عقيل الموسوي: روايتي أنجبت «دارا الزرادشتي» وكان أذكى مني!

الروائي البحريني يقول إنه لا يكتب سيرة ذاتية لكن شيئاً يتسرب منه

الروائي البحريني عقيل الموسوي
الروائي البحريني عقيل الموسوي
TT

عقيل الموسوي: روايتي أنجبت «دارا الزرادشتي» وكان أذكى مني!

الروائي البحريني عقيل الموسوي
الروائي البحريني عقيل الموسوي

وسط العزلة التي فرضها وباء «كورونا»، كتب الروائي البحريني عقيل الموسوي، روايته الثانية «دارا الزرادشتي»، التي استحضر فيها متحف الملل والنحل والثقافات والحضارات التي تكتنزها بلاد فارس، مستلهماً شخصية الزاهد المتصوف «دارا» الذي اتخذ من الترحال والسفر والتنقل عبر الأمكنة وسيلته للاستكشاف، قاطعاً المسافات من أجل التزود بالمعرفة والعلم والإيمان.
رأى الناقد البحريني د. فهد حسين، «أن رواية (دارا الزرادشتي) تؤكد ما يمتلكه الكاتب من موهبة حقيقية في الكتابة الإبداعية من جهة، ورؤيته لهذا الجنس الإبداعي وكيف يوظف الأبعاد المختلفة داخل فضاء العمل، فهو بهذا النص يملك ناصية اللغة، وسبكها وربط جملها بحرية سلسة، وبعفوية من دون تكلف، بل أعتقد أنه كتبها بحب وشغف ورغبة وتفاعل حقيقي من أجل إبراز بعضٍ من تاريخنا الإنساني».
في حين وصفها الناقد جعفر المدحوب، بأنها «رواية من طراز فريد، وصوت مغاير بين أصوات السرد البحريني».
عقيل الموسوي كاتب ومصور فوتوغرافي، ويعمل طبيب أسنان منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وقبل هذه الرواية أصدر روايته البكر «أريامهر نامه»، التي صدرت عن «دار الفارابي».
هنا حوار معه عبر وسائل التواصل، جراء التباعد الذي فرضته جائحة «كوفيد - 19».

