عقيل الموسوي: روايتي أنجبت «دارا الزرادشتي» وكان أذكى مني!

الروائي البحريني يقول إنه لا يكتب سيرة ذاتية لكن شيئاً يتسرب منه

الروائي البحريني عقيل الموسوي
الروائي البحريني عقيل الموسوي
TT

عقيل الموسوي: روايتي أنجبت «دارا الزرادشتي» وكان أذكى مني!

الروائي البحريني عقيل الموسوي
الروائي البحريني عقيل الموسوي

وسط العزلة التي فرضها وباء «كورونا»، كتب الروائي البحريني عقيل الموسوي، روايته الثانية «دارا الزرادشتي»، التي استحضر فيها متحف الملل والنحل والثقافات والحضارات التي تكتنزها بلاد فارس، مستلهماً شخصية الزاهد المتصوف «دارا» الذي اتخذ من الترحال والسفر والتنقل عبر الأمكنة وسيلته للاستكشاف، قاطعاً المسافات من أجل التزود بالمعرفة والعلم والإيمان.
رأى الناقد البحريني د. فهد حسين، «أن رواية (دارا الزرادشتي) تؤكد ما يمتلكه الكاتب من موهبة حقيقية في الكتابة الإبداعية من جهة، ورؤيته لهذا الجنس الإبداعي وكيف يوظف الأبعاد المختلفة داخل فضاء العمل، فهو بهذا النص يملك ناصية اللغة، وسبكها وربط جملها بحرية سلسة، وبعفوية من دون تكلف، بل أعتقد أنه كتبها بحب وشغف ورغبة وتفاعل حقيقي من أجل إبراز بعضٍ من تاريخنا الإنساني».
في حين وصفها الناقد جعفر المدحوب، بأنها «رواية من طراز فريد، وصوت مغاير بين أصوات السرد البحريني».
عقيل الموسوي كاتب ومصور فوتوغرافي، ويعمل طبيب أسنان منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وقبل هذه الرواية أصدر روايته البكر «أريامهر نامه»، التي صدرت عن «دار الفارابي».
هنا حوار معه عبر وسائل التواصل، جراء التباعد الذي فرضته جائحة «كوفيد - 19».

