«كورونا» يتراجع في مدن الهند... ويتسع في أريافها

الخوف من الفحوص واللقاح يعرقل مكافحة الوباء

طبيبة وفريقها يتّجهون نحو قرية في كشمير الهندية ضمن حملة تطعيم أمس (إ.ب.أ)
طبيبة وفريقها يتّجهون نحو قرية في كشمير الهندية ضمن حملة تطعيم أمس (إ.ب.أ)
TT

«كورونا» يتراجع في مدن الهند... ويتسع في أريافها

طبيبة وفريقها يتّجهون نحو قرية في كشمير الهندية ضمن حملة تطعيم أمس (إ.ب.أ)
طبيبة وفريقها يتّجهون نحو قرية في كشمير الهندية ضمن حملة تطعيم أمس (إ.ب.أ)

في موازاة تراجع أعداد الإصابات بفيروس «كورونا» في مدن الهند، يجتاح الوباء الأرياف النائية الشاسعة التي تعاني من الفقر. ولكن في هذه المناطق، يسيطر الجهل والخوف، وفق تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية.
تقول عاملة الصحة نيلام كوماري إن أفراد الأسر يسارعون للمغادرة من الأبواب الخلفية عندما تصل إلى منازلهم، وذلك خشية من أن تكون ترغب في تلقيحهم ضد «كوفيد – 19». وقالت كوماري من بلدة داتراث في ولاية هاريانا لوكالة الصحافة الفرنسية: «العديد من الناس في قريتي لا يريدون أخذ اللقاح. يخشون الموت إذا تلقّحوا».
وأضافت: «أحد القرويين غضب حتى ضرب عامل (صحة) كان يحاول إقناعه بتلقي اللقاح».
وقد تلقى 15 في المائة فقط من سكان المناطق الريفية، جرعة واحدة من اللقاح مقارنة بـ30 في المائة في البلدات والمدن، علماً بأن ثلثي حالات الإصابة سُجلت في الأرياف، بحسب تحليل لصحيفة «ذا هندو» اليومية. وتنتشر الشائعات على الإنترنت وعلى تطبيقات المراسلة مثل واتساب. وأدت مخاوف من أن شبكة الجيل الخامس للاتصالات تتسبب بـ«كوفيد – 19» إلى مهاجمة أبراج للهواتف النقالة في هاريانا.
بدوره، قال شويب علي، الطبيب في قرية مياغانج بولاية أوتار براديش، إن «الناس لا يأتون لإجراء فحوص لأنهم يعتقدون أن الحكومة ستعلن إصابتهم بكوفيد، حتى وإن كانوا غير مصابين». ويهيمن هذا الخوف رغم مشاهد الجثث الملقاة في الأنهار ومئات القبور الضحلة، ما يشير إلى استمرار تفشي الجائحة في المناطق النائية بالهند، حيث يقيم 70 في المائة من عدد السكان البالغ 1.3 مليار نسمة. في قرية نوران كيرا بولاية هاريانا، يتردّد السكان في تلقي اللقاح رغم قولهم إن العديد من أفراد العائلات أصيبوا بالحمى وعشرات الناس يموتون. وقال القروي راجيش كومار، البالغ 45 عاماً: «حتى بعد فتح مركز تطعيم هنا لا أحد مستعد لتلقيه». وأضاف: «لن أتلقى اللقاح لأنه يتسبب بآثار جانبية عدة». في ولايات أخرى، وردت أنباء عن أشخاص قفزوا في الأنهر أو فروا إلى الغابات هرباً من طواقم الصحة المتنقلة. وقالت هوم كوماري عاملة في مجال الصحة في قرية باتو جمالبور بولاية أوتار براديش، إنه كان من المستحيل إقناع بعض الأهالي. وتساءلت: «كيف نرد على شخص يقول: إذا كان قدري أن أعيش فسأعيش حتى من دون اللقاح؟». يضاف إلى ذلك أن المرافق الصحية قليلة وبعيدة، ويعتقد بعض الناس أن الذهاب إلى مستشفى عام أكثر خطراً من عدم الذهاب إليه. وقالت قروية أخرى، تُدعى كولديب في نوران كيرا: «الناس الذين ذهبوا إلى المستشفى لم يعودوا قط».
وروى القروي راجيش كومار أنه عندما مرضت زوجته، طلبت عيادة خاصة مبلغ 50 ألف روبية (700 دولار) مسبقاً لعلاجها. وطلب طبيب في مستشفى عام إعادتها إلى المنزل. وقال: «بدأ الجيران يقولون إنها مصابة بكورونا. كانوا خائفين»، مضيفاً: «اعتنيت بها وفي اليوم الثالث استعادت عافيتها».
سدد الوباء ضربة قاصمة للاقتصاد الهندي، ولفت خبير الصحة راجيب داسغوبتا إلى أن كثيراً ما يخشى القرويون عدم تمكنهم من توفير لقمة عيشهم. وقال داسغوبتا لوكالة الصحافة الفرنسية: «من الصعب جداً إقناعهم بأهمية اللقاح في تخفيف بعض هذه الظروف الصعبة».
يقول الخبراء إن الهند بحاجة لتطبيق الدرس الذي تعلمته من حملة التلقيح ضد شلل الأطفال في العقد الأول من الألفية للأطفال دون الخمس سنوات. وقد نجح البرنامج بفضل تدخل القادة المحليين في نشر رسالة أن التلقيح آمن.
وبأسلوب مشابه دُعي القادة الدينيون في أوتار براديش، مؤخراً، لتشجيع أتباعهم على أخذ لقاح كورونا. وقال المشرف على جهود التلقيح في منطقة جيند بولاية هاريانا نافنيت سينغ، إن التواصل المباشر أسهم في حصول قرابة 70 في المائة من الأشخاص فوق 45 عاماً في كالوا والقرى المجاورة، على جرعة واحدة على الأقل من اللقاح.
وأكدت عاملة الصحة في كالوا شيلا ديفي أن «قلبها كان يطرق بسرعة» عندما وضع اسمها على لائحة التلقيح، لكنها اطمأنت عندما رأت الطبيب المحلي يتلقى الحقنة. وقالت السيدة البالغة 45 عاماً: «اقتنعوا تدريجياً بأنهم حتى وإن أصيبوا بكورونا بعد أخذ اللقاح، لن يحتاجوا إلى علاج في المستشفى. يمكنهم تناول أدوية والتعافي في المنزل».