> أصدرتَ مؤخراً روايتك الثانية «دارا الزرادشتي»، هي ثاني تجربة بعد روايتك الأولى «أريامهر نامه: سيرة نور الآريين»، كلا الروايتين تحملان عمقاً ثقافياً وفلسفياً ومشبعتان بالتاريخ... ماذا يجمع بين هاتين الروايتين؟
- ما يجمع بين الروايتين هو تفاعلي بعمق مع التاريخ. لا يستطيع أي روائي أن يكون مبدعاً دون أن يكون مستثاراً من موضوع روايته، دون أن ينغمس فيه، ويكون جزءاً منه. وأنا مرتبط بفكرة التاريخ في الرواية، ليس بوصفي أميل لأخلاق هذا الدين أو ذاك، وليس بوصفي متعاطفاً مع أمة ضد أخرى، بل بوصفي روائياً مهتماً لأعرف النفس البشرية، وأتلمس ما يحدث في دواخل الإنسان. ثمة رغبة جامحة عند البشر للحكم على شخصيات التاريخ، إما أخياراً أو أشراراً، وذلك ليس شأني، لا تقدم رواياتي أحكاماً جاهزة، بل تستعرض فهماً مختلفاً للتاريخ وشخصياته.
> أيضا كلا الروايتين تحملان مشاهد باذخة من الحضارة الفارسية. كيف تسنى لك توظيف كل هذه المحتوى والاستفادة منه، رغم تعقيداتها التاريخية والسياسية والقومية؟
- يجب ألا نغفل عن حقيقة أن كل أمة تسعى لتحتكر التاريخ، وكل دين يحتكر الحقيقة. وإذا كنت قد نجحت في تحميل أعمالي «مشاهد باذخة»، فذلك لأن الرواية في شكلها السردي تتبع حال الإنسان وتقلباته أكثر مما تتبع حال الدول، وذلك خلاف ما تفعله في العادة كتب التاريخ أو كتب الدين. ولقد لاحظ تلك الحقيقة الروائية الباحث علي الديري، ونشرها سابقاً: «أن السرد الروائي الذي جاء في رواية (دارا الزرادشتي) أتاح لنا برؤيته المتسعة أن نتحرر من فهم كُتب الملل والنحل».
هناك من قال «إنه زمن الرواية»، وذلك ببساطة لأن الرواية تقول ما يمكن للرواية وحدها أن تقوله. أما التعقيدات السياسية والقومية التي ذكرتها، فهي في الأخير مقص يحمله رقيب غليظ. ولتجنب ذلك المقص، لجأت إلى عدة حيل سردية مثل معظم الروائيين. الكاتب البحريني أحمد خلف رأى أنه يمكن اعتبار رواية «أريامهر نامه» جسراً أدبياً يصل بين الثقافتين العربية والفارسية. وفي رواية «دارا الزرادشتي»، تمكن بعض القراء من أن يلاحظوا إسقاطات الماضي على الحاضر العربي، وعبروا عن ذلك على قنوات التواصل الاجتماعي بجرأة تفوق ما ذهبت إليه الرواية.
> هناك من رأى أن رواية «دارا الزرادشتي» تحمل بعضاً من سيرتك الشخصية. وعلى رأي أمبرتو إيكو، فإن أجزاء من حياة المؤلف تنتقل إلى رواياته بوحي أو في غفلة منه... أين نجد ظل الكاتب في فضاء الرواية؟
- ما تقوله روايتي شيئاً مختلفاً عني، فلست أتحدث في الرواية باسمي، أو باسم أفكاري الخاصة، ولا باسم أحدٍ آخر. أتفق مع الفرنسي فلوبير حين قال إن الروائي هو الشخص الذي يختفي خلف عمله الإبداعي. مع ذلك، شيء لا بد تسرب مني في غفلة مني، ليس من الأنا اليومية لطبيب الأسنان فحسب، ولكن من الأنا العميقة غير الواعية كذلك. أختي الفوتوغرافية، عديلة الموسوي، رأت ظلي في الرواية وكتبت في صحيفة «الأيام» البحرينية أن شغف بطل الرواية «دارا» بالسفر والكتب، مستوحى من حياتي الخاصة، ولعل صيغة المتكلم (أنا)، وليست صيغة الراوي العليم (هو)، أحدثت تماهياً بين شخصيتي كروائي وشخصية البطل. أما الكاتب جعفر المدحوب فقد كتب في مجلة «أوان» الإلكترونية أن شيئاً من سيرة الغربة لوالدي المرحوم، قد تسربت من وعيي الباطن، وظهرت في حياة «دارا». أحب أن أضيف هنا أني اخترت أن يتحدث «دارا» بلسانه، بسبب الطبيعة السيكولوجية للرواية التي اضطرتني إلى تلك الصيغة لسبر أغوار نفس بطلي، واستعراض مونولوجات داخلية. لكن استخدام الصوت السردي (أنا) جعل القراء يتقاسمون الرؤية مع البطل، فوجدوا أنفسهم متماهين مع الأنا التي يقرؤونها كما وكأنهم هم المتلفظون بها.
> كيف أثْرَتْ اللغة الصوفية هذه الرواية؟
- اللغة الصوفية يمكنها أن تمارس سحراً حقيقياً على المسلمين، وهي بالفعل أَثْرَتْ نصي، بعض القراء لاحظوا ذلك، كثير منهم راق لهم ذلك. ثمة قبول جميل للتصوف بين شباب المسلمين اليوم. وينبغي أن أوضح هنا أن تأثر «دارا» بالشعر الصوفي منطقي ومبرر، لأنه زرادشتي أصيل، أول حكمة عرفها كانت شعراً كتبه زرادشت.
لست مؤمناً بالإلهام
> قلت ذات مرة إنك ذهبت لصحراء الربع الخالي تفتش عن التيه والضياع، ولكنك أخفقت فاهتديت للطريق مجدداً... هل هذا ما حدث لـ«دارا الزرادشتي»، حيث الارتحال بين الأديان مثل ممارسة للتيه حتى يتحقق اليقين؟
- ينبغي أن أعترف هنا أني لم أكتب الرواية في نفس واحد، كتبت الجزء الأول الخاص بالزرادشتية، ثم غصت في بطون الكتب، أبحث لبطلي عن طريق مقنعة إلى رحاب الإسلام، ولم يكن في تصوري أن «دارا الزرادشتي» الذي قرأتموه هو الشكل النهائي. كنت أتأمله، وأعيد كتابته باستمرار. كان دارا يتغير، ومنطق الرواية يتضح أكثر، ثمة شخصيات تخرج من النص، وأخرى تدخل، وفهمي للمذاهب يتعمق في معمعة البحث/ الكتابة الدؤوب. لم يسبق دارا كل ذلك، بل ولد أثناء كل ذلك. ليس ثمة إلهام خارق تملكني، ولن أمل من تكرار أني لست مؤمناً بالإلهام في الكتابة. أثناء الكتابة، كنت مثل دارا، عقلي مفتوح على الأديان، أرتحل معه من مذهب إلى آخر، وقناعاته تتبدل، تتغير، لا ضرر في أن نتغير، من الطبيعي أن نتغير، قال دارا في نهاية حياته: «ثلاثة وثمانون عاماً مرت، عمرٌ كان ينبغي أن يغير من هيئة فارس، لكن فارس هي التي غيرتني». وليس ثمة يقين مطلق في نهاية الرواية، لكن هناك يقين نسبي، الكشف الأخير الذي يحرزه الإنسان في نهاية عمره، ويرتاح أن يموت به.
> إلى أي مدى كانت رحلة البحث عن المعنى في مسيرة «دارا» بين زوايا التاريخ والأديان والثقافات تمثل هموم الإنسان الحاضر وتطلعاته نحو الحقيقة؟
- عندما نقول رواية تاريخية فإننا نقصد أنها تتكئ على مادة التاريخ، تقدم للقارئ المعاصر هموم الماضين وتطلعاتهم نحو الحقيقة. كروائي كنت أفكر في آلام بطلي «دارا» الزرادشتي الذي عاش مهمشاً في فارس في القرن الثالث عشر، تقمصت ثقافة الأمة الفارسية برمتها لكي أجعله ينطق، تخيلت سلمان الفارسي يفكر في أمر الإسلام، تخيلت الفلكي البيروني يقرأ بذهول وصف القرآن الكريم للكون، تخيلت الفردوسي يعاني بين إسلامه واعتداده الفارسي، تخيلت عمر الخيام مهرطقاً هائماً في سكراته، تخيلت البسطامي وابن المقفع وابن سينا، جميع هؤلاء حضروا معي وأنا أسعى مع دارا من أجل الحقيقة. لست أدري من فيهم الذي ألهمني عندما قال دارا: «في فارس أتذوق نكهة زرادشت». إنها ليست أفكاري الخاصة، بل حكمة فارس، وفي نصي هي منطق الرواية.
الغريب أني حين رجعت لنصي بعد مدة، كدت لا أصدق أني كتبته، وشعرت أنه أذكي مني، وارتحتُ لأنه أذكى مني، فلا ينبغي أن يكون الروائي أكثر ذكاء من أعماله، حسبما يزعم ميلان كونديرا.
> هل كانت الرواية تشير إلى أن القمع الذي واجهته الجماعة الزرادشتية، كان مجرد مثال لصورة القمع السائد في المجتمعات الشرقية تجاه المختلف. يقول «دارا» حينما وصل إلى شيراز بعد خروجه من يزد وخراسان: «عشت بينهم غريباً، أخفي ديانتي كما لو كانت وباء، أسير في السوق حذراً مثل قط، وسرعان ما أفر إلى غرفة صغيرة استأجرتها في مسافر خانه، أقفلها على أسراري، في الداخل تغيب شيراز، وتشرق أريانا».
- تشير الرواية إلى القمع الديني الذي واجهته جماعات عديدة، لكني لست أكتب بصفتي مدافعاً عن جماعة بعينها، فمعظم الجماعات اضطهدوا الآخرين في عهودهم الذهبية، وأولهم الزرادشتيون. ولست أكتب لأقارن بين الأديان، فأنا لست باحثاً، بل أكتب بصفتي روائي - روائي يبحث فيما يمكن أن يؤول إليه الزرادشتي، فيما هو قادر على التفكير فيه، لهذا كان منطق الرواية هو منطق دارا، والذي يسميه ميلان كونديرا حكمة الرواية، فكان دارا موبذاً في صميم أعماقه، حتى آخر يوم في حياته.
> ألا تجد تبايناً في المعنى، فالنص واضح في التحريض على نقد الثقافة السائدة أسوة بما فعله الفلاسفة والشعراء والعلماء والمثقفون. لكنه يشير في موقع آخر للمصير المأساوي للفلاسفة التنويريين فالحلاج قتلته بغداد، والشيخ السهروردي قتلته حلب، وطردت شيراز الشيخ البلخي.
- الرواية تقدم حقيقة مختلفة عما هو متفق عليه في الثقافة السائدة، ولا شأن لها بالتحريض ضد أحد ولا بالانتصار لأحد، كما قلت سابقاً. ولكن هذا لا يعني أني أملك أن أمنع القراء عن تأويلاتهم الخاصة. وليس فقط الحلاج والسهروردي اللذان قتلتهما الدول الرسمية، رشيد الدين الهمذاني كذلك قتلته السلطنة الإيلخانية، بسبب أصوله اليهودية، وقتلت «دارا» بسبب سابقته في الزرادشتية.
> كيف تناولت الرواية من خلال رحلة «دارا» حياة المهمشين والصراع الأزلي للإنسان نحو العدالة والكرامة؟
- لم يكن مقدراً لبطلي دارا أن يعيش مهمشاً، كان موبذاً، وتأهل ليكون رئيس أو دستور الجماعة الزرادشتية، لكن طلاب الحقيقة مثل دارا لا يختارون إلا حياة المهمشين، فكانت حياته سيرة طويلة من الغربة والخوف والجوع. في يزد، وتناولتها بالألقاب، لدي اهتمام خاص بالألقاب، حمل دارا كثير منها: أوشتادارا، العتال، الغندورا، الدرويش المجذوب، المريد، العطار، السائس، الجاسوس، الأسير. كان العذاب ينتظره في كل مدينة، ولكنه لا يبالي، يلاحق النور والأولياء مستصغراً المخاطر.



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.