> أصدرتَ مؤخراً روايتك الثانية «دارا الزرادشتي»، هي ثاني تجربة بعد روايتك الأولى «أريامهر نامه: سيرة نور الآريين»، كلا الروايتين تحملان عمقاً ثقافياً وفلسفياً ومشبعتان بالتاريخ... ماذا يجمع بين هاتين الروايتين؟
- ما يجمع بين الروايتين هو تفاعلي بعمق مع التاريخ. لا يستطيع أي روائي أن يكون مبدعاً دون أن يكون مستثاراً من موضوع روايته، دون أن ينغمس فيه، ويكون جزءاً منه. وأنا مرتبط بفكرة التاريخ في الرواية، ليس بوصفي أميل لأخلاق هذا الدين أو ذاك، وليس بوصفي متعاطفاً مع أمة ضد أخرى، بل بوصفي روائياً مهتماً لأعرف النفس البشرية، وأتلمس ما يحدث في دواخل الإنسان. ثمة رغبة جامحة عند البشر للحكم على شخصيات التاريخ، إما أخياراً أو أشراراً، وذلك ليس شأني، لا تقدم رواياتي أحكاماً جاهزة، بل تستعرض فهماً مختلفاً للتاريخ وشخصياته.
> أيضا كلا الروايتين تحملان مشاهد باذخة من الحضارة الفارسية. كيف تسنى لك توظيف كل هذه المحتوى والاستفادة منه، رغم تعقيداتها التاريخية والسياسية والقومية؟
- يجب ألا نغفل عن حقيقة أن كل أمة تسعى لتحتكر التاريخ، وكل دين يحتكر الحقيقة. وإذا كنت قد نجحت في تحميل أعمالي «مشاهد باذخة»، فذلك لأن الرواية في شكلها السردي تتبع حال الإنسان وتقلباته أكثر مما تتبع حال الدول، وذلك خلاف ما تفعله في العادة كتب التاريخ أو كتب الدين. ولقد لاحظ تلك الحقيقة الروائية الباحث علي الديري، ونشرها سابقاً: «أن السرد الروائي الذي جاء في رواية (دارا الزرادشتي) أتاح لنا برؤيته المتسعة أن نتحرر من فهم كُتب الملل والنحل».
هناك من قال «إنه زمن الرواية»، وذلك ببساطة لأن الرواية تقول ما يمكن للرواية وحدها أن تقوله. أما التعقيدات السياسية والقومية التي ذكرتها، فهي في الأخير مقص يحمله رقيب غليظ. ولتجنب ذلك المقص، لجأت إلى عدة حيل سردية مثل معظم الروائيين. الكاتب البحريني أحمد خلف رأى أنه يمكن اعتبار رواية «أريامهر نامه» جسراً أدبياً يصل بين الثقافتين العربية والفارسية. وفي رواية «دارا الزرادشتي»، تمكن بعض القراء من أن يلاحظوا إسقاطات الماضي على الحاضر العربي، وعبروا عن ذلك على قنوات التواصل الاجتماعي بجرأة تفوق ما ذهبت إليه الرواية.
> هناك من رأى أن رواية «دارا الزرادشتي» تحمل بعضاً من سيرتك الشخصية. وعلى رأي أمبرتو إيكو، فإن أجزاء من حياة المؤلف تنتقل إلى رواياته بوحي أو في غفلة منه... أين نجد ظل الكاتب في فضاء الرواية؟
- ما تقوله روايتي شيئاً مختلفاً عني، فلست أتحدث في الرواية باسمي، أو باسم أفكاري الخاصة، ولا باسم أحدٍ آخر. أتفق مع الفرنسي فلوبير حين قال إن الروائي هو الشخص الذي يختفي خلف عمله الإبداعي. مع ذلك، شيء لا بد تسرب مني في غفلة مني، ليس من الأنا اليومية لطبيب الأسنان فحسب، ولكن من الأنا العميقة غير الواعية كذلك. أختي الفوتوغرافية، عديلة الموسوي، رأت ظلي في الرواية وكتبت في صحيفة «الأيام» البحرينية أن شغف بطل الرواية «دارا» بالسفر والكتب، مستوحى من حياتي الخاصة، ولعل صيغة المتكلم (أنا)، وليست صيغة الراوي العليم (هو)، أحدثت تماهياً بين شخصيتي كروائي وشخصية البطل. أما الكاتب جعفر المدحوب فقد كتب في مجلة «أوان» الإلكترونية أن شيئاً من سيرة الغربة لوالدي المرحوم، قد تسربت من وعيي الباطن، وظهرت في حياة «دارا». أحب أن أضيف هنا أني اخترت أن يتحدث «دارا» بلسانه، بسبب الطبيعة السيكولوجية للرواية التي اضطرتني إلى تلك الصيغة لسبر أغوار نفس بطلي، واستعراض مونولوجات داخلية. لكن استخدام الصوت السردي (أنا) جعل القراء يتقاسمون الرؤية مع البطل، فوجدوا أنفسهم متماهين مع الأنا التي يقرؤونها كما وكأنهم هم المتلفظون بها.
> كيف أثْرَتْ اللغة الصوفية هذه الرواية؟
- اللغة الصوفية يمكنها أن تمارس سحراً حقيقياً على المسلمين، وهي بالفعل أَثْرَتْ نصي، بعض القراء لاحظوا ذلك، كثير منهم راق لهم ذلك. ثمة قبول جميل للتصوف بين شباب المسلمين اليوم. وينبغي أن أوضح هنا أن تأثر «دارا» بالشعر الصوفي منطقي ومبرر، لأنه زرادشتي أصيل، أول حكمة عرفها كانت شعراً كتبه زرادشت.
لست مؤمناً بالإلهام
> قلت ذات مرة إنك ذهبت لصحراء الربع الخالي تفتش عن التيه والضياع، ولكنك أخفقت فاهتديت للطريق مجدداً... هل هذا ما حدث لـ«دارا الزرادشتي»، حيث الارتحال بين الأديان مثل ممارسة للتيه حتى يتحقق اليقين؟
