الماركسي) و(الحاج عبد)، وتلك هي مفارقة كرنفالية سوداء أخرى، عكست ذروة من الحدث الدرامي بين قرار الإعدام الذي أُلغي بسبب سقوط النظام، والهروب الفوضوي، وهو ما يرويه الضابط (عبد المجيد مرّي) حين اقتاد من تقرّر تنفيذ الإعدام بحقّهم إلى منطقة بعيدة على أطراف الفلّوجة لتنفيذ هذه المهمّة، ولعلّ المفارقة الكرنفالية والسخرية المرّة تكشف عنها «الرسائل» التي كانت السبب في اعتقالهم ومن ثمّ قرار الإعدام بحقّهم، وهذا يحيلنا إلى أنّ الرواية استثمرت ووظّفت جانباً من تقنية أو أسلوب (السرد الرسائلي)، وتجلَّت الرسائل التي أدت إلى الهاوية والإعدام على أنّها محركّات مركزيّة، وبؤرة دراميّة لصنع الحدث الفادح.


حضور نوعي ومبادرات رائدة

جانب من المعرض
جانب من المعرض
TT

حضور نوعي ومبادرات رائدة

جانب من المعرض
جانب من المعرض

عادت العاصمة البريطانية لندن لتكون بوصلة النشر العالمي مع انطلاق دورة عام 2026 من معرض لندن الدولي للكتاب (LBF) في مركز «أولمبيا» العريق. هذا العام، لم يعد المعرض مجرد منصة لبيع وشراء حقوق النشر، بل هو مختبر حي لمناقشة مستقبل الكتاب في عصر الذكاء الاصطناعي، ونافذة تطل منها الثقافات العالمية على بعضها البعض، وهو أيضاً ليس مجرد تجمع للناشرين، بل هو «غرفة عمليات» كبرى تقودها أضخم دور النشر في العالم.

وشهد المعرض هذا العام حضوراً لافتاً لمجموعات مثل (بلومزبري/ Bloomsbury) التي يقودها نايجل نيوتن، وبونيير بوكس، وغيرهما، بالإضافة إلى كبار النشر الأكاديمي والتعليمي مثل ويلي، ومطبعة جامعة برنستون. لا تكتفي هذه المؤسسات بعرض نماذج من إصداراتها فقط، بل تستخدم المعرض كمنصة لإعلان الاندماجات الكبرى، وتوقيع عقود عابرة للقارات، وتحديد «الترند» القادم في عالم القراءة، سواء كان ذلك في أدب الناشئين أو كتب تطوير الذات التي تعتمد على البيانات.

من الورق إلى الخوارزميات

يعمل المعرض كمحرك أساسي لتطوير صناعة الكتاب من خلال مسارات رئيسية هي:

> ثورة الذكاء الاصطناعي والتخصيص، إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للكتابة، بل تحول في دورة 2026 إلى محرك لاكتشاف الكتب. وكالة «بوك ديسكفري»، مثلاً، ناقشت في جلسات المعرض كيف يمكن للخوارزميات مساعدة القراء في العثور على كتبهم المفضلة بعيداً عن تحيزات وإغراءات «الأكثر مبيعاً»، مما يمنح الكتاب المستقلين فرصة أكبر للوصول لقرائهم.

> استدامة سلاسل التوريد: في ظل الأزمات اللوجيستية العالمية والتوترات الإقليمية، ركز المعرض على تقنيات «الطباعة عند الطلب» (POD) والطباعة المحلية لتقليل التلوث الكربوني واحتراق الوقود الناتج عن الشحن الدولي، وهو ما يغير جذرياً نموذج العمل التقليدي الذي يعتمد على المخازن الضخمة.

> سوق الحقوق المتقاطعة (Cross-Format Rights): تطورت صناعة الكتب لتصبح صناعة محتوى، وليست صناعة ورق؛ حيث تم في المعرض التفاوض على تحويل الكتاب إلى بودكاست، أو مسلسل لمنصات البث الرقمي، أو حتى تجربة تفاعلية في «الميتافيرس»، مما يطيل عمر العمل الأدبي ويزيد من عوائده الاقتصادية.

> معايير الوصول العالمية (Accessibility): مع دخول قوانين تداول المطبوعات الأوروبية حيز التنفيذ، تحول المعرض إلى ورشة عمل كبرى لضمان أن تكون الكتب الإلكترونية (EPUB3) والصوتية متاحة للجميع، بما في ذلك لذوي الاحتياجات الخاصة، مما يوسع قاعدة القراء عالمياً.

المشاركة العربية

شهد هذا العام حضوراً عربياً استثنائياً تميز بالانتقال من «العرض» إلى «التفاعل المباشر» مع سوق النشر العالمي، مما يشير أن الأدب العربي لم يعد معزولاً، بل أصبح شريكاً فاعلاً في صياغة مستقبل المعرفة. والنجاح الحقيقي للمشاركة العربية هذا العام يتجسد في تلك الجسور التي بُنيت بين الناشر العربي والوكيل الأدبي العالمي، مما يَعِد بوصول الصناعة الإبداعية العربية إلى أرفف المكتبات في كل مكان.

وشاركت المملكة العربية السعودية بقوة عبر هيئة الأدب والنشر والترجمة. وركز الجناح السعودي على بناء شراكات دولية لترجمة الأدب السعودي إلى لغات العالم.

كما شاركت جهات كبرى مثل مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية ودارة الملك عبد العزيز، مما عكس تنوع المشهد الثقافي السعودي ضمن «رؤية 2030».