مقالات ذات صلة

أعاد مشاهد العزل والقلق للأذهان... هل علينا القلق من فيروس «هانتا»؟

صحتك إجلاء مرضى من السفينة السياحية "إم في هوندوس" إلى سيارة إسعاف في ميناء برايا بالرأس الأخضر - الأربعاء 6 مايو 2026 (أ.ب) p-circle

أعاد مشاهد العزل والقلق للأذهان... هل علينا القلق من فيروس «هانتا»؟

في وقت لم يتعافَ فيه العالم بالكامل من آثار جائحة "كورونا"، عاد القلق العالمي مجدداً مع تفشي فيروس "هانتا" على متن السفينة السياحية "إم في هونديوس".

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم حافلة تقل رعايا بريطانيين أُعيدوا من سفينة الرحلات «إم في هونديوس» لدى وصولها إلى مستشفى آرو بارك في بريطانيا الأحد (رويترز) p-circle

إجلاء 94 راكباً من «سفينة هانتا»... وثبوت إصابة أميركي وفرنسية بالفيروس

أُجلي، أمس (الأحد)، نحو مائة من ركاب وأفراد طاقم إم في هونديوس التي رُصدت عليها إصابات بفيروس «هانتا»، على أن تستكمل عمليات الإجلاء اليوم.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
آسيا جانب من حفل تأبيني للجنود المقتولين أُقيم في متحف المآثر القتالية التابع لقيادة العمليات العسكرية الخارجية في بيونغ يانغ (أ.ف.ب)

تقرير: الإعدامات تضاعفت في كوريا الشمالية خلال زمن «كوفيد»

أظهر تقرير نشرته «مجموعة العمل من أجل العدالة الانتقالية» الحقوقية أن كوريا الشمالية زادت تنفيذ أحكام الإعدام في زمن انتشار وباء «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (سيول)
صحتك فيروسات «كورونا» التي تحملها الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر (رويترز)

دراسة: فيروسات «كورونا» في الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر

كشفت دراسة حديثة أن فيروسات «كورونا» التي تحملها الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر حيث أصبحت قادرة على إصابة الخلايا البشرية عبر أكثر من مسار.

«الشرق الأوسط» (نيروبي)
صحتك صورة توضيحية لفيروس «كوفيد - 19» (أرشيفية - رويترز)

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

عقار فلوفوكسامين المضاد للاكتئاب، وهو عقار شائع الاستخدام وغير مكلف، حسن على نحو ملحوظ نوعية الحياة لدى البالغين المصابين «بكوفيد طويل الأمد».

«الشرق الأوسط» (لندن)

أرمينيا تجري انتخابات برلمانية حاسمة الأحد

رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان يعزف على «الدرامز» خلال تجمع انتخابي لحزب «العقد المدني» في العاصمة يريفان (أ.ف.ب)
رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان يعزف على «الدرامز» خلال تجمع انتخابي لحزب «العقد المدني» في العاصمة يريفان (أ.ف.ب)
TT

أرمينيا تجري انتخابات برلمانية حاسمة الأحد

رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان يعزف على «الدرامز» خلال تجمع انتخابي لحزب «العقد المدني» في العاصمة يريفان (أ.ف.ب)
رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان يعزف على «الدرامز» خلال تجمع انتخابي لحزب «العقد المدني» في العاصمة يريفان (أ.ف.ب)

تشهد أرمينيا غداً (الأحد) انتخابات برلمانية، ستكون بمثابة تصويت بشأن مستقبلها الجيوسياسي، حيث يسعى رئيس الوزراء الحالي نيكول باشينيان، إلى توثيق العلاقات مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على الرغم من علاقات بلاده الطويلة مع روسيا التي دافع عنها منتقدوه.

ويتوقع كثير من المحللين احتفاظ حزب «العقد المدني» بزعامة باشينيان، بالسيطرة على البرلمان، لكن مع خوض كثير من أحزاب المعارضة الانتخابات اعتماداً على برامج مؤيدة لروسيا، فقد تم تسليط الضوء على مكانة أرمينيا الواقعة في منطقة القوقاز على الساحة الدولية.

مؤيدون لرئيس الوزراء نيكول باشينيان في ساحة الجمهورية بالعاصمة يريفان (أ.ب)

وفي الأشهر التي سبقت الانتخابات، حذر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ومسؤولون روس آخرون، أرمينيا، من أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، يمكن أن يأتي على حساب ضرر اقتصادي واسع بعرقلة العلاقات التجارية الأرمينية مع موسكو وحلفائها.

وقال ميكائيل زوليان، وهو محلل وعضو سابق في البرلمان الأرميني لوكالة «أسوشييتد برس» من يريفان: «هذه هي أول انتخابات في تاريخ أرمينيا يصبح فيها التوجه الجيوسياسي قضية حاسمة».

وتحادث بوتين وباشينيان هاتفياً قبل أيام، واتفقا على عقد اجتماع مباشر في المستقبل القريب لحل الخلافات القائمة.


مقتل غواص بهجوم قرش قبالة سواحل غرب أستراليا

رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)
رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)
TT

مقتل غواص بهجوم قرش قبالة سواحل غرب أستراليا

رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)
رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)

قُتل غواص إثر تعرضه لهجوم من سمكة قرش قبالة سواحل غرب أستراليا السبت، وفق ما أعلنته الشرطة المحلية، في رابع حادث من نوعه يسفر عن قتلى في البلاد هذا العام.

وأفادت أجهزة الإسعاف وحكومة غرب أستراليا بأنّ الرجل الثلاثيني تعرّض لهجوم من سمكة قرش طولها 4 أمتار ونصف متر قبالة جزيرة مايكلماس جنوب شرقي مدينة بيرث.

وأوضحت الجهتان أنّ الهجوم وقع نحو الساعة 11:25 بالتوقيت المحلي (03:25 بتوقيت غرينيتش).

وقالت الشرطة إن الرجل كان يمارس صيد الأسماك بالرمح عندما هاجمه القرش. ونُقل إلى الشاطئ حيث «لم يتمكن المسعفون من إنقاذ حياته».

وحضت وزارة الصناعات الأولية والتنمية الإقليمية في الولاية، السكان، على توخي الحذر الشديد في المنطقة ومتابعة بلاغات رصد أسماك القرش.

ويأتي هذا الهجوم بعد أسبوعين فقط من مقتل رجل آخر بهجوم من سمكة قرش في شمال ولاية كوينزلاند.

ويرى علماء أستراليون أن ازدياد الأنشطة في المياه وارتفاع درجة حرارة المحيطات يُغيّران أنماط هجرة أسماك القرش، مما قد يُسهم في ارتفاع عدد الهجمات، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».


العالم يبحث عن «نظامه» الجديد في ظل الثورة الصناعية الرابعة

من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العاليمة الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)
من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العاليمة الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العالم يبحث عن «نظامه» الجديد في ظل الثورة الصناعية الرابعة

من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العاليمة الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)
من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العاليمة الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)

لا يبدو أن العالم منشغل اليوم بمسألة أكثر إلحاحاً من مسألة النظام العالمي الجديد. وهذا ما تعكسه عناوين المؤتمرات الدولية المتخصصة؛ ومنها المؤتمر السنوي للجغرافيا السياسية والشؤون الدولية الذي يُعقد في كيوتو اليابانية تحت عنوان «عصر القلق: التبعية والاستقلال الذاتي والغموض الاستراتيجي» من 18 سبتمبر (أيلول) المقبل إلى 20 منه.

وانطلق المؤتمر عام 2020، وحملت دورة العام الماضي عنوان «إعادة التفكير في النظام العالمي». ويبدو المؤتمر المقبل الذي يُعقد في حرم جامعة ريوكوكو استكمالاً لسابقه، وسيكون بين محاور البحث: الغموض الاستراتيجي، والتحالفات المتغيرة، والتعددية القطبية، إلى جانب الأعراف السياسية، والقانون الدولي، وديناميكيات الدبلوماسية.

* النظام العالمي

يندرج كل ما سبق تحت «قبة» ما يُصطلح على تسميته النظام العالمي الذي قد يختلف تعريفه بين جهة وأخرى، وفقاً للرؤى والمصالح. إلا أنه يحضر كلما تحدثنا عن طبيعة العلاقات بين الدول وغيرها من الفاعلين الدوليين (منظمات، وشركات، ومؤسسات...) في الساحة العالمية.

ويجب، هنا، أن نفرق بين النظام العالمي والنظام الدولي؛ فالثاني يعني العلاقات بين الدول والحكومات حصراً. لذا يمكن وصف المصطلح الأول بأنه مفهوم فضفاض، يتناول توزيع القوة بين الأمم في كل زمن ومحطة. ومن يدرك ديناميكيات هذا المفهوم يستطيع أن يفهم أسباب هيمنة بعض الدول على القرارات العالمية، وأسباب تشكل التحالفات وتفككها، ولماذا لا تتوقف خريطة العالم عن التبدل.

الذكاء الاصطناعي في صلب النظام العالمي الجديد (رويترز)

الواضح أن النظام العالمي يعرف تحوّلات كبيرة منذ العقد الأخير من القرن العشرين، فما كان قائماً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية هو انقسام رأسمالي - اشتراكي، أو غربي - شرقي، سبّب حرباً باردة انتهت مع تفكك الاتحاد السوفياتي وانهيار الأنظمة الدائرة في فلكه. وأدّت الأمم المتحدة في ظل ذلك النظام العالمي دور الإطفائي، وإن بفاعلية محدودة. أما اليوم فنرى أن النظام العالمي يتبدّل بسرعة، ويمكن رصد ملامحه مما يقال في المنتديات الكبرى وعلى ألسنة بعض القادة والمسؤولين.

وفي خضم النقاش الواسع حول شكل النظام العالمي المقبل، تبرز مقاربتان متعارضتان إلى حد بعيد.

* الثورة الصناعية الرابعة

يرسم الألماني كلاوس شواب، مؤسس «منتدى دافوس» الاقتصادي، صورة طموحة ومثيرة للجدل للعالم، ولكن يجب التوقف عندها نظراً إلى مكانة الرجل وعلاقاته المتشعبة وتأثيره في دوائر صانعي القرار العالمي. ويمكن تلخيص هذه الرؤية على النحو الآتي:

تقوم رؤية كلاوس شواب للنظام العالمي الجديد على إعادة هيكلة شاملة للاقتصاد والسياسة والمجتمع، والانتقال إلى ما يسميه «العصر الذكي». وهو يرى أن العالم يمر بمنعطف تاريخي يتطلب تجاوز الرأسمالية التقليدية القائمة على الربح المحض، وتبني «رأسمالية أصحاب المصلحة»، حيث تلتزم الشركات بخدمة المجتمع، والموظفين، وحماية البيئة...، بالتوازي مع تحقيق الأرباح.

وتعتمد هذه الرؤية بشكل جذري على تقنيات الثورة الصناعية الرابعة؛ مثل الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، وإنترنت الأشياء. ولا ينظر شواب إلى هذه التكنولوجيات بوصفها أدوات تكميلية؛ بل «شركاء أساسيون» يعيدون تشكيل ملامح الحضارة الإنسانية. ومن خلال دعوته الشهيرة «لإعادة الضبط الكبرى»، يطالب بتعزيز التعاون الوثيق بين القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني، بوصف ذلك آلية وحيدة لمواجهة الأزمات العابرة للحدود كالتغير المناخي والأوبئة.

كلاوس شواب في منتدى دافوس... نظام الثورة الصناعية الرابعة (رويترز)

في المقابل، يواجه هذا المنظور انتقادات حادة وهواجس واسعة. ويرى معارضوه أن التركيز المفرط على دمج التكنولوجيا بحوكمة البيانات يمهد الطريق لنظام رقابة عالمي صارم تقوده النخب الاقتصادية. وتثير أفكاره حول الهويات الرقمية والتحكم في البيانات مخاوف حقيقية تتعلق بانتهاك الخصوصية وتقويض الحريات الفردية، مما جعل رؤيته محوراً لجدل عميق بين من يراها خطة لإنقاذ المستقبل، ومن يعتقد أنها محاولة لفرض وصاية عالمية.

*دونالد ترمب وعالمه

يقول باحثون في «معهد بروكينغز» (واشنطن) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يرى أن فكرة «النظام العالمي» بحد ذاتها ليست سوى «تجريد مثالي منفصل عن الواقع». ولا يتمثل مشروعه في السياسة الخارجية في إعادة تشكيل البنية العالمية؛ بل في تثبيت واقع أن الولايات المتحدة يجب ألا تكون مقيّدة في ممارستها لقوتها الاقتصادية والعسكرية، انطلاقاً من أن هذا هو ما تقتضيه النظرة «الواقعية والصريحة» إلى السياسة الدولية.

أما النظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، والذي تعدّه إدارة ترمب وهماً نظرياً فارغاً، فقد وُلد عقب حربين عالميتين أودتا بعشرات الملايين. وكان الهدف من هذا النظام منع تكرار المآسي والدمار.

ولتحقيق ذلك، جرى الاتفاق على الحدّ من استخدام الأدوات الاقتصادية؛ مثل الرسوم الجمركية، التي تحقق مكاسب لدولة ما عبر الإضرار بدول أخرى. كما ثُبّت مبدأ عدم السماح للدول القوية عسكرياً بالاعتقاد بأنها تستطيع مهاجمة الدول الأضعف من دون خوف أو تردد. وتُرجمت هذه المبادئ عملياً من خلال ترتيبات التجارة الحرة، والعضوية الواسعة في الأمم المتحدة، والتحالفات الدفاعية العسكرية مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وخلال الفترة الممتدة بين عامي 1945 و2024، كانت الولايات المتحدة من أبرز المدافعين عن هذه المبادئ، وإن بدرجات متفاوتة وبصورة لم تخلُ من النواقص والتناقضات. أما اليوم، فإن ترمب يهاجم هذه الأسس عبر العقوبات التجارية، وتقليل أهمية تحالفات الولايات المتحدة، وتكرار التهديد باللجوء إلى العمل العسكري.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ذو رؤية لا تؤمن بنظام ما بعد الحرب العالمية الثانية (إ.ب.أ)

وتنطلق رؤيته للنظام العالمي من مبدأ «أميركا أولاً»، وتعارض بشكل مباشر العولمة والمؤسسات متعددة الأطراف، مفضلة العلاقات الثنائية والسيادة الوطنية الكاملة.

*التعارض والبحث عن الطريق

يمثل التعارض بين دونالد ترمب وكلاوس شواب صراعاً فكرياً بين القومية الحمائية والعولمة المؤسسية. وتنطلق رؤية ترمب من السيادة الوطنية والحدود، وعقد الصفقات الثنائية المباشرة من دولة لدولة بدلاً من الانصياع للمنظمات الدولية. واقتصادياً، يتبنى الرئيس الجمهوري نهجاً يعتمد على الحمائية والتنافس الجيوسياسي الشرس، مؤمناً بأن التكنولوجيا أداة لفرض النفوذ والتفوق.

في المقابل، يمثل شواب الوجه الآخر لـ«العملة» بدعوته إلى «إعادة الضبط الكبرى». ويرى أن التحديات الراهنة تتطلب حوكمة عالمية عابرة للحدود، تذوب فيها السيادات الفردية لمصلحة تعاون وثيق بين الحكومات والشركات العملاقة والمجتمع المدني. ويسعى من خلال «رأسمالية أصحاب المصلحة»، إلى بناء اقتصاد عالمي مترابط ومفتوح، تقوده النخب الذكية عبر دمج تقنيات الثورة الصناعية الرابعة في عمق المجتمعات البشرية.

وبتعبير آخر، يرى ترمب العالم ساحة صراع وتنافس تجاري بين دول مستقلة تبحث عن مصالحها الذاتية، فيما يراه شواب شبكة موحدة لا بدّ من إدارتها مركزياً بالاعتماد على أنظمة ذكية متكاملة.

ولا شك في أن هذا التناقض الجذري، الذي يتجاوز الرجلين إلى رؤيتين متعارضتين للعالم، يضع صانعي القرار أمام خيارين: إما الانكفاء نحو الهوية والقومية الاقتصادية، أو الانخراط في عولمة رقمية شاملة.

النفط الفنزويلي كان هدفاً للسياسة الأميركية المستجدة (رويترز)

وليس عصياً على الاستنتاج أن الخيار الأول قد يؤدي إلى زيادة التوترات والصراعات، فيما يثير الخيار الثاني مخاوف تتعلق بخصوصية الإنسان وفرادة المجتمعات.

وغنيُّ عن القول أن هناك مقاربات أخرى لهذه المسألة؛ فالاتحاد الأوروبي متمسك بدور المنظمة الأممية بكل فروعها، ويلتقي في الدعوة إلى تعدد الأقطاب مع الصين التي ترى أن العدالة الاقتصادية غائبة، وأن دول الجنوب تحتاج إلى تنمية شاملة.

وفي النهاية ينبغي القول إن العالم يحتاج إلى نظام عالمي يوازن بين التعاون الدولي وسيادة الدول. وفي ظل الضغوط غير المسبوقة التي يواجهها النظام التقليدي القائم على القواعد والأعراف بقيادة الولايات المتحدة، فإن بناء مستقبل مستدام يتطلب نموذجاً تعددياً يرتكز على التعاون ومساندة القويّ للضعيف والغنيّ للفقير، في عالم يزداد ترابطاً وتعقيداً.