- ينبغي أن أعترف هنا أني لم أكتب الرواية في نفس واحد، كتبت الجزء الأول الخاص بالزرادشتية، ثم غصت في بطون الكتب، أبحث لبطلي عن طريق مقنعة إلى رحاب الإسلام، ولم يكن في تصوري أن «دارا الزرادشتي» الذي قرأتموه هو الشكل النهائي. كنت أتأمله، وأعيد كتابته باستمرار. كان دارا يتغير، ومنطق الرواية يتضح أكثر، ثمة شخصيات تخرج من النص، وأخرى تدخل، وفهمي للمذاهب يتعمق في معمعة البحث/ الكتابة الدؤوب. لم يسبق دارا كل ذلك، بل ولد أثناء كل ذلك. ليس ثمة إلهام خارق تملكني، ولن أمل من تكرار أني لست مؤمناً بالإلهام في الكتابة. أثناء الكتابة، كنت مثل دارا، عقلي مفتوح على الأديان، أرتحل معه من مذهب إلى آخر، وقناعاته تتبدل، تتغير، لا ضرر في أن نتغير، من الطبيعي أن نتغير، قال دارا في نهاية حياته: «ثلاثة وثمانون عاماً مرت، عمرٌ كان ينبغي أن يغير من هيئة فارس، لكن فارس هي التي غيرتني». وليس ثمة يقين مطلق في نهاية الرواية، لكن هناك يقين نسبي، الكشف الأخير الذي يحرزه الإنسان في نهاية عمره، ويرتاح أن يموت به.
> إلى أي مدى كانت رحلة البحث عن المعنى في مسيرة «دارا» بين زوايا التاريخ والأديان والثقافات تمثل هموم الإنسان الحاضر وتطلعاته نحو الحقيقة؟
- عندما نقول رواية تاريخية فإننا نقصد أنها تتكئ على مادة التاريخ، تقدم للقارئ المعاصر هموم الماضين وتطلعاتهم نحو الحقيقة. كروائي كنت أفكر في آلام بطلي «دارا» الزرادشتي الذي عاش مهمشاً في فارس في القرن الثالث عشر، تقمصت ثقافة الأمة الفارسية برمتها لكي أجعله ينطق، تخيلت سلمان الفارسي يفكر في أمر الإسلام، تخيلت الفلكي البيروني يقرأ بذهول وصف القرآن الكريم للكون، تخيلت الفردوسي يعاني بين إسلامه واعتداده الفارسي، تخيلت عمر الخيام مهرطقاً هائماً في سكراته، تخيلت البسطامي وابن المقفع وابن سينا، جميع هؤلاء حضروا معي وأنا أسعى مع دارا من أجل الحقيقة. لست أدري من فيهم الذي ألهمني عندما قال دارا: «في فارس أتذوق نكهة زرادشت». إنها ليست أفكاري الخاصة، بل حكمة فارس، وفي نصي هي منطق الرواية.
الغريب أني حين رجعت لنصي بعد مدة، كدت لا أصدق أني كتبته، وشعرت أنه أذكي مني، وارتحتُ لأنه أذكى مني، فلا ينبغي أن يكون الروائي أكثر ذكاء من أعماله، حسبما يزعم ميلان كونديرا.
> هل كانت الرواية تشير إلى أن القمع الذي واجهته الجماعة الزرادشتية، كان مجرد مثال لصورة القمع السائد في المجتمعات الشرقية تجاه المختلف. يقول «دارا» حينما وصل إلى شيراز بعد خروجه من يزد وخراسان: «عشت بينهم غريباً، أخفي ديانتي كما لو كانت وباء، أسير في السوق حذراً مثل قط، وسرعان ما أفر إلى غرفة صغيرة استأجرتها في مسافر خانه، أقفلها على أسراري، في الداخل تغيب شيراز، وتشرق أريانا».
- تشير الرواية إلى القمع الديني الذي واجهته جماعات عديدة، لكني لست أكتب بصفتي مدافعاً عن جماعة بعينها، فمعظم الجماعات اضطهدوا الآخرين في عهودهم الذهبية، وأولهم الزرادشتيون. ولست أكتب لأقارن بين الأديان، فأنا لست باحثاً، بل أكتب بصفتي روائي - روائي يبحث فيما يمكن أن يؤول إليه الزرادشتي، فيما هو قادر على التفكير فيه، لهذا كان منطق الرواية هو منطق دارا، والذي يسميه ميلان كونديرا حكمة الرواية، فكان دارا موبذاً في صميم أعماقه، حتى آخر يوم في حياته.
> ألا تجد تبايناً في المعنى، فالنص واضح في التحريض على نقد الثقافة السائدة أسوة بما فعله الفلاسفة والشعراء والعلماء والمثقفون. لكنه يشير في موقع آخر للمصير المأساوي للفلاسفة التنويريين فالحلاج قتلته بغداد، والشيخ السهروردي قتلته حلب، وطردت شيراز الشيخ البلخي.
- الرواية تقدم حقيقة مختلفة عما هو متفق عليه في الثقافة السائدة، ولا شأن لها بالتحريض ضد أحد ولا بالانتصار لأحد، كما قلت سابقاً. ولكن هذا لا يعني أني أملك أن أمنع القراء عن تأويلاتهم الخاصة. وليس فقط الحلاج والسهروردي اللذان قتلتهما الدول الرسمية، رشيد الدين الهمذاني كذلك قتلته السلطنة الإيلخانية، بسبب أصوله اليهودية، وقتلت «دارا» بسبب سابقته في الزرادشتية.
> كيف تناولت الرواية من خلال رحلة «دارا» حياة المهمشين والصراع الأزلي للإنسان نحو العدالة والكرامة؟
- لم يكن مقدراً لبطلي دارا أن يعيش مهمشاً، كان موبذاً، وتأهل ليكون رئيس أو دستور الجماعة الزرادشتية، لكن طلاب الحقيقة مثل دارا لا يختارون إلا حياة المهمشين، فكانت حياته سيرة طويلة من الغربة والخوف والجوع. في يزد، وتناولتها بالألقاب، لدي اهتمام خاص بالألقاب، حمل دارا كثير منها: أوشتادارا، العتال، الغندورا، الدرويش المجذوب، المريد، العطار، السائس، الجاسوس، الأسير. كان العذاب ينتظره في كل مدينة، ولكنه لا يبالي، يلاحق النور والأولياء مستصغراً المخاطر.



«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.


محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended